التحرير حزب سياسي إسلامي عالمي أَُسِّسَ عام 1953 بقيادة مؤسسِه تقيّ الدين النبهاني، العالم والمفكّر السياسي والقاضي في محكمةِ الاستئناف في القدس. أما الأمير الحالي للحزب فهو عطا أبو الرشتا.
يَعْملُ حزب التحرير على كل مستويات المجتمعِ لإعادة الإسلامِ كطريقة عيش في الحياة بواسطة إعادة إقامة الخلافة في العالم الإسلامي، من خلال اتباع طريقة النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم في عَمله لتأسيس الدولة الإسلاميةِ الأولى في المدينة، مستخدماً الوسائل السياسية والفكرية فحسب، دون استعمال الوسائل المادية (أي العنفِ)، وذلك لكسب الرأي العام لصالح الإسلامِ، ومحاولة كسب تأييد النُخَبِ السياسيةِ والفكرية في نفس الوقتِ.
ينشر الحزبُ الأفكارَ الإسلاميةَ في المجتمعاتِ الإسلامية متحدياً بذلك الوضع الراهن، فيقدم الإسلام كطريقة عيش شاملة قادرة على إدارة شؤونِ الدولة والمجتمعِ؛ ويعبر عن وجهة نظره في الأحداثِ السياسيةِ الجارية، ويحلّلها من منظورِ إسلاميِ. يقوم بكل ذلك بواسطة النقاش ِوالحوار وحلقات الدراسة والمحاضرات والندوات وتوزيعِ النشرات ونشر الكُتُبِ والمجلاتِ، والتواصل من خلال استعمال الانترنت، كما يشجع الناس على حضور المسيرات والتجمعات والاعتصام التي ينظمها.
وفي الغرب، يعمل حزب التحرير في تثقيف الجاليات الإسلامية كي تَعِيش حسب الإسلامِ قولاً وعملاً، وتلتزم بأحكام الإسلام وتحافظ على هوية إسلامية قوية. كما يعمل الحزبُ على عرض صورة صادقة عن الإسلام إلى المجتمعِ في الغرب، ويشارك كثيراً في حوار مَع المفكّرين وصنّاع السياسة والأكاديميين في الغرب.
حاولت الحكومات الغربية في السنوات الأخيرة الطَعْن في الإسلام المطروح في العالم الإسلامي كبديل للرأسماليةِ الليبرالية الغربيةِ، مبررة ذلك في "الحرب على الإرهابِ". يتصدى حزب التحرير لهذه الدعايةِ، موضّحاً الإسلام كعقيدة ومبدأ حياة وبديل سياسي للعالم الإسلامي.
وهذا التقريرِ حول الإستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة في أفغانستان وباكستان قد أُعِدّ في هذا السياقِ. عندما أًعلنت "الحرب على الإرهاب" عام 2001، اعتبرت الرأسمالية والديمقراطية الليبرالية بأنهما "نهاية التاريخ" - وبمعنى آخر: ذروة الحضارةِ على الأرضِ. ولكن محاولة فَرض هذا النموذجِ على العالم الإسلامي بِقُوَّةِ السِّلاحِ فَشلَ فشلاً ذريعاً، كما فشلت محاولات كسب القلوب والعقولِ له. وفي الوقت الذي يظهر أن تلك المحاولة قد طُرحت جانباً حالياً، فإنّ الحكومات الغربية وأجهزة إعلامها لا تزال تصف الإسلام بالعنف والتخلف.
يهدف هذا التقريرِ إلى فضح بعض مغالطات الإستراتيجية الغربية الحالية في أفغانستان وباكستان، وبيان الأمل الوحيد في جَلْب الاستقرارِ والأمنِ والعدل إلى المنطقةِ - ألا وهو النموذجُ الإسلاميُ للحكمِ في ظلّ دولة الخلافة.
المحتويات
الخلاصة العملية والتوصيات
الفصلِ الأول - أفغانستان: الحرب الخاسرة
الفصل الثاني - الحكم العاجز من قبل منظمة حلف شمال الأطلسي منذ 2001
الفصل الثالث - أساطير حول الحرب الأفغانية
الفصل الرابع - باكستان: في خَطِّ النارِ
الفصل الخامس - بديل إسلامي: فَصْل الحقيقةِ عن الأسطورةِ
بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الخلاصة العملية والتوصيات
علامة العجز الرئيسية أن ترى شخصاً يعْملُ الشيء نفسه مرة بعد أخرى متوقعاً فيُ كل مرة نَتائِجَ مختلفةَ. يبدو أن الرّئيس باراك أوباما ورئيس الوزراء غوردن براون قد وقعا في شَرَك مثل هذا الوهم. فعندما أمر زعماء الغرب عام 2001 بغزو أفغانستان، حددوا أهدافَهم من احتلالها، فتَكلّموا عن جَلْب السلامِ إلى المنطقةِ، وتَأسيس حكومة خاضعة للمحاسبة، وتشجيع النمو الاقتصادي والصناعي، ووضع حدّ لتجارة الأفيونِ وتأمين حقوق الشعبِ الأفغانيِ.
ومع نهايةِ عقد من الزمان، لم يستطيعا إنقاذَ أفغانستان. وبدلاً مِن ذلك، أُُخضِع شعب أفغانستان لاحتلال وحشي، فآلاف المدنيين قد قُتِلوا والكثير من الأفغان شَهدوا بأنفسهم وعودَ الغرب الجوفاء "بالحرية" و "حقوق الإنسان" عندما حُجِزوا وعُذِّبوا في معتقلات باجرام وقندهار. بينما حكومة كرزاي، المشهورة جداً بعدم الكفاءة وبالفساد والتعامل مَع أمراء الحرب القساة، يَستمرُّ دعمها من قبل لندن وواشنطن. تجارة الأفيون تَزدهرُ، وسياسيون وثيقو الصلة بالغربِ يتَّهَمون بالانغماس فيها. ليس هناك تنمية اقتصادية أَو صناعية، وعلى الرغم مِن وعودٍ ببلايينِ الدولاراتِ من المساعداتِ، لا يوجد دليل على إعادة بناء أفغانستان التي وعد بها الغرب.
وبعد ثماني سَنَواتٍ فَقدَ الغرب أيّ شكل من السلطةِ الأخلاقيةِ في استمرار احتلالِه ودعمِه لنظامِ كرزاي الفاقد لكل ثقة. ليس هناك سبب مُقنع للاعتقاد بأنَّهم سيبدأون بإحْراز تقدّمِ إذا ما أعطوا ثماني سَنَوات أخرى. فمهمة الاستعمار الجديد في أفغانستان قد فَشلت. والغرب ونظام عميله في كابول لَيْسَ لهُما أي شرعية أَو مصداقية في نظر الشعب الأفغاني أَو العالم الإسلامي بأسره. وحماقة هذه السنوات الثماني الطوال يَجِب أَنْ تَنتهي الآن.
بالرغم من أنّ سلفّيْ أوباما وبراون المحبّيْن للحرب (وهما بوش وبلير) هما اللذان شنّا الحرب الأفغانيةَ، إلاّ أن أوباما وبراون قرّرا مضاعفة الجهود وتكريس مصادر إضافية في محاولة عقيمة "لإتمام المهمة". وفي غياب استراتيجيةِ متماسكةِ، فإن الاستعمال المفرط للوسائلِ العَنيفةِ المقترن بالعجز البالغ، أخضع حكمُ منظمة حلف شمال الأطلسي أفغانستانَ لسَيْطَرَة باروناتِ المخدّراتِ والمسؤولين الفاسدينِ. وبدلاً مِنْ هَزيمة القاعدةِ أَو طالبانِ في أفغانستان، فإن الحرب ستحدث استياءً وكراهيةً أوسعَ، بخاصة في العالم الإسلامي حيث سمعة الغرب فيه في تدهور منذ زمن بعيد مما يديم عدم الاستقرار والفوضى.
رغم هزيمةِ أوباما وبراون في العراق، والفشل المتواصل في أفغانستان، وافتضاحهما الكامل في ظل ما يسمى بالحربِ على الإرهابِ، فإنهما متورطان الآن في حربِ "غير معلنة" في باكستان لزَعْزَعَة استقرار بلد آخر في العالم الإسلامي.
رغم احتمال انتهاء برنامج المحافظين الجدد العلني بانتهاء الإدارة الأمريكيةِ السابقةِ، فإن روحها لا تزال تتغذى على الحروبِ الدائرة في العراق وأفغانستان، والحرب الحالية غير المعلن عنها في باكستان واليمن والصومال. ليس هناك أدنى شك بأن الإستراتيجية الأخيرة التي عبّر عنها رئيس الولايات المتحدة الأمريكيةِ في خطابِه في وِست بوينت (West point) في الأولِ من ديسمبر/كانون الأولِ 2009، سيكون شأنها شأن كلّ الاستراتيجيات السابقة التي نفذت منذ أكتوبر/تشرين الأولِ 2001: ستفشل وستبقى أفغانستان تعاني كشعب وبلاد.
والسبب في ذلك هو أن هذه الاستراتيجياتِ لَم تكن قد نفذت بشكل متهور فحسب، بل قد رسمت بشكل متهور أيضاً. تذكر تحليلات استراتيجيي الحربِ الغربيينِ أنّ الحربِ الأفغانيةِ نفذت بموارد قليلة بسبب الحربِ في العراق، وهذا يفسّر عودة نشاط طالبانِ. ويعتقد أنصار الإستراتيجية الجديدةِ بأنّ نقص القوَّاتِ أدّى إلى فقدان شعبِ أفغانستان الثقة في قدرةِ منظمة حلف شمال الأطلسي في تَوفير الأمنِ الكافي , الذي يعتبر أمراً ضرورياً للحكمِ الحقيقي؛ وفي ظل افتقار الفرصِ الاقتصاديةِ، عبّر الأفغان العاديون، وبخاصة الباشتون، عن خيبة أملهم، عملياً، من خلال الانضمام إلى طالبان، التي زودتهم بالرواتب وعاملتهم باحترام؛ وبسبب الصورة الفاسدة للحكومةِ الأفغانيةِ المركزيةِ فإن هؤلاء الناسِ اتّجهوا نحو العنفِ ضدّ منظمة حلف شمال الأطلسي، إذ يرونها تدافع عن الوضع القائم الفاسد. ومن أجل تجفيف مستنقعِ الراديكاليين يعتقد مؤيدو الإستراتيجية الجديدةِ بأنّه يجب على الولايات المتّحدة أَنْ تَزِيدَ عدد القوَّات على المدى القصير وتتخلص من أولئك الذين ليسوا جزءا من الأيدولوجيين الأساسيين في التمرّدِ؛ وباستِعاَدة الزخمِ، يعتقد الغرب بأنه يُمْكِنُه عندئذ بناء قوّات الأمن الوطني الأفغانية كي تحل محل منظمة حلف شمال الأطلسي في وقت غير محدد في المستقبل؛ ولكن من أجل ضمان فعالية هذه الإستراتيجية يجب تعديل وضع باكستان أيضاً من خلال مزيج من إشراك الباكستانيين للقيام بدور أكبر، وتصعيد عمل عسكري أمريكي خفيّ.
وهذه الصورة ينقصها بَعض العناصر الأساسية:
أولاً - يستحيل الفوز في هذه الحرب (أنظر الفصل الأول)، كما تَعلّمت أمريكا ذلك بشكل مؤلم في فيتنام، وأدركته على نفقتها الخاصة منذ أحداث 9/11. ومن الناحية التاريخية، حاولت دول كالاتحاد السوفيتي صنع نفس الشيء ولكنها فشلت في تحقيق الفوز في أفغانستان ولم تَستطع استرضاء قبائل الباشتون. لذلك لم يكن أمراً لا أساس له أن تُعرَف أفغانستان بأنها "مقبرة الإمبراطوريات". وعلاوة على ذلك، إذا كان هناك وعد بأنّ هذه الحرب سَتُوفّرُ أمناً إضافياً، فإنها سَتخفقُ في تحقيقه. فالقوات البريطانية في آيرلندا الشّمالية، واحتلال الهند لكشمير، وضمّ إسرائيل لفلسطين لم تضف شيئاً لأمنِ المواطنين في البلاد المحتلة. فالاحتلالُ يغذي طبيعياً الاستياء والكراهيةَ التي تُؤدّي إلى الانتقامِ والثأر، مما يديم موجةَ العنف والعنف المُضادّ الذي نراه في العالمِ اليوم.
ثانياً - للاحتلال الغربي منذ أكتوبر/تشرين الأولِ 2001 سجل بشع عندما يتعلق الأمر بالحكم (أنظر الفصل الثاني). فأفغانستان اليوم أكثرُ فساداً مما كانت عليه في 2001، فهي تنتج مخدّرات أكثرَ مما أنتجت في 2001، والأمن فيها أقل مما كان في 2001. لها رئيس أجرى انتخابات مزيفة، وعائلته ذات سمعة سيئة بتورطها في تجارةِ الأفيون. وبعد ثماني سَنَواتِ، أهدرت فيها معظم المساعدات المقدمة لأفغانستانِ في جيوبِ المستشارين الخاصّينِ والمسؤولين الحكوميين، تَبْقى أفغانستان إحدى أفقر البلدانِ في العالمِ. فبمثل هذا السجلِ المزري، يجب ألاّ يسمح لمنظمة حلف شمال الأطلسي أن تدير مجرد كشك للبيع، ناهيك عن إدارة بلاد تعدادها 28 مليون شخصِ.
ثالثاً - ليس الأمر بِحاجةٍ إلى 140,000 جندياً من منظمة حلف شمال الأطلسي و190,000 جندي أفغاني لهَزيمة 100 ناشط من القاعدةِ في أفغانستان (أنظر الفصل الثالث). إذا كانت المهمّةِ هزيمة طالبان (وهي مجموعة من الواضح أنه لم يكن لها دور في أحداث 9/11 ولَيستْ مسؤولة عن أيّ مِن المؤامراتِ الخطيرة التي تُواجهُ العواصمَ الغربيةَ)، فيجب على منظمة حلف شمال الأطلسي أن تقول ذلك سلفاً وبعد ذلك تُهيّئُ مواطنيها لعقودٍ مِن الصراع في رمال الريفِ الأفغانيِ، الذي سَيُكلّفُ دافعي الضرائب عندهم غالياً. الحقيقة أنّ طالبان جالية من الباشتونِ التي هزمت الكثيرين من الغزاة الأجانب عبر القرونِ. وفي الوقت الذي تَزِيدُ فيه منظمة حلف شمال الأطلسي أعدادِ قوّاتِها، ستزيد طالبان قواتها أيضاً. يتكون مسلمو الباشتون من 50 مليون على كلا جانبي خط دوراند بترابطِ عشائريِ وعرقيِ قويِ بين الناسِ على جانبي الحدودِ. لِذلك، يجب أنْ يُفْهَمَ بأنّه إذا دخلت منظمة حلف شمال الأطلسي الحرب مع طالبانِ فإنّما تدخل في الحرب عملياً مَع كلّ جاليةِ الباشتون.
رابعاً - تفترض إستراتيجية الخلاص (الفصل الثالث) بأنّه حتى إذا تمكنوا من تحقيق جاهزية عملية، فإن قوّات الأمن الأفغانية هي التي ستقوم بمهمة منظمة حلف شمال الأطلسي في محَارَبَة التمرّدِ. ويتضح من عدد الحالات المتزايدِة التي يرتد فيها رجالِ الأمن الأفغانِ بنيرانهم على جنود منظمة حلف شمال الأطلسي بأنهم ليسوا منظمين وليس ولاؤهم مضموناً، لذلك فالثقة بهم في انحدار منذ زمن. ومع هذا، إذا لم يكن لدى منظمة حلف شمال الأطلسي إستراتيجية خروج فعّالةِ فإنها ستشرف على احتلال دائم يَزِيدُ عدد الضحايا بالإضافة إلى تَحَمُّل مِئاتِ البلايينِ من التكاليف الإضافيةِ. علاوة على ذلك، إذا تصاعدت الحرب كما هو محتمل، سينال القوات البريطانية والأمريكية قدر غير متكافئ مِن الخسائرِ. فمجموع الخسائر في أفغانستان في 2009 كَان 504، كان نصيب الولايات المتّحدةِ والمملكة المتحدةِ منها 80 % . وباستثناء الولايات المتّحدةِ، فَقدت المملكة المتحدةَ من الجنود في 2009 أكثر مما فقد الأعضاء ال 41 الباقون مجتمعين. والتحالف المكون من 43 دولة موجود اسماً فقط، حيث تقدم كل دولة من 34 دولة منهم أقل مِن 1,000 جندي، بينما تقدم كل دولة من 10 دول (وهي تقريباً رُبع التَحَالُفِ) أقل مِن عشرة جنود. إذا كانت بلدان عدا الولايات المتّحدة والمملكة المتحدة، مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا تسهم فقط بقوى رمزية حالياً بالإضافة إلى القيودِ الهامّةِ على ما يمكنهم فعله أو عدم فعله، فمن غير المحتمل أن تؤيد هذه الدول أيّ تصعيد آخر.
خامساً - إذا كانت القاعدة هي حقّاً هدف الغربِ، فإنها معظمها حسب رأي أكثر الخبراءِ موجود خارج أفغانستان، والناشطون منها الآن موجودون في باكستان والعراق والعربية السعودية واليمن والصومال إضافة إلى بلدان أخرى. وعلى منظمة حلف شمال الأطلسي والحكومات الغربية أَنْ يَعترفوا لجماهيرهم عن مهمّتِهم الحقيقية بأن أفغانستان قاعدة انطلاق للحرب في باكستان ونشرها إلى شبهِ الجزيرة العربيةِ والقرن الأفريقي. وهذا النوع من الحروب يتطلب على أيّ حال موارد ضخمة - بشرية ومالية - والتزاماً بعيدِ الأجل وبرنامجاً لحرب دائمة في العالم الإسلامي لعقود.
سادساً - توجد الآن أصوات مُتزايدة ومؤثرة تتساءل عن تكاليف دعم باكستان للحربِ التي تخوضها أمريكا. فأمريكا تشنّ حرباً غير معلنة في باكستان لأنها ليست في وضع تشنّ فيه حملة حرب تقليدية، بسبب قيود سياسية وعسكرية. ولكي تواجهَ باكستان عدوانَ أمريكا، يَجِبُ أَنْ تتفادى ما هو ظاهر للكثيرين، وهو أنّ الولايات المتّحدةَ قد انتهكت سيادةَ باكستان كدولة مستقلة، وأنها تقوم بأعمال سببت مشقّة اقتصادية وفوضى سياسية وتوترات اجتماعية حادّة ومعارضة عَنيفة في مختلف أنحاء البلاد. وهذا التدخّل غير المعهود في شؤونِ دولة مستقلة يمثّل حالياً تهديداً صريحاً يجب ردّه بكل الوسائل الممكنة. منها ما يتضمن وضع حدّ للاتصالات الدبلوماسية والسياسية والمساعدات الأمريكيةِ للمجتمعِ الباكستانيِ، والإبعاد الفوري من باكستان لكُلّ الموظفين المرتبطين بالأجهزة العسكرية والاستخباراتية الأمريكية بما في ذلك مؤسسات بلاكووتر (Xe) الفرعية، وإنهاء كُلّ الاتفاقيات المتعلقة بقيام الجيشِ الباكستانيِ بتنفيذ أي أعمالَ ضدّ أي جهة بناءً على رغبةِ الولايات المتّحدة، سواء صراحة أو ضمنياً. وفوق ذلك، يجب إلغاء أي اتفاقيات تَسْمحُ لقوى أجنبية استعمال جوّ أو أرضِ أَو مياهِ باكستان. وباتخاذ هذه الخطواتِ الشاملةِ فحسب تستطيع باكستان أن تَمْنع الولايات المتّحدة من توسيع حملتِها بزيادة دائرة عدم الاستقرار والعنفِ في كل مكان، فتلغي بذلك دور الدولة وتشلّ وجودها. (انظر الفصل الرابع)
أخيراً - ليس هناك اليوم حاجة للغربِ لاحْتِلال أفغانستان أَو العراق. وبسَحب الدول الغربية لقواتها من أفغانستان لَنْ تُقوّضَ حضارتَها ولن تزيد عدم أمنها. فخليج غوانتانامو وانتهاكات حقوق الإنسان في أفغانستان وفي أبو غريب واعتقال الآلافِ في ظل القانون الوحشي لمكافحة الإرهابِ، كل ذلك أضرّ بسمعة الولايات المتّحدةِ وحلفائِها أكثر من أي طريقة أخرى. واحتلال أي أرض إسلامية لن تُوفّر أيضاً أمناً أكثر للمواطنين في الغربِ؛ فعدد الهجماتِ منذ 9/11 يشهد بذلك بكل وضوح. ولكن الخلافةُ وحدها بنظامِها السياسيِ المُجرّبِ والموثوق تستطيع أَنْ تنهي موجة العنف وتوفر الاستقرارَ الذي تحتاجه المنطقة كثيراً. وأولئك الذين يَعتقدونَ أن نظاماً إسلامياً سَيَكُونُ خطوة إلى الوراء نحو عصر طالبانِ، لَم يعودوا واثقين من عمل مثل هذا الادّعاء، لأنه أصبح ظاهراً جداً بشكل متزايد أن النظامَ الوحيدَ الذي يأخذ بعين الاعتبار كلّ المكونات الرئيسية اللازمة لتوفير الازدهارِ للعالم الإسلامي - اقتصاد مستقرّ، وسلطة تنفيذية تمثل الأمة وخاضعة للمساءلة , ونظام ينسجم مع قِيَمِ الناسِ، واستقلال مِن السيطرة الأجنبيةِ، وإعطاء الأولوية لحاجات الناسِ الأساسية على منافع القلة أو على المشاريع الخاصة - ويضمن تحقيق ذلك هو النظامِ الإسلاميِ فحسب. علاوة على ذلك، فإن صور الإعدام المعروضة على شاشات التلفزيونِ، وحرمان النساء من التعليم، والعدالة العشوائية والتعصب الديني، كل هذه سمات تقاليد محلية، لا سمات الدولة الإسلاميةَ. فالخلافة لَها تاريخ في تبني وتشجيع التعليم والإبداعِ العلميِ، ومنح حقوق النِساءِ، وقيادة خاضعة للمحاسبة من قبل سلطة قضائية مستقلةِ ذات سلطات معتبرة. ( الفصل الخامس)
التوصيات
ما قدّمنَاه في هذا التقريرِ وجهة نظر منطقية. فملايين الناسِ يشاطروننا سخطنا على الحربِ على أفغانستان، وما يزالون يتمنون على الأقل تحقيق شيء جيد مِن هذا الحدث الفظيع. وعلى الرغم من هذا، نخلص إلى أنّ هناك أسباباً جذرية للمشكلةِ في أفغانستان لَم تُناقش بالكامل، وأنّ هناك حلولاً للنزاعِ يمكن لأولئك الذين لديهم نيّة حسنة وشجاعة أن يعملوا بها على الأقل. وسنعرض الدليلَ على هذا في الفصولِ التالية.
ليست استنتاجاتنا رسالة شؤم بل رسالة أملِ، لأن سياسةَ الأملِ لَيست منتجاً حكراً على الغرب - بل في الحقيقة، إن الديمقراطية على النمط الغربي في أفغانستان لم تجلب إلاّ الفسادَ واليأسَ. لدى الإسلام نظامُ حكم بديل - وهو الخلافة - جدير بالدراسة، فهو يُؤيّدُ حكم القانون، والسلطة السياسية فيه في يد المواطنين، وهي خاضعة للمحاسبة. وبرغم التشابهات الظاهرة، فهي تتميز عن الليبرالية العلمانيةِ، ولذا نُقدّمُ ملامحها الرئيسيةَ بشيء من التفصيلِ في الفصلِ الأخير (الفصل الخامس).
نَوصي بنهاية حقيقية للاحتلال في أفغانستان كي يسمحَ لشعبِ أفغانستان فهم نظامِ الحكم الناجحِ الذي استمر في العالم الإسلامي ثلاثة عشر قرناً. لذلك ندعو إلى تطبيقِ التوصياتِ التاليةِ:
التوصية الأولى
يجب أن تتوقف أفغانستان وباكستان عن دَعم الحربِ التي يشنها الغرب، ويجب أن تطلب الدول المضيفة من القواتَ الغربيةَ بالمُغَادَرَة فوراً.
ويُمْكِنُ تفصيل ذلك في سبع توصياتِ هي:
1. يجب أن يسعى قادة باكستان وأفغانستان لإخراج كُلّ القوات العسكرية الأجنبية الموجودة في بلادهم.
2. يجب أن تمنع حكومة باكستان استعمال مطاراتها في الهجمات الأمريكية الجوية بدون طيار، كما يجب التوقف عن تَزويد المعلومات الاستخباراتِية اللازمة لدَعْم مثل هذه الجُهودِ.
3. يجب أن تتوقف حكومة باكستان عن شنّ هجماتَها الوحشيةَ على المناطق القبلية في الشمال وأن تُدركُ بأنّ مثل هذه الهجماتِ ضدّ مواطنيها من قبائلِ الباشتون خاصة سَتُؤدّي فقط إلى المزيد من زعزعة الأوضاع في البلادِ بكاملها.
4. يجب أن تتوقف حكومة باكستان عن تَزويد الدعمِ العملياتي للمجهود الحربي الذي تقوم به منظمة حلف شمال الأطلسي ضد أفغانستان بمَنْع استعمالِ ميناءِ كراتشي والطرق العملياتية الأخرى في المناطق الشمالية وفي بلوشستان.
5. يجب أن تلغي حكومة باكستان كُلّ التأشيرات الممنوحة للمقاولين الأجانب مثل بلاكووتر (Xe) وداينكورب في باكستان.
6. على باكستان أَنْ تسحب أيضاً دعمَها لقانون كيري-لوجار - وهو تشريع ينزع بالكامل أيّ سيادة باقية تتمتع بها باكستان حالياً.
7. يجب أن تُسحَب القوات الغربية مِن المنطقةِ أيضاً، بما في ذلك القوات المتمركزة في العراق، والكويت، والبحرين، وقطر، والقرن الأفريقي.
التوصية الثانية
يجب أن توقف الحكومات الغربية دعمها المادي للقادة المستبدين في المنطقةِ.
بدلاً مِن المديح والدعم الدائمين للقادة الفاسدينَ في المنطقةِ، الذين يَُحتَقرونَ تماماً مِن قِبل شعوبهم، من أمثال الرّئيس حامد كرزاي والرّئيس عاصف علي زرداري، يجب على الولايات المتّحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوربي أَنْ يَفهموا بشكل واضح جداً أن فشلهم في وقف دعمهم العسكري والسياسيِ المستمر لمثل هؤلاء القادة سيكون له حتما نتائج على العلاقاتِ الغربيةِ الإسلاميةِ. فالعالم الإسلامي قد شهد صحوة إسلامية في جميع قطاعات المجتمعِ وعودة ظهورِ هوية دينية قوية في السَنَوات الأخيرة. وإنّ القول بأنّ الغربَ ليس لديه تمييز ضدّ العالم الإسلامي سيكون من الصعب تصديقه إذا استمرت الحكوماتَ الغربيةَ في دعم قادة فاسدينِ يبددون ثروةَ بلادِهم، في الوقت الذي يحرم فيه عشرات الملايينِ من مواطنيهم من الحصول على المأوى والكهرباءِ والتعليمِ.
التوصية الثالثة
يجب أن يترك العالم الإسلامي يقرر مصيره السياسيِ الخاصِ به دونما تدخلِ
على الحكومات الأمريكية والبريطانية أن تتوقف عن فَرْض نظام قيم غربيِ علمانيِ بالقوة في العالم الإسلامي. والقول بأنّ هناك قِيَماً عالمية أسطورة لا يُمكن تفسيرها بوجود المجتمعات المُعاصرة (المختلفة) والإنجازات التاريخية. وبرغم وجود تشابهاتَ شكلية في الطموحات المشتركةِ، فإنّ القول بأن القيم الليبرالية العلمانية هي الطريقة الوحيدة التي بها تتقدم المجتمعاتَ يعني استعماراً ثقافياً. ونظرة "هنري فورد" تجاه الحضارةِ في العالم الإسلامي، القائلة: لا "يمكنك أَنْ تتبنى أيّ نظام سياسي تُريد طالما كان غربياً"، لا تعترف بأن كثيرين في الغربِ يشكّون أنفسهم في حيوية وثبات وصدق أنظمتِهم الديمقراطيةِ. فبعد الحروبِ في العراق وأفغانستان ووحشية أبو غريب وخليج غوانتانامو يتحدى الكثيرون في العالم الإسلامي ادّعاءَ الغرب بأنه سلطة أخلاقية. لقد قدم العالم الإسلامي طيلة تاريخه الممتد أربعة عشرَ قرناً أساساً بديلاً لحضارة غنية ومنفتحة مستندة على نموذج قيم خاص به منبثق من مصدر أيديولوجي مختلف.
والمجتمعات المُعاصرة المتنوّعة كما في الصين، وروسيا وأجزاء كبيرة من أمريكا اللاتينية لديها حالياً نماذجُ اجتماعية واقتصاديةُ وسياسية تختلف عن تلك التي تمارس في العواصمِ الغربيةِ. لذلك يجب أن يسمح للعالم الإسلامي بناء مستقبله السياسي الخاص به دونما تدخل من أحد، وإذا كان هذا المستقبل مستنداً إلى القواعد الإسلاميةِ فليكن كذلك.
وكما أظهر التاريخ في هذه المنطقةِ المضطربة، فإنه لا يوجد هناك خيارات سهلة ولا ضمانات للنجاح. لذلك نَعتقدُ أن الخطوات المشار إليها أعلاه تمثل برنامجاً عملياً لكسر الجمودِ وبعث أمل جديد للمنطقةِ، وتوفير أمن واستقرار لبقية العالمِ. على أية حال، ما هو واضح جداً في العالم الإسلامي أن "الحفاظ على نفس المسار" أَو تجربة ما فَشلَ في الماضي، لَيسَ إستراتيجيةً مقبولةً. وما لم يرفع ظلم الاحتلالِ الأجنبيِ ستبقى المنطقة في حالة من الشلل الذي تعيشه حالياً. وبعد انتهاء الاحتلال الأجنبي، يمكن للمنطقة عندها أن تعالج بنفسها التحديات الأخرى العديدة التي تواجهها، سواء كانت الفقر المدقع أو التعليم أو الفساد المستشري.
حزب التحرير -بريطانيا
الأول من صفر 1431 / السابع عشر مِن يناير/كانون الثّاني 2010
البريد الإلكتروني: press@hizb.org.uk
الفصل الأول :
أفغانستان - حرب خاسرة
مهما كان اعتقادهم، فإن القوة العظمى الوحيدة في العالم تغزو بمصادر هائلة، وأكبر ترسانة عسكرية، متحالفةً مع منظمة حلف شمال الأطلسي التي تمثل التحالف العالمي العسكري المهيمنَ، وتحتل في أكتوبر/تشرين الأولِ 2001، أحد أكثر البلدانِ فقراً في العالمِ التي يبلغ عدد سكانها 28 مليوناً، يعيش ثلثاهم على أقل مِنْ دولارين في اليوم. وبرغم هذا، وبعد مرور ثماني سنوات يكاد العالم كله تقريباً يقرّ بأنها أخفقتْ في إخْضاع البلادِ وأنها تَفْقدُ الحربَ.
في 16 سبتمبر/أيلول 2001، حدّدَ الرّئيسُ الأمريكي آنذاك، جورج دبليو بوش المسار عندما قالَ: "هذه الحملة الصليبية، هذه الحرب على الإرهابِ، ستحتاج وقتاً طويلاً." كان المبرر القانوني الذي استعملته واشنطن ومنظمة حلف شمال الأطلسي لغَزْو أفغانستان هو أنّ هجمات 11 سبتمبر/أيلولِ شكّلتْ "هجوماً مُسلَّحاً" غير معلن من الخارج من قبل قوة أجنبية غير محددة، وعليه بوصفها "أمة تعرضت للهجوم" يُمْكِنُها أَنْ تَرْدَّ دون مساءلة باسم "الدفاع عن النّفسِ". أما تحقيق السَيْطَرة الذي جعلها متورطة هناك بعد مرور ثماني سنوات كان أمراً شكلياً أقلّ إقناعاً. وبارتفاع عدد الإصابات في القوات الأمريكية ومنظمة حلف شمال الأطلسي وتحرك الرأي العامِ الغربي الجدّي ضدّ الاحتلالِ، صارت تثار أسئلة لاذعة كثيرة عن هذه الحربِ. وعلى الرغم مِن القوة العسكرية الفائقة والتفوق في الموارد تبقى حرباً لم تكسب.
الاحتلال السوفيتي - أعداد القوّاتِ لم تكن الحَلَّ
في ديسمبر/كانون الأولِ 1979، تدفقت القوَّات السوفيتية إلى أفغانستان، وبعد عشَر سنوات لم تهزم فحسب، بل إن الصرح الكاملَ للدولة السوفيتيةِ الاشتراكيةِ أصبح في فوضى. فحائط برلين انهارَ والدولة السوفيتية تمزّقت وبعد ذلك اندثرت.
عند التفكير بما حدث في الماضي، نرى أنه كان لدى السوفييت عدة ميزات على المحتلين الحاليين. فكان لديهم حدود تتصل بأفغانستان مباشرة من خلال ما تعرف الآن بتركمنستان وأوزبكستان وطاجيكستان. وقد استخدموا قوة عسكرية أكبر بلغت 250,000 . وبوصفهم لاعبين إقليميينَ أقوياءَ كَانَت لديهم أيضاً ذخيرة واسعة من المهارات اللغوية (الأوزبك والباشتو والطاجيك) التي كَانتْ عَقْب أخيلَ (أي نقطة الضعف القاتلة) بالنسبة للأمريكان ومنظمة حلف شمال الأطلسي الذين يعتمدون الآن بالضرورة على أصحاب حرف أفغانِ يشملون أطباء ومعلمين يعملون كمترجمين لهم.
لم يجد السوفييت صعوبة في السَيْطَرَة على المراكز السكانية الكبرى، لكن رغم فرض حكومة مركزية طيّعة لهم لم يستطيعوا السيطرة على المناطق الريفية البعيدةِ. فآلاف البلداتِ والقُرى بَقيت عملياً خارج سلطتهم. وكما اكتشفَ الأمريكان مؤخراً، ليس من الصّعبِ الاستيلاء على القرى، لكن المصاعب تكمن في الاحتفاظ بها وإدارتها وتوفير الحاجات الأساسيةِ إلى أناس فقراء وإقناع الآخرين بنواياك.
قال مارشال أكرومييف في 1986, "نُسيطرُ على كابول والمراكز الإقليمية، لكن ... فَقدنَا معركةَ كسب الشعبِ الأفغانيِ." [1]
أظهرت القواتُ الروسيةُ أيضاً فقداناً واضحاً لخفةِ الحركة بسبب قصر أنفسهم على العقائد العسكريةِ التقليديةِ واستعمالهم قوات ميكانيكية ثقيلة - وهي وسائل واستراتيجيات غير مناسبة تماما لمواجهة تمرد في الجبالِ الوعرِة والتضاريسِ الريفية. كانت قوات المجاهدين أسرع حركة واستطاعت بسهولة القيام بهجمات ذات طبيعة فدائية أثبتتْ قدرتها على تَدْمير قوَّات ذات حافز ضعيف للحرب واستعداد سيء لها (كانت حرب الروس السابقةَ الرئيسيةَ هي الحرب العالمية الثانيةَ). وبعد مرور ثلاثين سنةً يبدو أن الأمريكان لم يتَعلّموا مِنْ تكتيكات السوفييت التقليدية - وهي تصفية المناطق والاستيلاء عليها ثم إنشاء البنية التحتية فيها، وملاحظة ضعف الحافز على القتال (لماذا نحن هنا؟ ) والخسارة الكبيرة في كسب 'القلوب والعقولِ'.
وعد الرّئيس أوباما في خطابه في الأول من ديسمبر/كانون الأولِ، 2009 بإيقاْف أَو إبْطاء الانحدار السريع نحو الهزيمةِ في أفغانستان. وبرغم ذلك كان خطابه واضحاً في عدم ذكره أي شيء جديد تعلمه مِن الإستراتيجية الفاشلةِ في السَنَوات الثماني الماضية. وعد أوباما بشكل جوهري بإحضار "رجال أكثر، ومال أكثر، ويَجِبُ أَنْ نُحاولَ بشكل أقوى". لم يختلف خطابه في الحقيقة عن خطاب "الجرح الدامي" سيء السمعة الذي ألقاه ميخائيل جورباشوف واتخذ فيه قراراً مماثلاً بدفع المزيد من القوّاتِ السوفيتيِة لفترة مؤقتة إلى أفغانستان في 1986.
فيتنام تتكرر؟
من خلال الازدياد المطرد للهجمات على القوات الأمريكية وقوات منظمة حلف شمال الأطلسي منذ 2003، والتقدّم الضئيل في كَبْح الفسادِ أَو إعطاء الشرعية لنظام كرزاي، بالإضافة إلى المعارضة المتصاعدة جداً طوال الـ2009، يسهلِ عقد مقارنة مع حرب فيتنامِ ذات الخطأ الفادح. أفغانستان محاطة باليابسةُ لذلك تَتطلّبُ دعماً عملياتياً عن طريق الدول المجاورةِ، التي يعادي سكانها الولايات المتّحدةِ. كما أن أفغانستان تبلغ أربعة أضعاف حجم فيتنام، ولكن أعدادَ القوات حتى بعد الزيادة التي أُعلِن عنها في ديسمبر/كانون الأولَ 2009 لن تبلغ مستوى المأزق الذي وصل إليه الحال في فيتنام بوجود 535,000 جندي. فتركيز قوات الولايات المتّحدة ومنظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان يبلغ 1/32 مما بلغ في فيتنام. وعلى الرغم مِنْ هذه المفارقات الواضحة الكثيرة يرفضون التسليم بالهزيمةِ.
هناك الكثير من التشابهات الغريبِة الأخرى بين الحربين التي يجتهد مُستشارو السياسة الخارجيةِ في الانتباه إليها:
1. تأريخ من العدوان الأوروبيِ / الأمبريالي
كانت فرنسا في فيتنام والاتحاد السوفيتي في أفغانستان الأحدث في صفّ طويل مِن المُعتدين. يشترك كلا النزاعين في تاريخ طَرْد المُعتدين الذين كان لديهم قوّات مُسَلَّحة أكبرُ وأقوى. وهذا التاريخ هو الذي ساعدَ على تكوين وتَشكيل قواتِ قتال مقاومةِ هائلةِ في كلا الحربين.
2. الموقع آسيوي: آلاف الأميالِ مِن الولايات المتّحدةِ
كان هناك في الحالتين خبرة قتال محدودة في ظل هذه الشروطِ وبمواجهة مشاكلِ عملياتية صعبةِ. وهناك في أفغانستان مشكلة إضافية وهي عدم وجود شريط ساحلي، مما يحدّ كثيراً من تأثير البحرية.
3. الحروب الريفية
كان في كلا النزاعين أكثر مِنْ 80 % من سكان البلاد ريفيين، حيث كان المحتلون في الريف مكروهين جداً.
4. التضاريس الصعبة وقلة الطرقِ
أجبرت التضاريسُ الصعبةُ المُعتدين في كل من أفغانستان وفيتنام على الاعتِماد على الدعمِ الجويِ، مما جعل الدباباتَ التقليدية والعرباتَ المماثلة مهملة الاستعمال.
5. الروابط العرقية والملتجأ الآمن
تمتعت قواتُ التمرّد في الحالتين بملجأ وراء حدود طويلة ومُغلقة وقاسية. بينما تُكافحُ القوات الأمريكيةُ من أجل السيطرة عليها دون أن تحظى بشرعيةَ.
6. التسلل
غالباً ما كان المترجمون في كلا الحربين يخبرون القوات الشعبية المحليّةَ عن كل حركة لقوات الغزو.
7. غياب الحساسية الثقافية
استعمل المعتدون في كلا الحربين وسائلَ بطش قاسيةَ تشمل القصف العشوائيِ مع الجهل الكامل بعقائد وعاداتِ السكان المحليينِ مما سهل أمر التَجنيد للانضمام لقواتِ المعارضةِ المحليةِ. وفي كلا الحربين كان مشهوراً العدّ الأمريكي (عدّ جثث أعدائهم القتلى) ذو السمعة السيئةِ بالرغم من أن الجنرالِ ستانلي ماكريستال قد أوقف ذلك مؤخراً في أفغانستان.
حمل خطاب باراك أوباما في 1 ديسمبر/كانون الأول 2009 الذي أعلن فيه زيادة قوّاتِه في أفغانستان نفس النغمة التي حملها قرارِ الرّئيسِ لندون بي . جونسون المشئوم في 1965 بالرُضُوخ لطلبِ القادةِ العسكريين الأمريكيينِ في توسيع الحرب في فيتنامِ من خلال إرسال أعداد كبيرةِ إضافية من الجنود الأمريكيين. فَقدَ أوباما فرصة وقف كارثةِ حربِ بوش في أفغانستان، بل قلّدَ أسلوب بوش في الإعلان عن السياساتِ وهو محاط بأكثر مِنْ 4,000 طالب عسكري في أكاديميةِ النقطةِ الغربيةِ (West Point ) العسكريةِ.
التَحَالُف الخرافي
طرح أوباما في خطابِه في ديسمبر/كانون الأول 2009 أسبابَ اختلاف الحربين. أبرز هذه الأسباب أنه يوجد في أفغانستان تَحَالُف أقوى بكثير، كأنه يقول أن القوّة في الأعدادِ تُضيفُ شرعيةَ لشْنّ حرب ضدّ إحدى أفقر الدول.
على أية حال , يَكْشفُ الفحصَ الدقيق "للتَحَالُفِ" بأنّ هناك تسع دول فقط من بين الـ43 دولة المشتركة في أفغانستان قد ساهمت كل منها بأكثر مِن 1,000 جندي ، بينما أغلب البلدانِ الأخرى أرسلتْ أعداداً صغيرة جداً، ولم تساهم عشَر بلدانِ إلاّ بحفنة من الجنود. ويحصر الكثير من البلدان الأخرى دور قواتِها بأعمال غير قتالية - فهي إذن مشاركة لعدم رغبتهم في إغضاب الدولة العظمى - فاستعدّتْ تقديم وجود رمزي. شاركت بعض الدول الأخرى بقوَّات مقاتلة أكثر في فيتنام، لكن تلك الدول تَعلّمت درسَ عبثِية هذه المغامراتِ الأمريكيةِ.
المشاكل الأخرى
أبرز إيريك بيرجيرود، مؤرخ محترم لحرب فيتنامِ ما يلي:
"كانت حكومة فيتنام (جي في إن) تفتقر للشرعيةِ في نظر طبقةِ الفلاحين الريفيةِ، وهم أكبر شريحة من السكانِ. . . نظرت طبقةُ الفلاحين إلى (جي في إن) على أنها متعالية وفاسدة وغير كفؤة. . . امتلكت النخبة الحضرية في جنوبِ فيتنامِ المظاهر الخارجية لثقافة أجنبية. . . وأهم من ذلك، استولت هذه المجموعةِ الصغيرةِ على معظم الثروةِ والقوَّةِ في دولة فقيرة، وكان موقف النخبة الحاكمةِ نحو سكانِ الأرياف، في أحسن الأحوال، أبوياً (أي أصحاب نظرة متعالية)، وفي أسوأ الأحوال، لصوصياً" [2]
وبمحاكاة نفس الوضع في أفغانستان، فإن حكومة كرزاي ليس لديها الشرعية لا عالمياً ولا، أهم من ذلك، في أفغانستان. وأبرزَ أنتوني كوردسمان هذه الحقيقةِ عندما كشف العيوبَ المُزمنةَ الرئيسيةَ للسياسة الأمريكيةِ في أفغانستان:
"الحاجة لتَنظيم عناصر أخرى من الشرطةِ والأمنِ بطرق تناسبُ القيودَ التي يقتضيها وجود حكومة تنقصها القدرة، إضافة إلى وجود الفساد وقيم أخلاقية مختلفة، والحاجة لإيجاد "حكم القانون" أَو نظام مدني قائم على معايير الدولة المضيفةِ بدلاً مِن القِيَمِ الأمريكيةِ أَو الغربيةِ." [3]
لَيسَت حكومة كرزاي فاسدة وعاجزة فحسب، بل لا تظهر أي ميل لممارسة أيّ قيادة مستندة على القيم الأفغانية التي تعتبر إسلامية بشكل طاغ. سيمثل هذا أيضاً تغييراً كبيراً في مسار الأحداث بالنسبة للأمريكان للموافقة على مؤسسات قيادة ذات أساس إسلامي ومجتمع مدني في بلاد تسيطرُ عليها.
عودة الدومينو
ربما كانت أكثر التبريراتِ غرابة لحرب فيتنام هي نظريةَ الدومينو ذات السمعةِ السيئة التي تنبأت بسرعة انتشار الشيوعيةِ، دونما سيطرة عليها، في البلاد واحدة بعد أخرى في حال سقوط فيتنام الجنوبية. وجاء تكذيب هذه النظرية بالحقائق التي برزت عقب انسحابَ الولايات المتّحدةِ وفشلِ الشيوعيةِ في كسب موطئ قدم مهمّ حتى يومنا هذا. ومثل هذا التبرير غرابةً هو الزعم بأنه بدون السيطرةِ المباشرةِ على موطن الإرهابِ - كما تتهم به أفغانستان في هذه الحالةِ - فستبقى الولايات المتّحدة توَاجَهَ تهديد الإرهابِ داخلياً. بينما بينت طالبانَ دائماً بأنّها لَيْس لديها مشكلة مَع الشعب الأمريكي نفسه، كما لَيْسَ لديها طموحات لشَنّ حرب في الولايات المتّحدةِ، فمن الواضح أيضاً أن السبب الرئيسي للخصومةِ في العالم الإسلامي هو الاحتلال المتواصل لأراضي إسلامية. ولسوء الحظ، مضى وقت طويل قبل أن تحظى وجهةِ النظر هذه بالقبولِ الذي تستحقه.
وعلى النقيض من ادّعاءات الجيش الأمريكي بأنه سيحقق الاستقرار في المنطقةَ ويقلل من تهديد الإرهابِ , فإن دراسة قامت بها مؤسسة راند في 2008 وَجدتْ بأن السياسات الأمريكية التي تُؤكّدُ على استخدام القوة تمِيلُ إلى إيجاد المعارضة عوضاً عن إضعافها. يقول سيث جونز ومارتن ليبيكي في دراسة بعنوان "كيف تنتهي الجماعات الإرهابية: دروس لموَاجَهَة القاعدةِ،" بأنّه يجب على الجيشَ الأمريكيَ "أَنْ يُقاومَ عموماً الانجرار إلى عملياتِ قتالية في المجتمعاتِ الإسلاميةِ، لأنه من المحتمل أَنْ يَزِيدَ وجود الجيش الأمريكي الهجمات الإرهابية ". [4]
الإسلام في أفغانستان
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ. (2:190)
وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ.
( 9:36)
هناك العديد مِن الآيات القرآنية التي تحضّ المسلمين للحرب دفاعاً عن أراضيهم. وكَمَا هو الحَال مَعَ كُلّ الأمم ذات السيادة ليس هناك خجل بين المسلمين من التأكيد على وحدة بلادهم. ويعتبر هذا الأمر لدى المسلمين قضية مصيرية أي قضية حياة أو موت، إذ تَعْني حضّ المؤمنين على الجهاد بأموالهم وألسنتهم وأنفسهم لصَدّ أي محتلَ، دون الضنّ بأي ثمن - حتى تكون النتيجة النصر أَو الاستشهاد.
كما يأمر القرآنُ أيضاً بأن تبقى السلطة على الأراضي الإسلاميةِ في يد المسلمين وتحت حكم الشريعة الإسلاميِة.
وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً. ( 4:141)
وكلمة طالبان تعني حرفياً الطلاب أو طلاب العلم حسب لغةِ البشتو. والعلم المقصود هنا هو العلوم الإسلامية - التي يعتبر تحصيلها فرضاًً على كُلّ المسلمين. والاحتلال العسكري، وفرض حكومة عميلة (كحكومة كرزاي) وإزالة المجالس التقليدية الإسلامية (جيرغا) المحلية والقروية لن تقبل به طالبانِ ولا الأفغان عُموماً. ونشر رقابة الحكومةِ المركزيةِ في كافة أنحاء أفغانستان بدلاً مِن أن يكون علاجاً للتمرّدِ أصبح أحد أسبابِه. ولم يكن من الصعب أبداً تَحفيز الجهاد مِن المناطق الريفية البعيدةِ.
ولم يكن أيضاً أبداً متصوراًً تَخَيُّل الولايات المتّحدةِ تَفْتحَ "حنفيةَ" الجهاد حسب رغبتها، بتحفيز المجاهدينَ وتمويلهم سراً في قضيتهم العادلةِ في صَدّ المُعتدي السوفيتي، ثمّ تقوم بسهولة بإغلاق تلك الحنفيةِ عندما يصادف أن يكون المُعتدي صديقاً سابقاً لهم. ثم إن القتل العشوائي للمدنيين يُقلّلُ من قيمة الكلمة السحريةَ التي تتردد كثيراً وهي "كسب القلوب والعقولِ"؛ وبدلاً مِن ذلك لم يصنع هذا أكثر من تقليل مصداقيةَ الغربَ، وترويعَ أممَ العالمِ، وأهم من ذلك قوى ساعد المقاومةَ الأفغانيةَ.
ليست طالبان مقاتلين أجانب
"أما بالنسبة إلى طالبانِ، فمهما قيل عنهم، فهم مواطنون في أفغانستان. ولا يقال مثل ذلك عن القاعدةِ، ولا عن الجنود والمدربين والمستشارين والمقاولين الذين أرسلتهم الولايات المتّحدةِ." [5]
والأمر المركزي بالنسبة للإستراتيجيةِ الأمريكيةِ لأفغانستان هو تطوير جيش وطنيَ أفغانيَ، استعداداً لمُوَاجَهَة المقاومةِ عندما تنسحب الولايات المتّحدةَ في نهاية الأمر. وهذه السياسةِ فاشلة. فالتوظيف والتدريب كَانا بطيئَين ويواجهان مشكلة الهروبِ والفشل المُزمن في تسجيل المُجنَّدين. فالتسجيلِ أقل مِنْ 50 %، وعلى الرغم مِن أن نسبة البطالة في البلاد تصل 40 % إلاّ أن التوظيف أقل بكثير مِن الأهداف المحددة، وأن عدد الطاجيك غير المتناسب في الجيش يجعل الجيش غير متناسب ولا يمثل التركيبة العرقية للبلادِ. ومحاولة بناء جيش موثوق وموالٍ للنظامِ في مواجهة طالبانِ، هي ببساطة محاولة لا حظ لها من النجاحِ. والسَنَوات الثماني السابقة قدمت دليلاً كافيَاً على هذا.
"الجيش الوطني الأفغاني - المعدّ لتولي مهمة الصراع عندما ينسحب التَحَالُفَ - سوف لَنْ يَكُونَ قادراً حتى على إطعام نفسه في خمس سَنَوات، ناهيك عن صدّ مَدَّ طالبانِ المتزايدِ." [6]
أيّ شكل من أشكال التعاون مَع الأمريكان سيكون ملوَّثاً. فبدلاً مِن نشر واحة السلام والأمنِ في كافة أنحاء المنطقة والمناطق الريفية البعيدة بشكل خاص، ترك الأمريكان آثاراً ملطّخة تروّعُ الشعوب الأصليينَ. فسياسةَ الاغتيالاتِ هي مثالِ واحد فحسب لسوءِ الظنّ الذي غرسه الاحتلالِ. في مقالةُ حديثة في نيويوركر كتب جين مييَر عن أثر استهداف بيت الله محسود (بالطائرات بدون طيّار) : "16 هجمة كَانتْ ضرورية، على مدى 14 شهراً، لقتل ما مجموعه حوالي 538 شخصاً، منهم 200-300 كَانوا متفرجين. ماذا سينتج مِنْ سمعةِ شرطة موجودة في حيّ مليء بالجريمةَ عندما يَتصرّفونَ بمثل هذا الأسلوب؟ وماذا يَجْعلُ أي واحد يَفترضُ أن ردَّ الفعل سَيَكُونُ أقل تطرفاً عندما يَجيءُ الشرطي مِن بلاد أخرى؟ "[7]
كتب ديفيد كيلكولين، مُستشار كبير سابقِ لديفيد بيترايوس لمكافحة الإرهاب "كُلّ واحد مِنْ هؤلاء الموتى غيرِ المقاتلين يُمثّل عائلة فقدنا ولاءها، وانتقاماً جديدا يسعون لهً، ومُجنَّدين أكثر لحركة فدائية."
أفغانستان، مقبرة الإمبراطورياتِ
"منذ احتلالِها مِن قِبل جنكيزخان وفرسانه المغول الأشداء الذين بلغ عددهم مليوني شخص إلى الحربِ بالوكالة بين الدولتين العظميين الولايات المتّحدةِ والاتحاد السوفيتي، جعلت طرق التجارة عبر أفغانستان وموقعها البرّي المغلق في وسط المنطقةِ لقرونِ عرضة للغزو من القوى الخارجيةِ. بالرغم من أن أفغانستان تَحمّلَت موجاتَ متعاقبةَ من الغزاة الفرس واليونان والعرب والأتراك والمغول والبريطانيين والسوفييت فإنه لم تنجح أبداً أي قوة محتلة أن تفتحها. لقد كان هناك سبب وجيه لوصفها "مقبرة الإمبراطورياتِ" [8]
فأي قيادة سياسية جديدة مُتَحَصّنة، حتى المفْرُوضة منها فرضاً، تتطلّبُ شرعيةً ودعمَاً شعبياً. وصف نائب الرئيسِ السابقِ لبعثة الأمم المتحدةِ في أفغانستان انتخابات أغسطس/آب 2009 "حطام قطار". بلافتةٍ مِن الشرعيةِ قبل أَو بعد تلك الانتخاباتِ، ربما يَتمتّعُ كرزاي في أحسن الأحوال بنسبة تأييد تبلغ 30 % . والمفتاحَ لقَمْع أي تمرّدَ هو دعمُ السلطةِ الحاكمةِ مِنْ قبل 85 إلى 90 % [9]. وُصِف نظام كرزاي مؤخراً بأنه مثل "حكومة لصوص، عاجزة وغير شرعية تماماً." [10].
بحكومةِ مَفْرُوضةِ وأنظمةِ حكم مَفْرُوضةِ (أي الديمقراطية)، هَلْ سيكون هناك نجاح محتمل لا سابقة لمثله في المنطقةِ؟
يعولون كثيراً على استطلاعات رأي محلية تُشيرُ إلى دعم إيجاد الديمقراطيةِ ومعارضة التمرّد / طالبان. لكن هَلْ يُمْكِنُ لأيّ شكل من الاستطلاعات في بلاد محتلة أنْ يُؤْخَذَ بجدية؟
"من المشهور أن الأفغان مؤدّبون؛ تبين استطلاعات الرأي الغربيةُ فقط ما يظن الأفغان أن السائل يُريدُ سماعه، كما تمليه ثقافتهم، لا كما يعتقدون فعلاً." [11]
لماذا يَجِبُ أَنْ يُجيب الواحد غير ذلك عندما يُسأَلُ من جهة آلة تصوير تلفزيونية غربية، بينما القوة العسكرية للمُحتلِ قريبة منه؟
قلّلت الولايات المتّحدةُ بشكل كبير من درجة المعارضة التي أوجدتها في هذه الأمةِ الصغيرة والفقيرةِ - أمة افتخرت كثيراً في طَرْد قوات الغَزْو المتعاقبةِ عبر عِدّة قرون. تكلم ديك تشيني عن بديهيةِ "الحرب اللانهائية"، وهي فكرة من الصعب أن تقتنع بها الولايات المتّحدة المادية - بينما الشعب الأفغاني يَعِيشُها، لَيسَ باختياره ولكن بحكم ضرورةِ الدفاع عن أرضِهم حسبما تأمرهم عقائدهم. ويشتد عزمهم القتالي في ظل الظروف الريفيةِ القاسيةِ، وجيل بَعْدَ آخر لا يعرف سوى ذلك.
وعلى الرغم مِن التفوقِ العسكريِ الواضحِ في الأسلحةِ، فإن قوات الولايات المتّحدة / منظمة حلف شمال الأطلسي قد وقعت في الفخاخ الكلاسيكيةَ في السَيْطَرَة على المراكز السكانية الرئيسيةِ ولم تحرز أي تقدّمَ في المناطق الريفية كثيفة السكانِ. وستكون مسألة وقت فحسب قَبْلَ أَنْ يَنضمّوا إلى الإسكندر الأكبر والإمبراطورية البريطانية، والاتحاد السوفيتي في إجبارهم على التخلي عن حرب لا يمكن كسبها.
الفصل الثاني:
الحكم العاجز لمنظمة حلف شمال الأطلسي منذ 2001
المقدمة
عندما أمر قادة الغرب في 2001 باحتلال أفغانستان، حددوا أهدافَهم من هذا الاحتلالِ. تَكلّموا عن جَلْب السلامِ إلى المنطقةِ، وإقامة حكومة تخضع للمحاسبة، وتشجيع التنمية الاقتصادية والصناعيةِ، وإنهاء تجارة الأفيونِ وتأمين حقوقَ الشعبِ الأفغانيِ.
في نهايةِ العقدِ، ليس الغرب قادراً على تحقيق ذلك في أفغانستان. بدلاً مِن ذلك، أُخضع شعب أفغانستان إلى احتلال وحشي، فآلاف المدنيين قتلوا ورأى العديد مِن الأفغان بأنفسهم وعودَ الغرب الفارغةَ 'بالحريةِ' و' حقوق الإنسان" عندما حجزوا وعذّبوا في معتقلات بارغهام وقندهار. ونظام كرزاي، فاقد الثقة تماماً بسبب الحماقة والفسادِ والتعامل مع أمراء الحرب القساة، لا يزال مدعوماً من قبل لندن وواشنطن. تجارةَ الأفيون تَزدهرُ ويُزعَم أن سياسيين وثيقي الصلة بالغربِ متورطون في ذلك. ليس هناك تنمية اقتصادية أَو تنمية صناعية، وعلى الرغم مِن وعود ببلايينِ الدولاراتِ من المساعدات، ليس هناك دليل على إعادة بناء أفغانستان الموعود.
على الرغم مِنْ هذا، حذر الرئيس الأمريكي أوباما في خطاب له في 2009 من نتائجِ انسحاب الغربِ من أفغانستان؛ " إن العودة إلى حكم طالبان يعني بالنسبة للشعبِ الأفغانيِ الحكم على بلادهم بالعودة إلى الحكمِ الوحشيِ والعزلة الدولية, وإلى الشَلل الاقتصادي وحرمان الشعب الأفغاني من حقوقِ الإنسان الأساسية بخاصة النساء والبنات."
سنراجع في هذا الفصلِ ما جلبته ثماني سنوات من التدخل الأجنبي إلى أفغانستان ونَكْشفُ القصّةَ وراء عجز الغرب وفقدانه الكامل للمصداقيةِ.
الاحتلال الوحشي
منذ الاحتلالِ الغربيِ لأفغانستان، فَقد آلاف المدنيين أرواحهم. وطبقاً للأُمم المتّحدةِ، قتل أكثر من 2100 مدني في عام 2008 وحده، بزيادة حوالي 40 % عن 2007. في النصف الأوّلِ من 2009، سجلت مهمّة معونة الأمم المتحدةَ في أفغانستان 1013 وفاة مدنيةَ أفغانيةَ للشهورِ الستّة مِن يناير/كانون الثّاني حتى أول يونيو/حزيرانِ 30 [1]. وهذا يُمثّلُ زيادة 24 % عن نفس الفترة في 2008، عندما قتل 818 مدنياً. وفي 2007 قتل 684 مدنياً في نفس الفترة.
بكلمة أخرى، عندما صعّدَ الفائز بجائزة نوبل للسلامِ، الرّئيس أوباما الحربَ وأرسلَ آلافاً من القوَّاتِ الإضافيةِ إلى أفغانستان، ارتفعَ عدد الوفيات من المدنيين 24 %.
بينما تدعي حكومات غربية بأنّ البعض مِن هؤلاء المدنيين قُتِلوا في هجمات مِن قِبل "الفدائيين"، فإن من الواضح أن الاحتلال الغربي هو الذي سبّبَ اضطرابَاً في أفغانستان أدى إلى وفاة آلافِ المدنيين.
وخسر الغرب إضافة إلى ذلك الشرعية الأخلاقية من خلال سياساتِه في السجونِ السريةِ، والاعتقال دون أحكام قضائية، والتعذيب الوحشي، ونقل المعتقلين إلى بلاد أخرى للاستجواب والتعذيب فيها. وما حَدثَ في أبو غريب وخليج غوانتانامو لم يكن مجرد انحراف. ففيما يتعلق بمركزِ الاعتقال الأمريكيِ في باغرام في أفغانستان، ذكرت النيويورك تايمز بأنّ " ملفَ باغرام يَتضمّنُ شهادة كافية بأنّ المعاملة القاسية من قبل بعض المحققين كانَت عملاً روتينياً وأن الحرّاسِ كانوا يَضْربون المعتقلين المُقَيَّدينَ وهم في حصانة من المساءلة. والسجناءُ المهمّون أو المزعجون كان يقيدون أيضاً إلى سقوفِ وأبوابِ زنازينهم، أحياناً لفتراتِ طويلةِ، وهو عمل صنّفَه المحققون العسكريون مؤخراً بأنه تعدّ إجرامي ". صرحت افتتاحية في النيويورك تايمزِ "بأنّ ملف التحقيق حول باغرام، الذي حَصلَت عليه التايمز، أظهر أنّ سوءَ معاملة السجناءِ كَانَ روتينيَاً: تَقييدهم إلى سقوفِ زنازينهم، حرمانهم من النوم، ركلهم وضْربُهم، إذلالهم جنسياً وتهديدهم بكلابِ الحراسة - وهو نفس الشيء تماماً الذي تكرر لاحقاً في العراق." [2]
وعذب سجناء آخرون في السجنِ الأمريكيِ في مطارِ قندهار في أفغانستان. كان شاكر عامر أحد المحجوزين، الذي أُخضعَ إلى أسابيع مِن التعذيبِ الذي اشتمل الحرمانِ من النومِ على مدى تسعة أيام، والتعذيب بالماءِ الباردِ الذي أدّى إلى عضةِ الثلج و'ربطة الخنزير'، إضافة إلى الضرب المنتظم مع التهديد بإرساله للتعذيب في مصر، والأردن، أَو إسرائيل. وكان ضابط من الاستخبارات البريطانية الداخليةِ حاضراً أثناء استجوابِه وتعذيبِه.
وقد كشف مؤخراً مِن قِبل دبلوماسي كندي كبير، ريتشارد كلفن، بأنّ القوَّاتِ الكندية سلمت بشكل دوري أفغاناً اعتقلوا أثناء حملات عمليات تفتيش أمني إلى معذبين في المخابراتِ الأفغانيةِ. قالَ كولفن بأنّ الكنديين "احتجزوا وسلموا كثيراً من الناس الأبرياء من أجل التعذيبِ القاسي ". وواصل القَول بأنّ "ممارسات الحجز (كَانتْ) غير كندية، وذات نتيجة عكسية، ومن المحتمل غير شرعية." [3]
فساد نظامِ كابول المدعوم من الغرب
خلال السَنَوات الثماني الماضية، ردّد الغربَ الادّعاءات بأنه سيعمل لاسْتِئْصال الحكم الوحشي والفسادِ مِن أفغانستان. وادعوا أيضاً بأنّهم سيقضون على تأثيرَ أمراء الحرب في كافة أنحاء البلاد. على أية حال، القضية المركزية هو أنّ الفسادِ في أفغانستان لا يوجد في المحيط الخارجي للسياسةِ فحسب بل هو متصل مباشرة باللاعبين السياسيينِ الرئيسيينِ ، الذين قد رُبّوا ودعموا من قبل الغربِ.
بَعْدَ أَنْ رَبحَ كرزاي فترة حكمه الثانية بعد الانتخاباتِ الزائفةِ، حثه الرّئيس أوباما علناً على مُعَالَجَة قضيةِ الفسادِ. ومن سخرية القدر، أن نتيجة الانتخابات التي قبل بها الغرب كشفت بأن الانتخابات طالها من الفساد الكثير لدرجة أن واحدة من كل ثلاث أوراق اقتراع أعطيت لكرزاي اعتبرت باطلة من قبل الأُمم المتّحدةِ.
في تقريرها لعام 2009، قومت الشفافية الدولية أفغانستان بأنها الثانية بين أكثر الدول فساداً في العالمِ، وأن فساد القطاع العام يَسُوءُ للسَنَةِ الثانيةِ. أما الصومال التي مزّقتها الحرب فهي الأسوأ حسب مقياس تصوّراتِ الفسادِ المعتبرة من قبل المنظمةِ التي مقرها برلين، بين 180 دولة [4]. قالت المجموعة عن أفغانستان: "تَتراوحُ أمثلةَ الفسادِ مِن بيع مناصبِ عامة، وعدالة حسب الثمن، إلى الرَشوة اليوميةِ من أجل الخدماتِ الأساسيةِ ... وبالإضافة إلى تجارةِ الأفيونِ المتفاقمة - المرتبطة أيضاً بالفسادِ - يُساهمُ ذلك كله في المسار الانحداري لموقع البلاد على جدول الفساد." في مارس/آذار 2009, ذكر تقرير للوكالة الأمريكية للتنمية الدوليةِ أنّ "فساداً شاملاً ومتجذراً ونمطيّاً موجود الآن على مستوى لم يسبق له مثيل في تاريخِ البلادَ." [5] وجد مسح عام 2008 من قبل هيئةِ رقابة السلامةِ في أفغانستان أن العائلة النموذجية تدفع حوالي 100$ من الرشاوى سنوياً في بلاد يعيش أكثر مِنْ نِصْف سكانها على أقل مِنْ 1$ في اليوم.
ردَّاً على هذه المخاوفِ واسعة الانتشارِ، أنشأ كرزاي وحدة جديدة ضِدّ الفساد، بمساعدة وكالات أمريكية وبريطانية لفرض القانون. وهذه ثالث مؤسسة يقيمها نظام كرزاي لمُعَالَجَة المشكلةِ؛ فقد حلت المؤسسة الأولى عندما تبين أن رئيسها كَانَ قَدْ أدينَ وسُجِنَ في الولايات المتّحدةِ بتُهَمِة المخدرات.
في الوقت الذي تتغنى فيه لندن وواشنطن بالحديث عن الحكمِ الرشيد وحقوقِ الإنسان، يواصل عميلهم في كابول توثيق العلاقات مَع أمراء الحرب. أيد عبد الرشيد دوستم , أحد أمراء الحرب السابقين السيئي السمعة، حملة كرزاي الانتخابيةَ، وعادَ مؤخراً إلى أفغانستان مِنْ تركيا. وهو متَّهم بالإشْراف على قتل حوالي 2,000 سجينِ من طالبان أثناء عدوان 2001. ونائبا كرزاي، محمد قاسم فهيم وكريم خليلي، هما أيضاً أميرا حرب سابقان متهمان بانتهاك الحقوقِ.
كافحَ نظامُ كرزاي من أجل إقامة سلطة تتجاوز حدود العاصمة كابول. لكن الحكومات الغربية فقدت أيّ ثقة في قدرة نظامه على السَيْطَرَة على البلاد. وفي الوقت الذي ينتقدون فيه علناً استمرار سلطة أمراء الحرب، فإن حلفاء الناتو يَعتمدُون عليهم سراً. يقول تقرير صدر في سبتمبر/أيلول 2009 من قبل مركزِ جامعة نيويورك حول التعاونِ الدوليِ بأنّ الدول الغربية تغذي المشكلةَ بالاعتِماد على القوات الشعبية المواليةِ للقادةِ المحليّينِ - الذين يتورط بعضهم في انتهاكاتِ الحقوق وتهريبِ المخدّرات - في محاولة لتعزيز الأمن [6]. وقال وزير الدفاع الأمريكي، روبرت جيتس، في ديسمبر/كانون الأولِ 2009، بأنّ الجيشَ الأمريكي قَدْ يُسلّمُ مسؤوليةَ الأمنِ في أجزاء من أفغانستان إلى القادة المحليّين ورجالِ الأمن والشرطة التابعين لهم بدلاً مِنْ تسليمها إلى الجيش الوطني المدرب من قبل الولايات المتّحدةِ والتابع للرّئيسِ حامد كرزاي.
يَبْقى الغربُ واثقاً في قدرةِ حامد كرزاي على حُكْم أفغانستان واستئصال الفساد. لكن المحسوبية والفساد وتجارةَ المخدّرات المزدهرة حطمت أيّ ثقة عامّة في النظامِ الأفغاني المَدْعُومِ من الغرب.
التدخّل الغربي = ازدهار تجارة الأفيونِِ
في أكتوبر/تشرين الأولِ 2001، قبل أيام قَليلة من بداية حربِ أفغانستان، أخبرَ توني بلير مؤتمر حزب العمال "بأنّ أكبر كنز من المخدّراتِ في العالمِ موجود في أفغانستان، وتَحْتَ سَيْطَرَة طالبان ".ثم قالَ بأنّ 90 % من الهيروين الموجود في شوارعِ لندن كَانَ مِنْ أفغانستان: "والأسلحة التي تشتريها طالبان اليوم يدفع ثمنها بحياةِ شباب الشعبِ البريطانيِ، الذين يَشترون مخدّراتَهم من الشوارعِ البريطانيةِ." وكرّرَ رئيسُ الوزراء بَعْدَ أُسبوع هذا الإدّعاءِ في مجلس العمومِ، عندما أعلنَ بأنّ الحملةَ العسكريةَ قد بَدأتْ، مخبراً أعضاءَ البرلمان بأنّ طالبان "تمول نفسها بشكل كبير بواسطة تجارة المخدّراتِ".
وكرر بلير قوله في مقابلةِ في ديسمبر/كانون الأولِ 2005 بأنّ جزءَاً هاما مِن مهمّةِ الغرب في أفغانستان كَان من أجل معالجَة تجارة المخدّرات "... في حالة أفغانستان من الواضح أنها مهمة لأننا نَحتاجُ أيضاً إلى مُعَالَجَة تجارة المخدّراتِ التي لا تزال موجودة هناك والتي تعززت خلال سَنَواتِ حكم طالبان "[7]
وجهة نظر بلير بأن تجارة المخدّرات في أفغانستان قَدْ تعُزّزتْ أثناء سَنَواتِ حكم طالبانَ خاطئةٌ بشكل واضح. في يناير/كانون الثّاني 2004، كتب أستاذ الجرائم جراهام فاريل في جامعة لافبارا تقريراً وَصفَ فيه حرب طالبانَ ضدّ إنتاجِ الأفيونِ بأنه "الأكثر فاعلية" في الأزمنة الحديثةِ [8]. وَجدت دراسةُ الأستاذِ فاريل أن حملة طالبان ضد المخدّراتِ أدّت إلى هبوط الإنتاجِ العالمي للهيروينِ العالميِ بمقدار الثلثين في 2001. ولاحظَ أيضاً بأنّ زراعة الخشخاشِ (أزهار الأفيون) زادتْ كثيراً بعد سقوطِ طالبان.
على الرغم مِنْ مرور ثماني سَنَوات مِن الاحتلالِ، ظلّ الغرب عاجزاً عن وقف تدفقِ المخدّراتِ مِنْ أفغانستان. في 2008، نجحت الحكومة الأفغانية في إبادة مجرد 3.5 % من 157,000 هكتاراً من الخشخاشِ المزروع في أفغانستان لأن فِرَقَ الإبادة إمّا هوجمت أو رشيت مِن قِبل زعماء المخدّرِات المحليّينِ. في ديسمبر/كانون الأولِ 2009, اتهم فيكتور إيفانوف، رئيس الوكالة الروسية الاتحادية لمحاربة المخدرات القوَّات البريطانيةَ في محافظةِ هيملاند بعدم قيامها بما يكفي لوقف إنتاجِ الهيروين. قالَ بأنّ "60% من كل الأدوية المنومة في العالمِ يجري إنتاجها في المنطقةِ التي تقع تحت مسؤولية القواتِ البريطانيةِ ... كان هناك 25 هكتاراً من الأفيونِ في 2004. أما الآن فهناك 90,000 هكتاراً، مما يريك كم هم فعّالون." [9]
بالرغم من أن بَعْض تقاريرِ الأُمم المتّحدةِ الأخيرةِ أشارت إلى انخفاض قليل جداً في المنطقةِ المزروعة بالخشخاشِ، فإن المخزون الاحتياطي غير القانوني الحالي من الأفيون أكثر مِن ضعف الطلب العالمي أَو أكثر مِن 10,000 طنّ. وبينما نقص الإنتاج الكلّي قليلاً إلاّ أن طرقَ الإنتاجِ الأكثر كفاءة تعني زيادة المحاصيلِ في كلّ مزرعة. يعتبر البؤس ومرض إدمان المخدراتِ من المشاكل المتصاعدة. فدمار المحاصيل قد فشل، والاحتكارات الإجرامية انتشرت عبر إيران وروسيا وآسِيَا الوسطى.
هناك دليل شائع بأن حُكَّام أفغانستان المَدْعُومين من قبل الغرب منغمسون في تجارةِ المخدّرات المحظورةِ. في أكتوبر/تشرين الأولِ 2009، ذَكرتْ النيويورك تايمزَ بأنّ أَخا حامد كرزاي، وهو أحمد والي كرزاي، كَانَ موظفاً من قبل وكالة المخابرات المركزيةِ وكَان متهماً بلعب دور في تجارةِ الأفيونِ المزدهرة في أفغانستان. نُسِبَ إلى ضابط عسكري أمريكي كبير القول "مِئات ملايينِ الدولاراتِ من أموال المخدّرِات تَتدفّقُ خلال المنطقةِ الجنوبيةِ، ولا يَحْدثُ شيءَ في جنوب أفغانستان دون علم القيادةِ الإقليميةِ به ". "إذا كان يظهر كأنه بطّة، وهو يوقوق مثل بطّة، فمن المحتمل أنه بطّة " هذا ما قاله الضابط الأمريكي عن السّيدِ كرزاي. "نفترض أنّه يَستفيدُ من تجارةِ المخدّرات." [10]
تأثرت القوّات المُسَلَّحة الغربيةِ في أفغانستان أيضاً بالارتفاعِ الحادِّ في توفرِ المخدّراتِ المحظورةِ. فمعدلات إدمان الهيروين بين القوات الأمريكيةِ قد تضاعفَت خلال أربع سَنَوات. وقد كشف أيضاً عن أنّ مِئات مِن الجنود الاستراليينِ قد اختبروا إيجابياً تجاه استخدام مجموعة من المخدّراتِ غير الشرعيةِ منذ أُرسلتْ القوات إلى أفغانستان [11].
"إعادة البناء" المستعصية لأفغانستان
إنّ "إعادة بناء" أفغانستان هو احتيال أكثر من الفشلِ. فنِصْف كابول محطمة، والكثير مِن الناسِ ما زالوا يعيشون في الخيام، وآلاف لا يستطيعون الحصول على عمل، وأطفال جياع، ومَدارِس مزدحمة ومستشفيات قذرة، ونِساء تستجدي في الشوارعِ وتتجه نحو الدعارةِ، وأطفال يَختطفونَ ويَباعونَ كعبيد أَو يقَتلون من أجل أخذ أعضائهم.
خصص الكونغرس الأمريكي منذ 2001 أكثر مِن 39$ بليون كمساعدات إنسانية ولإعادةِ بناء أفغانستان، بناء على تقرير المفتش العامِ الخاصِّ الأمريكيِ لإعادةِ بناء أفغانستان. تُرسلُ الدول الأوربيةُ حوالي بليون يورو (1.49$ بليون) سنوياً، أي ما مجموعه 9 بليون يورو منذ 2002.
طبقاً لبياناتِ 2008، بلغ الإنفاق العسكري الأمريكي 100$ مليون في اليوم، يذهب 7$ مليون للتطويرِ، بينما يذهب 40% من تلك ال 7$ مليون تضيع كنفقات إدارية. لذلك يذهب حوالي 4$ مليون فقط للناس. ومن هذه ال 4$ مليون يذهب أقل مِنْ 5 % للتنمية الزراعيةِ، رغم أن 80 % من السكانِ يَعتمدُون على الزراعةِ كوسيلة للعيش [12].
ويستمر القادة الغربيون في عقد مؤتمر بعد مؤتمر ويَعِدونَ بالبلايين كمعونة إلى أفغانستان. ويَسْألُ شعبُ أفغانستان بحق "أين ذهبت كُلّ هذه المساعدات؟ " وبينما يكون الجواب الرسمي "الفساد"، تقترح تقارير كثيرة بأنّ جزءِاً فقط من المساعدات - قَدْ يَكُون 40 % - هو "مساعدات حقيقية"، أما الباقي فهو "مساعدات خيالية" لا تظْهرُ حتى في الدولة المتلقية للمساعدة. تَحْتسبُ بَعْض البلدانِ الإعفاء من الدّين أَو تكاليف بناء سفارات أجنبية جديدةِ كمساعدة. مُعظم المالِ لا يغادر البنوك الغربية أبداً بل يدفع مباشرة إلى "الخبراءِ" الغربيين. مُعظم المساعدات مقيد بشروط تلزمُ المتلقي باسْتِعْمال المالِ لشِراء مُنتَجات مِن الدولة المانحةِ، حتى وإن توفرت نفس المُنتَجات محلياً بسعر أرخص.
مُعظم أموال المساعدات يَذْهبُ إلى الشركاتِ الأجنبيةِ التي تَتعاقدُ بحدود خمس مرات متتابعة مع مقاولين ثانويين يتطلع كل منهم إلى ربح يبلغ ما بين 10 % و20 % أَو أكثر قبل أن يقوم بأيّ عمل في المشروعِ. إنّ المتبرعَ الأكبر في أفغانستان هو الولايات المتّحدةُ، التي تحول دائرة الاستثمار الخارجي فيها (يو إس أي آي دي) نِصْف ميزانية مساعداتها تقريباً لأفغانستان، تحولها إلى خمسة مقاولين أمريكيينِ كبار. أحد الإنجازاتِ الفاخرة لهذه الدائرة (يو إس أي آي دي) هو الطريق السريع بين كابول وقندهار الذي بُنِى من قبل مجموعةِ لويس بيرجير. استعدت شركات دولية أخرى بناء الطريق السريعِ بسعر 250,000$ لكلّ كيلومتر، بينما أخذت الشركةَ الأمريكيةَ التي منحت عقد عمل الطريق بسعر 700,000$ لكلّ كيلومتر. تَعاقدَ الأمريكان مع شركاتَ تركيةً وهنديةَ لبِناء الطريقِ السريعِ الضيّقِ ذي الممرين بكلفة نهائية قدرها حوالي 1$ مليون لكلّ ميل، وهناك تقارير تقول بأن الطريق قد بدأ ينهار منذ الآن. لذلك لم تكن مفاجأة عندما شكا الوزير السابق للتخطيط، رمضان بشاردوست بأنّه عندما يتعلق الأمر ببِناء الطرقِ، فإن طالبان قامت بعمل أفضل.
يوجد في أنحاء أفغانستان قصص جسور لم يكتمل بناؤها، وطرق لا توصل لأي مكان، ومستشفيات مهددة بالانْهياَر عند أول عاصفة شديدة، والسبب الرئيسي هو المقاولون الغشّاشون الذين يختزلون في مواد البناء أَو العمل. كثير من هؤلاء أمراء حرب سابقون استخدموا صلاتهم بالنظامِ للحصول على عقود مربحة.
ليس هناك تنمية اقتصادية أو صناعية. لا يوجد في الحقيقة على الأغلب نشاط اقتصادي في البلادِ، ماعدا المساعدة الدولية وإنتاج المخدراتِ غير الشرعيةِ.
تجربة أفغانستان في تلقي المساعدات الخارجيةِ لَيستْ مختلفة عن الكثير من الدول الأخرى. فمنذ الحرب العالمية الثانيةِ، قدمت الولايات المتّحدة وحدها 1$ تريليون كمساعدة خارجية إلى بلدان حول العالمِ. ولكن طبقاً للأُمم المتّحدةِ، فإن 70 مِن البلدانِ التي تلقت المساعدات كانت في 1997 أفقر مما كَانت عليه في 1980، ومن المدهش أن 43 منها أصبحت أسوأ حالاً مما كانت عليه في 1970 [13].
على الرغم مِنْ بلايينِ المساعدةِ وثماني سَنَوات مِن الاحتلالِ، أخفقَ النظامُ المَدْعُوم من الغرب حتى في بدء إعادة بناء أفغانستان. طبقاً للأُمم المتّحدةِ، تُصنّفُ أفغانستان حاليا في المرتبة 174 بين 178 بلداً على مستوى التطورِ الإنسانيِ - وهو تصنيف يدمج معدل دخل الفرد مع إحصائياتِ الصحة العامةِ، ومعدل الجريمة ومؤشرات أخرى. فمن بين كُلّ 1,000 طفل رضيع يولد في أفغانستان، يموت 142 قبل بلوغ عيدِ ميلادهم الأولِ. وتموت امرأة حامل كُلّ 30 دقيقة. والمتوسط العام للعمر يقدر بأقل من 42.5 سنة. يكدّ الأفغان للعيش بكفاف على حوالي 1,000$ سنوياُ. هذا هو المعدل، بينما أكثر مِن نِصْف السكانِ يكسب أقل مِن 2$ في اليوم. وطبقاً لتقريرِ التطويرِ الإنسانيِ الوطنيِ في 2007، انخفض مستوى معرفة القراءة والكتابةِ مِنْ 28.7 % في 2003 إلى 23.5 % في 2007.
فشل مهمّةِ الاستعمار الجديد
في أغسطس/آب 2002، كان وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد يُعلنُ مبكراً وبغطرسة بأن أفغانستان الجديدة "إنجاز مدهش "و" نموذج ناجح لما يمكن أن يَحْدث في العراق". على أية حال، بعد ثماني سَنَواتِ مِن الاحتلالِ فَقدَ الغربَ أيّ سلطةِ أخلاقيةِ لمُوَاصَلَة إحتلالِه ولدعمِ نظامِ كرزاي فاقد الثقة على شكل واسع. حتى السفير البريطاني السابق في واشنطن، سير كرستوفر ميير، أُجبرَ مؤخراً على الاعتِراف بأنّ الحرب في أفغانستان "مجنونة" و"عقيمة" ولا تخدم أي "مصلحة وطنيةَ معقولةَ".
وفي برقية سربت مؤخراً، نصح السفير البريطاني في كابول وزارةَ الخارجية البريطانيةَ "بأنّه في المدى القريبِ علينا أنْ نَنْصحَ المرشّحين الرئاسيينَ الأمريكيينَ بعدم زيادة التورط في أفغانستان ... فالإستراتيجية الأمريكية محكوم عليها بالفَشَل ". وواصل قوله قائلاً بأن أفضل أمل هو تنصيب دكتاتور مقبولَ في كابول [14].
بعد مرور ثماني سنوات، فإن الخطة الأخيرة المقدمة مِن قِبل صُنّاعِ الساسة الغربيينِ تريد اسْتِئْصال تجارةِ الأفيونَ، وإنهاء الفساد، والتأكيد على حقوقَ الإنسان، وإيجاد تنمية اقتصاديةَ وصناعيةَ، وإقامة نظام حكم قانوني خاضع للمحاسبة في كابول. على أية حال، هذه لَيستْ خطة ولكنها بالأحرى وصف لما كَانوا عاجزين عن إنْجازه خلال السَنَوات الثماني الماضية. وليس هناك سبب مُقنع للاعتقاد بأنَّه يمكنهم مجرد بدء إحْراز تقدّمِ إذا أعطوا ثماني سَنَواتَ أخرى.
على الرغم مِنْ فشلِهم المدقع في أفغانستان على كُلّ الجبهات، يطرح براون وأوباما رؤية خيالية متفائلة. يُريدونَ إخْفاء الحقيقةِ التي يستحيل إنكارها بأن التدخّلِ الغربيِ في أفغانستان وثيق الارتباط بالفسادِ السياسيِ، والحكم الوحشي، والتعذيب، والوحشية، وازدهار إنتاجَ المخدّرِات، وغياب التنمية الاقتصادية والصناعيةِ. بعد ثماني سَنَوات مِن التعديلات، تبقى سياسةِ الغربَ متسمة بالأوهامِ، مغلفة باللغةِ الغامضةِ، ومغطاة بالادّعاءاتِ الأخلاقيةِ.
مهمّة الاستعمار الجديد في أفغانستان قد فَشلتْ. لا يوجد للغرب ولا لنظامه العميل في كابول أي شرعية أَو مصداقية في نظر الشعبَ الأفغانيَ أَو العالم الإسلامي عموماً. هذه السنوات الثماني الطوال الحمقاء يَجِبُ أَنْ تَنتهي الآن.
وإذا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ. أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ. ( 2: 11-12)
الفصل الثالث: خرافات عن حرب أفغانستان
المقدمة
تحدث اللورد بالمرستون في القرن التاسع عشر عن أن المصلحة الوطنية البريطانية تخدم بشكل أفضل بقوّةِ المصالحِ الدائمةِ. وفي القرن الثامن عشر في العالم الجديدِ، قادَ جورج واشنطن قوّة مُسَلَّحة لإزالة احتلال وحشي كانت تتزعمه قوى غربية استعمارية. ومع هذا، يقوم ورثة بالمرستون وواشنطن اليوم باحتلال وحشي في أفغانستان مدّعين بأنّ الحربَ في أفغانستان ضرورة ولَيسَت خياراً. على أية حال، سيبين هذا الفصلِ بأنَّ الحججَ المقدمة لتبرير الحربِ في أفغانستان لا تصمد للتحقيق حيث لا يوجد هدف إستراتيجي موثوقِ به، كما لا تتطابق الوسائلَ مع الإستراتيجية. فأفغانستان ومثل ذلك العراق من قبل، لا تمثل لورثة بالمرستون سوى لوحة شطرنجِ تستَعملُ من أجل اعتباراتِ جغرافية إستراتيجية أوسع.
توجد الخرافات التاليةُ عن الحربِ الأفغانيةِ الحاليةِ:
1. الحربَ في أفغانستان تجعل شوارع العواصمِ الغربيةِ أكثر أماناً.
2. تدريب قوّاتَ الأمن الأفغانيةَ إستراتيجية فعّالة للخروج من أفغانستان.
3. يوجد تحالف دولي يقاتل في أفغانستان.
4. لا يوجد حَلّ سياسي من داخل المنطقةِ.
5. باكستان هي مصدرُ التمرّدِ في أفغانستان.
الخرافة الأولى: الحربَ في أفغانستان تجعل شوارع العواصمِ الغربيةِ أكثر أماناً
يُصرّحُون بأنّ الحربَ في أفغانستان حرب ضرورة ولَيستْ حرب اختيار؛ وأن الحرب في أفغانستان سَتَجْعلُ الشوارعَ في الغرب أكثر أماناً؛ وأنهم بالقتال هناك (أي في أفغانستان) لَن يحتاجوا للحرب هنا (أي في الغرب). وبرغم ذلك، يرى العديد مِن الخبراءِ بأنّ القاعدة تنشط في عدد مِن البلدانِ في بقاع الكرة الأرضية ويستقر الآن عدد صغير فقط في أفغانستان. ويزعمون في الحقيقة أن معظم التخطيط التنفيذي المُفصّلِ لأحداث 9/11 حَدثَ في بون في ألمانيا. لِذلك، لا يمكن القول بأنه حتى هزيمة القاعدةِ في أفغانستان - أَو في باكستان - سيحقق هزيمة حاسمة. حتى إذا تجاهلنا العقلية الاستعمارية التي تعامل الشعبَ الأفغانيَ وبلادَهم كمجرّد ملحقات في الحربِ الأخيرة التي يشنها الغرب، فإن بديهية فكرة الأمنَ ذاتها خاطئة.
لم يمنع احتلال الهند لكشمير بواسطة 500,000 جندي الهجماتَ في المُدنِ الهنديةِ. والاحتلال الإسرائيلي لفلسطين لم يجعل المواطنين الإسرائيليينَ في مأمن من الهجمات. ووجود 27,000 جندي بريطاني في آيرلندا الشّمالية لمدة 38 سنة لَم تَمنع الجيش الجمهوري الآيرلندي من مُهَاجَمَة الجزيرةِ البريطانيةِ. وكذلك لم يوقف احتلالُ أفغانستان الهجماتَ عالمياً. وكما جرى التأكيد عليه عبر تعليقات واسعة، فإن السياسة الخارجية الغربية، كدعمِ احتلال إسرائيل الوحشي، والحروب في العراق وأفغانستان، ودعم الحكام المسلمينِ المستبدين عبر العالمِ الإسلاميِ هي التي تسبب ردّة فعل خطيرة. لذلك فزيادة القوَّاتِ في الحربِ في أفغانستان سوف لَنْ تَنهي موجةَ العنف الحاليةَ، بل ستجلب مزيداً من الكراهيةَ والاستياءَ في العالم الإسلامي.
المهمّةَ المزعومةَ في أفغانستان مليئة بالتناقضاتِ:
أولاً: عدد ناشطي القاعدةِ في أفغانستان أقل مِنْ 100. ففي مقابلة مع السي إن إن في أكتوبر/تشرين الأولِ 2009 [1]، صرّحَ مُستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيمس جونز بما يلي: "الأخبار الجيدة تقول أنّ و جود القاعدة يتناقص جداً، " وقال جونز: "لا أتنبأ بعودةَ طالبانِ. وأُريدُ أن أكُونَ واضحًَ جداً: أفغانستان لَيستْ في خطرِ السقوط - لَيستْ في خطرِ وشيكِ - ... وسَيَكُونُ من غير الحكمة التسرع في إعطاء حكم نهائي هنا." إذا كان هذا هو الحال، لماذا نتطلب 140,000 جندي غربي في أفغانستان، وإذا كانت قوة القاعدةِ أقل مِن 100 فلماذا لا تَستطيعُ قوّاتُ الأمن الأفغانيةُ، وهي حالياً 190,000، على مواجهة مثل هذه العددِ الصغيرِ من ناشطي القاعدةِ؟
ثانياً: حتى إذا زعم بأنّ القاعدةِ تَوجد في المناطقِ الحدودية بين أفغانستان وباكستان (طبقاً لرئيسِ الوزراء غوردن براون، ثلاثة أرباع المؤامراتِ الأكثر خطورة التي تُواجهُ المملكة المتحدةَ لَها ارتباط بباكستان) [2]، فما الذي تصنعه إذن قوات الناتو في كابول أَو هرات أَو في مزار الشريف؟ إذا كانت القاعدةِ موجودة على الجانبِ الباكستانيِ فمن المفترض إذن أن تقع مسؤولية التَعَامُل معها على أجهزةِ الأمن الباكستانيةِ. ورغم ذلك، طبقاً لرئيسِ الوزراء براون، فإن أعداد المقاتلين الأجانب المتركزين في المنطقةِ الشمالية في باكستان، والذين يَتعلّمُون صنع القنابل ومهاراتِ الأسلحةِ، تبلغ عدّة مئات فقط [2].
ثالثاً: إذا كانت حجّتِهم أنّ حجمِ هذه القوةِ ضروري لإضعاف شأن طالبانِ، فهذه أيضاً حجة واهية. فطالبان لم تكن مسؤولة عن أحداث 9/11، وبالتأكيد لَيستْ مسؤولة عن ثلاثة أرباعِ أكثر المؤامراتِ خطورة التي تُواجهُ المملكة المتحدةَ. وما تصنعه منظمة حلف شمال الأطلسي اليوم هو التدخّلُ في حرب أهلية بدعم تحالف الشمالِ ضدّ طالبان في جنوبِ وشرق البلادِ. وعلى النقيض من بَعْض التعليقات، فإن طالبان مواطنون أفغان ينحدرون من نفس تجمّعات الباشتونِ العشائريةِ التي يأتي منها العديد من مسؤولي الحكومةِ الأفغانيةِ والتي لَها جذور على جانبي الحدودِ الباكستانيةِ الأفغانيةِ. وأسلافهم من قبل قد صدوا المحتلَ سواء كانوا بريطانيينَ أَو سوفيتاً، وأعضاء المقاومةَ اليوم يرون واجبهم دحر منظمة حلف شمال الأطلسي.
رابعاً: تعمل القاعدة كمنظمة في بلدانِ متعدّدةِ وهي مؤسسة لامركزية بشكل كبير. وحتى إذا استطاعت منظمة حلف شمال الأطلسي، نظرياً، هَزيمة كُلّ عضو من أعضاء القاعدةِ في أفغانستان وباكستان فإن هذا لن يحقق الهدفَ الإستراتيجيَ وهو هزيمة هذه المجموعةِ. وزارة الدفاع الأمريكيةُ تعترف نفسها بأن العديد مِن المقاتلين الأجانب قد رحلوا الآن إلى بلدانِ أخرى مثل الصومال واليمن [3].
خامساً: تتناقض إحصائيات الحكومةِ البريطانيةِ الخاصة وتقرير جديد لمجلسِ دراسة أمريكيِ تناقضاً تاما مع الفكرة القائلة بأنّ أكثر الإرهابيين يأتون مِنْ شواطئِ باكستان أَو أفغانستان. فطبقاً لإحصائياتِ المملكة المتحدةَ الخاصةَ [4] بين 11 سبتمبر/أيلولِ 2001 و31 مارس/آذارَ 2008، أن من بين الـ142 سجيناً إرهابياً / متطرّفاً في إنجلترا وويلز في 31 مارس/آذار 2008 يوجد 3 منهم فقط لديهم جنسية باكستانية دون أن يوجد أحد منهم ذو جنسية أفغانية. لذا، طبقاً لإحصائياتِ الحكومةِ البريطانيةِ الخاصةِ فأغلب الناسِ الموجودين في السجنِ مواطنون بريطانيونَ. وإذا زعمتم بأنّ أغلب المواطنين البريطانيينِ لديهم نوع من الصلات العائلية الباكستانية وهذه تُبرّرُ بطريقةٍ ما الارتباط الباكستاني، فإن هذه تعتبر فكرة ملفقة. فأولاً، أكثر المسلمين في بريطانيا إحصائياً ينحدرون من جنوب آسيا، لذا سَيَكُونُ غريباً إذا لم يعكس نزلاء السجون هذا الأمر. وثانياً، طبقاً لتقرير لمؤسسةِ التراثِ حول الهجماتِ الإسلاميةِ في المملكة المتحدةِ [5] يوجد 19 فقط من بين 81 (<20 %) من الناسِ الذين اعترفوا بالتهمة / أدينوا / أبعدوا لديهم خلفية عائلية باكستانية فعلية. وبالإضافة إلى ذلك نظر تقريرُ التراث أيضاً إلى المكان الذي يمكن أن يكون قد تلقى فيه هؤلاء الأفراد التدريب - بغض النظر عن جنسيتهم - في بلاد ما وراء البحار، وهي تهمة أخرى أثيرت في هذه المناقشة. واستنتجَ التقرير بأنّ 27 فقط من ال87 شخصاً المُدَانينِ إمّا تَدرّبوا أَو سعوا لتلقي التدريب في باكستان أَو أفغانستان.
سادساً: ومع هذا تقدم التجربة البريطانية في آيرلندا الشّمالية دليلاً إضافياً. فاستعمال الاحتلالِ العسكريِ، والحجز، والتعذيب، وقتل المدنيين هناك (وقد شَهدنَا كل ذلك في أفغانستان بشكل كبير) لَمْ يوفر للناس في بريطانيا أيّ أمن إضافي. لقد وَصلتْ القوَّاتُ البريطانية إلى آيرلندا في 1969 لتتصرف كما يبدو كحَكَم بين الكاثوليك والبروتستانت، لكنها في الحقيقة أججت النزاع بين الجاليتين، حيث استُهدِفت الجماعات الكاثوليكية وأعطيت الجماعات البروتستانتيةِ الموالية الإذن بالعمل. وبعد فترة من السيطرة على الأحداث انعكست سلبياً بشكل هائل، وإثر أحداث الأحد الدامي، أصبحت الهجمات على الجزيرةِ البريطانيةِ منهجية ومتواصلة. سواء كانت الهجماتُ في برمنغهام، أو كناري وورف، ووارينجتون أَو بيشوبس جيت - فإن وجود قوَّات في آيرلندا الشّمالية لم يكن ضماناً ضدّ هجماتِ الجيش الجمهوري الآيرلندي. بل في الحقيقة، إن وجود قوات بلغت في ذروتها 27,000 جندياً لَمْ تُوقف الجيش الجمهوري مِنْ مُهَاجَمَة مؤتمر حزب المحافظينِ في برايتون، بحيث كادت تقتل رئيسة الوزراء آنذاك، مارجريت ثاتشر.
سابعاً: يلقي تقرير مستقل مِن قِبل ساره لادبري حول ' لماذا يلتحق الناس بطالبان والحزب الإسلامي" [6] " أيضاً بَعْض الضوءِ على المناقشة. ناقش التقرير عدداً مِن الفرضيات حول الأسبابِ التي تدعو الناس للانضمام إلى جماعات مثل الحزب الإسلامي وطالبان، وخلص إلى القول بأنه كان هناك دليل على أن الهجوم العالمي المشاهد على الإسلامِ كما يشَاهدِ في فلسطين والعراق، هو أحد الأسباب، إضافة إلى النظر للحكومةَ الأفغانيةَ بأنها فاسدةَ ومتحيزة، كما أن سلوك قواتِ الاحْتِلال الأجنبية كَانَ عاملاً آخر. وكان ينظر أيضاً إلى فشلِ الحكومةِ الأفغانيةِ في توفير العدالةِ والأمنِ كأحد الأسباب الأساسية.
أخيراً: على النقيض مما يقول الساسة الغربيون [1] لم تضعف القاعدة بالحربِ في أفغانستان ولا هي أنهتْ موجةَ العنف. وهذا اقتباس مِنْ تقرير لشركةِ راند لعام 2008 . [7]
"تشير الدلائل بحلول 2008 إلى أن الإستراتيجية الأمريكية لم تنجحَ في تَقويض قدرات القاعدةِ. يخلص تقييمنا إلى أنّ القاعدة بَقيتْ منظمة قوية ومؤهّلة. . . . . اشتركت القاعدة في هجمات إرهابية منذ 11 سبتمبر/أيلولِ 2001، أكثر مما قامت به في تاريخها السابق. وشملت هذه الهجمات أوروبا، وآسيا، والشرق الأوسط وأفريقيا."
يَستنتجُ تقريرُ راند أيضاً بأن الوجود العسكري الأمريكيِ الذي يقوم بعملياتَ قتالية في المجتمعاتِ الإسلاميةِ من المحتمل أَنْ يزيد التوظيف الإرهابيَ. في الحقيقة، طبقاً لتقويم حديث من قبل المخابرات الأمريكيةِ، تضاعفت أعداد طالبان 4 مرات تقريباً مِن 0007 في 2006 إلى 25,000 الآن [8]. والإعلان عن 40,000 جندي غربي إضافي في أفغانستان سيؤدي فقط إلى أن تزيد طالبانَ أعدادها الخاصة زيادة نوعية.
الخرافة الثانية: تدريب قوّات الأمن الأفغانيةَ هي إستراتيجية خلاص فعّالة
يقال بأن طريق الخلاص من الحربِ في أفغانستان سَتَكُونُ تَدْريب قوّات الأمن الأفغانيةِ. فبينما ينهض الأفغان بمهمتهم تنسحب منظمة حلف شمال الأطلسي. تتفوق قوّاتُ الأمن الأفغانية حالياً على طالبان والقاعدة عددياً بأكثر مِنْ 7 إلى 1. ولكن في غياب الدعمِ لحرب ووسائل منظمة حلف شمال الأطلسي، تُقوّضُ القدرة الرئيسيةَ وعوامل سياسية إستراتيجيةَ الخلاص. فتغير مواقع الأهداف من قبل منظمة حلف شمال الأطلسي مقترنَاً بعدم صلاحيتهم لتدريب جيوشِ في مجتمعات إسلامية تبين بشكل واضح أنّ خطةَ الخلاص بعد ثماني سَنَوات مِن الاحتلال هي أمل كاذب.
طبقاً لمنظمة حلف شمال الأطلسي، كان عدد الجيشِ الوطنيِ الأفغانيِ في نِهايِةِ 2009 هو 94,000 جندياً [9]؛ وبالاشتراك مع قوّةِ الشرطة، يبلغ مجموع القوات الأفغانية حوالي 190,000 جندياً [10]. واقترح القائد العام للقوات الأمريكية ومنظمة حلف شمال الأطلسي الجنرال ستانلي ماكريستال في أغسطس/آب 2009 أكثر مِنْ ضعف القوات الأفغانية الحالية لتبلغ 400,000، منهم 240,000 جندي و160,000 شرطي [10]. ولكنّ الكثيرين يشككون بالوضع الحالي للجيشِ الأفغانيِ. قال جون كيري في خطاب في مجلسِ العلاقات الخارجيةِ ما يلي: "على الرغم مِن العدد البالغ 92,000 جندي سَأُخبرُكم بأنّ معظم التقديراتِ التي حصلت عليها أخبرتْني بأنّنا أقل من ذلك إلى حدٍّ كبير جداً - إننا اليوم 50,000، بل رُبَّمَا أقل مستوىً قياساً بأولئك الذين يُمْكِنُ أَنْ يعملوا بالفعل بالطريقة التي نَرْغبُ بها "[11]
طبقاً لمعايير القابليةِ الأمريكيةِ، فإن 78 % من الشرطةِ الأفغانيةِ عاجزة عن ممارسة واجباتها [12]. وبمقتل حوالي 1000 شرطي تقريباً في السَنَة الأخيرة وحدها، وبمستوى رواتب منخفض، لَيسَ مفاجأة أن تكون الروح المعنوية ضعيفة جداً. وطبقاً لشهادةِ أمام الكونجرسِ من قبل مجموعةِ الأزمةِ الدوليةِ (آي سي جي)، فإنه في أيّ يوم، يغيب حوالي 20 % من قوّةِ الشرطة المسجلة عن عملهم - وهناك 17 % آخرون مدرجون في لوائح العاملين لكنهم في الحقيقة أسماء شرطةِ موتى أَو جرحى، أبقيت أسماؤهم في اللوائح كي تتسلم عائلاتهم مرتباتهم. [13]
حتى إذا اعتقدت بأنّ الأعدادَ الحاليةَ صحيحة فإن تحقيق أعداد تبلغ 400,000 يَتطلّبُ في السَنَوات القليلة القادمة تقدماً أكثرَ جوهرية مما أُنجزَ في السَنَوات الثماني الأخيرة، . طبقاً لمقالةِ في المراجعةِ العسكريةِ [14]، فإن نوعية توظيف الجيشِ الوطني الأفغاني سيّئة، فكلهم عملياً أميّون، وجاهزيتهم منخفضة حتى بالمعاييرِ المتساهلة التي تفرض بالقوة لإظهار التقدّمِ، واستخدام المخدرات مشكلة كبيرة ومُتزايدة. التوظيف دون 50 بالمائة، لذلك بعقود لخمس سَنَوات، يترك كل سنة 12 بالمائة آخرون من القوات. وبالإصاباتِ والمرض، الخ. ، يتبخر سنوياً 25 % من الجيشِ الوطنيِ الأفغاني. يَعْرفُ الجيشُ بأن الجيشَ الوطنيَ الأفغانيَ لا يَستطيعُ أن يكبر أبداً لأكثر مِنْ 100,000 رجل، أي ضعف حجمَه الحالي، لأن عدد الملتحقين سنويا كان في السابق يساوي عدد المفقودين. فخطط توفير قوات قدرها 134,000 في2010 أَو جيش وطني أفغاني بحجم 240,000 شخص في المستقبلِ أمر سخيف. فحتى قادة منظمة حلف شمال الأطلسي [15]، الذين وافقوا على خطة لتسريع البرنامج التدريبي، قالَوا بأنّ الجيشَ الأفغانيَ مُصَاب بالتهرب من الخدمة والإدمان على المخدراتِ. لذلك فمن بين الجنود الأفغانِ الـ94,000 الذين تَدرّبَوا حتى الآن، فقد 10,000، كما قالَ الجنرالَ إجون رامز، القائد الألماني لمقر العمليات المسؤول عن القوةِ المساعدةِ الدوليةِ بقيادة منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان (إيساف)؛ وحوالي 15 بالمائة مدمنو مخدّرات، كما قال.
حتى إذا غضضنا الطرف عن مسألةَ القدرة، هَلْ يَعتقدُ أحد حقاً بأنّ الولايات المتّحدة ستَتْركُ أفغانستان بالكامل بعد بناء القواتِ الأفغانيةِ؟ إذا كان التهديد حقاً تهديد وجود، فالولايات المتّحدة تُريدُ دائماً أَنْ تحتفظ بحضور قوي في المنطقةِ كما تحتفظ في كوريا الجنوبية وألمانيا، بعد عقود من انتهاء النزاعات السابقةَ. فهي لن تسلم الأمر إلى الأفغان
على أية حال، حتى إذا أهمل المرء مسألة القدرة والتهديد، فإن القوات الغربية ليست الناس المناسبين لتدريب الجنود في المجتمعاتِ الإسلاميةِ. فبعد خليجِ غوانتانامو، ونوبات الجيش الليلية في أبو غريب، و"عمليات حجز ونقل السجناء إلى بلاد أخرى للتحقيق والتعذيب" وما حَدثَ في البصرة، ستكون القوات البريطانية والأمريكية آخر الناس على وجه الأرضِ تصلح لتَدريب الجيوشِ في المجتمعاتِ الإسلاميةِ. وهذا هو سبب الحالات المُتزايدة الآن من قتل قوّاتِ الأمن الأفغانيةِ لجنود من منظمة حلف شمال الأطلسي. وبغض النظر عن الحديث عن الفروق الدينيِة والثقافيِة، يظهر الجنود الغربيونَ غالباً مركب الشعور بالعظمةَ والغطرسةَ عندما يتعلق الأمر بسكان العالمِ النامي. ففي صحيفةِ الإندبندنت البريطانيةِ [16]، عبر جندي بريطانيَ لم يذكر اسمه عن وجهة نظره في الشرطةِ الأفغانيةِ في مقابلة صريحة، واصفاً إياهم بأنهم " جماعة من البلهاءِ" "وأن الإشراف (على الجنود) كان مثل تغيير حفّاظات الأطفال "ولديهم القدرة على الانتباه مثل الحشرات" وأنَّ معظمهم فاسد يَأْخذُون المخدّراتَ، ويَذْهبُون للنَوْم تاركين مكان عملهم ويُمارسَون الجنس مَع بعضهم البعض ".
بهذا النوعِ مِن السلوك المتغطرسِ ومشاكل القدرة المذكورة سابقاً يتضح بأنّ بناء قوة أفغانيةَ هي إستراتيجية للدعاية أكثر منها للخلاص من أفغانستان. فمن الواضح أن ما يسمى بإستراتيجيةَ الخلاص هو محاولةُ استرضاء معارضةَ مُتزايدة في العواصمِ الغربيةِ الذين تعبوا من احتلال عمره ثماني سنوات ومن خسائر متزايدة مِن جنودهم الشبابِ.
الخرافة الثالثة: وهم القول بوجود تحالف دولي للقتال في أفغانستان
يُصرّحُون بأنّ الحربَ في أفغانستان تتمتع بدعم الأسرة الدوليةِ؛ وأن 43 دولة ساهمت وشاركت بقوَّاتَ مهمة ومال ثمينَ في هذا المشروعِ الحيويِ. لكن المشكلة في هذا الزعم هو أن هناك دولتين فقط ساهمت كل منهما بأكثر مِن 5,000 جندي، وسيكون للولايات المتّحدة 70 % من القوَّاتِ بعد إتمام الزيادة الحالية المقترحة. 34 دولة من هذا التحالف يساهم كل منها بألف جندي أَو أقل، بينما عشَر بلدانِ لكل منها 10 جنود أَو أقل. أضفْ إلى هذا حقيقة أنّ معظم هذه البلدانِ وَضعتْ شروطاً صارمة كأنما قوَّاتها ذاهبة على الأرجح للاصطياف لا من أجل خوض قتال حقيقي. لذلك ففرضية وجود أسرة دولية لدى من يفكر بأن الحربَ في أفغانستان حرب وجود ليست صحيحة. وهذا يوجد أيضاً خسائرَ غير متكافئةَ؛ فَالمملكة المتّحدةُ فقدت جنوداً أكثرَ مِنْ كُلّ أعضاء منظمة حلف شمال الأطلسي الأوروبيينِ الآخرين مجتمعين.
غالباً ما يصرح مروجو الحربِ في أفغانستان بأنّ هناك تحالفاً دولياً مكوناً من 43 دولة يعمل في أفغانستان وذلك لتَبرير خطورة المهمّةِ. يبدو ظاهرياً أن وجود تَحَالُف مِنْ 43 دولة أمراً رائعاً ويُفتَرضُ أن ذلك يوحي بعمق الشرعيةِ الدوليةِ الذي لم يتحقق للحربِ ضد العراق. على أية حال، غالباً ما كان يتغنى جورج دبليو بوش وتوني بلير ب"تحالف الراغبين" ذي السمعة السيئة وذلك لتَغْطية حربِهم غير الشرعيةِ في العراق. لكن الفحص الدقيق للأعدادِ الفعليةِ [9] للدول المشتركة في حرب أفغانستان يفضح 'التَحَالُفَ' المزعوم.
تَتجاوزُ مساهمةُ بريطانيا مجموع مساهمات فرنسا وألمانيا وإسبانيا. إذا كانت قوى غربيةِ رئيسية مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا لا تُساهمُ بقوَّاتِ كبيرة في الحربِ في أفغانستان، إذن يمكن الوصول إلى واحد مِن استنتاجين. أولاً، إنها غير قادرة فعلاً على تقديم قوَّات أكثر إمّا بسبب القدرة (وهو سبب يمكن استبعاده لأن لديها جميعاً جيوشاً كبيرة) أَو لأسباب سياسية محلية تَمْنعُ نشر قوات أكبر. أَو ثانياً، وهو الاستنتاج الأرجح، وهو أن هذه الدول لا تقبل فكرةَ أن أفغانستان هي حرب وجود بالنسبة للغربِ.
حتى إذا تجاوزنا الحديث عن أعدادَ القوَّات التي تساهم بها كل دولة، فالعامل الأكثر دلالة هو عدد القيودِ أَو التحذيرات التي تضعها كُلّ دولة على طريقة استخدام قواتها. فطبقاً لتقرير جديد لمنظمة التراثِ [17]، يعتبر أعضاء الناتو الأوروبيون أسوأ المنتهكين من ناحية التحذيرات الوطنيِة. ففي شَهادَة له أمام لجنةِ القوّات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي في يونيو/حزيرانِ 2009، ذكر القائد الأعلى لقوات الحلفاء في أوروبا الحالي، الادميرال جيمس ستافيرديس بأنّ هناك 69 تحذيراً وطنياً في أفغانستان. والتحذيرات البارزة تشمل التالي:
- قٌيِدَت القوَّات الألمانية لإجْراء العملياتِ في شمال أفغانستان قبل حلول الظلام دون أن تكون أبداً أبعد منْ ساعتين عن مستشفى مُجَهَّز بشكل جيد؛
- حددت القوَّات التركية للعمل في كابول؛
- تمنع قوَّات دول جنوب أوروبا مِن القتال في الثلجِ؛
- يشترط في قوَّات مِن دولة عضو لم يذكر اسمها أن تستشير حكومتِها الوطنيةِ قبل الانتشار في نطاق كيلومتر واحد مِن الحدودِ الباكستانيةِ؛
- تَمْنعُ دولة عضو لم يحدد اسمها قوَّاتَ الدول الأخرى مِن الطَيَرَان في طائراتِها.
بعد زيادة عدد القوات، ستمثل الولايات المتّحدة على الأقل 70 % من القواتِ في أفغانستان، بينما تساهم الدول الأخرى قليلاً جداً إمّا في عدد القوات أو التمويل. رغم تضاؤل الدعم للحربِ في العواصمِ الغربيةِ، فإن الدول الغربية الكبرى ستكرّسُ موارد أكثرَ (عسكرية، اقتصادية، سياسية) للحربِ الأفغانيةِ إذا اعتقدوا حقاً أن هذا نزاع مصيري. وبما أنَّهُمْ لا يصنعون ذلك وأنهم يَفرضونَ قيوداً واسعة على قوَّاتِهم يُمْكِنُ أَنْ يعْني الكثير عن (مدى جدية) دعمِهم الحقيقيِ للحربِ الأفغانيةِ!
جدول: الدول المساهمة بقوات أقل مِنْ 1000 في أفغانستان [المصدر: منظمة حلف شمال الأطلسي - إيساف]
الدولة: قوات(>250)الدولة: قوات(250>30) الدولة: قوات (<30)
رومانيا 990 كرواتيا 290 الإمارات العربية 25
تركيا 720 لثوانيا 250 أوكرانيا 10
الدانمارك 690 ألبانيا 250 بوسنيا 10
بلجيكا 530 سلوفاكيا 245 سنغافورة 9
النروج 480 لاتفيا 175 لوكسمبورغ 9
التشيك 480 مكدونيا 165 الأردن 7
بلغاريا 460 فنلندا 165 آيرلاندا 7
السويد 430 إستونيا 150 النمسا 4
المجر 360 البرتغال 145 آيسلاندا 2
نيوزيلندا 300 اليونان 145 جورجيا 1
سلوفانيا 130 أرمينيا 0
أذربيجان 90
الخرافة الرابعة: عدم وجود حَلّ سياسي من داخل المنطقةِ
يجري القول بأن الحربَ في أفغانستان جزءٌ من كفاح أوسع يحْدثُ في العالمِ ضدّ الأفكارِ المتطرّفة. لا تعتبر فكرة الخلافة الشاملة وإزالة الحكوماتِ الحاليةِ في العالم الإسلامي أمراً عملياً في طبيعتها، وبحسب كلماتِ أحد بيوت الخبرة (ثنك تانك) فإن حظها من النجاح معدوم. وهذه في الأساس مطالب غير قابلة للتفاوض.
على أية حال، مع عدم كونها غير خاضعة للتفاوض فإن مطالب أكثر المسلمين في العالمِ الإسلاميِ، كما ثبتَ من احصاءات واسعة، تثير رغبة أصيلة في الخلافة ومعارضة قوية للسياسة الخارجيةِ الغربيةِ. لذلك، لدى صانعي السياسة الغربيين خياران، إما القبول بالحقيقة السياسيةَ بأن العالم الإسلامي رَفضَ النموذجَ العلمانيَ الغربيَ ويريد للإسلامَ أن يلعب دوراً مركزياً في السياسةِ، أَو أن يستمروا في وَضع رؤوسِهم في الرمالِ ويَخُوضوا الحروبَ لعقود قادمة.
على الرغم مِنْ بعض التشكيك المحدودِ بالأبقارِ المقدّسةِ [18]، فإن ممثلي الاتجاه العام من المعلّقين الغربيينِ يُواصلونَ ترويج خرافة أنّ إبعاد القادة المستبدين والطغاةِ في العالم الإسلامي وإقامة خلافة شاملة (أنظر الفصل الخامس لمزيد من التفصيلِ) أَوانسحاب القواتِ الغربيةِ مِن المنطقةِ هي فطيرة في السماءِ (حلم بعيد). طبقاً لشركةِ راند [7]، المطالبات بخلافة شاملة غير قابلة للتفاوض. ومع هذا فإن التحليل الدقيق لنتائج الإحصاءات في العالم الإسلامي [19] مقترنة بنَتائِجَ الانتخابات بل وبخطاباتَ الأقليةِ التي تؤيد إستراتيجية العنفِ، كل ذلك يبين أن المطالب السياسية في الحقيقة معقولة. وإنّ المطالبة بإخراج كُلّ القوات الأجنبية وقواعدها ووقف احتلالِ وتدخلِ الغرب (الذي استمر لقرون ) في العالم الإسلامي هو مجرد استمرار الكِفاحِ لمناهضة الاستعمارِ الذي بدأ منذ القرونِ التاسع عشر والعشرينِ.
يجب النظر إلى المطالبة بوقف الدعم الصريح لإسرائيل، وهي كيان مسؤول عن اغتِصاب فلسطين عام 1948، من خلال منظور الظلمِ الجماعيِ ضدّ شعبِ فلسطين، مع وجود الكثيرين في الغربِ اليوم ممن يشككون بفائدة هذه العلاقةِ. وأخيراً، فإن المطالبة بإيقاْف كُلّ الدعم لحكام المنطقةَ المستبدين والسَماح للعالم الإسلامي بتحديد مستقبله السياسيِ الخاصِ به بنفسه يُمْكِنُ أن يتنكر له خريجو مدرسةِ النفاقِ والمحافظين الجدد فقط.
إنه من الصعب مُنَاقَشَة قانونِ الشريعة نظرياً. لذلك، وحتى هذه اللحظة، عندما يبدأ المسلمونُ بالدَعوة إلى تطبيقِه في العالم الإسلامي، نَسْمعُ غالباً تحذيرات شديدة عن أخطارِ عودة ظهور مثل هذه الدولة. رغم ذلك كانت الخلافة النموذج المتبَع في العالم الإسلامي، لأن 93 % من تاريخ العالم الإسلامي كَانَ فيهُ خلافة. إن مناقشة معارضة الغربِ لقانون الشريعة أمر يختلف عن مسألة القَول بأنه لا يمكن للعالم الإسلامي أن يتبنى قانون الشريعة أيضاً. لذلك فالترديد الدائم للكلمة السحريةِ بأنه ليس هناك حَلّ سياسي للأزمة الحاضرةِ إنما يناسب فقط أولئك الذين يسعون لحربَ دائمةَ، في واشنطن ولندن . ووصف معارضيكَم كمتعصّبين عنيفين، بينما أنتم مسؤولون عن قتل عشراتِ الآلاف في العالم الإسلامي، أمر من الصعب تصديقه. الحلول السياسية ممكنة بالكامل لدى أولئك الذين يُريدونَ رفع الغطاء الأيديولوجي عن عيونهم ويستعدون لبحث وجهات نظرهم الراسخة في أذهانهم.
الخرافة الخامسة: القول بأن باكستان هي مصدرُ التمرّدِ في أفغانستان
يقال بأنّ التمرّدَ في أفغانستان لم يكن ممكناً بدون دعم مِن باكستان. فعملياً، يمكن للتمرد أن ينتهي قريباً بدون الأوكسجينِ الذي يزود به مِن قِبل باكستان. لكن رغم وجود صلات قوية بين قبائلِ الباشتونَ على كلا جانبي الحدودِ، فإن السبب الرئيسي للتمرّدِ هو الاحتلالُ الأجنبيُ لأفغانستان. ومحاولة منظمة حلف شمال الأطلسي عَكْس الحقيقةِ بلوم آخرين على تهوّرِهم هو أمر مدهش وقناع لإخفاء خطة سرية لزَعْزَعَة باكستان. يعتقد خبراء غربيون بأن التمرّدَ في أفغانستان يعتمد في الحقيقة على نفسه، وأن الجُهود الباكستانية هي في أحسن الأحوال مساعدة ولكن ليست حاسمَة بالنسبة لنجاح أو فشل التمرّد.
ويرى البعض أن قمعاً أكثر تنسيقاً مِن قِبل باكستان ضد الفدائيين في جانبِها مِن الحدودِ هو مفتاح لكبح المَدِّ في أفغانستان (فكرة المطرقة والسندان)، ولكن لا ترى وكالات مخابرات أمريكية في تقرير لوكالة أنباء رويتر [8] وجود ارتباط بين الأمرين، مستشهدين باستقلالية التمرّدِ الأفغانيِ والتطوّرِ المحليِ المتزايدِ. فعلى سبيل المثال، عندما درس مُحلّلو المخابرات الأمريكيةِ تلك الفرضية أثناء حملة باكستان الأخيرة في منطقةِ باجور قُرْب الحدودِ الأفغانيةِ، لم يجدوا أي انخفاض قد حصل في تسرّب الفدائيين والهجماتِ على القوات الأمريكيةِ عبر الحدودِ. ونقل عن مسؤول دفاعِ قَوله "يعود الأمر إلى فكرةِ أن أفغانستان سريعة التشكل، والتمرّد مرن جداً في الحركة. ومن طبيعةِ التمرّدِ، أنك لَسْتَ بِحاجةٍ إلى كثير مِن المتمرّدين لإيقاْع أكبر الضررَ، لأنهم قادرون على اخْتياَر وقتِ ومكانِ المواجهة ". قال مسؤول أمريكي في مكافحة الإرهابِ بأن عملياتَ القمع الباكستانيةَ ضد الفدائيين كَانتْ "مساعدة"، لكنه أضاف: " لسوء الحظ، دعمت طالبان وجودها من قَبل - عددياً وتنظيماً- داخل أفغانستان، لذلك فإن ما حدث على الجانبِ الآخرِ من الحدودِ لَيسَ له علاقة بشكل خاصَ بكثير مِنْ عملياتِهم."
هذا ردّ سريعَ يدمغ حجة أولئك الذين يُواصلونَ ذكر خرافة أن مركز التمرّدِ في أفغانستان هو في باكستان. وكما سَنَرى في الفصلِ القادمِ، أن الترويج لهذه الخرافة أثر في الواقع على النِقاشِ داخل باكستان، بجرّ باكستان أكثر فأكثر في خوض حربِ الغرب جالبة على نفسها تكاليف ضخمة.
الخاتمة
الهدف من هذا الفصلِ هو الدحض التفصيلي للخرافات التي تكتنف الحربَ الأفغانيةَ. على الرغم من عدم وجود سجناءَ أفغانَ ووجود ثلاثة سجناءَ باكستانيينَ فقط في السجونِ البريطانيةِ بتهمة الإرهابِ وما يتعلق به، يُقالُ لنا بأن هذا هو المحورُ المركزي لتَنظيم الهجماتِ في شوارعِ مدن الغرب. يوجد عدد قليل جداً من نشطاء القاعدةِ في أفغانستان، وأعداد قوّاتِ طالبان تزداد كلما ازداد عدد القواتَ الغربيةَ، ورغم ذلك يُقالُ لنا بأنّ هذه حرب ضدّ القاعدةِ ولَيسَ ضد طالبانَ. وإستراتيجيةُ الخلاص المقترحة ليست فعّالةِ لأن القوات الأفغانية ليست جاهزة عملياً ولا يبدو أنها راغبةً في خَوْض حرب منظمة حلف شمال الأطلسي. معظم الدول الغربيةِ لها مشاركة رمزية فقط لإدراكهم أن هذه الحرب لَيستْ حرب وجود (أي ليست مصيرية). كما أن محاولة لَوْم باكستان على عيوبِ منظمة حلف شمال الأطلسي لَيسَت أيضاً مَدْعُومةَ بالحقائقِ الفعلية. بالإضافة إلى أن الأهداف السياسية للمنطقة غير قابلة للتفاوض فإنها لا تختلف إذا نظر إليها بمنظار السوابق التاريخية، لذلك يجب الاستجابة للمطالب الأصيلة في العالم الإسلامي إذا أردنا أن نَنهي موجةَ العنف وعدمَ الاستقرار التي أقحم فيها العالم الإسلامي طيلة قرن. إن الحربَ في أفغانستان مبنية على مجموعة من الفرضياتِ والنظريات الخاطئةِ، التي بنيت بدورها على سلسلة من الأكاذيب والخدع. ولا يتصور أنَّ أي شخص مزود بالحقائقِ الفعلية يَدْعمُ الحرب التي تُكلّفُ مِئات البلايينِ من الدولاراتِ، والتي لن تَهْزمَ القاعدة، ستُسبّبُ مزيداً من الكراهيةَ للغربِ، وسَتُكلّفُ آلاف الأرواح على كلا الجانبينِ.
الفصل الرابع: باكستان في خَطِّ النارِ
المقدمة
منذ خطط البريطانيونِ حدودها في 1947، بقيت باكستان في حصار فعليّ مفروض عليها مِن قِبل الأعداء داخل الدولة وخارجها. لم تخرج بالكامل مِن التهديدِ الدائمِ بتفكيكها الناجم عن الانقساماتِ العرقيةِ الجغرافية التي تشكل باكستان. فمقاطعة الحدود الشمالية الغربية (إن دبليو إف بي) - التي تشمل المنطقة التي تدار من المركز (إف أي تي أي) - وبلوشستان واجهَت أعمالَ تمرّد عَنيفةَ خلال العقود الماضيةِ بهدف الانفصال الإقليميِ، فأثارت أعمال التمرد في بلوشستان رد فعل مضاد من الجيش دام ثلاث سَنَوات تقريباً في السبعيناتِ، بينما تواجه آلامَ التمرّدِ حالياً.
وحقيقة أنّ باكستان لا تزال موجودة على الرغم مِن هذه التحديات قادتْ الكثيرَين إلى الاستنتاج بأن طبيعة التهديدِ بالانقسام الذي يُواجهُ باكستان ليس حرجاً، وأن اعتبار الانقسام تهديداً خطيراً هو في الحقيقة بكامله أمر مبالغ فيه. وذلك على الرغم مِنْ أن البلاد قد فَقدتْ نِصْفَها الشرقيَ، وأنها منشغلة حالياً في نزاع متواصل وواسع، تحت زعم أنه قتال لتأكيد سلطة الدولة على منطقةِ حدودِها الشمالية الغربيةِ.
ومسألة ما إذا كانت باكستان ستتجزأ أكثر هي أمر غير أساسي. لأنه إذا حصل ذلك فإن تفكك الدولة سيكون فقط نتيجة التَطَوّراتِ العسكريةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ المتنامية حالياً والتي تنتج اضطرابَاً اجتماعيَاً حادّاً، وعنفاً طائفياً وعرقياً، وتراجعاً اقتصادياً وتنموياً، ومن المحتمل جداً أن يؤدي في المستقبل القريبِ إلى حرب داخل الدولة. إن وقف هذه المؤشرات الخطرةِ وعكس مسارها هو حقاً المهمّةُ الخطرة التي تواجهنا، لا المحافظة على كل شيء، أَو على أغلب خريطةِ باكستان، من خلال سياساتِ المحافظة على الذات. لقد كانت المحافظة على الذات السبب الجوهري المُعلَن لكُلّ القراراتِ التي اتخذها قادة باكستان العسكريون والمدنيون منذ خريفِ 2001. ورغم ذلك، وبعد تسع سنوات، لم يبد أن المحافظة على الذات أبداً أمراً أصعب أَو أبعد مما يبدو حالياً، بوجود التحديات الاجتماعيةِ والعسكريةِ والاقتصاديةِ والسياسيةِ المتصاعدة، والتي تتفاقم بسبب غيابِ قيادة فعّالة للدولة الباكستانيةِ. يعتبر هذا الفصل أن حقيقة المآسي التي تُصيبُ باكستان حالياً قد أثيرت وتفاقمت نتيجة لسياساتِ باكستان السياسية والعسكرية منذ 2001، والتي نفذت تحت ذريعةِ المحافظة على الذات. علاوة على ذلك، نقترح بأنّ الحَلَّ الوحيدَ لهذه التحديات المتزايدةِ والحرجةِ هو إعادة فحصِ وتوجيه استراتيجي شامل للدولة الباكستانيةِ على مسار مختلف تماماً.
سيادة باكستان خاضعة للولايات المتّحدةِ.
"نائب الملك" والأثر العسكري الأمريكي في باكستان
إثر 9/11، تعهد الرئيس التنفيذي آنذاك، مشرّف ب'دعم غير محدود ' لهجوم أمريكا العسكري، الطائش، وقصير النظر لما اعتقدت أنه ثأر عادل. والسعي لتقديم تحليلَ لدَحْض ذلك القرار بعد مرور تسع سنوات سيَكُونُ عملاً لا طائل تحته لأنه يكاد يكون واضحاً بشكل مؤذٍ بأنّ ' الدعم غير المحدود ' الذي قدمته باكستان كافأتها الولايات المتّحدةِ عليه بتَوسيع منطقةِ النزاعَ في أفغانستان-باكستان إلى مناطق تشمل أجزاءَ من (إف أي تي أي) التي تدار من المركز، والمنطقة الحدودية الشمالية الغربية، وشملت مؤخراً عملياً كُلّ المراكز السكانية الرئيسيةِ في باكستان. وبشكل لا يصدق رغم احتمال توقعه، يجيء هذا التوسّع في الحربِ إلى باكستان على الرغم مِن الضماناتِ المتكرّرةِ مِنْ أمثال ريتشارد هولبروك بأن باكستان تُواصلُ لعْب دور محوري ممتاز في دعم أهدافِ الولايات المتّحدةَ في "أفغانستان- باكستان " (1).
وكما يجتذب التمرّد في أفغانستان قوات أمريكية أكثر وقوات أقل من منظمة حلف شمال الأطلسي، فإن مركز الثقل السياسي لوجود قوات منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان يتمزق. فقيادةَ هذه القوَّاتِ تُوجّهُ بشكل متزايد أسبابَ فشل أمريكا في أفغانستان إلى باكستان. فباكستان تُرى الآن كعقبة رئيسية أمام النجاحِ الأمريكيِ في أفغانستان. وينظر بشكل محدد إلى أن إحجام باكستان أَو عدم قدرتها على سَحْق التمرّدِ في المنطقة الحدودية (إف أي تي أي) يَعطي دعماً استراتيجياً ثميناً للمتمرّدين الأفغانِ مع استمرار التدفق المادي والبشري إلى المتمرّدين في أفغانستان من خلال هذه المنطقة الحدودية.
ومن أجل مواجهة هذا التهديدِ لوجود القوة الأمريكيِة في أفغانستان، وجّهَ الرئيسَ الأمريكيَ الجيشَ الأمريكيَ إلى استمرار، وإذا كان ضرورياً، إلى توسيع الهجمات الصاروخية بواسطة الطائرات بدون طيّارَ ضدّ الأهدافِ في هذه المنطقة (إف أي تي أي) وأحيانا في المنطقة الحدودية الشمالية الغربية. فالهجمات بواسطة طائرات بدون طيّار، التي قَتلتْ حتى الآن أكثر من 600 شخصِ، أدّت إلى بِضْع قتلى - إذا كان ممكناً حقاً تأكيد ذلك- ممِنْ يعتبرون من المشتبه بهم المهمين. وما تكشف عنه هذه الضربات بطائرات دون طيار حقيقة أنّ الجيش الأمريكي يُمارسُ سلطةَ كاملةَ على المجال الجوي وعلى أرضِ باكستان في الوقت الذي يقوم فيه بضرباتِ تؤدّي إلى حدوث عدد كبير، بشكل غير متوازن، مِن الإصابات بين المدنيينِ.
وكالة المخابرات المركزية وبلاكووتر (Xe)
هذه السلطة الأمريكية الفعلية، كما يتضح من أعمالِ الجيشِ الأمريكيِ رغم الشهاداتِ المُضادةِ من قبل قيادةِ باكستان المدنية والعسكرية، ليست محصورة في أجواء باكستان. ينشط موظفو الأمن الأمريكي حالياً - ودونما مساءلة - في أنحاء باكستان تحت حماية شركة الأمن بلاكووتر التي تلطخت سمعتها بالعار في العراق، والمسماة حالياً Xe. هذه المنظمة، وكما تبين من خلال سلسلة من المخالفات البارزِة مِن العاملين فيها مِن قِبل موظفي القانون الباكستانيين [2] يعملون في جميع مُدنِ باكستان الرئيسية مستعملين مختلف المتفجراتِ والأسلحةِ، بزعم التَفتيش عن واعتِقال المشتبه بهم من قادة القاعدةِ التي تزعم أنهم ينتشرون في أنحاء باكستان. يَذكرُ شهود عيان بأنّ بيوتاً خاصّة في أنحاء إسلام آباد قد استأجِرتْ من قبل مجموعات من الرجال الأمريكان المسلحين الذين هددوا من يستفسر عنهم أن يبقوا بعيداً. وكان أحد هذه البيوت الآمنة على الأقل مسرح قتال وحشيّ بالأسلحة النارية في الأسابيع الأخيرة. ذَكرَ المسؤولون أيضاً بأنّ موظفي Xe اشتركوا في أعمالِ دعم في قاعدة عمليات لوكالة المخابرات المركزيةِ في شامسي في بلوشستان [3] حيث تنطلق طائرات بدون طيّار مستهدفة منطقة (إف أي تي أي)، كما ألمحَت إلى ذلك السّناتورةِ ديان فينشتاين في بِداية 2009. ومن السخرية أن السفير الباكستاني إلى الولايات المتحدةِ، حسين حقّاني، كَتبَ إلى وزيرِ خارجية باكستان وإلى مدير آي إس آي ( المخابرات العسكرية الباكستانية) يَحثهم على السَماح للموظفين الأمريكيين بالدُخُول والعمل في باكستان بدون مضايقة، كحِرمانهم مثلاً من التأشيرات أو مضايقات أخرى، لأن ذلك - في رأيه- قَدْ يضر بصورة البلادَ [4].
جاء هذا إثر حوادثَ ورد ذكرها في الصحافةِ تشير إلى أن الحكومةَ الباكستانيةَ مَنعتْ منح تأشيرات دخول لعدد كبير مِن الموظفين الأمريكيين ذوي خلفيات مهنية مُخْتَلِفة يعملون في البعثة الدبلوماسيةِ الأمريكيةِ في إسلام آباد [5]. بالرغم من أن هذا قَدْ يبْدو أمارة على الاستقلال (الباكستاني) مِن المنظور الأمريكي، لكن مَن الضَّرُوري النظر إليه في السياقِ الأكبر لحمولة الطائرات من الأمريكان الذين يَدْخلُون باكستان على رحلاتِ مُؤَجَّرة لا تخضَعْ لأيّ نوع من إجراءِات السيطرةِ على الحدودِ، وينطبق ذلك على أجهزتهم. لِذلك، لا أحد لديه في هذا الوقت تقدير دقيق للعددِ الفعليِ من الأمريكان العاملين في باكستان ولا طبيعة ومقياس نشاطاتِهم.
مَنْ الذي يقوم بالتفجيرات في باكستان؟
دَفعَ هذا التدفّقِ غير المُراقبِ من الموظفين والأجهزةِ الأمريكيةِ مديرِاً سابقِاً ل آي إس آي (المخابرات العسكرية الباكستانية)، بالإضافة إلى عدد مِن المعلقين الباكستانيين على قضايا الدفاعِ إلى الادعاء بأنّ الولايات المتّحدةَ، من خلال ناشطين كأمثال المنتسبِين إلى Xe، هي المجرم الذي يقف وراء موجةَ الإرهابِ التي خيمت على باكستان في الشهور القليلة الماضية [6]. انطلقت هذه الموجة مِن التفجيراتِ بعد الحملة الأخيرة واسعة النطاق التي قام بها الجيشِ الباكستانيِ جنوب وزيرستان في أكتوبر/تشرين الأولِ 2009. فقد استحوذت على مدن باكستان الرئيسية تفجيرات عشوائية ومُدَمّرة أدّتْ إلى مِئاتِ القتلى من المدنيين. بالرغم من أن التي كتب عنها في أجهزة الإعلام الغربيةِ تَمِيلُ بأن تكون التفجيرات الضخمة التي قتل فيها العشراتَ، أَو في بَعْض الحالاتِ، أكثر من مئة قتيل، لكن الحقيقة هو أن تفجيرات على مقياس أصغر تَستمرُّ في كافة أنحاء البلاد بشكل يومي.
ضَربت التفجيراتُ أسواقَاً وشوارعَ مزدحمة في بيشاور، ولاهور، وملتان وروالبندي وبلدات أصغر عديدة وحتى قُرى عبر باكستان. بعد كُلّ حادثة، أصدرتْ الحكومةَ فوراً تصريحات تَرْبطُ التفجيراتَ بطالبان، أَو تحريك طالبان باكستان (تي تي بي)، أَو دمج هؤلاء وآخرين، أَو تربطها بالإرهابيين فحسب، مما يظهر أن المعلومات الفعلية للحكومةَ تخمينية فحسب. كل هذا بالرغم مِن التكذيباتِ الكثيرة مِن قِبل طالبان باكستان في عدم تورطها في أسوأ هذه الأعمال الوحشية [7]. بما أنّ التفجيرات استهدفت بيشاور بشكل كبير، وبالأخص المراكز السكانية الكبيرة من أهالي المنطقة الحدودية ( إف أي تي أي) القاطنين في بيشاور، فإن الكثيرين يتساءلون لماذا يريد الفدائيون الإسلاميونِ مِنْ (إف أي تي أي)، الساعون لتَوسيع الدعمِ لطموحِهم المعلن في إنشاء سلطة في المنطقة الحدودية والمنطقة الشمالية الغربية وصولاً إلى كافة باكستان، لماذا يفجرون بشكل عشوائي ومتكرر نفس الناسَ الذين يسعون لكسب دعمهم. دفعت مثل هذه الأسئلة المراقبين إلى الظن بأنه من المستبعد فعلاًً أن تقوم قبيلةَ محسود، التي تُشكّلُ معظم رجال قيادة طالبان باكستان، بشْنُّ حملة تفجيرات ضدّ المجتمعِ الباكستانيِ.
يشتبك محسود حالياً في قتال ضدّ الجيشِ الباكستاني، وكَانَ في حالة حربَ متأرجحة مع الجيشِ ومع قبائل الوزيري وداوور في جنوبِ وشمالِ وزيرستان معظم القرن الأخير. لديهم القدرةُ على شَنّ غارات تكتيكية متطوّرة باستخدام أسلحةً ثقيلة تشمل المدفعية والأسلحة المضادة للطّائراتِ. لكن الادعاء بأن القبيلة التي تنقسم إلى عدد من العشائرِ التي لدى كل منها الإمكانية لتَشكيل تحالف مؤقت ضدّ قيادةِ القبيلةَ، يمكن أن تشن حرباً ضدّ شعب باكستان هو شطحة إيمانية لا يرغب أحد من المراقبين الجادين للأوضاع أن يدعيها.
يضع كثير من السياسيين في باكستان وزر التفجيرات على العمليات العسكرية الهندية السريّةِ في باكستان. يَزْعمونَ بأنّه يوجد شواهد على تورط ناشطين هنود في بلوشستان والمنطقة الحدودية (إف أي تي أي) في التفجيرات الجارية. ويَزْعمونَ بأنّ الحكومةَ تُحاولُ أَنْ تخفي هذه الحقائقِ كي تتمكن من استعمالَ هذه التفجيرات كمبرر لمُوَاصَلَة اندفاعها في شمالِ وجنوبِ وزيرستان في عمليات تَعهّدت القيام بها من خلال الانصياع الإستراتيجيِ لطموحاتِ أمريكا الإقليمية.
يظن آخرون بأنّ التفجيرات تدار من خلال نشاطاتِ أفراد ينتسبون إلى بلاكووتر (Xe) أَو مع وكالة المخابرات المركزية مباشرة. يُخمّن هؤلاء بِأَنَّ هذه الهجماتِ تتم من أجل إيجاد دعم في أنحاء باكستان، بخاصة في المنطقة الشمالية الغربية (إن دبليو إف بي) والبنجاب، لمواصلة العملياتِ العسكريةِ الكريهة بواسطة الجيشِ الباكستانيِ في المنطقة الحدودية (إف أي تي أي). ويظن آخرون أنّ التفجيرات هي في الحقيقة ضربات تأديبيةَ تنفذ بناءً على رغبةِ الولايات المتّحدة بسبب رفض باكستان لمطالب الولايات المتّحدةِ بتَوسيع العملياتِ العسكريةِ الباكستانيةِ عبر (إف أي تي أي).
يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ في الاعتبار أن حوادث التفجيراتِ كَانتْ عديدة وواسعة الانتشار في أنحاء باكستان من قبل. يَجِبُ أن يؤخذ في الاعتبار أيضاً أَنّ باكستان مبتلاة بعدد مِن أعمالِ التمرّد، وتُواجهُ اشتباكات عنيفة بين السنة والشيعة كُلّ سَنَة حوالي شهر محرم. بالإضافة إلى هذا، هناك عدد مِن الدول الأجنبيةِ تريد، بدرجات مختلفة، زَعْزَعَة باكستان من خلال الاضطرابات وأعمال العنفِ المدنيِة.
وبدرجة أكثر أهمية، يجب أنْ يُفْهَمَ بأنّ غيابَ القيادةِ الفعّالةِ للدولة وغياب حمايةِ المجتمعِ سَيُؤدّيانِ بدرجات متفاوتة إلى تدخل خارجي تدميري في عمل الدولة وفي المجتمعِ. لِذلك، فموجة العنف الحالية التي تجتاح باكستان، بغض النظر عن الجناة المسؤولين آليّاً عن الدمارِ، هي في النهاية نتيجة غيابِ قيادة الدولة العامّة الفعّالة، وعدم تقديم أيّ حماية للمجتمعِ. لقد أخفقت الحكومةُ في تقديم أيّ مبادرة في أيّ قضية حرجة تُواجهُ الدولة، سواء في مجالِ الأمنِ والسيادةِ، والاستقرار السياسي، والتطوير والتنمية الاقتصادية، أَو التلاحم الاجتماعي. ومن الواضح بِأَنَّ هذا الفشل هو الذي جعل من الممكن لكيانِ خارجي أن يقوم بهذه الحملةِ من التفجيرات.
ثمن تقديم الدعم 'غير المحدود'
كانت إحدى التبريراتِ الرئيسيةِ، التي تتداولها طبقة الضباط في روالبندي في 2001، لقرارِ باكستان تَزويد ' دعم غير محدود ' للولايات المتّحدةِ بِأَنَّ هذا المسلك سيكون مصدر ربح اقتصاديَ لم يكن متوقعاً لباكستان في السَنَوات القادمة؛ وهو منطق تكرر الحديث عنه خلف الأبواب المغلقة معظم العقد الأخير. أما الواقع فيشيرُ إلى حقيقة مضادة وهو أنّ باكستان تحَملتْ عبئاً اقتصادياً ضخماً بتَأييدها لأمريكا. فكانت النتيجة المباشرة لتوسيع أمريكا هدفها الاستراتيجي بتَوسيع منطقةِ النزاعَ لتَضْمن بعض أجزاءِ من باكستان، تورط باكستان الحاليً في دورة ركودِ اقتصاديِ ناتج عن حالة من تدهور الأمنِ في كافة أنحاء البلاد. فيلاحظ حاليا هروب رؤوس الأموالِ مِنْ باكستان بمستويات لم يسبق لها مثيل في كُلّ قطاعات الاقتصادِ. ففي الفترة ما بين منتصف 2008 ومنتصف 2009، واجهت البلاد انخفاضاً في الاستثمار الخارجي المباشر قدره حوالي 60 بالمائة، وهو رقم لم يحدث حتى أثناء الفوضى التي تَلتْ خريفَ 2001. وقيمة الروبيةِ الباكستانيةِ مقارنة بالدولار الأمريكي أظهرت هبوطاً قياسياً ساحقاً في نهايةِ 2008، وقد تناقصت نسبةِ الهبوطِ منذ ذلك الحين ولكنه الهبوط لا يزال مستمراً. فقد انخفضت قيمة الروبية مقارنة بالدولار الأمريكي بحوالي 40 بالمائة منذ تَعهّدَ مشرّف بدعمِه للولايات المتّحدةِ في 2001. وقد انعكست نسبة الانخفاض هذه على قيمة الروبية مقابل كُلّ العملات الرئيسية في نفس الفترةِ.
في أكتوبر/تشرين الأولِ 2008، واجهتْ باكستان للمرة الأولى عجزاً مالياً منذ قرارِ مشرّف، فهبطت احتياطياتها إلى أقل من 5$ بليون. منذ ذلك الحين، خفّضَت منظمة ستاندرد أند بوور مستوى باكستان إلى سي سي سي [8]، وهو أقل المستويات العالميةً لبلاد بحجمِ وإمكانيةِ باكستان.
على الرغم مِنْ هذه الأزمة الاقتصاديةِ، يستطيع الرّئيس الباكستاني زرداري أن يحتفظ بمركز في قائمة أغنى عشْرة رجالِ دولة في العالمِ [9]. هذا وضع زرداري في الوقت الذي تعجز الإحصائيات عن معرفة المستوى الفعليِ للفاقةِ الذي يُواجهَه أولئك الذين ليس لديهم دخل بالعملةِ الصعبة من سكان باكستان، بخاصة في الريف، إضافة إلى المهجرين داخل المدن الباكستانية الذين يوجد منهم الآن أكثر من مليون.
وقد دعم الإغراءات الاقتصادية الخدّاعة للتحالفِ مَع أمريكا، التي قد تبخرت مُنْذُ ذلِك الحينِ، ما زعم من مقولة العصا الغليظةِ المتمثلة في شخصِ وكيل وزارة الخارجية آنذاك، ريتشارد آرميتاج. ففي سبتمبر/أيلولِ 2006، أصبحَ شائعاً بأن إدارة بوشَ، من خلال آرميتاج، قد هدّدتْ باكستان 'بقصفها حتى تعود إلى العصر الحجري ' إذا لم تقدم الدعمَ المطلوبَ للولايات المتّحدةِ في حملتِها في أفغانستان [10].
وسواء قدم هذا التحذير إلى مشرّف مِن قِبل ريتشارد آرميتاج أو من خلال المدير العام للمخابرات العسكرية الباكستانية (آي إس آي) فذاك أمر ثانوي. تبقى الحقيقة أنه بعد تقديم التهديدِ المزعوم، لم تستطع الولايات المتّحدة عملياً احْتِلال وتسيير العراق، مما أدى حالياً إلى تمرد عمره سبع أعوام طويلة يستمر فيه تَهديد استقرارِ البلادِ وسلامة القوَّاتِ الأجنبيةِ. وفوق ذلك تتورط الولايات المتّحدة حالياً في حرب عصابات في أفغانستان تتسع وتَنْمو نجاحاً وقوة كُلّ يوم. تجربة منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان بقيادة الولايات المتحدة جعلت قادةَ عسكريينَ هناك يرون أن الحملة التي أصبح عمرها ثماني سَنَوات قد وصلتْ إلى مرحلة حرجة بحيث إن لمْ يجر التعامل معها بشكل ملائم بزيادة في القوة البشريةِ والمصادرِ فستفشل الولايات المتّحدةَ وحلفاؤها في أفغانستان.
لِذلك سواء كانت الولايات المتّحدةَ في وضع تستطيع فيه مهاجمة باكستان في 2001 أو لا فهذا أمر خارج عن موضوع ما يجب على باكستان فعله الآن. فالولايات المتّحدة لا تستطيع الآن مهاجمة باكستان. لأنه من الواضح أنها تعاني من القيام بحملتين في نفس الوقت وهي غير قادرة على الوفاء بالتزاماتِها بشكل غير محدود. لذلك لا تستطيع الولايات المتّحدة أن تتورط في حملة أخرى ضدّ دولة عندما يكون لديهما معاً قدرات تقليدية ونووية. إضافة إلى ذلك، مركز ثقل التحالف الذي تقوده أمريكا كان دائماً سياسيَاً في طبيعته ولَيسَ عسكرياً. فإذا لم تستطع الولايات المتّحدة الحفاظ على الدعمِ السياسيِ مِنْ حلفائِها حيال مُهَاجَمَة باكستان، فإن غياب ذلك الدعمِ متعدد الأطرافِ سيقلل بشكل أكثر من إمكانيةَ نجاحِ الولايات المتّحدةِ , وهو أمر سيتكرر مثله في الكونغرس الأمريكي الذي انقسم من قبل تجاه دعمِه للحملاتِ الحالية.
ما الحَلّ؟
في ضوء هذا النقاش يبرز سؤال عمّا إذا كانت طبيعة الإكراه الذي يُواجهُ باكستان هو مُوَاصَلَة دَعْم الولايات المتّحدةِ في حملتِها في ' أفغانستان-باكستان '؟
يجب أن يبعث هذا السؤالِ على مراجعة إستراتيجية شاملة مِن قِبل باكستان تجاه موقعِها بالنسبة للولايات المتّحدة وأكثر عموماً تجاه المنطقةِ بأسرها. تواجه باكستان حملة، بَدأَتها وتدعمها الولايات المتّحدة، مِن الانتهاكات المستمرة على أجزاء مهمة استراتيجياً في البلادِ جعلت باكستان تخوض حالياً معركةً دفاعية فوق أرضها ضدّ عدو تصرح في العلن أنه حليفُها. لَيسَ هذا مسلكاًً سياسيا يمكن الاستمرار عليه حتى على المدى المتوسطِ.
ما يجب على باكستان فعله هو أَنْ تَعرف طبيعة العدو الذي تواجهه ثم بعد ذلك تجابهه. يجب عليها فعل ذلك عبر طيف كل الخياراتِ المتاحة لها، بما في ذلك الدبلوماسيِة، والمخابراتية، والسياسية والعسكرية إذا لزم ذلك. إن الولايات المتّحدة مجبرة على شَنّ حرب غير معلنة في باكستان لأنها لا تَستطيعُ اتخاذ موقف حربي تقليدي صريح ضدّ باكستان. لذا كان لا بد لها من تفادي هذه الحرب الصريحة المباشرة. فمن خلال القيام بعمليات مستخدمة المقاولين الخاصّينِ ومن خلال تَوسيع مجالِ ووتيرة الهجمات الصاروخية التي تقوم بها طائرات بدون طيّارَ في منطقتي (إف أي تي أي) و(إن دبليو إف بي)، تسعى الولايات المتّحدة تخطي حدود سيادةِ باكستان، وهو هدف تحاول أيضا تحقيقه باستعمال تعبير السيادةِ الجزئيةِ أَو المشوّشةِ في مصطلح ' أفغانستان - باكستان'. يشير هذا المصطلح إلى منطقة متسعة مِن النزاعِ تشمل أجزاءَ من باكستان في مجال الحملةِ العسكرية الأفغانية. لم تحصل احتجاجات باكستانيةَ على هذا الطرح الفكري والاصطلاحي للتوسع الطبيعيِ لمسرح القتال الذي نَشْهدُه الآن.
يَكْشفُ هذا الدرجة التي بلغتها عقلية الانصياع الكلي للقيادةِ في باكستان إلى الأوامر الفكرية والسياسية والعقائد العسكرية التي تصدرها الولايات المتّحدةِ.
وبدلاً مِنْ بَدْء مراجعة إستراتيجية شاملة في ضوء حربِ أمريكا الزاحفة نحو باكستان، تلتمس القيادة الباكستانية من المجلس التشريعي والقيادةَ العسكريةَ التصديق على قانون كيري -لوغار الذي يَقترح منح باكستان مساعدةً سنويةً بمقدار 1.5$ بليون لمدة خمس سَنَواتِ، معتمدة على مستوى أداءِ الجيشِ الباكستانيِ وأجهزة الاستخباراتِ في تنفيذ أهدافِ أمريكا العسكرية والأمنية في باكستان.
تقوم أمريكا بحربَ غير معلنة في باكستان لأنها غير قادرة على شْنّ حملة تقليدية، بسبب القيود السياسية والعسكرية. ورداً على عدوان أمريكا، يجب أن تُزيلَ باكستان كل ما هو ظاهر للكثيرين، وهو أن الولايات المتّحدةَ تنتهك سيادةَ باكستان كدولة مستقلة، وتقوم بأعمالَ سببت ضائقة اقتصاديةِ، وفوضى سياسية، وتوترات اجتماعية حادة، ومعارضة عَنيفة في مختلف أنحاء البلاد. وهذا التدخّل الذي لا مثيل له في شؤونِ دولة ذات سيادة تُشكّلُ تهديداً حاضراً وواضحاً يجب إبطاله بكل الوسائل الممكنة. وهذه تتضمن:
- إنهاء الاتصال الدبلوماسي والسياسي والدعم الاقتصادي الأمريكي المتصل بالمجتمعِ الباكستانيِ.
- الإبعاد الفوري مِنْ باكستان لكُلّ الموظفين المنتسبين للمؤسسات الاستخباراتية والعسكرية الأمريكية بما في ذلك المؤسسات الفرعية التابعة لبلاكووتر (Xe).
- إنهاء كُلّ الاتفاقيات التي تَتعلّقُ بقيام الجيشِ الباكستانيِ بأعمال ضدّ أي أحد بناءً على رغبةِ الولايات المتّحدة، سواء بشكل واضح أَو ضمنياً.
- يجب إبطال أيّ اتفاق يَسْمحُ لقوى أجنبية بالوصول إلى المجال الجوي الباكستانيِ أو إلى أرضِ أَو مياهِ باكستان.
ومن خلال اتخاذ هذه الخطواتِ الشاملةِ فحسب يُمْكِنُ لباكستان أن تَمْنع الولايات المتّحدة من تَوَسيع حملتِها في نشر عدمِ الاستقرار ونشر العنفِ بشكل مطرد يستحوذ على الدولة ويشلّها.
يجب أن تتبع هذه الخطوات الأولى إعادة تقييم شاملة لعِلاقاتِ باكستان بالدول الكبرى ودول الجوار المباشر. يجب النظر إلى علاقاتها الثنائية خارج إطارِ الأولوياتِ الإستراتيجية لأمريكا أَو الصين، ويجب أنْ تصاغَ بموجب رؤية باكستان السياسية الخاصة بها، عالمياً وإقليمياً.
الفصل الخامس: بديل إسلامي - فْصلُ الحقيقة عن الخرافة
1.المقدمة
عَانى العالم الإسلامي طويلاً على يد حُكَّامُه والتدخل الأجنبي في شؤونه الداخلية. ففي أفغانستان وباكستان دونما استثناءَ: يتفشّى الفساد المستوطن والفاقة المنتشرة والبنية التحتية الوطنية المنهارة منذ زمن طويل، وتستمر في تهديد الاستقرار في المنطقة وتهديد الأعمال الأساسيةِ للدولة والمجتمعِ. وفي غياب أي بادرة من التغيير، فإن من المتوقع انتشار الشلل المتواصل لعقود أخرى في المستقبل.
فأكثر من 60 % من سكانِ باكستان يعيشون على أقل مِنْ 2$ في اليوم [1] وحوالي ربع السكان يعيشون على أقل مِنْ 1.25$ في اليوم [2]. وطبقاً لبرنامج الغذاء العالمي، فإن 7.4 مليون أفغاني - حوالي ثلث السكان - غير قادرين على الحُصُول على الغذاءِ الكافي لعَيْش حياة صحّية نشطة، و8.5 مليون، أي بنسبة 37 %، يعيشون عند حدود غياب الأمان الغذائي [3]. والفساد متفشٍ كما يظهر من استمرار قضايا المحاكم في باكستان النظر في دعاوى الفسادِ على كل المستويات. في تقويم حديث للفساد لعام 2008، صنفت باكستان وأفغانستان بالمنزلة 134 و176 على التوالي من بين 180 دولة [4]. تعتبر إساءة الحكم أمراً عادياً بالإضافة إلى أن جزءاً من تاريخ باكستان كان في ظل حكم غير مدني. وانتخابات أفغانستان التي حظيت بكثير من المديح كانت موضع اتهامات خطيرة بالاحتيال والتزوير. ومما زاد الأمر سوءاً ما نشهده حالياً من بدايةَ العنفِ على مستوى غير معهود، حيث تهاجم القوات الأمريكية أهدافاً في باكستان وأفغانستان، إضافة إلى التفجيرات الأخيرة في مُدنِ باكستانيةِ الرئيسيةِ.
يلزم طرح أسئلة جدية في هذا السياقِ عن كيفية التخفيف من هذه المشاكلِ. أصبح أكثر وضوحاً أنه إذا لم يجابه الوضع الراهن فإنه يمكن أن تتغير قريباً صورة المنطقةِ تماماً وتسوء حياةَ الناسِ العاديينِ إلى أبعد من الحالة المُريعة التي يعيشونها منذ زمن. فاحتلال أفغانستان بدأ عملية سياسية تحت شعار إيجاد 'ديمقراطيةِ' لم تنجز شيئاً سوى التأكيد على المؤسسات والمصالحَ القبلية السابقةَ وفَتحَ الأبوابَ لزراعةِ الخشخاشِ (زهور الأفيون) وللفساد. ومن الواضح أيضاً أنه منذ بدايةِ الاحتلالِ، تَصاعدَ عدمَ الاستقرار والعنفَ العشوائيَ بشكل خطير مما يُهدّدَ الآن بابتِلاع المنطقةِ بأسرها.
يعتقد حزب التحرير أنه من أجل التغلب على هذه الحالةِ المتدهورةِ بسرعة لا بد من تغيير تحويلي لأنظمة الحكم القائمة والنظم التي تَحْكم البلاد الإسلاميةَ حالياً في المنطقةِ (وما بعدها) وإنهاء الاحتلالِ الأجنبيِ للبلاد الإسلاميةِ. فلَمْ يَعُدْ مقبولاً مجرد تغيير بضعة قادة فحسب؛ ولا القبول بعودة إجراء عملياتِ انتخابية فاسدة، لأن السجلَ المعهود لهذه الإجراءات قد أدّى إلى نفس المشاكلِ التي نَراها أمامنا. يَعتقدُ حزب التحرير أن هذا التغيير التحويلي سيحدث من خلال إعادة إقامة النظامِ الإسلاميِ - الخلافة - وهو نظام خاضع للمساءلة ويحظى بتمثيل المواطنين ويتطلع إلى الأمام، كما أنه نظام له تاريخ من النجاحِ الذي لا نظير له.
أولئك الذين يَعتقدونَ أن نظاماً إسلامياً سَيَكُونُ خطوة إلى الخلف نحو عهد 'طالبانِ" لَمْ يعودوا واثقين من صدق مثل هذه الادعاءات. لأنه أصبحُ أكثر وضوحاً أن النظامَ الوحيدَ الذي يأخذ بالحسبان كُلّ المكونات الرئيسية اللازمة لنجاحِ العالم الإسلامي -اقتصاد مستقرّ، وسلطة تنفيذية خاضعة للمحاسبة وتمثل رعايا الدولة, ونظام مبني على قِيَمِ الناسِ، واستقلال مِن السيطرة الأجنبيةِ، ويُفضّلُ حاجات الناسِ الأساسيةَ على مصالح القلة أو على مصالح المشاريع الخاصة - كل هذه أمور لا يمكن ضمانها إلا بنظامِ إسلاميِ. علاوة على ذلك، فإن صور التلفزيون المهشمة المعلقة على الأعمدة، وحرمان النساء من التعليمِ، والعدل العشوائي، والتعصب الديني كل هذه من سمات التقاليد المحلية ولا تمثّل الدولة الإسلاميةَ. فالخلافة لَها تاريخ من تبني وتشجيع التَعَلّم والإبداعِ العلميِ، ومنح الحقوقَ للنِساءِ، وقيادة خاضعة للمحاسبة من قبل قضاء مستقل يتمتع بسلطات كبيرة.
إنّ مسلمي شبه القارة الهنديِة وما وراءها فخورون بانتسابهم للإسلامِ. لذلك فالقول بوجوب حكم بلادهم بالإسلامِ لَيسَ أمراً غريباً بل طبيعياً جداً. وفي سياق الحديث عن شبهِ القارة (الهندية) فَقدَ الكثيرَ حياتهم في الكفاحِ من أجل إيجاد وطن إسلامي، وكُلّ أولئك الذين جَعلوا من هذا الأمر حدثاً ممكناً يتذكرهم المسلمون كأبطال. لقد ساندوا الخلافةَ في أيامِها النهائيةِ، والعديد مِن تلك الأصواتِ المساندةِ أصبحت الآباء المؤسسين لباكستان نفسها. والإحباط من الأحزاب الإسلامية المُخْتَلِفةِ عبر العقودِ السَابَقَة لم يكن موجهاً نحو الإسلامِ، بل موجه نحو سوءِ استعمال واستغلال الإسلامِ لأغراض سياسيةِ من قبل بعض الجماعات.
ويجدر أيضاً مُلاحَظَة أنّ المطالبة بالدولة الإسلاميةِ عبر العالم الإسلامي تزداد. وتظهر إحصاءات عدة تمت في السَنَوات الأخيرة بأن حوالي 70 % [5] من الناس في بلدانِ العالم الإسلامي يريدون أن ترسم الشريعة صورة الإدارة في بلدانهم. وهو اتجاه جذب انتباه المعلّقين والسياسيين الغربيينِ، الذين أوضحوا بأن هدفَهم هو منع إقامتها. لأنه في الحقيقة من بين الاتّجاهاتِ القليلة الأكثر احتمالاً التي يمكن في النهاية أن توقف مهمّةَ الاستعمار الجديد الذي يمارسه الغربَ في العالم الإسلامي وغيره، هو ظهور دولة إسلامية.
2. ما هي الخلافة؟
النماذج المتعارضة والمشوّشة لما يفترض أنه حكم إسلامي، سواء طالبان أو العربية السعودية أَو إيران أَو ما يوجد في ثقافة بَعْض الأحزاب الدينية، لم تحجب الصورةَ الواضحة لما تمثله الدولة الإسلامية فحسب، بل رَدعَت أيضاً الآخرين مِن اعتِبار النظامِ الإسلاميِ كحل عملي موثوق. كَتبَ حزب التحرير بالتفصيل عن الخلافةِ ونَشرَ مسوَّدة دستور مع العديد من الكتب التي تبين ما يقترحه من نظم سياسية [6] [7]، واقتصادية [8] [9] [10]، واجتماعية [11] وقضائية.
الخلافةَ نظام سياسي منبثق مِن المبدأ الإسلامِي تكرس حكم القانون والحكومة الممثلة للناس والمساءلة مِن قِبل مواطنيها من خلال قضاء مستقل ومبدأ الشورى التمثيلية. فهي حكومة مبنية على مفهوم المواطَنةِ بغض النظر عن العرق أو الجنسَ أَو المذهبَ، وتعارض تماماً اضطهاد أي جماعة دينية أَو عرقية.
أعلى منصب تنفيذي هو منصب الخليفةِ الذي يُعيّنُ الوزراءَ بدون حقائب معينة للمُسَاعَدَة في الحكم، ويعين الولاة في المناطقِ المُخْتَلِفةِ. والمصادرَ التشريعيةَ هي القرآن وأقوالَ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
في الوقت الذي تحدث فيه اختلافات في تفسيرِ هذه المصادرِ، كَمَا هو الحَال مَعَ أيّ مصادر تشريعية، إلاّ أن التفسير المعيّن الذي يتبناه الخليفةِ يجب أنْ يصادق عليه من قبل قضاء مستقل يملك السلطة لعزل الخليفة من منصبه إذا انحرفَ بشكل صريح عن حدودِ التفسيرِ الشرعي الموثوقِ (الاجتهاد) أَو عن شروط عقدِه مَع مواطني الدولة. يعين الخليفةَ مِن قِبل الناسِ، والحكم الوراثي محرّم.
"والرجل الذي يَحْكمُ المسلمين لا يصبح خليفة ما لم يعط البيعة مِن قِبل الناسِ المؤثرينِ من الأمة (أهل الحلّ والعقد) دون أن يكرهوا على ذلك." [13]
3. ستجلب الخلافة الاستقرارَ للمنطقةِ وللعالم الإسلامي بأسرهِ
ستكون الخلافة قوةً استقرار للبلاد الإسلاميةِ التي تَتحرّكُ لتَبنّي نموذجِها بعدة طرق. لفهم كيف يكون ذلك، يجب فهم أسباب عدمِ الاستقرار والعنفِ الحاليِ لدحره متمثلا في مجموعة من المشاكلِ السياسية والاقتصاديةِ والاجتماعية والأيدولوجية. وهذه ترتبط مباشرة بأثر الأنظمةِ الفاشلةِ في المنطقةِ، وأنظمة الحكم التي لا تَتصرّفُ وفق مصالحِ شعوبها، والتدخل الخارجي، وضعف الأنظمة الظاهر أمام هذا التدخّل الأجنبيِ، والخوفِ الذي أدى إلى تآكل القِيَم الراسخة في الأعماق وعدم القيام باي عمل لمَنْع هذا من الحدوث. وبينما يستمر فشل الأعمال السياسية، تلجأ فئاتَ إلى العنفِ كطريقة لمواجهة الوضع.
قالَ النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم: "الإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته." [ صحيح البخاري # 893 ]. وهذا يَعْني بأنّ الحكومة تتحمل مسؤولية رعاية الناس. وهذه المسؤولية المطلوبة بشكل كبير جدا، والاهتمام بالمواطنين أمران غائبان اليوم من نظم الحكم في العالمِ الإسلاميِ.
3.1 ستعالج الخلافة أسبابَ القلاقل الدموية المنتشرة كثيراً حالياً
الخلافةَ قادرة على معالجة هذه الأسباب الجذرية للاضطرابِ والعنف الحاليين في المنطقةِ بسبب الأمور التاليةِ:
1. ستكون الخلافة مستقلة وحرة من السيطرة الأجنبيةِ.
عدم قدرة الأنظمةِ الحاليةِ في العالم الإسلامي على مُعَارَضَة أَو مجرد تَحدّي التدخل الأجنبي وعدم دفاعها عن أرضِها في وجه المصالح والمطالب الأجنبيةِ غير الأخلاقية هو سبب قلق عظيم في العالم الإسلامي. وكان السجل المعهود للتدخل الأجنبي، منذ بدايةِ الاستعمار الإضرار بالسكانِ المحليّين. والتذلّل المشاهد للمصالح الأجنبيةِ، بالسماح لهم بالتواجد العسكري وتنفيذ إستراتيجياتِهم المحلية الخاصةِ بهم دون تحد، أدّى إلى الاضطرابِ والعنفِ حيث تتولى الجماعات الأمر بنفسها ولا تهاجم الأهدافَ والتجهيزات الأجنبيةَ فحسب بل تهاجم أيضاً الدوائر الحكوميةَ بسبب هذا التواطؤ الملحوظ. فاختيار هذه الأهداف ينبئ بذلك إلى حدٍ كبير.
جزء من نداء الخلافةَ للمسلمين أنّها سَتواجهُ العدوان الأجنبي وتستعيد ما تعتبره حقهم الشرعي. ستتعامل الخلافة مع الدول الأجنبيةِ، لكنها سترفض أيّ محاولات للسيطرة على سياساتِها أَو دعم قضية القوى الأجنبيةِ الضارة بها. وقد أصبح هذا الأمر معروفاً على نحو واسع؛ فالمعلقون والسياسيون الغربيون يجادلون بأنّه يجب منع الخلافةَ مِن الظُهُور، لا لسبب سوى أنها سَتَتحدّى الوضع الراهنَ وتَتصرّف بأسلوب عدائي تجاه القوى الأجنبيةِ. ومن المضحك القول بأن التأكيد على الاستقلالِ عن القوى الأجنبيةِ التي تُحاولُ السَيْطَرَة على العالم الإسلامي سيجعله عالماً غير مستقر. وحتى نكون واضحَين فإن سبب عدم الاستقرار الحالي والكثير من الاضطرابات الدموية هو فرض القوى الأجنبيةِ إرادتَهم وحروبَهم على العالم الإسلامي، حيث لا يتفق شيء منها مع المصالحِ الإسلاميةِ.
2. الخلافةَ نظام سياسي منفتح وخاضع للمحاسبة وتمثيلي يَحْكمُ من خلال الشورى.
في كتابِ بعنوان 'أجهزة دولة الخلافة ' نَشره حزب التحرير بالعربية في 2005، يعرض الحزب الأدلّةَ الإسلاميةَ التفصيلية حول الخلافةِ ويُلخّصَها قائلاً:
"الخليفة هو الرجلُ الذي يُمثّلُ الأمة في الحكم والسلطة وفي تطبيقِ الأحكام الشرعية. قرر الإسلامَ بأنّ الحكم والسلطة تخص الأمة. لذلك فالأمة تنصب رجلاً لممارسة تلك السلطةِ ولتطبيق الأحكام الشرعية نيابة عنها." [12]
الخلافةَ نظامُ سياسيُ منفتح وخاضع للمحاسبة، وتمثيلي يعين رئيسه من خلال الموافقةِ الشعبيةِ فحسب. لذا فهو على خلاف الأنظمةِ المنتشرة حالياً في العالم الإسلامي، التي لا تمثل الأمة ولا تخضع للمحاسبة، ونتيجة لذلك فهي هشّة في تكوينها وغير مستقرة. وبغياب الوسائل التي يلجأ إليها الناس من خلال هذه الأنظمةِ وغياب القنوات لإبْداء المعارضةِ أَو النقدِ، أصبحت هموم الناسِ تيّارات سياسيةَ خفية، وتهديدات بالتمرّدِ، وسبب الاضطرابات الدموية. الناس مبعدون خارج العملياتِ السياسيةِ وغير قادرين على التَأثير على الأوضاع السياسية في بلدانِهم، ولجأ الكثير منهم إلى العنفِ. ويتأزم الوضع بالاستعمالِ الواسع للوسائل الوحشيةِ من قبل أجهزةِ الأمن في تعاملها مع المعارضةِ.
وعلى نقيض بارز من ذلك تشرك الخلافة أصواتَ المعارضةِ من خلال النظامِ السياسيِ بتَزويد قنواتِ واسعة لمحاسبة كُلّ مؤسسات جهاز الدولة، بالإضافة إلى مجلس استشاري (مجلس الأمة) مكون من ممثلين مُنتخبين بسلطات هامّة. لبيان ذلك، يُبرزُ حزب التحرير واحدة من هذه السلطاتِ الإلزاميةِ لمجلسِ الأمة وهي :
"... حقّ مُحَاسَبَة الحُكَّام على كُلّ الأمور التي تَحْدثُ داخل الدولة، سواء كانت تَتعلّقُ بالشؤون الداخلية أو الشؤون الخارجية، أو الشؤون المالية أو العسكرية." [14]
يعين الخليفةَ في منصبه طبقاً لإرادة الناس خلال عمليةِ 'البيعة' [التي تعني حرفياً .... ، عهد الولاء الطوعي]. وجود الأحزاب السياسية هو أيضاً مطلب رئيسي في الخلافةِ وستعمل هذه الأحزاب أيضاً كآلية لمحاسبة السلطة التنفيذية (أي الحكام) [15].
3. ستحمي الخلافة القِيَمَ الإسلاميةَ الراسخة التي تتعرض للتهديدِ
يتوافق نظام الخلافةَ - ولا يتعارض - مع قِيَم الناسِ في المنطقةِ والعالم الإسلامي الأوسع. لذا سيكون الضامن للقِيَمِ الإسلاميةِ الراسخة في الأعماق التي تتعرض للتهديد من قبل القِيَمِ الأجنبيةِ الدخيلة. فالقِيَم التي تَعتبرُ 'غربية' ملوثة - على سبيل المثال - بتصوّراتِ الغرب المتدهورة خلقياً وجنسياً، ولكن تغلغلها الكبير في العالم الإسلامي في السَنَوات الأخيرة بَقي بدون تحد. وكان هذا أيضاً سببَ التخوّفِ الكبيرِ في العالم الإسلامي والاضطرابِ عندما تحاول الجماعات تحدي أنظمة الحكم في بلادها لإخفاقها في حِماية قِيَمِهم الإسلاميةِ الرفيعةِ.
لذلك لدى الخلافة جذور عميقة وفرصة أفضل في العَمَل بالتعاون مَع سكانِها لأنها تعدّهم على مرجعية مشتركة وتعمل للأهداف المشتركةِ. فأنظمة الحكم العلمانية الاستبدادية وحتى الإلحادية التي برزت بعد زوال الخلافةَ قلصت كثيراً من الممارسات الإسلاميةَ وأشرفت على قراءات جديدة للقِيَمِ والتاريخِ الإسلاميِ. غالباً ما فرضت هذه الأنظمة وجهات نظر تعارض المألوف من الشريعة وطالبت بالولاءِ للمبادئ الفاشلة المسببة للشقاق، فبقيت في صراع مرير مع شعوبها. لذلك فالنظام السياسي الذي يَحْمي القِيَمَ الإسلاميةَ حقاً أمر أساسي لضمان الثقةِ العامة والشراكةِ.
4. تدعّم الدولة الإسلاميةُ حكم القانون وتعالج الفسادَ
إنّ الحكم الاستبدادي بحسب هوى الملوكِ والرؤساء والمستبدين العسكريين الذين نصبوا أنفسهم فوق شعوبهم الذي أصاب كالوباء العالم الإسلامي يعتبر لعنةَ لمبدأِ حكم القانونِ في نظامِ الإسلامِ السياسيِ. فتطبيق القانونِ في نظام الخلافة يكون في يد قضاء مستقل له قسم خاصّ يدعى 'محكمة المظالم" مهمّته تحرّى أخطاء أعضاء السلطة التنفيذية بحق الناسِ. كتب حزب التحرير في هذه المسألة ما يلي:
"قاضي المظالم هو قاض يعيَّن لرفع كل مظلمة ترتكبها الدولة ضدّ أيّ شخص، سواء كان هذا الشخصِ أحد مواطني الدولة أو يعيش تحت سلطانها، وسواء ارتكبت هذه المظلمة مِن قِبل الخليفة أَو أولئك الذين يَعْملونَ تحت سلطته كالولاة أو موظفي الحكومة."
"هذا تعريفُ قاضي المظالم. ويشتق أصل قضاء المظالم من الأحاديث الواردة عن رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم حيث وَصفَ أفْعالَ الظلم المرتكبة مِن قِبل الحاكمِ ضد الرعايا بلفظ مظلِمَة.
فقد روى أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :
"غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعّر لنا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس لأحد عندي مظلمة في دم ولا مال."
رواه أحمد [أنظر المسند 3/286]. لذلك اعتبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم التسعير مظلمة، لأنه إن قام بها ، أي إذا قام بالتسعير، فسيكون قد تصرّفُ بدون صلاحية.
"كما جَعلَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم القضايا التي تُؤثّرُ على الحقوقِ العامة التي تُنظّمُها الدولة للناسِ جزءاً مِنْ المظالم ." [16]
أما بالنسبة إلى الخطأ الشخصي - فالخليفة يخضع فيه لنفس القوانينِ والعقوباتِ كبقيّة الناسِ لأنه لا يُعتَبر ْسيداً فوق رعاياه.
3.2 ستملأ الخلافة الفراغَ الخطيرَ في القيادةِ الإسلاميةِ العالميةِ
جلب سقوط الخلافةِ في 1924 مَعه خسارة لم يسبق لها مثيل فيما يتعلق بالسلطةِ والقيادةِ في قضايا إسلامية. سَمحَ الفراغُ الناتج للأفرادِ كي يُصبحَوا رموزَاً عالميةَ لمجرّد خطاباتِهم الحماسية المناهضة للاستعمارِ ووقوفهم في مواجهة أعداء يتخيلونهم. هذه الأزمة في القيادةِ بَعْد زوال الخلافة سمحت بتمزيق صلاحياتها بشكل خطير وادعاء أي شخص يرغب فيها أن يمارسها كتحصيل الضرائب، والدِفَاع عن الأراضي الإسلاميةِ (بما في ذلك تقرير متى وكيف يقوم بذلك)، إلى تحديد العلاقةِ بين الإسلامِ والشعوب الأخرى.
الخلافةَ هي المؤسسةُ الوحيدةُ القادرة على إعطاء قيادة صحيحة في القضايا الإسلاميةِ، والقادرة على أَنْ تَجري مناقشةً إسلاميةً مقنعة تَشْجبُ المفاهيم الضعيفَة أَو الخاطئة التي تهدّدُ كلا من الشعوب الغربية والإسلامية. في غيابِ الخلافةِ، ليس هناك طريقة صحيحة لمجابهة أولئك الذين تقلدوا أدوارَاً حاليةَ أَو تبنوا نظرات خطرةَ، كما ليس هناك كيان صحيح ' يَتكلّمُ باسم الإسلام' يمكن للبلاد الأجنبيةِ والشعوب الإسلامية أن تتعامل معه. فمنظمات كأمثال منظمة العالم الإسلامي تَفتقرُ للمصداقيةِ وتتكون من نفس الحُكَّامِ الذين يَفتقرونَ للدعم الشعبي؛ وهم يتصفون بالمبادرات عديمة الفائدةِ والتصريحات غير المؤثّرةِ.
3.3 ليست الخلافة عنصرية أَو قومية، وهكذا ستحل مشاكل القلاقل الانفصالية
جعل ظهورُ القومية والدولة القومية الجيران الإقليميين غرباء وأدّى أيضاً إلى التفكك البطيء للدول والمجتمعات التي تتكون من انتماءات عرقية متعدّدة استمرت طويلاً بالمطالبة بالاستقلالِ، مما قوّض وحدة أراضي الدول التي يعيشون فيها.
وأمثلةَ ذلك في العالم الإسلامي عديدة. ففي باكستان مثلاً، توجد الحركاتَ الانفصاليةَ في كُلّ مقاطعة، وكثير منها عدواني وتستخدم وسائل العنف، وتهدّفُ في النهاية إلى الانفِصال عن باكستان، كما جرى في شرق باكستان في 1971. وهذا سبب اضطراب مروّع ومصدر عدمِ استقرار خطير وقلق دائم في أنحاء العالم الإسلامي.
لا تنظر الخلافة إلى سكانها من منظور عرقي بل ترسخ مفهوم الرعوية/المواطنة. ولها أيضاً تاريخ لا نظير لهُ من حيث التَعَامُل مع الأقلّياتِ العرقيةِ والدينيةِ المختلفةِ، الذي تقوض مُعظمه بظهورِ دول قومية مصطنعة تَنافسَت بعد ذلك فيما بينها وحاربت بعضها بعضاً حول الحدودِ التي تَفتقرُ إلى أيّ سابقة تاريخية أَو إسلامية.
3.4 ستولي الخلافة معالجة الفقر أولوية قصوى
تتقوى رغبةَ المسلمين في الخلافة جزئياً من حاجتهم إلى معالجة مستويات الفقر المدقع على الرغم مِن امتِلاك احتياطات ضخمة مِن المصادرِ الطبيعيةِ. بمثل هذه الثروةِ من الواضح أنّه يمكن للمنطقةِ أَنْ تُصبحَ قوة اقتصاديةَ مستقلةَ.
في النظامِ الاقتصاديِ الإسلاميِ، يَمتلكُ الناسَ المصادرَ الطبيعيةَ، وستستخدم عائداتها لإقامة البنية التحتيه وتيسير النمو الاقتصاديِ. وهذه النظرة الاقتصادية مستمدة من حديث رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم "الناس شركاءَ في ثلاث: الماء والكلأ (أي مراعي الماشية) والنار (أي مصادر الطاقة)". [17] "
بدلاً مِن العمل بذلك، فقد خَنقت المساعدات الخارجيةَ كثيراً من الدول من خلال فرضِ الشروطِ التي تَتضمّنُ خصخصةَ الملكيات العامة، إضافة إلى الإصلاحِ العلمانيِ الليبرالي. كان يمكنُ أَنْ يَكُونَ الحال أفضلَ بكثير لو استعملت مصادر الثروةَ التي تَبْلغُ البلايينَ للاسْتِثْمار في التعليمِ والصحةِ والبنية التحتية فتصبح المنطقةَ أكثر قوة اقتصادياً ومستقلة سياسياً بدلاً مِن الاعتماد على القروض الخارجية وما يرافقها من الفوائد المترتبة عليها.
لا يميز الاقتصاد الإسلامي بين الحاجات الأساسيةِ والكمالية (الرفاهية) فحسب بل يضع الأولوية أيضاً لمعالجة حاجاتِ الناسِ بضمان إشباع كلّ حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً. قال النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم:
"ليس لابن آدم حقُّ فيما سوى هذه الخصال: بيت يسكنه، وثوب يواري عورته، وجلف الخبز والماءِ." [18]
لو كانت هذه النظرة مركزية في التَفْكير الاقتصاديِ لما عانى الملايين مِن سوءِ التغذية أَو المجاعةِ. فالسوق الحرّة لا تُميّزُ بين حاجاتِ الناسِ ولا تَضْمنُ إشباع حاجات الناس الأساسيةَ بل تَتمنّى بأنّ تقوم ' يَدٌ خفية ' بحْلّ المشكلةَ.
3.5 نظام الخلافةَ الاقتصاديَ ينهي عبوديةَ العالم الإسلامي الاقتصادية الحالية
بالإضافة إلى أولويةَ الخلافةَ في التَعَامُل مع الفقر، هناك عدد مِن الأمور الأخرى التي تُحدّدُ السياسةَ الاقتصاديةَ للخلافة. لبيان بعض هذه المواد، هذه سياسات بارزة فيما يتعلق بباكستان:
- سَتُموّلُ الدولة أولوياتَها بإلْغاء ضريبةِ الدخل وضريبة المبيعات الإضافية، وتضع بدلاً منها ضريبة الثروة (الزكاة) على القادرين عليها وضريبة الأرض (الخراج) على ملاك الأراضي الإقطاعيينِ.
- ستجعل الدولة كُلّ موارد الطاقة ملكية عامة وتَنهي كُلّ العقود الحالية مع منتجي الطاقة المستقلينِ المملوكة من قبل الأجانبِ (آي بي بي إس). لم يجر إضافة ميجاواط واحد إلى الشبكة الوطنيةِ منذ 1999، والعجز الكهربائيِ يحدث يومياً.
- (دبليو إيه بي دي إيه) وكذلك (كي إي إس سي) سَتكُونانِ في العامة لا في يد شركات خاصة. سيكون التمييز واضحاً بين الملكيةِ الوطنيةِ لمثل هذه المصادرِ واستعمالِ الخبرات الخاصّةِ في خدماتِ هذه القطاعاتِ.
- لضمان إعادةِ توزيع فعال للأرضِ ولتَفادي تركز الثروةِ (في أيدي القلة)، ستطبق إجراءات لإلغاء البنية الإقطاعية في باكستان. فالأرض سَتُصادرُ مِنْ ملاك الأراضي الحاليين إنْ لمْ تُستَعمل في الإنتاج لأكثر مِنْ ثلاث سَنَوات وسَتَعطي إلى أولئك الذين يستطيعون استعمالها.
- ستنهي الدولة كُلّ المعاملات المبنية على الربا والمضاربات قصيرة الأمد وتضع مكانها المعاملات الاقتصاديةِ التي تتفق مع المبادئِ الإسلاميةِ مِنْ حيث الربح والخسارة، مما يوجه الاستثمارَ نحو الاقتصادِ الحقيقيِ بدلاً مِن الآليات المالية الغامضة. ستستخدم المدّخرات الربوية المدفوعة على شهادات الكفالة المحليةِ وديون تبادلِ العملات، بما في ذلك الدينِ الخارجيِ البالغ 40$ بليون، ستستعمل في حلً مشكلة الفقر وفي الخدمات العامة.
- ستبدأ الدولة عملية تصنيع كإستراتيجية طويلة المدى وتبعد باكستان عن الاعتماد على القطاعِ الزراعيِ. سيتم ذلك من خلال استثمارِ أكبر في التعليمِ والمهاراتِ والتدريب.
- سيجري صك العملة رسمياً على قاعدة الذهب الفضة بدلاً مِن الارتباط بالدولار الأمريكي. فالدولار الأمريكي كعملة ورقية لَيْسَ لَه قيمة ذاتيةُ ولهذا فالانخفاض في قيمته أمر معروف كما شوهد في الفترات الأخيرةِ.
- يَجِبُ أَنْ تُزوّدَ الدولة رعاية صحيةَ مجّانيةَ للجميع، ولكنها لن تمنع استعمالَ الخدمات الطبيةِ الخاصّةِ.
4. التعامل مع الخرافات ومعالجة الهموم
عالج الفصلِ السَابِقِ عدداً من الملامح التي تُميّزُ الخلافةَ بشكل واضح عن حكم طالبانِ في أفغانستان، والحكم الملكي في العربية السعودية، والحكومة الدينية في إيران على سبيل المثال لا الحصر. هناك، على أية حال، عدد مِن النقاطِ الإضافيةِ التي لها صلة مهمة بفَهْم طبيعةِ الحكم الذي ستجلبه الخلافة.
4.1 تشجع الخلافةُ التقنيةَ الحديثةَ والابتكار والتقدم العلمي
سيتذكر الكثيرون صورَ التلفزيون المهشمة والمعلقة على الأعمدة كعلامة لنظامِ حكم طالبانَ في أفغانستان التي دعمت الاعتقادَ بأنَّ الدولة الإسلامية ستكون ضد الحداثة، وستنأى بنفسها عن التقدّمَ التقني الذي تم خلال القرون القليلة الماضية، وستعود بمواطنيها إلى العصور الوسطى، أي عصور ما قبل التقنية.
ولكن على النقيض من مثل هذه الصور، ستتبنى الدولة الإسلامية التقدم التقني والعلمي. وهذا مُستَنَدُ فكرياً على الاعتقادِ بأن الإسلامِ لا يعرّف ولا جاء لتعريف الواقع. فسواء كانت الأرضُ تدور حول الشمسِ أَو العكس، أو أن الماء يغلي عند درجة 100 درجةِ مئوية، أو أن (إتش آي في) يؤدي إلى مرض الإيدز الخ، فهذه أمور متروكة للعقلِ الإنسانيِ واكتشافاته. لذلك فالشريعة لا تصر على أن يعتقد الناسَ أو أن يقولوا أن الكرة الأرضية مسطحة؛ لأن دورها أَن تزوّدَ الحلولَ، والتوجيه والإطار القانوني الذي يَجري على أساسه النشاط الإنساني، سواء كان سياسيَاً أو اقتصاديَاً أو اجتماعيَاً.
إنّ العالم الإسلامي مُحرَج من صورِ التلفزيونِ المهشمة والمُعلّقةِ على الأعمدة، ومن المعارضة السابقةِ، على سبيل المثال، للآلة الطابعة والاتصالات الهاتفية. تكشف مثل هذه المواقفِ الهبوطَ في التَفْكير الذي أَثرَ على أجزاء من العالم الإسلامي، وهو أحد الأسبابِ الرئيسيةِ لانحدارها طيلة قرونَ كثيرة. وعلى النقيض من مثل هذه الخصومةِ مع التقنية والتقدم العلمي، فإن مساهمات العالم الإسلامي في العِلْمِ، والطبّ، والرياضيات، وعِلْم الفلك وميادين أخرى مُخْتَلِفة موثّقة بشكل جيد وازدهرت في ظل العصر الذهبي للحكم الإسلامي.
4.2 ليس الحكم الإسلامي ثيوقراطياً (دينيا)
الخلافةَ دولة بشرية تدار من قبل بشر غير معصومين، وهم خاضعون للمساءلة والمحاسبة ويُطبّقُون القوانينَ المستمدة مما يعتقدُه المسلمون كمصادرَ تشريعيةَ مقدسة على العلاقات التي تقع في المجتمع. والخليفةَ نفسه مواطن عَيّنَ ليقوم بدورِ الرئيس مختاراً من قبل بقية المواطنين لا رئيساً اختارَه اللَّه.
بينما الرئيس في الحكم الديني خارج طائلة المساءلة والمحاسبة بسبب ادّعاءاتِه بالحقّ المقدّسِ، يراقب الخليفة من قبل مؤسسات عديدة، منها القضاء المستقل الذي لَيْسَ لَه مجرد حقّ عزل الخليفة إذا انتهكُ شروطَ عقد الحكمِ (أي شروط البيعة)، بل يعزله بالفعل. ويُجبرُه أيضاً على إبْطال تبني أي قانون إذا ثبت عدم شرعيته، ويطالبه أيضاً بالتعويض المالي، كما يُعلنُ بطلان سياسة معينة، هذا بجانب سلطات أخرى.
كما لا تحكم الخلافةَ أيضاً مِن قِبل رجالِ الدين، أَو مِن قِبل نخبة دينية تَدّعي احتكار حق تفسير الشريعة؛ ولا يوجد في الخلافة مفهوم البابوية لإصدار فرمانات لها صبغة مقدسة. ويشير حزب التحرير في كتابِه 'نظام الحكم في الإسلام'
"الخلافة. . . منصب بشري حيث يعطي المسلمون بيعتهم (عهد الطاعة والولاء) إلى أي رجل يختارونه "[19].
يتبنى الخليفة القانونَ بعد الاستشارةِ أَو من خلال تَبنّي اجتهاد معين (رأي قانوني)، لكن ذلك لا يَمْنعُ مناقشة وتعديلَ القانون من قبل من يخالفونه قبل إقراره.
4.3 المرأة في الدولة الإسلاميةِ
للمرأة في نظامِ الخلافةَ حقّ التوكيل والمشاركة في العمليةِ السياسيةِ منذ بداية الحكم الإسلامي. فلم تكن النساء قادرات على التَصويت فحسب بل كن قادرات على حيازة الملكية - فزوجة الرسول محمد صلى الله عليه وآله وسلم، خديجة بنت خويلد كَانَت في الحقيقة سيدّة أعمال غنية وكانت ربّة عمل لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وحق المرأة في التملك كان مفهوماً حديثاً نسبياً في الغربِ. والتعليم مفتوح أمام الرجالِ والنِساءِ ويعتبر هذا ضرورة لا من الكماليات. وتقيد النِساء، على أية حال، فيما يتعلق بمناصب الحكم كمنصب الخليفةِ (رئيس دولة)، والوزير (مساعد الخليفة) أَو الوالي (حاكم الإقليم). وهذا التقييد لا يفسر بمنطق التفوق أو النقص. يقيد النظام في هذا المجال المناصبَ السياسيةَ التي تتقلدها المرأة - نظرياً وعملياً.
يَبْدو انشغال أولئك الذين يُهاجمونَ النظامَ الإسلاميَ بهذا التقييد أمراً مُضحِكاً. فقد تعرض الديمقراطيات العلمانية الليبرالية نظرياً فرصاً متساوية للوصول إلى هذه المناصب، لكن في الممارسةِ تكون النَتائِج سيّئة جداً، فلا يملكون إذن حق نصح أحد عن دور ِالمرأة في المجتمعِ. نعتقد بأنّ الرجال والنِساء يتشرف كل منهم بعملِه، وأن لدى النِساءِ امتيازاً خاصّاً في كونهن أمهاتَ في كُلّ أمة ولذا فهن جديرات باحترام خاصَّ.
4.4. يُحرّمُ الإسلامُ الحكم البوليسي
بما أن الدكتاتوريات في العالم الإسلامي التي تسعى لوصف نفسها بأنها إسلامية هي في الواقع دولَ بوليسية استبداديةَ، جاءت فرضية أنَّ الدولة إسلامية ستكون بوليسية أيضاً. وهذه فرضية باطلة تماماً.
فهذا أمر لا وجود له في التاريخ ولا في الفكرِ الإسلاميِ. ستكون الخلافة قد انتهكت القواعد الإسلاميةَ إذا أصبحتْ السلطة الحاكمةَ مجرد 'قوة'؛ والأنظمة في البلاد العربيةِ والإسلاميةِ حالياً تجسد كَيفَ يُؤدّي هذا الأمر إلى الأذى والإدارةِ السيّئةِ للمجتمعِ كما يقول حزب التحرير :
"... ستصبح المفاهيم والمعايير [في المجتمعِ] مفاهيمَ ومعاييرَ الإكراه والظلمِ والهيمنةِ، لا مفاهيمَ ومعاييرَ رعاية شؤونِ الناسِ. وسيتحول الحكم عندها إلى حكم مستبدّ لا يعرف سوى الإرهاب والظلم والإكراه وإراقة الدماء." [21]
في مقام آخر أعطىَ حزب التحرير المثالَ التاليَ مِن التاريخِ الإسلاميِ عن الخليفة عمر، رضي الله عنه:
"وصلت إليه ذات يوم أخبار عن عامله (حاكم مدينةِ) في حمص عمير بن سعد الذي قالَ بينما كان على منبرِ الخطابة في حمص "سيبقى الإسلام قوياً طالما بقيت السلطة قوية. ولا تكون قوّة السلطةِ بالقتل بالسيفِ أَو الجلد بالسوطِ، بل بالحُكْم بالحق والتمسك بالعدل." فعندما سمع عمر بذلك قالَ "أود لو كان لدي رجل مثل عمير بن سعد لمُسَاعَدَتي في شؤونِ المسلمين." [21]
علاوة على ذلك فإن الخلافة دولة تمنع التجسّسَ على مواطنيها - وهو مرض مستشر في البلاد الإسلاميةِ، ولكنه في تزايد أيضاً في العديد مِن البلدان الغربيةِ.
في هذه المسألةِ يقول حزب التحرير :
"التجسّس على المسلمين حرامُ كما ورد في هذه الآية. يقول الله سبحانه وتعالى:
يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً. . . [49:12]
"هذا المنعُ مِن التجسّسِ عامّ؛ فهو يَبْقى عامّاً ما لم يكن هناك دليل يخصصه. ويؤكد هذا الأمر الحديثِ الذي رواه أحمد وأبو داود في روايتِهما عن المقداد وأبي أمامه عندما قالا: "قال رسول اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم :
" إذا ابتغى الأمير الريبة في الناس أفسدهم".
[أبو داود، السنن 4889، والهيثمي، مجمع الزوائد، المجلد الخامس صفحة 218 ]." [22]
هناك توجيهات إسلامية واضحة تحرم التعذيب وسوء المعاملة ضمن أمور أخرى - فيما يتعلق بالشرطةِ والقوّات المُسَلَّحةِ وأجهزةِ الأمن بالإضافة إلى عامةِ السكان - كحماية مِن اللجوء إلى الحكم باستعمال القوة.
وهذه أمور تكرّس دستورياً بالإضافة إلى الأمرِ الإسلاميِ بأن كُلّ فرد بريءُ حتى تثبت إدانته.
الخاتمة
إنّ تعبير 'البلقنةَ' مرادف للتفككِ والشرذمة ويستحضر في الذهن صور عدمِ الاستقرار. ويغيب عن الذهن أَنَّ هذا التعبيرِ نَشأَ مِن القضاء على الخلافةِ العُثمانيةِ.
اعترفَ البعضُ بأَنَّ تدمير الخلافةِ العُثمانيةِ هو الذي جعل الشرق الأوسطَ والعالم الإسلامي عُموماً ينحدر في عدمِ الاستقرار معظم القرنِ العشرينِ، وما بعده. [23]
منذ ذلك الوقت، فقد العالم الإسلامي الاستقرار. ورغم ذلك، سعت القوى الكبرى في العالمِ إلى إبْقاء العالم الإسلامي ممزَقاً، بالإضافة إلى عملها الجاد لجعله علمانياً ، كل ذلك أملاً في أن يجعله ذلك منطقة أضعفَ ومن ثم أسهل للسَيْطَرَة والاسْتِغْلال.
يمكن التأكيد أن هذه السياساتِ التي اتبعتها القوى الاستعمارية قد أوجدت ودعمت الفوضى في العالم الإسلامي.
فأفغانستان بخاصة عانت على يد الإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية السوفيتية، ومؤخراً جداً، الإمبراطورية الأمريكية. وفي الفترات الواقعة بين هذه التدخّلاتِ لم تحقق استقرارَاً طَوِيِلاً.
مؤخراً جداً، يصيب المعلّقين الرعب من احتمال اتجاه باكستان نحو 'البلقنةِ' لأن الحكوماتَ الأخيرةَ المتعاقبةَ خضعت للمطالب الأمريكيةِ في ' الحرب على الإرهابِ '، وأيضاً بسبب ارتفاعِ وتيرة التفجيراتِ التي تَستهدفُ المناطقَ المدنيةَ.
لكن، رغبة العالم الإسلامي في العَودة إلى الأساس الإسلاميِ، المبني على معتقداتهم وقِيَمِهم، والمنسجم مع تراثِهم، والذي يصفه البعض في الغربِ 'بالراديكالية' أَو 'التطرف' هو في الحقيقة الدواءُ لكل هذه الأمراض.
يَحتاجُ كُلّ مجتمع 'صمغاً' أيديولوجياً يَرْبطُ المَحْكُومين بمن يحكمهم. لا يوجد في البلاد الإسلاميةِ سوى الإسلام الذي يَأْمرُ بأن تسمو الثقةَ والاحترام على السياسيين الأفراد، وإلى تدعيم المؤسساتِ التي نحن بأشد الحاجة لها. الخلافةَ هي الطريقة التي حدد بها الإسلام هذا التدعيم و التلاحم في المجتمعِ.
علاوة على ذلك، فإنه في ظل الخلافةِ فحسب يمكن البدء بمعالجة مشاكل العالم الإسلامي الاقتصادية والأمنية والسياسية الحقيقية. نعتقد بِأَنَّ هذا البديلِ الجذريِ هو بصيص الأمل الوحيد لأناس حكم عليهم حتى الآن العَيْش لعقود في ظل البؤسِ والفوضى.
إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. (94:6)
المراجع
الفصل الأول
[1] Michael Dobbs, The Afghan Archive: Secret Memos Trace Kremlin's March to War, The Washington Post, 15 November 1992, p. A1
[2] Eric Bergerud, The Dynamics Of Defeat: The Vietnam War In Hau Nghia Province (Boulder, Co: Westview Press, 1993)
[3] Anthony Cordesman, CSIS Afghan National Security Forces, Nov 2009
[4] Seth Jones and Martin Libicki, How Terrorist Groups End: Lessons for Countering al Qa'ida (Washington,DC: RAND Corporation, 2008).
[5] David Bromwich, ‘The Afghanistan Parenthesis' http://www.huffingtonpost.com/david-bromwich/the-afghanistan-parenthes_b_377141.html
[6] Thomas H Johnson, 10 Dec 09 http://www.foreignpolicy.com/articles/2009/12/10/sorry_obama_afghanistans_your_vietnam?page=0,0
[7] Jane Meyer, http://www.newyorker.com/online/blogs/newsdesk/2009/10/jane-mayer-predators-drones-pakistan.html#ixzz0b0ER34gA
[8] ESCAPING THE GRAVEYARD OF EMPIRES A strategy to exit Afghanistan, Malou Innocent and Ted Galen Carpenter, CATO Institute, 2009
[9] Kalev I. Sepp, "Best Practices in Counterinsurgency," Military Review (May-June 2005), 8-12.
[10] Thomas H Johnson, Chris Mason http://www.foreignpolicy.com/articles/2009/12/10/sorry_obama_afghanistans_your_vietnam
[11] Thomas H Johnson, M Chris Mason http://usacac.army.mil/CAC2/MilitaryReview/Archives/English/MilitaryReview_20091231_art004.pdf
الفصل الثاني
[1] United Nations Assistance Mission to Afghanistan. Mid Year
Bulletin on Protection of Civilians in Armed Conflict, 2009
[2] Editorial, May 23 2005. The New York Times.
[3] Canada shamed on Afghan prisoner torture, November 19 2009. Retrieved December 21, 2009 from http://www.thestar.com/news/canada/afghanmission/article/727879 - canada-shamed-on-torture
[4] Corruption Perceptions Index 2009, Transparency International. Retrieved December 21, 2009 from
http://www.transparency.org/policy_research/surveys_indices/cpi/2009/cpi_2009_table
[5] Assessment of Corruption in Afghanistan, USAID. Retrieved December 21, 2009 from http://pdf.usaid.gov/pdf_docs/PNADO248.pdf
[6] The Public Cost of Private Security in Afghanistan, New York University's Center on International Cooperation. Retrieved December 21, 2009 from http://www.cic.nyu.edu/afghanistan/docs/pubcost_sherman_vididom.pdf
[7] Interview with British Forces Broadcasting, 24 December 2005. Transcript retrieved December 21, 2009 from http://www.number10.gov.uk/Page8823
[8] G. Farrell and J. Thorne. 2005. ‘Where have all the flowers gone?: Evaluation of the Taliban crackdown against opium poppy cultivation in Afghanistan' International Journal of Drug Policy, 16, 81-91.
[9] Russian Blames West For Heroin Rise, Yahoo News, December 15 2009. Retrieved December 21, 2009 from http://uk.news.yahoo.com/5/20091215/twl-russian-blames-west-for-heroin-rise-3fd0ae9_1.html
[10] Brother of Afghan Leader Said to Be Paid by C.I.A., October 27 2009, New York Times.
[11] Australian soldiers using cocaine, heroin in Afghanistan, November 22 2009, Perth Sunday Times.
[12] Interview with Gyan Bahadur Adhikari, country director for ActionAid Afghanistan, July 30 2009, Foreign Policy in Focus.
[13] Gary Dempsey and Aaron Lukas, Promoting Afghanistan, January 23 2002, The Cato Institute.
[14] British envoy says mission in Afghanistan is doomed, according to leaked memo, 2 October 2008, The Times. Retrieved December 21, 2009 from http://www.timesonline.co.uk/tol/news/world/asia/article4860080.ece
الفصل الثالث
1] Retired General Jim Jones Interview with CNN's John King 4 October 2009 http://transcripts.cnn.com/TRANSCRIPTS/0910/04/sotu.05.html
[2] Prime Minister's Annual Speech on Foreign Policy at the Lord Mayor's Banquet 16 November 2009
[3] U.S. Aids Yemeni Raids on Al Qaeda, Officials Say. New York Times 18 December 2009
[4] Home Office Statistics on Terrorism Arrests and Outcomes Great Britain 11 September 2001 to 31 March 2008
[5] Heritage Foundation ‘Islamist Terrorist Plots in Great Britain: Uncovering the Global Network' by Ted R. Bromund and Morgan Roach 26 October 2009
[6] Sarah Ladbury, Independent Report For The Department Of International Development (Dfid) Testing Hypotheses On Radicalisation In Afghanistan Why Do Men Join The Taliban And Hizb-I Islami? Report 14th August 2009
[7] Rand ‘How Terrorists Group End Lessons for Countering al Qaida' Seth Jones and Martin Libicki
[8] Reuters ‘Taliban growth weighs on Obama strategy review' 9 October 2009
[9] NATO ISAF and Afghan National Army Strength and Laydown as at 22 October 2009
[10] Reuters ‘Q+A: Afghanistan's security forces' 1 December 2009
[11] John Kerry Speech to the Council on Foreign Relations ‘Afghanistan: Defining the Possibilities' 26 October 2009
[12] BBC website ‘Troubled state of Afghan police' 4 November 2009
[13] Testimony by Mark L. Schneider, International Crisis Group to the Subcommittee on National Security and Foreign Affairs, Committee on Oversight and Government Reform, House of Representatives.12 February 2009
[14] ‘Refighting the Last War Afghanistan and the Vietnam Template.' Thomas H. Johnson and M. Chris Mason November/December 2009 MILITARY REVIEW
[15] Telegraph website ‘Fifteen per cent of Afghan army 'are drug addicts' 23 November 2009
[16] Independent.co.uk ‘'Most of them were corrupt and stoned on opium' 5 November 2009
[17] Heritage Foundation NATO Allies in Europe Must Do More in Afghanistan Sally McNamara December 3, 2009
[18] Sir Hugh Orde ‘Britain ‘could talk to al Qaeda' BBC website 30 May 2008
[19] See for instance multiple opinion polling by the University of Maryland Program on International Policy Attitudes
الفصل الرابع
1] New York Times ‘C.I.A. to Expand Use of Drones in Pakistan' 3 December 2009
[2] Arab News ‘Pak police raid US-hired security firm, seize arms' 20 September 2009
[3] Guardian website ‘Blackwater operating at CIA Pakistan base ex-official says' 11 December 2009
[4] The Pakistani Spectator ‘Husain Haqqani To ISI: Let Blackwater In' 15 September 2009
[5] Dawn website ‘Haqqani denies blocking of US officials visas' 18 December 2009
[6] Press TV Interview with Asad Durrani 12 December 2009
[7] CNN ‘Taliban claims some attacks, denies others in Pakistan' 17 November 2009
[8] Bloomberg ‘Pakistan Sovereign Debt Rating Reduced to CCC by S&P' 14 November 2009
[9] http://www.keytorich.com/pakrichest/richest02.php
[10] Musharraf, Pervez In the Line of Fire: A Memoir Simon & Schuster UK Ltd, London, 2006 p. 201.
الفصل الخامس
[1] UN Human Development Report 2009. I-1Human and Income Poverty. Population living below $2 a day (%). http://hdrstats.undp.org/en/indicators/103.html [Accessed 01 Jan 2010]
[2] UN Human Development Report 2009. I-1Human and Income Poverty. Population living below $1.25 a day (%). http://hdrstats.undp.org/en/indicators/102.html [Accessed 01 Jan 2010]
[3] World Food Programme. Countries - Afghanistan. http://www.wfp.org/countries/afghanistan [Accessed 01 Jan 2010]
[4] Transparency International. Corruption Perceptions Index - 2008 Results.
http://www.transparency.org/news_room/latest_news/press_releases/2008/2008_09_23_cpi_2008_en [Accessed 01 Jan 2010]
[5] World Public Opinion.Org. Muslims Believe US Seeks to Undermine Islam. April 24, 2007. http://www.worldpublicopinion.org/pipa/articles/brmiddleeastnafricara/346.php?nid=&id=&pnt=346. [Accessed 01 Jan 2010]
[6] An-Nabhani, T. The Ruling System in Islam London: Khilafah Publications
نظام الحكم في الإسلام
[7] Hizb ut-Tahrir. The Institutions of State in the Khilafah
أجهزة دولة الخلافة
[8] An-Nabhani, T. The Economic System in Islam: Khilafah Publications
النظام الاقتصادي في الإسلام
[9] Zalloom, Abdul Qadeem. Funds in the Khilafah State: Khilafah Publications
الأموال في دولة الخلافة
[10] Abu Al-Rashta, Ata. Economic Crises: Their reality and solutions from the viewpoint of Islam: Hizb ut-Tahrir
الأزمات الاقتصادية
[11] An-Nabhani, T. The Social System in Islam: Khilafah Publications
النظام الاجتماعي في الإسلام
[12] See Hizb ut-Tahrir. The Institutions of State in the Khilafah, pp21
أجهزة دولة الخلافة
[13] نفس المرجع السابق, pp21
[14] See An-Nabhani, T. The Ruling System in Islam London: Khilafah Publications. pp250
نظام الحكم في الإسلام
[15] نفس المرجع السابق , pp295
[16] See Hizb ut-Tahrir. The Institutions of State in the Khilafah, pp155
أجهزة دولة الخلافة
[17] Narrated in the books of Ahmed and Ibn Majah
[18] Narrated in the book of Tirmidhi
[19] نفس المرجع السابق , pp128
[20] نفس المرجع السابق , pp270
[21] See Hizb ut-Tahrir. The Institutions of State in the Khilafah, pp77
[22] نفس المرجع السابق , pp96-97
[23] Clifford, Brenden, Islam and its Discontents. The Bevin Society, 2002 http://ltureview.com/user/story.php?id=380 [Accessed 13 Jan 2010]
Web: www.hizb.org.uk
Email: press@hizb.org.uk