العثور على صفحات من إحدى "أقدم" نسخ المصحف في جامعة برمنغهام
July 28, 2015

العثور على صفحات من إحدى "أقدم" نسخ المصحف في جامعة برمنغهام

العثور على صفحات من إحدى "أقدم" نسخ المصحف في جامعة برمنغهام

ذكرت بي بي سي بتاريخ 22 تموز/يوليو 2015 أن باحثين في جامعة برمنغهام عثروا على صفحات من المصحف، وتبين بعد فحصها بتقنية الكربون المشع، أن عمرها يبلغ نحو 1370 عاما، وهو ما قد يجعلها من أقدم نسخ المصحف في العالم. وقد بقيت الأوراق في مكتبة الجامعة مدة قرن لم يلتفت إليها أحد. ويقول خبير المخطوطات في المكتبة البريطانية، الدكتور محمد عيسى والي، إن هذا "الاكتشاف المذهل" سيدخل "السعادة في قلوب" المسلمين. وحفظ المخطوط مع مجموعة أخرى من كتب ووثائق عن الشرق الأوسط، دون أن يعرف أحد أنه من أقدم نسخ المصحف في العالم.


لا شك أن العلماء والباحثين الذين تعلقت أبحاثهم بالتاريخ والآثار قد أصيبوا بدهشة عظيمة وذهلوا بهذا الاكتشاف التاريخي. لا سيما أن هذا الاكتشاف هو أمر يتعلق بدين يعتنقه زهاء أكثر من ربع سكان العالم. فحسب ادعائهم أن هذه المخطوطة كانت من بين أقدم نصوص القرآن المحفوظة في العالم. وللتعليق على هذا الأمر وددت أن أذكر ما ذكره الشيخ الفاضل العالم أيمن سويد المشتهر بعلم التجويد في القرآن. يقول الشيخ أيمن حفظه الله: (لقد أعلن عن وجود نسخة قديمة جدا من المصحف الشريف ولعله لوحات وإن لم تكن كاملة، ولكن لا يهمنا إن كانت كاملة أو غير كاملة، تبين لهم بعد الفحص الكربوني أنها تعود إلى العصر النبوي تقريبا وأنها قديمة جدا وأنها خبر عظيم وكذا، أنا أريد هنا فقط أن أنبه إلى الفرق بين منهج البحث العلمي عند الغربيين ومنهج البحث العلمي عند المسلمين. إن منهج البحث العلمي عند الغربيين يقوم على القدم فقط، يقولون عثر على كذا ويعود للعصر الفلاني، لا يهمهم أكثر من ذلك. أما عندنا نحن المسلمين ولله الحمد، فمثلا لو وجدت قطعة من القرآن الشريف وأثبتت الفحوص الكربونية أنها قديمة جدا وتعود للعصر النبوي، عندنا نحن المسلمين في منهجنا سؤالان للتوثيق مهمان. السؤال الأول من كتبها؟ لأننا لا نأخذ ديننا عن نكرات ولا نأخذ ديننا عن مجاهيل. فقد يكون الكاتب جاهلاً، وقد يكون الكاتب عدواً. قد يكون الكاتب كتب من رأسه وذاكرته، والذاكرة تنسى. والسؤال الثاني من أين كتبها؟ من أين نسخها؟ لأن القرآن لا يكتب من الرأس وإنما يكتب من قطعة قبله. نحن نعلم أنه أول ما دون القرآن العظيم فقد دون بين يدي رسول الله ﷺ على القطع التي كانت متاحة في ذلك الزمان، وفي عصر سيدنا الصديق أبي بكر رضي الله عنه لما أحضر سيدنا زيد بن ثابت لكتابة القرآن وجمعه، قام زيد بجمع تلك القطع التي كتبت بين يدي رسول الله وفرغها في ما يسمى الصحف البكرية الصديقية، وفي عهد سيدنا عثمان لما أراد أن ينسخ من الصحف نسخا، أيضا سيدنا زيد هو الذي ترأس العملية وقال عثمان للسيدة حفصة بنت عمر أرسلي إلينا الصحف ننسخها. إذن القرآن يكتب من نسخة قبله ولا يكتب من الرأس. فنحن لما تأتينا نسخة هكذا مبتورة. في الجامع الكبير في صنعاء بالسقف حفروا فوجدوا نسخة قديمة أو في برمنغهام أو غدا في أي مكان في العالم يظهر، لا يهزنا هذا الكلام، أنا أعلم علم اليقين أن بعض المستشرقين استغل هذا لهز عقيدة المسلمين في كتابهم المقدس، وقال ظهرت نسخة كذا كذا تعود إلى القرن الأول وفيها مخالفات النص الموجود بين يدي المسلمين وهذا قد يعيد النظر في شأن قواعد الإسلام إلى آخره، وثوابت الإسلام. فهذا كله عندنا لا قيمة له، نحن منهجنا يقوم على من كتب؟ ومن أين كتب؟ هذا توثيقنا. من كتب؟ حتى يكون دينا صينا رصينا. والأمر الثاني من أين كتب؟ لا بد أن يكتب من نسخة موثقة، فلا يكتب من رأسه ولا يكتب من نسخة غير موثقة. أحببت أن أنبه إلى هذا الأمر إذا وصلكم هذا الخبر عن ظهور صحف أو مصحف قديم جدا يعود إلى العصر النبوي بحسب التحليل أن نقول إذا وافق ما عندنا فيا أهلا وسهلا وإن خالف ما عندنا فالموثق هو ما عندنا والحمد لله رب العالمين) انتهى قول الشيخ أيمن جزاه الله خيرا.


وهنا أحببت أن ألقي الضوء على طريقة البعض في تحكيم التاريخ في القضايا؟ من عاش قبل في فلسطين العرب أم اليهود؟ فمن عاش قبل الآخر له الحق في البلاد ومن عاش بعد الآخر فيتوجب عليه الرحيل منها؟ وهذه نسخة من المصحف أقدم من النسخة التي لدى المسلمين، ولذا هي أحق أن تتبع إذا خالفت ما عند المسلمين من قرآن موثق! هذه هي العقلية التي يتبعها علماء التاريخ وأتباعهم في حل القضايا والأمور. ولذا هم يحكمون على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بأنه ارتكب جريمة كبيرة في حق العلم والإنسانية حينما أتلف كتب فارس بعد أن من الله عليه بفتحها:


فرحم الله ابن الخطاب ورضي عنه وأرضاه، انظر منهجه في التعامل مع مثل هذه المسائل:


(ولما فتحت أرض فارس ووجدوا فيها كتبا كثيرة كتب سعد بن أبي وقاص إلى عمر بن الخطاب ليستأذنه في شأنها وتنقيلها للمسلمين فكتب إليه عمر أن اطرحوها في الماء فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه وإن يكن ضلالا فقد كفانا الله فطرحوها في الماء أو في النار وذهبت علوم الفرس فيها عن أن تصل إلينا) تاريخ ابن خلدون - ابن خلدون - ج ١ - الصفحة ٤٨٠.


بالنسبة لما فعله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بكتب وحضارة فارس فصدق رسول الله ﷺ «لو كان نبيا من بعدي لكان عمر». فقد ارتد العرب بعد موت الرسول عليه الصلاة والسلام وقطفت حروب الردة العديد من أخيار المسلمين. ثم جاء فتح فارس وفي هذا السياق يتوقع من خليفة فذ مثل عمر أن يفعل كذلك.


كما أن الجميع يعلم مدى الخطر الذي سببته ترجمة الكتب عن الحضارات الأخرى في العصور ما بعد الصحابة إلى اللغة العربية. وكمثال فقط مسألة القضاء والقدر والنقاشات وما نشأ عنها من مذاهب. هذا فقط أحد آثار الثقافات الأخرى على الإسلام والفطرة النقية.


بالنسبة لعلماء التاريخ فنعم يعتبر ما فعله عمر جريمة لأنهم أصلا مجردون من كل إيمان. لا بل معظمهم لا يعترفون بالدين وكثير منهم يفصلونه عن الحياة. ولذا رأيهم فيما فعله عمر بن الخطاب لا يهم المسلمين أبدا لا من قريب ولا بعيد. ليس ما يهم المسلمين أي النسخ القرآنية أقدم؟ بل ما يهمنا هو أي النسخ القرآنية التي تعتبر في الإسلام موثقة. ولا يهمنا من سبق وعاش في فلسطين قبل الآخر، بل ما يهمنا هو من يملك الحق في اعتبارات الشرع أن يكون مالك فلسطين. ولا يهمنا كذلك من سبق وعاش في خيبر قبل من؟ بل ما يهمنا هو من يملك الحق في اعتبارات شرعنا أن يكون مالك خيبر. فحذار حذار من أن نصبح صيدا سهلا لعلماء التاريخ العلمانيين وأحكامهم.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الدكتور فرج ممدوح

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني