اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا
June 09, 2015

اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا

اللهم ارفع مقتك وغضبك عنا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا


لا تزال المصائب تتوالى علينا واحدة تلو الأخرى، فقد نشرت وسائل الإعلام خبر مأساة الأطفال الستة الذين لقوا حتفهم غرقًا فيما لا تزال عمليات البحث متواصلة عن خمسة أطفال يعتبرون في عداد المفقودين إثر حادث غرق وقع يوم الاثنين 2015/06/08 بأحد الشواطئ غير المحروسة المحاذية لواد الشراط بعمالة الصخيرات تمارة (جنوبي الرباط). وقبل حوالي شهرين في 2015/04/10، صدمنا بحادثة سير طانطان التي قتل على إثرها 34 شخصًا معظمهم أطفال في عمر الزهور، ليصدر تقرير التحقيق بعد ذلك، ويحمل المسئولية للسائق الذي قتل في الحادث ويقفل الملف وتُغيَّب الحقيقة. ثم توالت حوادث السير المميتة بعيدًا عن الأضواء والتغطية الإعلامية، لتقرع رؤوسنا صدمة من نوع آخر مع صدور الفيلم السينمائي الساقط الذي هز الرأي العام بمستوى بذاءته وفحشه، وبدل أن تسارع الجهات المعنية إلى معاقبة أصحاب هذا الفيلم بتهمة الجرم الفاضح الذي يُجرِّمه حتى القانون الذي خطوه بأيديهم، في الفصل 483 الذي ينص على أن: "من ارتكب إخلالاً علنيًا بالحياء، وذلك بالعري المتعمد أو بالبذاءة في الإشارات أو الأفعال، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم. ويعتبر الإخلال علنيًا متى كان الفعل الذي كونه قد ارتُكب بمحضر شخص أو أكثر شاهدوا ذلك عفوا أو بمحضر قاصر دون الثامنة عشرة من عمره، أو في مكان قد تتطلع إليه أنظار العموم"، والفصل 490 الذي ينص على أن: "كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة". أي أن للحكومة مسوغًا قانونيًا، بما أن جميع عناصر الجريمة مجتمعة وواضحة، لمعاقبة أصحاب هذا الفيلم، وجعلهم عبرة لمن يعتبر إن كانت فعلًا حريصةً على ذلك، إلا أنها مع ذلك اختارت التسامح كعادتها مع كل من أعلن الحرب على الله ورسوله وشرعه، واكتفت وزارة الإعلام من الغنيمة بالإياب وشربت حليب الأسود وقررت منع عرض الفيلم، فيما يسرح مخرج الفيلم والممثلون الذين شاركوا فيه ويمرحون دفاعًا عن تحفتهم ومدى جرأتها في تناول الواقع المسكوت عنه، وتغزو مقاطع من الفيلم الساقط المواقع (الاجتماعية). وقبل أن نصحو من هذه الصدمة، قرعت رؤوسنا فضيحة أخرى بصور الفاجرتين الفرنسيتين اللتين نشرتا صورهما عاريتين يتبادلن القبل في ساحة مسجد حسان، ومرة أخرى، وبدل أن تعتقلهما الدولة وتعاقبهما على هذا الجرم الفاضح، اكتفت بترحيلهما حرصًا على ألا تكدر صفاء العلاقات المغربية الفرنسية شائبة. وكأن كل هذا لا يكفي، فقد بثت القناة العمومية الثانية (دوزيم) مباشرة مساء الجمعة 2015/05/29 سهرة إحدى المغنيات الأمريكيات، المشاركات في مهرجان موازين سيئ الذكر، في لباس فاضح وهي تقوم برقصات مخلة بأدنى درجات الحياء.


ما هذا؟ وما سبب تلاحق المصائب والفضائح بهذا الشكل المتسارع؟ هل هو من قبيل الصدفة أم أن شيئًا ما يقف وراءه؟


إن السبب واضح، لقد فقدت الدولة الأساس الذي من أجله وجدت ابتداءً وهو الرعاية، فالدولة لم تعد ترعى شؤون شعبها ولم يعد همُّها جلب ما ينفعهم ودفع ما يضرهم، فأصبح الأمر أقرب إلى الفوضى. وبالعودة إلى المجموعة، نسأل الله أن يتقبلهم في الشهداء، والتي ذهبت للاستجمام في شاطئ غير محروس (لا يبعد عن العاصمة إلا بثلاثين كيلومترًا)، فإننا نتساءل: ماذا لو كانت هذه المجموعة تتكون من بعض الشباب الملتحين الذين يشك في كونهم من "الإسلاميين"؟ لو كان الأمر كذلك لرأينا قوات الأمن قد استنفرت وخرجت عليهم من حيث لا يحتسبون، ولوقفت لهم عن أيمانهم وعن شمائلهم، وحاصرت المكان وأخلتهم قبل أن تلامس أقدامهم الشاطئ. أما وأن المصطافين ليسوا "إسلاميين خطرين" فلا أحد يهتم بهم أو ينصحهم، وليسبحوا حيث شاءوا حتى لو فعلوا ذلك في برك التماسيح!


نعم، لقد أهملت الدولة رعاية شعبها، وتركت الطرق نهبًا لمافيات الطرق، والمستشفيات نهبًا للفساد والإهمال والتسيب واستغلال معاناة الناس وآلامهم، والمحاكم نهبًا للبيروقراطية ووسطاء الرِّشا، والاقتصاد مرتعًا للأقوياء يلتهمون الضعفاء، والتعليم بين كماشتي التعليم العمومي المتهالك والتعليم الخاص باهظ التكلفة، وتركت الشوارع نهبًا للعصابات تروع الآمنين وتسلبهم ممتلكاتهم في وضح النهار، وأشغلت نفسها بشيء واحد هو مطاردة الإسلاميين، فجعلت الشغل الشاغل لمعظم قوتها الشرطية والاستخباراتية هو اعتقال كل من تتحرك فيه الغيرة على المسلمين ويفكر مجرد التفكير في القيام بعمل من شأنه نصرة إخوانه، وفي هذه الأثناء يرتع الفاسدون في فسادهم وينشط الناهبون في نهبهم دون حسيب ولا رقيب، ولعل آخرها فضيحة الموثق الذي اختلس ودائع زبائنه المقدرة بخمسمائة مليون درهم (51.3 مليون دولار) قبل أن يفر إلى كندا، علمًا أنه كان متابعًا في حالة سراح مؤقت مقابل كفالة مالية بعد ارتكابه حادثة سير مميتة نتج عنها قتل أم وابنتها، أي أنه قتل شخصين ورغم ذلك أطلق سراحه، واستطاع الخروج من البلد وتهريب هذه المبالغ الضخمة دون أن يشعر به أحد، أيعقل هذا؟


أما عن الفضائح الأخلاقية، فلقد أصبح واضحًا للجميع أن الانحطاط الأخلاقي المتسارع هو نتيجة جهدٍ دؤوب مقصودٍ من أجهزة الدولة في نشر الفواحش والتسامح مع مرتكبيها وليس قدرًا مقدروًا لا طاقة لنا على وقفه، فمهرجان موازين مثلًا بُحَّت أصوات المعترضين عليه، وها قد وصل هذه السنة إلى دورته الرابعة عشرة، علمًا أنه في كل عام ترتفع الأصوات المطالبة بإلغائه أو على الأقل تغيير موعده الذي يصادف امتحانات البكالوريا، أو دفع المشاركين فيه إلى احترام أخلاقيات أهل هذا البلد، لكن كل هذه الدعوات لا تصادف إلا آذانًا صماء، فالمهرجان باقٍ ويتمدد، ويزداد فحشًا عامًا بعد عام، وتزداد فاتورته عامًا بعد عام، ويتم نقل قاذوراته على الهواء مباشرة في القنوات العمومية التي تُموَّل من الضرائب التي تُجبى من جيوب الشعب.


والأمر نفسه يقال عن الفيلم الساقط، فقد عرض الفيلم على لجنة دعم الأعمال السينمائية في الدورة الأولى والثانية خلال عام 2014. في المرة الأولى، لم يتم قبول المشروع، وطلبت لجنة الدعم من المخرج أن يعيد كتابة سيناريو فيلمه، لتجدد اللجنة قرارها بعدم اختيار الفيلم في الدورة الموالية، بعدما تبيّن لها أن المخرج لم يجرِ تعديلات كبيرة على السيناريو، وإنما أضاف أحداثًا جديدة فقط. أي أن اللجنة، والوزارة من ورائها كانتا على علم بما في الفيلم، وإنها وإن لم تقدم له الدعم المالي إلا أنها منحته رخصة التصوير، لكنها حين رأت الضجة التي أثارها الفيلم، ركبت الموجة، وقامت بمنع عرض الفيلم حفظًا لماء الوجه، وليس غيرةً على شرع الله. وللتدليل على تواطؤ أجهزة الدولة مع هذا السافل، نكتفي بالإشارة أن المخرج سيئ الذكر هو عضو معين في المجلس الاجتماعي والاقتصادي والبيئي الذي يناط به "الإدلاء برأيه في التوجهات العامة للاقتصاد الوطني والتنمية المستدامة وفي جميع القضايا الأخرى ذات الطابع الاقتصادي والاجتماعي والبيئي المتعلقة بالجهوية المتقدمة؛ وتحليل الظرفية وتتبع السياسات الاقتصادية والاجتماعية الوطنية والجهوية والدولية وانعكاساتها... أي أن الشخص يعتبر من علية القوم، أما عن فتوحاته السينمائية، فقد تلقى منحة الدعم السينمائي ثماني مرات بما يقارب العشرين مليون درهم لإنتاج أفلام كان معظمها مثيراً للجدل لتضمنها مشاهد إباحية، ولا يزال عيوش، عن طريق شركته "عليان للإنتاج" أحد المخرجين ذوي الحظوة في التلفزيون المغربي حيث يفوز سنويًا بحصة الأسد من صفقات برامجها التافهة خصوصًا الرمضانية، والتي تقدر بعشرات الملايين من الدراهم، وعليه يكون قرار منعه في السينما، حيث لا يتعدى عدد صالات العرض على كل التراب المغربي أربعين قاعة، وفتح الأبواب أمامه في التلفزيون الذي يدخل كل البيوت دون استثناء، ضحكًا سافرًا على الذقون.


يا أهل المغرب،


لقد قلنا ولا نزال نقول ولن نمل من التكرار، لن يستقيم الظل والعود أعوج، إن همَّ حكامكم لم يكن يومًا خدمتكم ولا رعاية مصالحكم، وإنما كان على الدوام خدمة أسيادهم وتسهيل مهمتهم في نهب خيراتكم وسرقة ثرواتكم، وها هم حكامكم يقومون بالأدوار المنوطة بهم على أكمل وجه، فهم يفتحون الأبواب للشركات الأجنبية ويسلمونهم مقاليد الأمور، ويشغلونكم عن المطالبة بحقوقكم بإشاعة الفاحشة بينكم وإلهائكم بالغناء والرقص وكرة القدم وباقي الأعمال التافهة، ويمعنون في إهمال شؤونكم والتضييق عليكم حتى لا يبقوا لأحدكم برهة من زمن يتفكر فيها فيما آلت إليه الأمور فينهض للتغيير، وها هي نتيجة سياستهم ظاهرة للعيان، الموت يحصد أبناءكم في الطرقات وعلى شواطئ البحار، يحصدهم فقرًا وجوعًا ومرضًا وإهمالًا وجريمةً، وهم عنكم لاهون، وفي جمع الأموال منشغلون.


أيها المسلمون، يا أهل المغرب،


إن حالنا لن ينصلح إلا بما ارتضاه لنا ربنا، وإن موازينهم حين تنصب الموازين ستكون وبالاً على من أقامها أو أيدها أو سكت عنها وهو قادر على إزالتها، ولن يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس من شرع ربهم وسنة نبيهم، فهلموا معنا نُقِمْ شرع ربنا، وضعوا أيديكم في أيدينا نُعِدْ خلافة الله في أرضه بلسمًا لأمراضنا وعلاجًا ناجعًا لكل ما نعانيه من فقر وضيق وظلم وفساد في الأرض. فوحدها الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هي التي ستنجيكم في الدنيا وتحفظكم وتحفظ أبناءكم وبناتكم من شر يكاد لكم ولهم، وهي وحدها التي ستعيد عزكم وتجعلكم تمشون في الأرض رافعي رءوسكم مهابي الجانب لا يتجرأ على محارمكم سفلة الأرض وشذاذها.


فهل من مجيب؟

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمد عبد الله

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني