الأسرة المسلمة والفصام النكد
الأسرة المسلمة والفصام النكد

الأسرة المسلمة والفصام النكد

0:00 0:00
السرعة:
October 05, 2018

الأسرة المسلمة والفصام النكد

الأسرة المسلمة والفصام النكد

إن نظام الأسرة في أمة ما، يرتبط ارتباطا وثيقا بعقيدة هذه الأمة والأفكار المنبثقة عنها والتي تُحدد مجموعة المقاييس والمفاهيم والقناعات لدى الناس، فتتشكّل الأنظمة والقوانين بصورة متجانسة مع ما آمنت به الجماعة، لتخلق ذلك الطابع الخاص الذي يُميّز أمة عن غيرها... لكنّ التجانس بين النظم والعقيدة، لا يخلق قطعا التوازن والانضباط داخل المجتمعات، ولا يعني قطعا صلاح الأنظمة في رعاية شؤون الناس، فالنظام الصحيح مرهون بالعقيدة الصحيحة، ولا يكون ذلك إلا بالاسلام.

ولمّا كانت العقيدة في الغرب قائمة على فكرتين أساسيتين متناقضتين مع العقيدة الإسلامية: فصل الدين عن الحياة والحريات المُطلقة للفرد، كانت النظرة إلى الأسرة إذًا مبنية على هذه الأفكار، ومنها، كان المُشرّع الغربي يُراعي ضمان الفردية والحرية ومناقضة الدين في سنّ قوانين الأسرة، وهذا ما يُفسّر حالة الانهيار في المنظومة القيمية داخل الأسرة في المجتمع الغربي، وما وصلت إليه من تفكك وفوضى وما خلّفت من أزمات على الفرد وعلى المجتمع، حتى إن مفهوم الأسرة صار يقتصر في تعريفه على لقاء بين اثنين من بني البشر لا يهمّ في ذلك امرأة ورجلا أم رجلا ورجلاً أم أمرأة وامرأة، أما الأبناء فيمكن إضافتهم بالتبنّي أو حتى باستئجار الأرحام!

نعم!! هذه الحريات المُطلقة مع استئصال الدين، قد مكّن للمشرّع الغربي أن يعبث بمؤسسة الأسرة، ويجعل من كل الأحكام المتعلّقة بها "أحوالا شخصيّة"، تخُصّ أصحابها وحدهم، وكانت قوانين "الأحوال الشخصية" متناسقة مع هذه النظرة الفردية ومُحترمة لسقف الحريات، حتى أصبح الزواج المثلي قانونيا، والجندر وزواج المحارم والأمهات العازبات والعلاقات خارج إطار الزواج وأبناء السفاح وأحكام الطلاق والإرث والحضانة، مبنية على هذه الفردية المفرطة، التي تقدِّس الفردَ، وتجعل مصلحته الخاصة مُقدّمة على مصلحة الجماعة (أنا ومن بعدي الطوفان).

وكان حقا طوفانا عصف بالمجتمع الغربي وضرب نواته حتى تهاوت القيم الأخلاقية والإنسانية والروحية ولا اعتبار إلا لما يحُقق النفعية المادية للفرد! فكانت القوانين نفسها مشكلا من المشاكل التي لحقت بعلاقات الأسرة، وزادت من عمق الأزمة، لأنها مبنية على نظرة فاسدة للإنسان وللحياة!!

ورغم فساد العقيدة الغربية وفساد الأنظمة التي انبثقت عنها، إلا أن الإجماع على القوانين وقبولها بل استحسانها في حالات كثيرة رغم شذوذها وفسادها يعكس وضعية الانسجام بين الفكرة ونظامها، فنجد مسيرات ضخمة في الشوارع الأوروبية والأمريكية تُطالب بحماية المثليين جنسيا وحماية حقوقهم، أو سن قوانين تبيح الخيانة الزوجية، أو المطالبة بتشريع الزواج بين الإنسان والحيوان كما حصل في النرويج مثلا، والتي من المرتقب أن تُجيز ذلك باستثناء التزاوج بالحشرات والحيوانات البحرية والدواجن!

مثل هذه القوانين المعيبة الفاجرة تُبيّن حجم فساد العقيدة الغربية في تعاطيها مع الإنسان، وحجم قصورها وعجزها في فهمه ابتداءً ثم في معالجة مشاكله، ما جعل المُشرّعين في الغرب يلجأون لكذبة الحرية "افعل ما تشاء وكيفما تشاء" لعجزهم عن استيعاب مشاكل الإنسان وتوفير الحلول، فتكون "الحرية" شمّاعة للعجز والفشل!!

لكن أزمة الأسرة في البلاد الإسلامية من نوع آخر، فهي أزمة نظام فاسد مُنبتّ عن عقيدة الناس، أُدخل قسرا وطُبَق غصبا، فشكّل حالة من الفوضى العارمة، لفشله من جهة، ولمناقضته عقيدة الأمة ومقاييسها وقناعاتها أساسا من جهة أخرى!!

إن أسرتنا المسلمة اليوم، تعيش حالة من الفصام النكد، بين دين تؤمن به ليس من طبيعته أن ينفصل عن الحياة وبين تشريعات قائمة على فصل الدين عن الحياة، هذا المزج بين المتناقضات يُدمّر ولا يُعمّر، ويجعل من وضعية الفرد والمجتمع وضعية مضطربة مُعقّدة مزدوجة الأزمة!

بين أحكام الله في الزواج والطلاق والنفقة والوصاية والإرث والحضانة والنسب، وبين أحكام هجينة سُلّطت على رقابنا فقطعت ما أمر به الله أن يُوصَل وسمحت لغير شرع الله أن يُطبق في محاولة تعسّفية لتأسيس نظرة جديدة عن الأسرة وعن دور الزوجة والزوج والأبناء مخالفة في تأصيلاتها وتفصيلاتها لنظرة الإسلام العظيم!

وابتداءً من مجلة الأحوال الشخصية التي أسسها "بورقيبة" في تونس سنة 1956 والتي أثارت جدلا واسعا في أرض الزيتونة لإعلانه الحرب على الله ورسوله في أصولها وبنودها والتي تضمنت منع وتجريم تعدد الزوجات، وإلغاء حق التطليق من جانب الرجل ومنحه للمحكمة وإلغاء حق الطاعة، وإباحة الإجهاض والاعتراف بالتبني، مرورا باتفاقية سيداو وما جاء فيها من بنود مناقضة للشرع الإسلامي خاصة في نظام المواريث وزواج المسلمة من الكافر والتي تحفَّظت أغلب البلدان العربية على هذه البنود على استحياء ما عدا تونس في عهد السبسي الآن الذي واصل الحرب بالوكالة عن المقبور بورقيبة من قبله، أو برتوكول "مابوتو" المعني بحقوق المرأة في أفريقيا، أو خطط الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق المرأة والأسرة والطفولة، ولجان حقوق المرأة والجمعيات النسوية وكل هذه المواثيق والمشاريع التي تسعى لاجتثاث الفهم الإسلامي للأسرة، المتأصّل في وجدان المسلمين، والذي خلق تلك الهُوةّ العميقة بين آمال الأسرة وبين واقعها.

فالناظر لواقع الأسرة في بلادنا الإسلامية اليوم، لا يُمكنه إنكار تردّي وضعيتها من خلال تفشي ظاهرة الطلاق وارتفاع نسبها يوما بعد يوم، ونسب العنوسة، وعزوف الشباب عن الزواج خوفا من الارتباط الأسري، وتراجع نسبة الترابط الأسري وصراع الأدوار فيها، وتهميش دور الأمومة والعلاقات الزوجية، مع ضغط الحياة الاقتصادية والظروف المعيشية التي تساهم في تهديد ترابطها، وفوق ذلك حالة الفصام بين العقيدة والقوانين.

إن الأصل في شخصية المسلم وهو يحيا داخل المجتمع، أن يكون شخصية متناسقة منسجمة وهذا ما يجعل منه متوازنا، منضبطا، فسلوكه مضبوط وفق مفاهيم آمن بها، وفي سيره لربط علاقاته مع نفسه ومع الإنسان ومع خالقه، يكون التزامه بالقوانين التزاما ذاتيّا مدفوعا بتقوى الله سبحانه، فيسهل عليه تطبيق الأحكام واستساغتها، ويحترم دوره داخل الجماعة خصوصا داخل الأسرة التي ينتمي إليها أو يؤسسها بوصفها قلعة مُحصّنة بأحكام الله ورسوله، فتكون تلك الأسرة قوية مترابطة منتجة ومنصهرة مع الأمة التي تحتويها ومستجيبة للدولة التي تستظل بها.

وحتى تُحقق أسرنا المسلمة تلك النهضة وتلك الطمأنينة وذلك الانسجام والتوازن وتُنتج شخصيات مسؤولة وناضجة، عليها خلع هذه الأنظمة الفاسدة التي تهدم ولا تبني، وتتبنّى نظامها الأصلي من وحي عقيدتها المتجذرة فيها وتبني دولتها العادلة الراشدة التي تحميها وتقيها لتُحيي من جديد مفهوم الوحدة بمعناها الصحيح، من نفس واحدة إلى أسرة واحدة إلى دولة واحدة إلى أمة واحدة.

﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

نسرين بوظافري

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني