اجتماع

الفئات الفرعية: المرأة صلات
مقال مميز

الحجاب فريضة من رب العالمين ولا يغير في ذلك دعوات المتآمرين ولا آمانيهم

كانت مصر ولا تزال صاحبة مركز مهم في المنطقة، ولها ثِقلها السياسي المؤثر ما يجعلها قبة الميزان، وموضع الحسم بين فسطاط أمريكا ومن لفَّ لفيفها وسار يدعو لحضارتها، وبين فسطاط المسلمين وفيه الدَّاعون من أبناء الأمة لتطبيق الشريعة الإسلامية. فمصر بيضة القبان، ولها بين المسلمين مكانة عظيمة. لهذا تتالت عليها هجمات المستعمرين كما اشتدت على أخواتها الشام والعراق وغيرها.

اقرأ المزيد
المفاصلة بين منهج التوحيد ومنهج الشرك

المفاصلة بين منهج التوحيد ومنهج الشرك

الحمد لله. الحمد لله ثم الحمد لله. الحمد لله الذي هدانا لهذا, وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُّرْشِداً}. (الكهف17). عباد الله: أوصيكم وإياي بتقوى الله العظيم ولزوم طاعته, وأحذركم ونفسي من عصيانه ومخالفة أمره لقوله سبحانه: {مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}. (فصلت46) وأشهد أَلاّ إله إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً رسول الله. بعثه الله رحمةً للعالمين, فبلغ الرسالة, وأدى الأمانة, ونصح الأمة, وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين. اللهم اجزه عنا خير ما جزيت نبياً عن قومه, ورسولاً عن أمته. أما بعد: أيها المؤمنون: قال الله تعالى في محكم كتابه وهو أصدق القائلين: {قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (3) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (4) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}. قال سيد قطب - رحمه الله - في تفسيره في ظلال القرآن الكريم: لم يكن العرب يجحدون اللّه ولكن كانوا لا يعرفونه بحقيقته التي وصف بها نفسه. أحد. صمد. فكانوا يشركون به ولا يقدرونه حق قدره، ولا يعبدونه حق عبادته. كانوا يشركون به هذه الأصنام التي يرمزون بها إلى أسلافهم من الصالحين أو العظماء. أو يرمزون بها إلى الملائكة .. وكانوا يزعمون أن الملائكة بنات اللّه، وأن بينه - سبحانه - وبين الجنة نسبا، أو ينسون هذا الرمز ويعبدون هذه الآلهة، وفي هذه الحالة أو تلك كانوا يتخذونها لتقربهم من اللّه كما حكى عنهم القرآن الكريم في سورة الزمر قولهم: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» .. ولقد حكى القرآن عنهم أنهم كانوا يعترفون بخلق اللّه للسماوات والأرض ، وتسخيره للشمس والقمر، وإنزاله الماء من السماء كالذي جاء في سورة العنكبوت: «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» .. «وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» .. وفي أيمانهم كانوا يقولون: واللّه. وتاللّه. وفي دعائهم كانوا يقولون: اللهم .. إلخ. ولكنهم مع إيمانهم باللّه كان هذا الشرك يفسد عليهم تصورهم كما كان يفسد عليهم تقاليدهم وشعائرهم ، فيجعلون للآلهة الْمُدَّعاةِ نصيبا في زرعهم وأنعامهم ونصيبا في أولادهم. حتى إنه ليقتضي هذا النصيب أحيانا التضحية بأبنائهم. وفي هذا يقول القرآن الكريم عنهم في سورة الأنعام: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيباً. فَقالُوا هذا لِلَّهِ - بِزَعْمِهِمْ - وَهذا لِشُرَكائِنا. فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ. وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ. ساءَ ما يَحْكُمُونَ! وَكَذلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ ، وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ، وَلَوْ شاءَ اللَّهُ ما فَعَلُوهُ ، فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ. وَقالُوا : هذِهِ أَنْعامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لا يَطْعَمُها إِلَّا مَنْ نَشاءُ - بِزَعْمِهِمْ - وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها ، وَأَنْعامٌ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِراءً عَلَيْهِ. سَيَجْزِيهِمْ بِما كانُوا يَفْتَرُونَ ، وَقالُوا: ما فِي بُطُونِ هذِهِ الْأَنْعامِ خالِصَةٌ لِذُكُورِنا، وَمُحَرَّمٌ عَلى أَزْواجِنا، وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكاءُ. سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ. وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ. قَدْ ضَلُّوا وَما كانُوا مُهْتَدِينَ}. وكانوا يعتقدون أنهم على دين إبراهيم، وأنهم أهدى من أهل الكتاب، الذين كانوا يعيشون معهم في الجزيرة العربية، لأن اليهود كانوا يقولون: عزير ابن اللّه. والنصارى كانوا يقولون: عيسى ابن اللّه. بينما هم كانوا يعبدون الملائكة والجن على اعتبار قرابتهم من اللّه - بزعمهم - فكانوا يعدون أنفسهم أهدى؛ لأن نسبة الملائكة إلى اللّه, ونسبة الجن كذلك أقرب من نسبة عزير وعيسى .. وكله شرك. وليس في الشرك خيار. ولكنهم هم كانوا يحسبون أنفسهم أهدى وأقوم طريقا! فلما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم يقول: إن دينه هو دين إبراهيم - عليه السلام - قالوا: نحن على دين إبراهيم, فما حاجتنا إذن إلى ترك ما نحن عليه واتباع محمد؟! وفي الوقت ذاته راحوا يحاولون مع الرسول صلى الله عليه وسلمخطة وسطاً بينهم وبينه, وعرضوا عليه أن يسجد لآلهتهم, مقابل أن يسجدوا هم لإلهه! وأن يسكت عن عيب آلهتهم وعبادتهم، وله فيهم وعليهم ما يشترط! ولعل اختلاط تصوراتهم، واعترافهم باللّه مع عبادة آلهة أخرى معه .. لعل هذا كان يشعرهم أن المسافة بينهم وبين محمد قريبة، يمكن التفاهم عليها، بقسمة البلد بلدين، والالتقاء في منتصف الطريق، مع بعض الترضيات الشخصية! ولحسم هذه الشبهة، وقطع الطريق على المحاولة، والمفاصلة الحاسمة بين عبادة وعبادة، ومنهج ومنهج، وتصور وتصور، وطريق وطريق .. نزلت هذه السورة. بهذا الجزم. وبهذا التوكيد. وبهذا التكرار. لتنهي كل قول، وتقطع كل مساومة, وتفرق نهائيا بين التوحيد والشرك، وتقيم المعالم واضحة، لا تقبل المساومة والجدل في قليل ولا كثير: «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ. لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ، وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ، وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ. لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ». نفي بعد نفي. وجزم بعد جزم. وتوكيد بعد توكيد. بكل أساليب النفي والجزم والتوكيد .. «قُلْ» .. فهو الأمر الإلهي الحاسم الموحي بأن أمر هذه العقيدة أمر اللّه وحده. ليس لمحمد فيه شيء. إنما هو اللّه الآمر الذي لا مرد لأمره، الحاكم الذي لا راد لحكمه. «قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ» .. ناداهم بحقيقتهم، ووصفهم بصفتهم .. إنهم ليسوا على دين، وليسوا بمؤمنين وإنما هم كافرون. فلا التقاء إذن بينك وبينهم في طريق .. وهكذا يوحي مطلع السورة وافتتاح الخطاب، بحقيقة الانفصال الذي لا يرجى معه اتصال! «لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ» .. فعبادتي غير عبادتكم، ومعبودي غير معبودكم .. «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» فعبادتكم غير عبادتي، ومعبودكم غير معبودي. «وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ» .. توكيد للفقرة الأولى في صيغة الجملة الاسمية وهي أدل على ثبات الصفة واستمرارها. «وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ» .. تكرار لتوكيد الفقرة الثانية. كي لا تبقي مظنة ولا شبهة، ولا مجال لمظنة أو شبهة بعد هذا التوكيد المكرر بكل وسائل التكرار والتوكيد! ثم إجمال لحقيقة الافتراق الذي لا التقاء فيه، والاختلاف الذي لا تشابه فيه، والانفصال الذي لا اتصال فيه، والتمييز الذي لا اختلاط فيه: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. أنا هنا وأنتم هناك، ولا معبر ولا جسر ولا طريق!!! مفاصلة كاملة شاملة، وتميز واضح دقيق .. ولقد كانت هذه المفاصلة ضرورية لإيضاح معالم الاختلاف الجوهري الكامل، الذي يستحيل معه اللقاء على شيء في منتصف الطريق. الاختلاف في جوهر الاعتقاد، وأصل التصور، وحقيقة المنهج، وطبيعة الطريق. إن التوحيد منهج، والشرك منهج آخر .. ولا يلتقيان .. التوحيد منهج يتجه بالإنسان - مع الوجود كله - إلى اللّه وحده لا شريك له. ويحدد الجهة التي يتلقى منها الإنسان، عقيدته وشريعته، وقيمه وموازينه، وآدابه وأخلاقه، وتصوراته كلها عن الحياة وعن الوجود. هذه الجهة التي يتلقى المؤمن عنها هي اللّه، اللّه وحده بلا شريك. ومن ثم تقوم الحياة كلها على هذا الأساس. غير متلبسة بالشرك في أية صورة من صوره الظاهرة والخفية .. وهي تسير .. وهذه المفاصلة بهذا الوضوح ضرورية للداعية. وضرورية للمدعوين .. إن تصورات الجاهلية تتلبس بتصورات الإيمان، وبخاصة في الجماعات التي عرفت العقيدة من قبل ثم انحرفت عنها. وهذه الجماعات هي أعصى الجماعات على الإيمان في صورته المجردة من الغبش والالتواء والانحراف. أعصى من الجماعات التي لا تعرف العقيدة أصلا. ذلك أنها تظن بنفسها الهدى في الوقت الذي تتعقد انحرافاتها وتتلوى! واختلاط عقائدها وأعمالها وخلط الصالح بالفاسد فيها، قد يغري الداعية نفسه بالأمل في اجتذابها إذا أقر الجانب الصالح وحاول تعديل الجانب الفاسد .. وهذا الإغراء في منتهى الخطورة! إن الجاهلية جاهلية، والإسلام إسلام. والفارق بينهما بعيد. والسبيل هو الخروج عن الجاهلية بجملتها إلى الإسلام بجملته. هو الانسلاخ من الجاهلية بكل ما فيها والهجرة إلى الإسلام بكل ما فيه. وأول خطوة في الطريق هي تميز الداعية وشعوره بالانعزال التام عن الجاهلية: تصورا ومنهجا وعملا. الانعزال الذي لا يسمح بالالتقاء في منتصف الطريق. والانفصال الذي يستحيل معه التعاون إلا إذا انتقل أهل الجاهلية من جاهليتهم بكليتهم إلى الإسلام. لا ترقيع. ولا أنصاف حلول. ولا التقاء في منتصف الطريق .. مهما تزيت الجاهلية بزي الإسلام، أو ادعت هذا العنوان! وتميز هذه الصورة في شعور الداعية هو حجر الأساس. شعوره بأنه شيء آخر غير هؤلاء. لهم دينهم وله دينه، لهم طريقهم وله طريقه. لا يملك أن يسايرهم خطوة واحدة في طريقهم. ووظيفته أن يسيرهم في طريقه هو، بلا مداهنة ولا نزول عن قليل من دينه أو كثير! وإلا فهي البراءة الكاملة، والمفاصلة التامة، والحسم الصريح .. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. وما أحوج الداعين إلى الإسلام اليوم إلى هذه البراءة وهذه المفاصلة وهذا الحسم .. ما أحوجهم إلى الشعور بأنهم ينشئون الإسلام من جديد في بيئة جاهلية منحرفة، وفي أناس سبق لهم أن عرفوا العقيدة، ثم طال عليهم الأمد «فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ» .. وأنه ليس هناك أنصاف حلول، ولا التقاء في منتصف الطريق، ولا إصلاح عيوب، ولا ترقيع مناهج .. إنما هي الدعوة إلى الإسلام كالدعوة إليه أول ما كان، الدعوة بين الجاهلية. والتميز الكامل عن الجاهلية .. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. وهذا هو ديني: التوحيد الخالص الذي يتلقى تصوراته وقيمه، وعقيدته وشريعته .. كلها من اللّه .. دون شريك .. كلها .. في كل نواحي الحياة والسلوك. وبغير هذه المفاصلة. سيبقى الغبش, وتبقى المداهنة ويبقى اللبس ويبقى الترقيع .. والدعوة إلى الإسلام لا تقوم على هذه الأسس المدخولة الواهنة الضعيفة. إنها لا تقوم إلا على الحسم والصراحة والشجاعة والوضوح..! أيها المؤمنون: هذا هو طريق الدعوة الأول: «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» .. فأين المسلمون اليوم من تلك المفاصلة؟ أين أصحاب الثورات, ثورات الربيع العربي ... أين من ينادون بالدولة المدنية, والدولة العَلْمانية, والدولة الديمقراطية, وكلها دول من صنع البشر, وكلها تجعل حق التشريع للبشر, في حين أن دستور دولة الخلافة الإسلامية مستمد من كتاب الله تعالى, ومن سنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ومما أرشدا إليه من قياس, وإجماع صحابة. فحق التشريع في الدولة الإسلامية هو لله تعالى وحده, ولا يجوز بحال من الأحوال أن يُشرَكَ معه غيرُه. فالمؤمن حين يشهد أَلاّ إله إلا الله, وأنَّ محمد رسول الله معتقداً عقيدة التوحيد, فإن ذلك يعني الإقرار بأنه لا مُشرَّعَ إلاَّ الله, وأن محمداً صلى الله عليه وسلم هو المبلغ عن الله! وقد فهم مشركو العرب وزعماء قريش هذا المعنى؛ لذلك رفضوا أن يقولوا كلمة التوحيد لا إله إلا الله محمد رسول الله. روى الطبراني في المعجم الكبير قَالَ: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَهُوَ يَقُولُ لِلنَّاسِ: قُولُوا: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ تُفْلِحُوا». فَمِنْهُمْ مَنْ تَفَلَ فِي وَجْهِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ حَثَا عَلَيْهِ التُّرَابَ، وَمِنْهُمْ مَنْ سَبَّهُ، حَتَّى انْتَصَفَ النَّهَارُ، فَأَقْبَلَتْ جَارِيَةٌ بِعُسٍّ مِنْ مَاءٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ أَوْ يَدَيْهِ وَقَالَ: يَا بنيَّةُ، لا تَخْشَي عَلَى أَبِيكِ عَيْلَةً وَلا ذِلَّةً، فَقُلْتُ: مَنْ هَذِهِ؟ قَالُوا: زَيْنَبُ بنتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهِيَ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ». فأين كلُّ أولئك من هذا الفهم الرائع لمنهج التوحيد, الذي لا يلتقي ولا يجتمع مع منهج الشرك؟ ألم يقل الله في محكم كتابه: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّـهُ ۚ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }؟ ( الشورى٢١)ألم يقل الله في محكم كتابه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّـهِ ۖ يَقُصُّ الْحَقَّ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ}؟ (الأنعام ٥٧) ألم يقل الله في محكم كتابه: {وَاللَّـهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}؟ (الرعد41) ألم يقل الله في محكم كتابه: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}؟ ( النساء ٦٥) ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح الذي رواه الطبراني في المعجم الكبير: «أَلا إِنَّ رَحَى الإِسْلامِ دَائِرَةٌ، فَدُورُوا مَعَ الإِسْلامِ حَيْثُ دَارَ، أَلا إِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّلْطَانَ سَيَفْتَرِقَانِ، فَلا تُفَارِقُوا الْكِتَابَ، أَلا إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يَقْضُونَ لأَنْفُسِهِمْ مَا لا يَقْضُونَ لَكُمْ، إِنْ عَصَيْتُمُوهُمْ قَتَلُوكُمْ، وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ أَضَلُّوكُمْ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ:"كَمَا صَنَعَ أَصْحَابُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، نُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرَ، وَحُمِلُوا عَلَى الْخَشَبِ، مَوْتٌ فِي طَاعَةِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ حَيَاةٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ»؟ اللهم أقر أعيننا بقيام دولة الخلافة, واجعلنا من جنودها الأوفياء المخلصين. (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين). أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.كتبه الأستاذ محمد أحمد النادي

مؤتمر تونس منارة شامخة   لحفظ وتأمين حقوق المرأة في العالم

مؤتمر تونس منارة شامخة لحفظ وتأمين حقوق المرأة في العالم

بسم الله، وعلى بركة الله، وبتوفيق الله العلي القدير، وبرعايته وعنايته سبحانه، وبحمده وعطفه ولطفه ومنه، ينعقد المؤتمر العالمي التاريخي الأول، على أرض تونس الخضراء الأبية، في تلك البقعة الطاهرة من أرض الإسلام، التي وطئتها جيوش الفتح الإسلامي، بقيادة القائد المظفر عقبة بن نافع، وفي ذلك البلد الطيب أهله، الذي كان سباقا في إعلان ثورته على الظلم والظالمين، وكان قائدا ورائدا في إعلان الثورة المباركة من قبل الشعب ضد الحاكم وزمرته من الخونة والمتآمرين، ولم تكن تلك الثورة التونسية مباركة لسبب واحد من الأسباب، بل لجملة أسباب: كانت مباركة أولا؛ لأنها اشتعلت وامتدت إلى بقية الشعوب التي تعاني ما تعاني من الرأسمالية العفنة، التي طبقها عليهم حكامهم الخونة، عملاء الكافر المستعمر، المتآمرون معه لضرب عقيدة الإسلام، ولنهب خيرات وثروات المسلمين. وكانت مباركة ثانيا؛ لأن هذه الثورات زادت من وعي شباب الأمة الثائرين؛ فصاروا إلى حد ما يميزون بين المخلص وغير المخلص، وأصبحوا ليس من السهل خداعهم، وكانت مباركة ثالثا؛ لأن هذه الثورات كسرت حاجز الخوف عند أفراد الأمة، وكانت مباركة رابعا؛ لأن الشعوب في هذه البلدان بدأت تدرك أنها صاحبة السلطان، فهي التي تنصب الحاكم، وهي التي تخلعه متى أرادت، وكانت مباركة خامسا؛ لأن الحكام صاروا يخشون الشعوب، بعد أن كانت الشعوب تخشى سطوة الحكام! وكانت مباركة سادسا؛ لأن هذه الثورات كشفت كل التيارات وكل الجماعات، وكل أصحاب العمائم، وكل دعاة التغيير والإصلاح، كشفتهم جميعا وعرتهم وأظهرتهم على حقيقتهم! وكانت مباركة سابعا؛ لأن هذه الثورات لن تهدأ بإذن الله، ولن ينطفئ لهيب نارها إلا بقيام دولة الخلافة التي على منهاج النبوة! ذلك البلد المسلم، يستقبل في هذا اليوم الأغر العاشر من آذار لسنة ألفين واثنتي عشرة ميلادية الموافق للسابع عشر من ربيع الثاني هجرية، يستقبل شابات حزب التحرير من جميع أنحاء العالم العربي، وشمال أفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط، من الباكستان إلى إندونيسيا وروسيا وأستراليا وأوروبا وغيرها... يعلن عن حملة عالمية بعنوان: الخلافة: نموذج مضيء لحقوق المرأة ودورها السياسي. يأتي هذا المؤتمر العالمي التاريخي الأول للمرأة متزامنا مع يوم المرأة العالمي، يشارك في هذا المؤتمر نخبة نساء سياسيات وقائدات من كل أنحاء العالم، وذلك من أجل لفت نظر العالم أجمع إلى نظام الخلافة وكيف تناول الإسلام حقوق وحياة المرأة. إن هذا المؤتمر يهدف إلى إبراز الحلول العملية التي تقدمها الخلافة لكثير من المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تعاني منها النساء في العالم الإسلامي وغيره، نتيجة تطبيق أنظمة الرأسمالية الكافرة، وكذلك تفنيد الادعاءات والافتراءات حول اضطهاد الإسلام للمرأة. ويتضمن المؤتمر رسائل من شابات حزب التحرير في العالم يؤكدن فيها على أن نظام الخلافة هو الذي يؤمن للمرأة حقوقها فعلا لا قولا.وكما قالت الدكتورة نسرين عضو المكتب المركزي لحزب التحرير جزاها الله عن الإسلام والمسلمين خيرا: "إن المرأة في أنحاء العالم الإسلامي، على مدى عقود عديدة قد عانت من القهر والفقر والمهانة، في ظل أنظمة قمعية فاسدة، ونظام اقتصادي مهترئ، فغضت الحكومات في جميع الجهات الطرف عن الانتهاكات التي ارتكبت بحق المرأة وعن تجريدها من حقوقها الأساسية". وتضيف الدكتورة قائلة: لقد فشلت كل الأنظمة بنوعيها: الملكية الدكتاتورية، والجمهورية الديمقراطية، خلال العقود الثمانية الماضية في تأمين حياة كريمة محترمة للمرأة، مما أبرز الحاجة الملحة إلى رؤية سياسية مختلفة، وقادرة على إحداث تغيير حقيقي في المنطقة يضمن مستقبلا كريما عادلا مزدهرا للجميع نساء ورجالا، مسلمين وغير مسلمين". وتسترسل الدكتورة فتقول: "ومن تونس النموذج الذي يعتبره الغرب رائدا علمانيا في مجال حقوق المرأة، فإن شابات حزب التحرير يهدفن إلى إظهار أن نظام الحكم الإسلامي هو النموذج الوحيد الذي يصون حقوق المرأة. لقد ادعى الكثيرون بأن المرأة في العالم الإسلامي تعتبر الإسلام دينا ظالما لها! وأنها ترفض نظام الحكم الإسلامي! وأنها تنشد "الحرية" من خلال النظام العلماني الديمقراطي الليبرالي!، أما الآن فإن النساء اللواتي يعملن للتغيير في مجتمعاتهن يصرخن عاليا ضد هذه الأكاذيب، وسيوضحن السبب الحقيقي للظلم الواقع عليهن، وسيعلن دعمهن الكامل للخلافة، وسيلقين الضوء على عملهن السياسي لجعل هذا النظام العظيم حقيقة واقعة". وتختم الدكتورة كلمتها فتقول: "أما الأكاذيب والافتراءات حول الإسلام واضطهاده للمرأة فإنها تستحق مصير الطغاة نفسه في المقابر قال تعالى: {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا}. إن نظام الخلافة سيحفظ للمرأة كرامتها وسيقوي الروابط الأسرية، وسيحفظ الحقوق السياسية والاقتصادية والتعليمية للجميع رجالا ونساء، مسلمين وغير مسلمين." ثم في نهاية كلمتها تدعو الدكتورة جميع النساء اللواتي يؤمن بإيجاد تغيير حقيقي يساهم في تحسين حياة المرأة للانضمام إلى شابات حزب التحرير في هذا المؤتمر التاريخي الذي سيقدم نموذجا مضيئا تتحقق به الكرامة والأمان والعدالة للأمهات والبنات في العالم الإسلامي والذي سيقف منارة شامخة لحفظ وتأمين حقوق المرأة في العالم." وبهذا تكون المرأة التي تشكل نصف المجتمع، بل ربما أكثر من نصفه في حال كون عدد النساء يزيد على الرجال بسبب الحروب والكوارث ونحوها، تكون قد أدت دورها المنوط بها مع شقيقها الرجل في حمل الدعوة، وإقامة الدولة، وتبليغ رسالة الإسلام إلى الناس كافة. فإلى الأمام يا شابات حزب التحرير، وفقكن الله، وسدد على طريق الهدى والخير خطاكن، وختاما نضرع إلى الله جل في علاه، ونبتهل إليه سبحانه أن يتقبل منكن عملكن هذا، ويجعله خالصا لوجهه الكريم، وأن يحقق آمالكن وأهدافكن، وأن يكلل جهودكن بالتوفيق والنجاح، وأن يجعل ذلك كله في ميزان حسناتكن {يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم}. ونسأله سبحانه أن يكرمنا في القريب العاجل، بقيام دولة الإسلام، دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وأن يكحل برؤيتها عيوننا، وأن يجعلنا من جنودها وشهودها، اللهم أحينا في ظلها حياة السعداء، وانصرنا في ساح الجهاد على الأعداء، وأمتنا ميتة الشهداء، وارزقنا في الجنة مرافقة الأنبياء. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين. كتبه الأستاذ محمد أحمد النادي

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية"   الحلقة الخامسة عشرة

تأملات في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية" الحلقة الخامسة عشرة

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin-top:0in; mso-para-margin-right:0in; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0in; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} table.MsoTableGrid {mso-style-name:"Table Grid"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-priority:59; mso-style-unhide:no; border:solid black 1.0pt; mso-border-alt:solid black .5pt; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-border-insideh:.5pt solid black; mso-border-insidev:.5pt solid black; mso-para-margin:0in; mso-para-margin-bottom:.0001pt; mso-pagination:widow-orphan; font-size:10.0pt; font-family:"Times New Roman","serif"; mso-fareast-font-family:Calibri;} الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المتقين، وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، واجعلنا معهم، واحشرنا في زمرتهم برحمتك يا أرحم الراحمين. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: في هذه الحلقة نواصل تأملاتنا في كتاب: "من مقومات النفسية الإسلامية". ومن أجل بناء الشخصية الإسلامية، مع العناية بالعقلية الإسلامية والنفسية الإسلامية، نقول وبالله التوفيق: أيها المسلمون: قلنا في الحلقة الماضية: يسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب، كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له، و يسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ونضيف في هذه الحلقة فنقول: إنه يندب للمسلم أن يهدي لأخيه، لحديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، في الأدب المفرد، وأبو يعلى في مسنده، والنسائي في الكنى، وابن عبد البر في التمهيد، وقال العراقي: السند جيد، وقال ابن حجر في التلخيص الحبير: سنده حسن، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تهادوا تحابوا". ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها لحديث عائشة عند البخاري قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها". وحديث ابن عمر عند أحمد وأبي داود والنسائي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن استجار بالله فأجيروه، ومن آتى إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا، فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه". وهذا بين الإخوان، ولا علاقة له بهدايا الرعية إلى الحكام، فهي مثل الرشوة محرمة، ومن المكافأة أن يقول: جزاك الله خيرا. روى الترمذي عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، وقال حسن صحيح، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: "جزاك الله خيرا" فقد أبلغ في الثناء". والثناء شكر، أي مكافأة، خصوصا ممن لا يجد غيره، لما رواه ابن حبان في صحيحه عن جابر بن عبد الله، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول: "من أولي معروفا فلم يجد له خيرا إلا الثناء، فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وبإسناد حسن عند الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أعطى عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور". وكفر العطاء يعني ستره وتغطيته. وبإسناد صحيح روى أبو داود والنسائي عن أنس قال: "قال المهاجرون يا رسول الله، ذهب الأنصار بالأجر كله، ما رأينا قوما أحسن بذلا لكثير، ولا أحسن مواساة في قليل منهم، ولقد كفونا المؤونة، قال: أليس تثنون عليهم به وتدعون لهم؟ قالوا: بلى، قال: فذاك بذاك". وينبغي للمسلم أن يشكر القليل شكره للكثير، ويشكر الناس الذين يقدمون له خيرا لما رواه عبد الله بن أحمد في زوائده بإسناد حسن عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، والجماعة رحمة، والفرقة عذاب". ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير، لما رواه البخاري عن أبي موسى، قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا إذ جاء رجل يسأل، أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال اشفعوا فلتؤجروا وليقض الله على لسان نبيه ما شاء". ولما رواه مسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من كان وصلة لأخيه المسلم إلى ذي سلطان لمنفعة بر أو تيسير عسير أعين على إجازة الصراط يوم دحض الأقدام". ويندب للمسلم أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب، لما رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة". وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وقال إسناده حسن، وكذلك قال الهيثمي. وما رواه اسحق بن راهويه عن أسماء بنت يزيد قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من ذب عن عرض أخيه بظهر الغيب كان حقا على الله أن يعتقه من النار". وأخرج القضاعي في مسند الشهاب عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من نصر أخاه بظهر الغيب نصره الله في الدنيا والآخرة". وأخرجه القضاعي أيضا عن عمران بن حصين بزيادة: "وهو يستطيع نصره". ولما رواه أبو داود والبخاري في الأدب المفرد، وقال الزين العراقي: إسناده حسن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، من حيث لقيه، يكف عنه ضيعته ويحوطه من ورائه". أيها المسلمون: علمتم من خلال الأحاديث النبوية الشريفة الواردة في هذه الحلقة، والحلقة التي سبقتها، أنه يسن لمن أحب أخا له في الله، أن يخبره ويعلمه بحبه إياه. ويسن للمسلم أيضا أن يدعو لأخيه بظهر الغيب. كما يسن له أن يطلب من أخيه الدعاء له. ويسن له أن يزوره ويجالسه ويواصله ويباذله في الله بعد أن يحبه. ويندب للمسلم أن يلقى أخاه بما يحب ليسره بذلك. ويندب للمسلم أن يهدي لأخيه. ويندب له أيضا أن يقبل هديته، ويكافئ عليها. وينبغي للمسلم أن يشكر الناس الذين يقدمون له خيرا. ومن السنة أن يشفع لأخيه لمنفعة بر أو تيسير عسير. ويندب له أيضا أن يذب عن عرض أخيه بظهر الغيب. فهلا التزمنا بهذه الأحكام الشرعية، وسائر أحكام الإسلام؛ لنكون كما يحب ربنا ويرضى، حتى يغـير ما بنا، ويصلح أحوالنا، ونفوز بخيري الدنيا والآخرة؟! نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، على أن نكمل تأملاتنا في الحلقات القادمة إن شاء الله تعالى، فإلى ذلك الحين وإلى أن نلقاكم، نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. محمد أحمد النادي

الخلافة والذميين

الخلافة والذميين

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0in 5.4pt 0in 5.4pt; mso-para-margin-top:0in; mso-para-margin-right:0in; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0in; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin; mso-bidi-font-family:Arial; mso-bidi-theme-font:minor-bidi;} إنه مما لاشك فيه أن ما يسمى بثورات الربيع العربي قد أثرت تأثيراً عميقاً على شعوب العالم الإسلامي وسيكون لها التأثير الكبير على العالم أجمع وستكون نقطة تحول في تاريخ الأمة الإسلامية. فقد أظهرت هذه الثورات أن الشعوب قد كفرت بحكامها وأنظمة حكمهم وليس هذا فقط بل كفرت بكل السياسات الرأسمالية المطبقة في العالم بعد أن ظهر فسادها وهي تتطلع لبديل حضاري كفيل بمعالجة الأزمات المستعصية في بلادهم ليكون بديلاً عن النظام الرأسمالي الذي انتهت صلاحيته وظهر عجزه وفساد قيمه ومقاييسه المتناقضة. وهذا البديل تراه الشعوب الإسلامية في مشروع الإسلام الحضاري عقيدة ونظاماً للحياة ترى فيه الهدى والرحمة للناس كافة، وليس أدل على ذلك من فوز الحركات الإسلامية التي جرت في انتخابات تونس والمغرب ومصر، وكذلك التأييد الكبير لهم في ثورة ليبيا وفي الجزائر من قبل، ومع هذا النجاح الكاسح للإسلام أخذ العلمانيون واليساريون وكل القوى السياسية التقليدية في البلاد الإسلامية والأقليات الغير إسلامية والظلاميين بإظهار معارضتهم لتطبيق الشريعة وإظهار مخاوفهم من الدولة الإسلامية وتشبيهها بالدولة الدينية وباستبداد الأكثرية، وأخذوا يثيرون الكثير من المصطلحات والمفاهيم التي لا علاقة لها بالإسلام ودولته كمفهوم الدولة الدينية التي هي مفهوم غربي لا يعرفه الإسلام وأخذوا يطالبون بالدولة المدنية وبالتداول السلمي للسلطة ولا يريدون أن تَحكم الغالبية المسلمة برؤيتها الإسلامية بل يريدون أن نحكم برؤيتهم هم حتى أنهم أفرغوا الديمقراطية التي ينادون بها ويدعونها من مضمونها وأخذوا يشككون في صلاحية الإسلام للتطبيق مدعين عدم مناسبته للعصر ثم تدخّلوا في تفصيلات الشريعة واستنكروا أن تُطبق على غير المسلمين وكأنّهم اعتبروا المسلمين طائفة مثل بقية الطوائف الأخرى، ويستنكرون مصطلحات شرعية كمصطلح الجزية أو وصف غير المسلمين بالكفار. وهنا يجب الإشارة إلى بعض المسلّمات عند المسلمين: 1- إن الله قد بعث محمداً صلى الله عليه وسلم بشريعة الإسلام فيها حلول لكل المشاكل وللناس كافه، قال تعالى : " ونزّلنا عليك الكتاب تبياناً لكل شيء وهدىً ورحمة وبشرى للمسلمين" 2- إنّ من لا يؤمن بالإسلام، لا يجوز له الخوض في التشريعات الإسلامية باجتهاد منه فهو ليس أهلاً لذلك ولا يُناقش في فروع الإسلام، وله الحق فقط أن يسأل عن حكم مسألة بعينها ليعرف حكمها من أهلها. 3- إن مشروعاً إسلامياً لا يقوده من كفر به و كذلك مشروعاً رأسمالياً لا يقوده شيوعي كفر بالرأسمالية، وكذلك المشروع الشيوعي لا يقوده رأسمالي كفر بالشيوعية، فلا تداوُل للسلطة بين الشيوعي والمسلم والرأسمالي في أي مكان في الدنيا، لا عند المسلمين ولا عند غيرهم، والأنظمة القائمة تشترط في المسلم الذي يريد أن يلج الحياة السياسية أن يتخلى عن إسلامه ويلتزم بالعلمانية ويصرح بالإيمان بها . أمّا بعض المُصطلحات وخاصة وصف الكفر لمن لا يؤمن بالإسلام فهو وصف واقع مطابق لواقعه، فهم قد كفروا بالإسلام فهذا واقعهم ولا يقولون هم غير ذلك، فإن كانوا يرون ذلك مذمة فعليهم الرجوع عن كُفرهم بالإسلام والدخول فيه، وإلا فليفتخروا بكفرهم إن كانوا يرون ذلك حقاً. وقد أخبر الله سبحانه تعالى بأن سيدنا إبراهيم عليه السلام ومن معه قد كفروا بما عليه قومهم من عقيدة وافتخروا بذلك ولم يعتبر القرآن ذلك مذمة لهم بل اعتبرها مدحاً لهم حين أخبر بأنهم كفروا بما عليه قومهم، قال تعالى : "قد كانت لكم أُسوةٌ حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا بُرءاء منكُم وممّا تعبُدون من دون الله كفرنا بكم " وأمّا موضوع تطبيق الشريعة الإسلامية على غير المسلمين فسأتناوله بشيء من الإيجاز الميسّر لعلنا نقف على عظيم شرع الله وعدله وإنصافه، لكل رعايا دولته مما حفظ لهم دمائهم وأموالهم وأعراضهم وأولادهم وعيشهم الكريم الذي لم توفره لهم دولهم التي قامت على أساس دينهم في الماضي والحاضر. ونظرة سريعة في تاريخ الغرب في القديم والحديث يجد الباحث نفسهُ عاجزاً عن تسجيل جرائم دول الغرب في حق شعوبهم والشعوب التي ابتُليت بأنظمتهم ونفوذهم لكثرتها وبشاعتها ووحشيّتها. مثال على ذلك الصراع الدموي بين البروتستانت والكاثوليك الذي استمر لقرون طويلة بين الانجليز والايرلنديين ومحاكم التفتيش في أوروبا والحروب الاستعمارية الصليبية. وعندما نأتي إلى التشريع الإسلامي نجد حقيقة مطلقة وقطعية مفادُها أنّ الإسلام شرّع الأحكام لمُعالجة أحوال الناس بصفتها تشريعات تُعالج واقع الإنسان بوصفه إنسان بغض النظر عن معتقده، فالرّبا والقمار والاحتكار والزنا جرائم، بوصفها فعل مدمّر للمُجتمع يعاقب فاعلهُ بغض النظر عن عقيدته، وكذلك سائر المعاملات في الصناعة والتجارة والزراعة والمعاملات المالية وغيرها الكثير، وشرّع عقوبات صارمة للمخالفات حسب نوع المخالفة سواءٌ أكان المُخالف مُسلما أم غير مُسلم أي أنه شرّع نظاماً راقياً للمُجتمع يُطهره من كل دنس يتساوى فيه جميع أفراد الرعية بغض النظر عن أديانهم وألزم الناس به بوصفه التشريع القانوني فقط. وطُبق هذا النظام على النحو التالي : 1- في جانب العقائد والعبادات: لم يقبل الإسلام من الناس إسلامهم إلا عن قناعة ذاتية ومرضاة لله، ولذلك لا يُكره أحد على الإسلام، قال تعالى : " لا إكراه في الدين " فأقر الإسلام أهل الأديان على عقائدهم وعباداتهم ولم يتدخل فيها، رغم أنه يرى فسادها. 2- في جانب مطعوماتهم ومشروباتهم: لقد ترك الإسلام لأهل الأديان مطعوماتهم ومشروباتهم مادام دينهم يجيزها لهم دون انتهاك للحياة العامة، وجَعَل التعدي على خمر في ملك نصراني مخالفة يُعاقب من تعدّى عليه. 3- في جانب أحوالهم الشخصية: الزواج والطلاق والمواريث وكل ما يتعلق بذلك جعل لهم الحق في أن يُجروها وفق معتقداتهم لا يتدخل فيها أيضاً بل يُعين لهم منهم خبيراً ليقوم بفض نزاعاتهم وفق أديانهم. 4- ما تبقى من أحوال مثل حقوق الرعاية وأمور المعاملات والاقتصاد وحق الإنصاف والانتصاف، تطبّق التشريعات عليهم وعلى المسلمين سواء بسواء، لا فرق بينهم وبين المسلمين، ولم يميز بينهم حسب معتقداتهم، وعندما يطبقها على الرعية يطبقها باعتبار الناحية التشريعية القانونية، وليس باعتبار الناحية الروحية، أي لا يُلزمهم بها باعتبارها دين يؤمنون بها بل باعتبارها قوانين يُطالبون بالخضوع لها. والمسلم يتقبلها باعتبارها جزءاً من دينه يتقرب إلى الله تعالى بها، وغير المسلم يتقبلها باعتبارها قوانين تعالج مشاكلهم معالجةً صحيحة. وأما موضوع الجزية فإن جميع دول العالم فرضت نظاماً ضريبياً على شعوبها معللة ذلك بأنها ستقوم برعاية الشعوب وتقديم الخدمات لهم فكثرت الضرائب وتعددت وتنوعت حتى أثقلت كاهل الناس وأورثتهم الفقر والجوع والتشرد بخلاف دولة الإسلام التي لم تعرف نظاماً ضريبياً بل فرضت على المسلمين الزكاة باعتبارها عبادة وحكما شرعياً وحددت مقاديرها تحديداً دقيقاً وفرضت على غير المسلمين جزية تؤخذ من الذكور البالغين القادرين وترد هذه الزكاة وهذه الجزية على الرعية على شكل أموال لفقرائهم سواءٌ كانوا مسلمين أم ذميين أو على شكل خدمات عامة من تعليم وتطبيب وقضاء مصالح من غير تمييز بينهم على أساس العقائد. وعند النظر في الواقع نجد جميع دول العالم لديها تشريعات تطبقها على رعاياها باعتبارها قوانين ملزمة للجميع بغض النظر عن دينهم، وترى هذه الدول أن هذا حق لها ولا يقيم وزناً لملايين المسلمين فيها. فلماذا ينكر على الإسلام ودولته ما يقرونه لهذه الدول رغم فساد التشريعات ورفض شعوبهم لها !؟ إنما هو التناقض وازدواجية المعايير والتخبط الذي تعيشه الأنظمة الوضعية. نسأل الله أن يعجل لنا بالفرج، ويخلصنا منها ويكحل أعيننا بدولة الإسلام العظمية تنقذ البشرية من وحشية البشر وتشريعاتهم الجائرة، تخرجهم من الظلمات إلى النور ومن ظلم الأديان إلى عدل الإسلام. قال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكّننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليُبدلنّهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئا " والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته الشيخ سعيد رضوان- أبو عماد

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية

الذمة وحق الرعاية في الدولة الاسلامية

Normal 0 false false false EN-US X-NONE AR-SA /* Style Definitions */ table.MsoNormalTable {mso-style-name:"Table Normal"; mso-tstyle-rowband-size:0; mso-tstyle-colband-size:0; mso-style-noshow:yes; mso-style-priority:99; mso-style-qformat:yes; mso-style-parent:""; mso-padding-alt:0cm 5.4pt 0cm 5.4pt; mso-para-margin-top:0cm; mso-para-margin-right:0cm; mso-para-margin-bottom:10.0pt; mso-para-margin-left:0cm; line-height:115%; mso-pagination:widow-orphan; font-size:11.0pt; font-family:"Calibri","sans-serif"; mso-ascii-font-family:Calibri; mso-ascii-theme-font:minor-latin; mso-hansi-font-family:Calibri; mso-hansi-theme-font:minor-latin;} برز الحديث في الآونة الأخيرة على ألسنة العلمانيين عن الأقباط في مصر لما أصبح الحديث عن تطبيق الشريعة في مصر هو حديث الناس, وكأني بهم يقولون لا يمكن تطبيق الإسلام طالما أن هناك غير مسلمين في الدولة، وتناسى هؤلاء تاريخا يناهز الثلاثة عشر قرنا كان الإسلام هو الحاكم لدولة امتدت من الصين شرقا إلى الأطلنطي غربا، ووقفت على أبواب فينا في زحفها نحو أوروبا. ضمت هذه الدولة بين جنباتها مختلف "الأقليات" العرقية واللغوية والدينية، ولم تبرز أية مشاكل لهذه الأقليات إلا مع تفتت الخلافة الإسلامية. ومن المعلوم أن التراث الإسلامي لم يستخدم مصطلح " الأقليات" بالنسبة للتجمعات الدينية غير الإسلامية وإنما استخدم لفظ "أهل الذمة" الذي يحمل من الدلالات الأخلاقية ما لا يحمله لفظ "الأقليات". فلفظ الذمة يعني الأمان "ويسعى بذمتهم أدناهم"، وفي لسان العرب الذمة العهد والأمان والضمان والحرمة والحق. ومما لا شك فيه أن وجود" الأقليات" في الدول، يترتب عليه مشكلات كثيرة من أهمها تفتيت المجتمع، ونشوء المصادمات ومحاولة " الأقلية" الانفصال والتعاون مع الأعداء، ومن المعلوم أن أميركا، والتي هي عبارة عن أقليات أصلا تطبق المبدأ الراسمالي، تستخدم ورقة " الأقليات" للسيطرة على العالم بحجة المحافظة على حقوق" الأقليات". ولقد ضرب الإسلام أروع الأمثلة في التعامل مع "الأقليات الدينية" أهل الذمة - ناهيك عن أنه استطاع أن يصهر الأقليات اللغوية والعرقية في بوتقة الإسلام - وهناك أحكام قررتها الشريعة في التعامل مع أهل الذمة منها: 1- العدل: فالمسلم لا يمكن أن يحقق التقوى إذا كان بعيدا عن العدل قال تعالى: "ولا يجرمنكم شنآن قوم على آلا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". 2- الوفاء بالعقود: قال تعالى "أوفوا بالعقود" وقال أيضا "إن الله لا يحب الخائنين" والذمة عقد يجب الوفاء به. 3- النهي عن الظلم والبغي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا". 4- لا أكراه في الدين: والدليل على ذلك استمرار وجود تلك الأقليات إلى اليوم في بلاد المسلمين، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الأسبان بين يدي سقوط الأندلس، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها . في مقابل ذلك فإن دولة الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار، ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي، فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم، فعليك باتباع الشرع الحنيف وإتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها . وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع، ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!! أقول: هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن ً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب له أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين . فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون بالدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم، وكانوا يدفعون جزية زهيدة تدفع مرة في السنة مقابل حمايتهم، وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم ولا يستطيع دفعها، وإن لم تستطع الدولة حمايتهم أعادت لهم الجزية، وقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم حيث قال "من أذى ذميا فقد أذاني وأنا خصمه يوم القيامة" وقال أيضا "من قتل نفسا معاهدا لم يرح رائحة الجنة وان ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما". ثم أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً: (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن الوالي هناك؟ ولننظر في وصيته للخليفة من بعده" وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله أن يوفي لهم بعهدهم وان يقاتل من ورائهم وان لا يكلفوا فوق طاقتهم". وفي النهاية فإن الأقباط أو غيرهم من غير المسلمين هم رعية الدولة الإسلامية كسائر الرعية لهم حق الرعوية وحق الحماية وحق ضمان العيش وحق المعاملة بالحسنى وحق الرفق واللين ولهم أن يشتركوا في جيش المسلمين ويقاتلوا معهم، ولكن ليس عليهم واجب القتال، ولهم ما للمسلمين من الإنصاف وعليهم ما عليهم من الانتصاف، وينظر إليهم أمام القاضي وعند رعاية الشئون وحين تطبيق المعاملات والعقوبات كما ينظر للمسلمين دون أي تمييز، فواجب العدل لهم كما هو واجب للمسلمين. شريف زايد مصر

أبواب الخير    سلامة الصدر

أبواب الخير سلامة الصدر

من لوازم التقوى سلامة الصدر من الغل والحقد والحسد والضغائن والرذائل قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ ولا يكون صلاح ذات البين إلا بسلامة الصدر من تلك الآفات. لذا فإن دين الإسلام قد حرص حرصاً شديداً على أن تكون الأمة أمةً واحدة ،وقد جاءت الآيات القرآنية والآثار النبوية متضافرة لتحقيق ذلك المقصد الشرعي الكبير. فمن تلك الآيات قول الله تعالى﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ فالأخوة الإيمانية هي التي تربط بين المسلمين . أما الأحاديث فمنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا وكونوا عباد الله إخواناً)) رواه الشيخان. ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: ((المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً وشبك بين أصابعه )) رواه الشيخان. ولقد ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع الأمثلة في سلامة القلوب وطهارة الصدور، فكان لهم من هذه الصفة أوفر الحظ والنصيب، فلقد كانوا رضي الله عنهم صفاً واحداً يعطف بعضهم على بعض ويرحم بعضهم بعضاً ويحب بعضهم بعضاً كما وصفهم جل وعلا بذلك حيث قال: ﴿ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ وكما قال جل ذكره في وصفهم: ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً﴾. ولقد كان لسلامة الصدر عندهم منزلة كبرى حتى إنهم جعلوها سبب التفاضل بينهم قال إياس بن معاوية بن قرة عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ((كان أفضلهم عندهم أسلمهم صدراً وأقلهم غيبة)) وقد قال سفيان بن دينار لأبي بشر أحد السلف الصالحين: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً. قال سفيان: ولم ذاك؟ قال أبو بشر: لسلامة صدورهم. إن سلامة الصدر خصلة من خصال البر عظيمة ولها فضائل كبيرة منها:- أنها صفة أهل الجنة الذين هم خير أهل ومعشر قال تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ . ومن فضائل سلامة الصدر أن صاحبها خير الناس وأفضلهم فإن النبي t قد سئل أي الناس أفضل؟ فقال: (( كل مخموم القلب صدوق اللسان)) قالوا: فما مخموم القلب؟ قال صلى الله عليه وسلم: (( هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غل ولا حسد)) رواه ابن ماجه بسند، لا بأس به فبدأ صلى الله عليه وسلم بالتقوى التي تثمر صفاء القلوب وسلامتها من الآفات والرذائل. ومن فضائل سلامة الصدر أنها من موجبات الجنة فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة، فطلع رجل من الأنصار تنطف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال، فلما كان اليوم الثاني قال النبي صلى الله عليه وسلم مقالته الأولى. فطلع ذلك الرجل، وكذلك في اليوم الثالث. فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبع عبد الله بن عمرو بن العاص ذلك الرجل فقال: إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثاً؟ فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي؟ فقال: نعم. قال أنس ( راوي الحديث ): وكان عبدالله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئاً غير أنه إذا تقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر، قال عبدالله: غير أني لم أسمعه يقول إلا خيراً فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت: ياعبدالله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر، ولكن سمعت رسول الله يقول لك ثلاث مرات: يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت ثلاث مرات. فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به. فلم أرك تعمل كثير عمل، فما الذي بلغ بك ذلك قال: ما هو إلا مارأيت. قال: فلما وليت دعاني فقال: ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشاً ولا أحسد أحداً على خير أعطاه الله إياه. فقال عبدالله: هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق)) رواه أحمد وغيره بسند صحيح. ومن فضائل سلامة الصدر أنها تقطع سلاسل العيوب وأسباب الذنوب فإن من سلم صدره وطهر قلبه عن الظنون السيئة عف لسانه عن الغيبة والنميمة وقالة السوء. لا نجاة ولا فلاح للعبد يوم القيامة إلا بأن يقدم على مولاه بقلب طيب سليم كما قال الله تعالى: ﴿ يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ وصاحب القلب السليم هو الذي سلم صدره وعوفي فؤاده من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدينار والرياسة فسلم من كل آفة تبعد عن الله تعالى. إن لسلامة الصدر أسباباً وطرقاً لابد من سلوكها. فمن تلك الأسباب الإخلاص لله تعالى فعن زيد بن ثابت مرفوعاً: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل ومناصحة ولاة الأمر ولزوم جماعة المسملين)) رواه أحمد بسند صحيح قال ابن الأثير عند هذا الحديث: إن هذه الخلال الثلاث تستصلح بها القلوب فمن تمسك بها طهر قلبه من الخيانة والدخل والشر. ومن أسباب سلامة الصدر الإقبال على كتاب الله تعالى الذي أنزله شفاء لما في الصدور قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾. فكلما أقبلت ياعبدالله على كتاب الله تلاوة وحفظاً وتدبراً وفهماً صلح صدرك وسلم قلبك. ومن أسباب سلامة الصدر دعاء الله تعالى أن يجعل قلبك سليماً من الضغائن والأحقاد على إخوانك المؤمنين قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلّاً لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ . إن من طرق إصلاح القلب وسلامة الصدر إفشاء السلام بين المسلمين ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً: (( والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم)) وقد أجاد من قال: قد يمكث الناس دهراً ليس بينهم ود فيزرعه التسليم و اللطفُ ومن أسباب سلامة الصدر الابتعاد عن سوء الظن فإنه بئس سريرة الرجل قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:(( إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تنافسوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً)) رواه الشيخان. فانظر كيف بدأ بالنهي عن سوء الظن لأنه الذي عنه تصدر سائر الآفات المذكورة في الحديث فالواجب عليك ياعبدالله أن تطهر قلبك من سوء الظن ما وجدت إلى ذلك سبيلاً.

1 / 5