الكلمة الثامنة في مؤتمر "الخلافة والتعليم": اللغة العربية بين عز الإسلام ومكر الاستعمار
March 11, 2017

الكلمة الثامنة في مؤتمر "الخلافة والتعليم": اللغة العربية بين عز الإسلام ومكر الاستعمار

الكلمة الثامنة

تونس

اللغة العربية بين عز الإسلام ومكر الاستعمار

إن حمل المبدأ إلى العالم هو الدور الأساسي للدولة، وباعتبار أن اللغة هي العمود الفقري لحضارة الأمم وهي أداة التواصل بقصد خدمة ذلك المبدأ، كانت اللغة العربية مستهدفة من الغرب. وقد بذلوا كل الوسع في تهميشها وإفراغها من دورها الأساسي. وسنورد جوانب عديدة لأدوارهم الدنيئة في ذلك ماضيا وحاضرا. يقول وليام غرانارا مدير مركز دراسات الشرق الأوسط: "إن الشرق الأوسط هو جزء من العالم لا يمكن فهمه إلا متى وضعنا قدمينا فيه ورأيناه بأم أعيننا". وقد تم فتح مركز دراسات الشرق الأوسط التابع لجامعة هارد فورد في تونس والتي تعتبر موطنا لثقافتهم منذ القدم إلى يومنا هذا. فماذا سينشره مركز أمريكي في تونس؟!

إن عشرات غيره من المعاهد الأمريكية والإنجليزية والفرنسية على شاكلته تستقطب أبناء العائلات المترفهة ليكونوا هم الأنموذج الذي يحتذى في مفاهيم استقوها منها. وليس الأمر مستحدثا بل تزامناً مع سقوط الخلافة، والغرب يعمل جاهدا على تركيز علمانيته في بلاد المسلمين من خلال ترسيخ لغته وإهمال اللغة العربية، فلم يكتف بتقسيم البلاد إلى دويلات وتقويض المفهوم الجغرافي للأمة بل عمد إلى أهم مقوماتها وهي اللغة العربية، فأقصى دورها في نظام التعليم لتحل محلها لغته في جل التخصصات أهمها ما يتعلق بعلوم الطب والهندسة والرياضيات والفيزياء والكيمياء والزراعة وغيرها... ففي تونس أسس معهد كارنو الفرنسي لتدريس اللغة الفرنسية وأحدثت بعثات إلى جامعة السوربون، وفي المقابل كان التصدي للتعليم الزيتوني، وشن حملات على الكتاتيب، وإثارة الريب في دورها. لقد صرح بورقيبة تلميذ السوربون في صحيفة "لوموند الفرنسية" بتاريخ 11 آذار/مارس 1976حول أبرز خياناته: "أعتز بثلاث قضايا.. أغلقت جامع الزيتونة، حررت المرأة، وأصدرت قانون الأحوال الشخصية"، فجامعة الزيتونة لم يجرؤ عليها الاستعمار وتطاول عليها العميل بورقيبة ليتحقق تكريس التعليم الفرنكفوني.

إن جامع الزيتونة وجامع القيروان عقبة بن نافع بتونس، وجامع القرويين بالمغرب وجامع الأزهر بمصر وغيرها الكثير في بلاد المسلمين أعدمت مكانتها بعد أن كان لها الأثر الكبير في توجيه التعليم في العالم وذلك ليضيعوا على المسلمين مناراتهم بإفراغها من مضمونها ودورها في تثقيف المجتمع ثقافة إسلامية تتوافق وعقيدته، وليتم تعويضها بمدارس ومعاهد بنمط غربي وثقافة علمانية سهر على إرسائها حكام المسلمين العملاء القائمون على خدمة أسيادهم الذين سطروا لهم البرامج وسنوا القوانين والمراتب وكل ما يتعلق بسياسة التعليم. والغاية من ذلك ضرب القاعدة الفكرية، وأول سلاح هو تهميش اللغة العربية وإقصاؤها بعد أن كانت وعاءً يضخ مناهل العلم الثابت والنافع: فَصَلوا العلوم الشرعية عن باقي المعارف وغيّبوا اللغة العربية عن معظم الجامعات واختزلوها في بضع ساعات في المدارس والمعاهد ببرامج وأساليب مسقَطة عليها قسرا. فما الذي جنيناه من تغريب اللغة العربية في تدريس أبنائنا؟ وما الذي جناه الغرب؟

- صعوبة حذق اللغة وفهمها والنفور منها والانبهار بغيرها.

- تدني الإحساس والشعور بالهوية وتنامي ضعف الثقة بكفاية اللغة العربية الفصحى.

- إنشاء مدرسين لا يحذقون العربية، ويستعملون العامية عوضا عن الفصحى في تلقين العلوم والمعارف، وليس الأمر عفويا أن يخرج البعض من أبناء جلدتنا ينتسبون إلى أمتنا ويتكلمون بألسنتنا ليطالبوا بتدريس اللهجات العامية في الصفوف الأولى بدلا من العربية الفصحى، مروجين أنها أصعب اللغات تعلما وحذقها يتطلب وقتا طويلا.

- خلق إطار يكاد يكون مرجعيا للمتعلمين على أن لغة الغرب هي لغة العلم والمستقبل والبحث والحداثة والتحضر، تسمح لهم بالانفتاح على العالم. فمن حذقها عُدَّ مثقفا عصريا متقدما وهي مقياس المناصب وفرص العمل. في حين إن اللغة العربية هي لغة الأدب والأخلاق لا تسمح لهم بالتعامل مع البرامج المعرفية.

- ضياع الموروث الفكري والحضاري؛ فجهله المتعلمون وغاب عنهم الطريق الصحيح لاسترجاع مجدهم وعزهم، في المقابل زاد انبهارهم بحضارة الغرب وثقافته التي لم يعرفوا غيرها، فاستساغوها وأقبلوا عليها دون وعي أو بصيرة.

- انفصالهم عن دينهم وجهلهم لأبسط مقومات العيش بالإسلام.

وبذلك ضمن الغرب غلق باب الاجتهاد، فالعاجز عن ممارسة اللغة العربية سيكون عاجزا حتما عن فهم القرآن والسنة، وبالتالي عاجزا عن الاستنباط والاجتهاد ومعالجة القضايا المستحدثة، وبالتالي اللجوء إلى معالجات غربية تسمح للمستعمر أن يتملك الأمة ويسيطر على مفاصلها.

بذلك تمكن الغرب من فرض استعماره ونشر مبدئه ليفسد الحرث والنسل، فما عجز عنه عسكريا قدر عليه بالتغريب وصنع أجيالا منبتّةً عن لغتها وبالتالي عن هويتها.

إن من البديهي أن للغة دورا في تشكيل وعي الجماعة وسلوك أفرادها، وهي التي تعكس فكرهم وحضارتهم وتطورهم، بها يسجل إنتاج الأمة وبها تُدوّن ثقافتها ومعارفها وتاريخها، وبها تستطيع صوغ مقومات وخصائص وجودها، فاللغة لا تقوم بالوصف فحسب، بل هي قدرة ملكة تعبيرية ومنزلتها بين اللغات هي صورة لمنزلة دولتها، واللغة العربية هي أهم خاصية للأمة الإسلامية وآكد مقوم لاستمراريتها وأوضح دليل على وجودها.

فإن أدرك الغرب أهمية لغتنا ودورها في بناء حضارتنا وأدرك أن في إهمالها غلق لباب الاجتهاد فكيف للمسلمين أن يتغافلوا عما وعاه الغرب وهم أولى بوعيه؟! كيف لا يرونها عزيزة؟! كيف لا يذكرون ماضيهم المجيد، يوم كان العلماء المسلمون موسوعة؟! جمعوا بين مختلف العلوم دون إهمال أمر اللغة العربية.

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "لسان العربي أوسع الألسنة وأكثرها ألفاظا والعلم بها عند العرب كالعلم بالسنن عند أهل الفقه".

يومها كانت في مقدمة اللغات العالمية، وحتى الأراضي التي كان أهلها لا ينطقون بها مثل إسبانيا وآسيا الوسطى والهند يوم دخلها الإسلام برز فيها أفضل العلماء، كانوا يتقنونها ويكتبون بها علمهم، مما ساعد على بناء مجتمع ناهض في فكره ومتقدم في علمه:

ابن سينا صاحب كتاب "القانون في الطب" أضحى مرجعا أساسيا لفترات طويلة وهو من بخارى.

ابن خلدون أول من تكلم في العمران.

ابن الهيثم المؤسس الأول لعلم المناظر.

الإدريسي برز في علم الجغرافيا ورسم الخرائط.

الخوارزمي مؤسس علم الجبر، صنف كتبا كثيرة في تاريخ العلم وكلها باللغة العربية، مؤكدا مكانة اللغة في العلم والثقافة.

ابن النفيس هو الفقيه اللغوي وهو الطبيب وأول من وصف وشرح دورة الدم بين القلب والرئتين.

أدركوا العلاقة الوطيدة بين العلوم واللغة والمبدأ فأوّلوها مكانتها في التعلم خاصة بعد أن انتشر الإسلام في الأمصار ودان به العرب والعجم. فكان أبو الأسود الدؤلي أول من وضع قواعد النحو والنقاط على الأحرف وشكل أحرف المصحف بأمر من الخليفة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، ثم تبعه علماء آخرون عرب وغير عرب فكان الجرجاني والفراهيدي والأصمعي وسبويه - وهو فارسي ولكن طبع اسمه مع تاريخ علوم اللغة العربية.

هذه إشارة لأهمية اللغة في بناء مجد المسلمين، فالدولة الإسلامية لم تكن قادرة على استنباط حلول لما تواجهه من محدثات ومشاكل إلا بالاجتهاد وما كان ذلك ليكون لولا حذق المجتهدين للغة العربية. فالقرآن الكريم والحديث الشريف يتضمنان معاني عامة لمعالجة الشؤون، وعلى المجتهد أن يستفرغ الوسع في استنباط الأحكام.

هذه اللغة التي نزل بها القرآن ونطق بها سيد الخلق وجعلها الله لغة أهل الجنة، يحسن بنا أن نبرز دورها في بناء هويتنا وإعادة مجدنا، ويفرض علينا أن نعمل لنعيد لها دورها، وذلك لن يكون إلا في ظل دولة تطبق الإسلام وتتبنى هذه اللغة بشكل جاد في سياستها العامة، بها تبرم المعاهدات وبها يكون التعامل. وتعتمدها في برامجها وسياستها الإعلامية والثقافية، وجميع مناحي ونشاطات الحياة، وكذلك مناهجها التعليمية، بل لا بد من مراعاة إتقانها في سائر مواد التدريس واستعمال الوسائل والأساليب الكفيلة لإعادتها وعاءً للفكر ولغة للتخاطب، والمعتمد الأساسي لفقه ثروتنا التشريعية التي لا تنضب.

فتغدو هي اللغة الأم والأصل، وتضمن بذلك:

- نشر الثقافة الإسلامية في كل الأوساط التعليمية؛

- الاعتراف بقيمة البحث العلمي المنتج باللغة العربية؛

- تقوية مكانة اللغة العربية عند أهلها وعند غيرهم وتوسيع دائرة استعمالها؛

- توفير المراجع العلمية المكتوبة بالعربية وتوفير المصطلح العلمي العربي، إذ من المعلوم أن من مصادر بناء اللغة العربية التعريب.

وهكذا نعيد جيلا واعيا معتزا بلغته وبالتالي بعقيدته.

قال تعالى: ﴿‏إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

الأستاذة شادية الصيّادي

عضو حزب التحرير في ولاية تونس

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني