July 09, 2014

أجوبة أسئلة: 1 - التقليد وترك رأي مجتهد إلى مجتهد آخر 2 - تحقيق أكثر من قيمة في عمل واحد

(سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير  على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك " فقهية و فكرية")

1 - التقليد وترك رأي مجتهد إلى مجتهد آخر

2 - تحقيق أكثر من قيمة في عمل واحد

إلى : Hijazi Shaheen

السؤال:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته


أولا... أنار الله بصركم وبصيرتكم... وشد على أياديكم ونصركم


عندي عدة تساؤلات مهمة عن كتب الحزب وأنا ابن الحزب وأرجو الله أن تكون إجاباتكم مثلجة للصدر كما عهدناكم


1_ ورد في كتاب نظام الإسلام: (والمُقَلِّدُ إِذَا قَلَّدَ بَعْضَ المُجـْتَهِدِينَ في حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنَ الحَوَادِثِ وعَمِلَ بِقَوْلِهِ فِيهَا، فلَيْسَ لَهُ الرُجُوعُ عَنْهُ في ذَلِكَ الحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ مُطْلَقَاً.)


كلمة "مطلقا" هنا لم أرَ فيها ما تربينا عليه أننا حينما نعلم خطأ ما نتركه وننتقل للصواب فكيف إذا قلدت شيخا علمت فيما بعد أنه فاسق منافق هل أبقى على تقليدي له؟ هل إذا علمت أن هذا المجتهد الذي قلدته كان ضعيفا أبقى على تقليدي؟ هل إذا تبين لي مثلا أن الذي أخذت منه مسألة تحريم أمر معين كان مستدلا في تحريمه لحديث ضعيف جدا... هل أبقى على الذي أخذته منه ؟!


2_ ورد في كتاب نظام الإسلام أيضا أنه يجوز تنازل المجتهد لمصلحة المسلمين ﻭﺫﻟﻚ ﻛﻤﺎ ﺣَﺼَﻞَ ﻣﻊ ﻋﺜﻤﺎﻥَ ﻋﻨﺪ ﺑﻴﻌﺘﻪ.
أريد أن أرى تخريج هذه القصة فحين البحث عنها لم أرَ تصحيحا لها بل رأيت أنها لا تصح فهل من روايات أخرى صحيحة؟ مع دليل إجماع الصحابة على جواز التقليد إن سمحتم


3_ هل العمل الواحد نستطيع أن نحقق به أكثر من قيمة أم لا فمثلا لو درست علما معينا وقصدت فيه رضا الله وكسبا ماديا) انتهى.


الجواب:


(وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته


أولاً: موضوع التقليد: قبل أن أجيبك على سؤالك حول كلمة "مطلقاً" أذكر لك ما يلي:


1- أدلة جواز التقليد هي من الكتاب وبإجماع الصحابة:


أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فأمر سبحانه وتعالى من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه. فالآية تقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فجاءت كلمة فاسألوا عامة، أي اسألوا لتعلموا أن الله لم يبعث إلى الأمم السابقة إلا بشراً، فهو متعلق بالمعرفة وليس متعلقاً بالإيمان. وأهل الذكر وإن كان المشار إليهم في الآية هم أهل الكتاب فإنه جاء الكلام أيضاً عاماً فيشمل كل أهل ذكر. والمسلمون أهل الذكر لأن القرآن ذكر قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾. فالعالمون بالأحكام الشرعية هم من أهل الذكر سواء أكانوا عالمين علم اجتهاد أم علم تلقٍ. والمقلد إنما يسأل عن الحكم الشرعي في المسألة أو المسائل.


وأما إجماع الصحابة فقد صح عن عمر أنه قال لأبي بكر: "رأينا تبعٌ لرأيك" وصح عن عمر أنه كان إذا أعياه أن يجد في القرآن والسنة ما يقضي به إذا ورد عليه الخصوم نظر هل كان لأبي بكر قضاء، فإن وجد أبا بكر قضى فيه بقضاء قضى به. وصح عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يأخذ بقول عمر رضي الله عنه. وكان ذلك على مرأى ومسمع من الصحابة في حوادث متعددة ولم ينكر عليهم منكر، فكان إجماعاً سكوتياً. وكذلك فإن موضوع بيعة عثمان رضي الله عنه بموافقته على شرط تقليد أبي بكر وعمر... الذي طلبه منه عبد الرحمن بن عوف كان على ملأ من الصحابة دون إنكار، فهو إجماع للصحابة في جواز تقليد المجتهد لغيره من المجتهدين، وهو أوْلى في جواز تقليد غير المجتهد للمجتهدين.


2- ثم إن كل من تبع غيره يكون مقلداً، فالعبرة باتباع الغير. وعلى ذلك فالناس في معرفة الحكم الشرعي شخصان، أحدهما المجتهد، والثاني المقلد، ولا ثالث لهما. لأن الواقع أن المرء إما أن يأخذ ما توصل إليه هو باجتهاده، أو ما توصل إليه غيره باجتهاده، ولا يخرج الأمر عن هذين الحالين. وعلى هذا فكل من ليس بمجتهد مقلد مهما كان نوعه، سواء أكان هذا المقلد غير المجتهد متبعاً، أي يقلد المجتهد مع معرفة دليله، أم كان أمياً عامياً، أي يقلد المجتهد دون معرفة دليله، وإنما لثقته فيه... والمجتهد يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في أية مسألة لم يسبق أن اجتهد فيها، ويكون حينئذ مقلداً في هذه المسألة، لأن الاجتهاد فرض على الكفاية وليس فرض عين، فإذا سبق أن عرف الحكم الشرعي في المسألة فلا يجب على المجتهد أن يجتهد فيها، بل يجوز له أن يجتهد ويجوز له أن يقلد غيره من المجتهدين في هذه المسألة.


3- إذا اجتهد المجتهد في مسألة فلا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أدّاه إليه اجتهاده، ولا يجوز له ترك ظنه أو ترك العمل بظنه في هذه المسألة إلا في أربع حالات:


إحداها - إذا ظهر له أن الدليل الذي استند إليه في اجتهاده ضعيف، وأن دليل مجتهد آخر غيره أقوى من دليله. ففي هذه الحالة يجب عليه ترك الحكم الذي أداه إليه اجتهاده في الحال، وأخذ الحكم الأقوى دليلاً.


ثانيتها - إذا ظهر له أن مجتهداً غيره أقدر على الربط، أو أكثر اطلاعاً على الواقع، وأقوى فهماً للأدلة، أو أكثر اطلاعاً على الأدلة السمعية، أو غير ذلك، فرجّح في نفسه أن يكون هو أقرب إلى الصواب في فهم مسألة معينة، أو في فهم المسائل من حيث هي، فإنه يجوز له أن يترك الحكم الذي أدّاه إليه اجتهاده، ويقلد ذلك المجتهد.


ثالثتها - أن يتبنى الخليفة حكماً يخالف الحكم الذي أداه إليه اجتهاده. ففي هذه الحال يجب عليه ترك العمل بما أداه إليه اجتهاده والعمل بالحكم الذي تبناه الإمام، لأن إجماع الصحابة قد انعقد على أن "أمر الإمام يرفع الخلاف" وأن أمره نافذ على جميع المسلمين.


رابعتها - أن يكون هناك رأي يراد جمع كلمة المسلمين عليه لمصلحة المسلمين. فإنه في هذه الحالة يجوز للمجتهد ترك ما أدى إليه اجتهاده، وأخذ الحكم الذي يراد جمع كلمة المسلمين عليه، وذلك كما حصل مع عثمان.


4- والمقلد إذا قلد بعض المجتهدين في حكم حادثة من الحوادث وعمل بقوله فيها، فلا يجوز له الرجوع عن ذلك الحكم إلى غيره إلا بمرجح من المرجحات التي تتصل بطلب مرضاة الله سبحانه، ومن هذه المرجحات:


الأعلمية والفهم. فقد أخرج الحاكم في المستدرك وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ" عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِيَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ» فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثَلَاثَ مِرَارٍ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟» قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «فَإِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحَقِّ إِذَا اخْتَلَفَتِ النَّاسُ...». وعلى هذا فيرجح المقلد من عرفه بالعلم.


ثم العدالة في من يقلده المقلد ويأخذ العلم عنه... فلا يؤخذ العلم الشرعي من المعروف بفسقه.


ثم اقتران الحكم بالدليل، فلو كان المقلد يقلد عالماً دون معرفة دليله ثم تيسر له بالعلم والتعلم معرفة أدلة مجتهد آخر فيجوز لهذا المقلد أن يتبع الحكم المقترن بالدليل، ويترك الحكم الذي كان قد أخذه دون معرفة دليله.


وهناك مرجحات كثيرة معتبرة تختلف باختلاف أحوال المقلدين، حتى إن الأمي تكفيه في أخذه الحكم ثقته واطمئنانه بقول ذلك العالم الذي يأخذ الحكم منه. وهكذا فإن المقلد يجوز له ترك المجتهد الذي يقلده والانتقال إلى مجتهد آخر إذا كان لديه مرجح من المرجحات التي تتصل بطلب مرضاة الله سبحانه، أي لا ينتقل من مجتهد إلى آخر دون مرجح، لأن هذا يعني انتقالاً بالهوى، وهذا منهي عنه، قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾.


5- والآن نناقش سؤالك وهو ما ورد في نظام الإسلام (والمُقَلِّدُ إِذَا قَلَّدَ بَعْضَ المُجـْتَهِدِينَ في حُكْمِ حَادِثَةٍ مِنَ الحَوَادِثِ وعَمِلَ بِقَوْلِهِ فِيهَا، فلَيْسَ لَهُ الرُجُوعُ عَنْهُ في ذَلِكَ الحُكْمِ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ مُطْلَقَاً.)، وكأنك فهمت منها أنه لا يجوز للمقلد الرجوع عن ذلك الحكم إلى غيره إلى أن تقوم الساعة، وذلك من كلمة مطلقاً! وهذا غير صحيح، ولو رجعت إلى سطر أو سطرين قبل ذلك لوجدت ما يلي: (وعَلَى ذَلِكَ فالحُكْمُ الشَّرْعِيُّ هُوَ الَّذِي استنبطهُ مُجْتَهِدٌ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاجتهادِ، وهُوَ في حَقِّهِ حُكْمُ اللهِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ ويَتَّبِعَ غَيْرَهُ مُطْلَقَاً، وكذَلِكَ هُوَ في حَقِّ مَنْ قَلَّدَهُ حُكْمُ اللهِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ.) وهنا كما ترى فقد ذكر في حق المجتهد أيضا (لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ ويَتَّبِعَ غَيْرَهُ مُطْلَقَاً) مع أنه في الصفحة السابقة قد ذكر في الكتاب نفسه ما يلي: (فالمُكَلَّفُ إِذَا حَصَلَتْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الاجتهاد بِتَمَامِهَا في مَسْأَلَةٍ مِنَ المَسَائِلِ أو في المَسَائِلِ جَمِيعِها فَإِنِ اجتهد فِيهَا وأَدَّاهُ اجتهادهُ إِلَى حُكْمٍ فِيهَا، فَقَدْ اتَّفَقَ الكُلُّ عَلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ مِنَ المُجْتَهِدِينَ، في خِلافِ ما أَوْجَبَهُ ظَنُّهُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُ ظَنِّهِ إِلاَّ في أَرْبَعِ حَالاَتٍ...). أي أن قوله "لا يجوز له مطلقاً" لم يمنع من قوله "إلا في أربع حالات".


وهكذا فإن كلمة "مطلقاً" لا تمنع من حيث الأصول ولا من حيث اللغة عدم التقييد، فهذا مثل النص المطلق، فإذا قُيد فيحمل المطلق على المقيد، مثلاً قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُك﴾ [البقرة: 196] ففي الآية، (صيام، صدقة، نسك) نكرات مثبتة فهي لفظ مطلق، وقد قيِّد بالحديث الذي قيد الصيام بثلاثة أيام والصدقة بثلاثة آصع والنسك بشاة «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، وَأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ، أَوْ صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ انْسُكْ نَسِيكَةً» قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: «أَوِ اذْبَحْ شَاةً» أي اذبح شاة، والفرق ثلاثة آصع. رواه مسلم من طريق كعب بن عجرة.


ومثلاً روى ابن عمر: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ الْمُسْلِمِينَ» متفق عليه. فكلمة (صاعاً) نكرة مثبتة فهي لفظ مطلق. وقد قُيِّدت بصاع المدينة وليس بأي صاع بحديث الرسول صلى الله عليه وسلم «الْوَزْنُ وَزْنُ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالْمِكْيَالُ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ» أخرجه أبو داود، فكان (الصاع) أي المكيال الذي أقره الرسول صلى الله عليه وسلم هو صاع أهل المدينة الذي هو خمسة أرطال وثلث (بالرطل البغدادي القديم)، وهذا هو صاع النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول مالك وأهل الحجاز. وهو اليوم بالنسبة للقمح (2.176) كيلو غراماً.


وهكذا فإن كلمة "مطلقاً" لا تمنع التقييد، وهذا واضح في نظام الإسلام، وفي الصفحات نفسها التي نقلت منها سؤالك، فهو قد بين أن للمجتهد أن يرجع عن رأيه في أربع حالات مع أنه ذكر (وهُوَ في حَقِّهِ حُكْمُ اللهِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَهُ ويَتَّبِعَ غَيْرَهُ مُطْلَقَاً)، وهكذا بالنسبة للمقلد، سوى أن المرجحات التي تجيز للمقلد أن يترك الرأي الذي اتبعه تختلف عن المرجحات للمجتهد، فالمجتهد يركز على الأدلة ومحاكمتها، وأما المرجحات للمقلد سواء أكان متبعاً أو أمياً "عامياً" فهي كما ذكرنا آنفاً.


وخلاصة القول أنه لا يجوز للمقلد أن يترك رأي المجتهد الذي قلده مطلقاً من غير موجب أما إذا وُجد موجب فيجوز "أو يجب حسب المرجح" له أن يترك رأي المجتهد الذي قلده ويأخذ برأي غيره وفق المرجحات التي بيناها والحالات التي ذكرناها، سواء أكان ذلك بالنسبة للمجتهد أم بالنسبة للمقلد، وذلك لأن كلمة "مطلقا" لا تمنع التقييد فهي كالنص المطلق الذي يمكن أن يقيَّد.


والآن بعد أن أجبتك على موضوع "مطلقاً"، فإني ألفت نظرك إلى أن صيغة سؤالك لم تكن حسنة... فأنت بدل أن تسأل عن مدلول كلمة "مطلقاً" الواردة في تلك الجملة، بدلاً من ذلك فإنك قررت معناها كما مر بخاطرك، ولم تكتف بذلك بل رتبت أسئلة تقريرية كأن المعنى الذي مرّ بخاطرك صحيح، فقلت في السؤال: (كلمة "مطلقا" هنا لم أرَ فيها ما تربينا عليه أننا حينما نعلم خطأ ما نتركه وننتقل للصواب فكيف إذا قلدت شيخا علمت فيما بعد أنه فاسق منافق هل أبقى على تقليدي له؟)! أفلا ترى أن صيغة السؤال هكذا ليست حسنة يرحمك الله؟!


ثانياً: موضوع تنازل عثمان رضي الله عنه عن رأيه وتقليد أبي بكر وعمر... وفق الشرط الذي قدمه إليه عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أمام ملأ من الصحابة، ووافق عليه عثمان رضي الله عنه دون إنكار من الصحابة... هذه القصة التي سألت عنها هي أمر نُقل باستفاضة، وأذكر لك بعض ما نقل:


- جاء في كتاب "أصول السرخسي" لصاحبه محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483هـ):


(ثمَّ عمر جعل الْأَمر شُورَى بعده بَين سِتَّة نفر فاتفقوا بِالرَّأْيِ على أَن يجْعَلُوا الْأَمر فِي التَّعْيِين إِلَى عبد الرَّحْمَن بَعْدَمَا أخرج نَفسه مِنْهَا فَعرض على عَليّ أَن يعْمل بِرَأْي أَبي بكر وَعمر فَقَالَ أعمل بِكِتَاب الله وبسنة رَسُول الله ثمَّ أجتهد رَأْيِي وَعرض على عُثْمَان هَذَا الشَّرْط أَيْضا فَرضِي بِهِ فقلده) انتهى.


- ورد في البداية والنهاية لابن كثير "فَقُمْ إِلَيَّ يَا عَلِيُّ، فقام إليه تَحْتَ الْمِنْبَرِ فَأَخَذَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ فَقَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبَايِعِي عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وسنَّة نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا وَلَكِنْ عَلَى جُهْدِي مِنْ ذَلِكَ وَطَاقَتِي..." انتهى


- ورد في تاريخ الرسل والملوك للطبري: "وَدَعَا عَلِيًّا، فَقَالَ: عَلَيْكَ عَهْدَ اللَّهِ وَمِيثَاقَهُ لَتَعْمَلَنَّ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَسِيرَةِ الْخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ؟ قَالَ: أَرْجُو أَنْ أَفْعَلَ وَأَعْمَلَ بِمَبْلِغِ عِلْمِي وَطَاقَتِي..." انتهى


- ثم إنه أمر معروف مشهور حتى في معاهد الأبحاث في العصر الحديث، فقد ورد في مجلة الجامعة الإسلامية للمدينة المنورة عمادة البحث العلمي - 1423 هـ / 2002م ما يلي:


"فقد جمع عبد الرحمن بن عوف المسلمين في المسجد.. ثم نادى عليا، وكان عبد الرحمن قد فوِّض لاختيار الخليفة، على أن يتبعه المسلمون في بيعة من يبايعه، ووضع عبد الرحمن يده في يد علي قائلا نبايعك على أن تعمل بكتاب الله وسنة رسوله واجتهاد الشيخين - يقصد أبا بكر وعمر - فلم يوافق عليّ على اجتهاد الشيخين وقال: بل أجتهد رأيي، فدفع عبد الرحمن يده ونادى عثمان رضي الله عنه فقبل اجتهاد الشيخين" انتهى


وكما ترى فإن هذه الروايات مذكورة في الكتب المعتبرة، ولو لم ترد إلا في أصول السرخسي لأمكن الاعتماد عليها... وهي تفيد تنازل عثمان عن رأيه...


- ومع أن هناك روايات صحيحة لم تذكر أن عبد الرحمن بن عوف بدأ بعلي وسأله ثم انتقل بعده إلى عثمان، وإنما تقول تلك الروايات أنه بدأ بسؤال عثمان ابتداء دون أن يسأل عليا، ولكنها تذكر أن عبد الرحمن بن عوف أخذ بيد عثمان واشترط عليه فقبل على ملأ من الصحابة دون إنكار، فالشرط ثابت في جميع الروايات سواء أكانت تلك التي بدأ فيها عبد الرحمن بن عوف بعلي أم كانت تلك التي بدأ فيها عبد الرحمن بن عوف مباشرة بعثمان رضي الله عنهم أجمعين:


أخرج البخاري في صحيحه (...عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَخْبَرَهُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ الرَّهْطَ الَّذِينَ وَلَّاهُمْ عُمَرُ اجْتَمَعُوا فَتَشَاوَرُوا... حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَصْبَحْنَا مِنْهَا فَبَايَعْنَا عُثْمَانَ، قَالَ المِسْوَرُ: طَرَقَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بَعْدَ هَجْعٍ مِنَ اللَّيْلِ، فَضَرَبَ البَابَ حَتَّى اسْتَيْقَظْتُ، فَقَالَ: «أَرَاكَ نَائِمًا فَوَاللَّهِ مَا اكْتَحَلْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بِكَبِيرِ نَوْمٍ... فَقَالَ: «ادْعُ لِي عَلِيًّا»... ثُمَّ قَالَ: «ادْعُ لِي عُثْمَانَ»... فَلَمَّا صَلَّى لِلنَّاسِ الصُّبْحَ... فَلَمَّا اجْتَمَعُوا تَشَهَّدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، يَا عَلِيُّ إِنِّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ النَّاسِ، فَلَمْ أَرَهُمْ يَعْدِلُونَ بِعُثْمَانَ، فَلاَ تَجْعَلَنَّ عَلَى نَفْسِكَ سَبِيلًا»، فَقَالَ "لعثمان": أُبَايِعُكَ عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَالخَلِيفَتَيْنِ مِنْ بَعْدِهِ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ المُهَاجِرُونَ وَالأَنْصَارُ، وَأُمَرَاءُ الأَجْنَادِ وَالمُسْلِمُونَ) انتهى


- وأخرج عبد الرزاق الصنعاني في مصنفه قال (... عن المسور بن مخرمة قال: أتاني عبد الرحمن بن عوف ليلة الثالثة من أيام الشورى، بعدما ذهب من الليل ما شاء الله، فوجدني نائما فقال: أيقظوه، فأيقظوني فقال: ألا أراك نائما، والله ما اكتحلت بكثير نوم منذ هذه الثلاث... اذهب فادع لي فلانا وفلانا - ناسا من أهل السابقة من الأنصار... ثم قال: ادع لي عليا... ثم قال: ادع لي عثمان... ثم قال: أما بعد، فإني نظرت في الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي على نفسك سبيلا، ثم قال: عليك يا عثمان عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن تعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وبما عمل به الخليفتان من بعده قال: نعم، فمسح على يده فبايعه، ثم بايعه الناس، ثم بايعه علي ثم خرج...) انتهى


والخلاصة فإن قبول عثمان شرط التنازل عن رأيه... مذكور في جميع الروايات سواءٌ أكان فيها مقال كما يزعون أم كانت صحيحة ليس فيها مقال، فقد ورد في هذه الروايات كلها أن عبد الرحمن بن عوف اشترط على عثمان في بيعته بما عمل به الخليفتان، ووافق عثمان رضي الله عنه، أي أن أي قضية تحدث في عهد عثمان لا يجتهد فيها بل يقلد أبا بكر وعمر في تلك القضية إذا كانت قد حدثت في عهدهما وحكما فيها، فهو شرط في تقليد أبي بكر وعمر في قضايا معينة، ووافق عثمان رضي الله عنه على ذلك دون إنكار من الصحابة، فكان إجماعا.


ثالثاً القيمة:


بالنسبة لسؤالك عن كونك درست علما معينا وقصدت فيه رضا الله وكسبا ماديا، هل تكون حققت قيمتين...


للجواب على هذا السؤال، لا بد من توضيح الأمور التالية:


1- إن الأصل في الأفعال التقيد، ولذلك فكل فعل يقوم به الإنسان يجب أن يكون وفق الحكم الشرعي لهذا العمل، ففي العبادات يلتزم بذلك، وفي المعاملات والتجارة كذلك، وأيضاً في الأخلاق، وإغاثة الملهوف...الخ.


أي أن الواجب على العبد أن يدرك صلته بخالقه عند القيام بكل عمل... وبطبيعة الحال، فإن التزام الحكم الشرعي له بإذن الله أجر "الجنة"، ورضوان من الله أكبر.


2- القيمة هي اصطلاح له معنى، وهو قصد العامل من العمل، أي ما يريد تحقيقه من فعله، فلا بدّ أن يكون لكل عامل قصد قد قام بالعمل من أجله. وهذا القصد هو قيمة العمل. ولذلك كان حتماً أن تكون لكل عمل قيمة يراعي الإنسان تحقيقها حين القيام بالعمل، وإلا كان مجرد عبث. ولا ينبغي للإنسان أن يقوم بأعماله عبثاً من غير قصد، بل لا بد أن يراعي تحقيق قيم الأعمال التي قصد القيام بالعمل من أجلها. هذا هو معنى مصطلح القيمة.


3- باستقراء وقائع جميع الأعمال وما يبرز عليها من غرض القائم بها يتبين أن المقصود منها والبارز عليها هو:


إما أن تكون قيمة مادية، كالأعمال التجارية والزراعية والصناعية ونحوها، فإن المقصود من القيام بهذه الأعمال هو إيجاد فوائد مادية منها، وهي الربح، وهي قيمة لها شأنها في الحياة... وإما أن تكون قيمة العمل إنسانية كإنقاذ الغرقى وإغاثة الملهوفين، فإن المقصود منها إنقاذ الإنسان بغض النظر عن لونه وجنسه ودينه أو أي اعتبار آخر غير الإنسانية... وإما أن تكون قيمة العمل خُلُقية، كالصدق والأمانة والرحمة، فإن المقصود منها الناحية الخُلقية بغض النظر عن الفوائد وبغض النظر عن الإنسانية، إذ قد يكون الخُلق مع غير الإنسان، كالرفق بالحيوان والطير، وقد تحصل من العمل الخُلقي خسارة مادية، ولكن تحقيق قيمته واجبة، ألا وهي الناحية الخُلقية... وإما أن تكون قيمة العمل روحية كالعبادات، فإنه ليس المقصود منها الفوائد المادية، ولا النواحي الإنسانية ولا المسائل الخلقية، بل المقصود منها مجرد العبادة، ولذلك يجب أن يراعى تحقيق قيمتها الروحية فحسب بغض النظر عن سائر القيم. وهذه القيم ليست متفاضلة ولا متساوية لذاتها، لأنّه لا توجد بينها خصائص تتخذ قاعدة لمساواتها ببعضها أو تفضيل بعضها على بعض، وإنّما هي نتائج قصدها الإنسان حين القيام بالعمل. ولذلك لا يمكن وضعها في ميزان واحد، ولا تقاس بمعيار واحد، لأنّها متخالفة إن لم تكن متناقضة.


ولكن جميع هذه الأفعال التي تحقق القيمة المادية أو الإنسانية أو الخلقية، كلها يجب أن يلتزم المسلم فيها بالحكم الشرعي لنوال رضوان الله سبحانه... أي أن رضا الله متحقق بإذنه سبحانه للمسلم الملتزم بالحكم الشرعي في جميع القيم.


4- وعليه فإن سؤالك عن التعلم لمهنةٍ مثلاً من أجل أن تتوظف فتكسب مادياً، فأنت تقصد تحقيق القيمة المادية، وأما رضا الله سبحانه فهذا نتيجة الالتزام بالأحكام الشرعية، وهو متحقق بإذن الله في كل قيمةٍ، ما دام الإنسان يقوم بالعمل امتثالاً لأمر الله سبحانه، وهذه تتعلق بمسألة الأحكام الشرعية، وليس بمسألة القيمة، أي أنت بامتثالك الحكم الشرعي تحقق رضا الله في القيمة المادية والقيمة الروحية والقيمة الخلقية والقيمة الإنسانية...


وبناء عليه فإن رضا الله سبحانه ليس قيمة منفصلة عن القيم الأربع، بل هو متحقق في كل قيمة من القيم الأربع إذا التزم العبد بالحكم الشرعي خلال سعيه لتحقيق هذه القيم. ويبدو أنك ظننت أن تعلمك مهنة لتتوظف فتحقق قيمة مادية، فأنت كذلك بالتزام الحكم الشرعي في طلبك العلم تحقق رضا الله الذي اعتبرته قيمة روحية، والأمر ليس كذلك، بل رضا الله ليس خاصا بقيمة ما، بل مصاحب لجميع القيم ما دام المسلم خلال تحقيقه لهذه القيم يلتزم بالحكم الشرعي:


• فرضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي للتاجر في تجارته الذي يحقق القيمة المادية...


• ورضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي للمصلي في صلاته الذي يحقق القيمة الروحية...


• ورضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي للصادق في كلامه الذي يحقق القيمة الخلقية...


• ورضا الله متحقق بإذنه سبحانه في حالة التزام الحكم الشرعي عند إغاثة الملهوف لتحقيق القيمة الإنسانية...


والخلاصة فأنت بتعلمك مهنة لتتوظف تحقق قيمة مادية، وترضي الله سبحانه ما دمت تطلب العلم بالتزام الحكم الشرعي، ولكن لا يقال إنك بتعلمك هذه المهنة تحقق قيمة مادية، وكذلك قيمة روحية كأنك تصلي أو تصوم... فالقيمة اصطلاح وتُصرف إلى المعنى الاصطلاحي وتقف عنده.


أسأل الله سبحانه أن يكون في هذا الجواب الكفاية.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة


رابط الجواب من صفحة الأمير على الفيسبوك

رابط الجواب من موقع الأمير


رابط الجواب من صفحة الأمير على الغوغل بلس

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك