المأساة الرهيبة لنساء وأطفال الروهينجا
June 06, 2015

المأساة الرهيبة لنساء وأطفال الروهينجا

المأساة الرهيبة لنساء وأطفال الروهينجا

(مترجم)

لفتت مؤخرا مأساة الروهينجا المسلمين أنظار العالم مع ورود التقارير تترى موثقة بصور لآلاف اللاجئين المرضى والجوعى الهائمين في مياه بحر أندامان والمياه القريبة منه. لقد أفزعت الصور المنقولة الكثيرين في العالم، عندما رأوا الأطفال والنساء والرجال البائسين والضعفاء على متن قوارب مهترئة يبعدون عن شواطئ الدول التي فروا إليها ليحتموا من هول معاناتهم في بلادهم. مرةً أخرى ركزت هذه المناظر الانتباه العالمي لحجم الاضطهاد الذي يعاني منه الروهينجا المسلمون في بورما. الذين يعتبرون بدون جنسية، بعد أن صدر قانون الجنسية البورمي لعام 1882 واعتبرهم غير رعايا في بلدهم التي عاشوا فيها هم وأجدادهم لأجيال طويلة. لقد تكثف الاضطهاد إلى أن وصل إلى مستويات قياسية في السنوات الأخيرة ولقد طال النساء والأطفال وحتى الرضع.


في العام الماضي تم توثيق شهادات عيان من قبل جماعة حقوقية في إقليم أراكان، ورد فيها ذبح العشرات من النساء والأطفال في قرية دو تشار يارتان غرب الإقليم على أيدي عصابات البوذيين. الذين كشفوا عن المذبحة وجدوا 10 رؤوس على الأقل لجثث الروهينجا في خزانات للمياه، وما هذه الحادثة إلا طرف جبل الجليد لما يعانيه الروهينجا المسلمون على أيدي أجهزة الأمن البورمية والبوذيين بأساليب ممنهجة ووحشية تقشعر لها الأبدان، في حملة تطهير عرقي فظيع. بيوت المسلمين تدمر وتقتحم من قبل رجال مسلحين، يتعرضون للضرب والاختطاف، ولقد انتشرت حالات الاعتداء الجنسي والاغتصاب بحق بناتنا وأخواتنا من الروهينجا مما اضطرهم لأن يدفعوا بناتهم ونساءهم للهجرة لدول مثل ماليزيا. ولقد ورد في تقرير لمنظمة حقوق الإنسان أن الروهينجا يجبرون على مغادرة البلاد على أيدي رجال مسلحين. روت ياسمين 13 عاماً، لمنظمة حقوق الإنسان "أن حوالي 12 رجلاً مسلحاً جاؤوا لمنزلها في إقليم أراكان وأجبروها على مغادرة ميانمار. تقول لقد جروني إلى القارب، وكان بحوزتهم عصي، وهددوني بالضرب، صرخت وبكيت عالياً. كان أبواي ينوحان، لكنهما لم يستطيعا أن يفعلا شيئاً. لقد ذهبت إلى القارب مع ثلاثة رجال" وكل هذا يحدث بالتواطؤ مع نظام ميانمار المجرم، هذا النظام الذي ما زال يكثف من حجم الاضطهاد والظلم ضد الروهينجا المسلمين، ولقد وضع سياسات قاسية وقيوداً فظيعة عليهم، شملت منعهم من حرية التنقل بين قراهم، وحرمانهم من أبسط الحقوق مثل العمل، والطعام، والتعليم والرعاية الصحية. كما ويجب عليهم أن يحصلوا على موافقة الحكومة ودفع مبالغ طائلة من أجل السماح لهم بالزواج. وقد صدر مؤخراً قانون جديد بحقهم، وهو قانون "تحديد النسل الصحي" الذي يحدد فيه عدد الأطفال الذين يسمح لأخواتنا إنجابهم. لهذه الأسباب والأوضاع القاسية والصعبة والرهيبة قرر الروهينجا الهجرة عبر البحار على متن قوارب مهترئة ومزدحمة في رحلة محفوفة بالمخاطر على أمل العثور على مأوى وحياة جديدة في البلدان ذات الأغلبية المسلمة مثل ماليزيا وإندونيسا وبنغلادش.


وفي خضم هذا، وكما نعلم، فقد وقع العديد من إخواننا وأخواتنا في قبضة المهربين الذين استغلوا مأساتهم ومعاناتهم، وانتهى بهم الأمر في بعض الحالات للحبس في مخيمات للمهربين تعرضوا أثناء وجودهم فيها للتجويع والاغتصاب. وقد روت بعض النساء المسلمات من الروهينجا الفارين من هذه المخيمات، كيف تم استغلال النساء والبنات كعبيد للجنس على أيدي الحراس. قالت نور عبد الشكور، 24 عاماً، حيث كانت سجينة على مدى 8 أيام مع رضيعها في مخيم التهريب، أنه كان يتم اغتصاب المسلمات من الروهينجا بشكل جماعي، ونتيجة لذلك فقد حملت بعض النساء، وقالت أيضاً أنه كانت تؤخذ النساء لأيام عديدة لغرض الاغتصاب من قبل المهربين. وبالنسبة للعديد من الروهينجا فقد أصبحت هذه المخيمات قبوراً، في الشهر الماضي تم العثور على 140 قبراً على أيدي السلطات الماليزية على الحدود مع تايلاند، يعتقد أنها قبور تحوي جثثاً للروهينجا المسلمين الذين ماتوا جوعاً ومرضاً بانتظار تحريرهم. وفي شهر نيسان/أبريل تم العثور على قبر جماعي في مخيم للتوقيف في تايلاند، يعتقد أنه حوى جثث المهاجرين من الروهينجا.


النساء والأطفال الفارّون من هذه المخيمات ينتهي بهم الأمر على متن قوارب الموت، وهي أشبه ما تكون "بتوابيت عائمة"، مسافرين على مدى أشهر مع القليل من الطعام والماء في ظروف رهيبة، ويتعرضون أيضاً للضرب والاغتصاب على أيدي المهربين. إحدى الأخوات، رشيدة، أرملة في الخامسة والعشرين من عمرها، روت أنها صعدت على متن القارب بصحبة ولديها الصغار وابنتها ذات الشهور التسعة، وقالت أنها بقيت على القارب لساعات طويلة تحت الحر الخانق وقدماها ملتصقات بظهر المرأة التي تجلس أمامها. قالت "أنه ذات مرة كان الطاقم يأكل أرزاً فبدأ ابني في البكاء يريد المزيد من الطعام، غضب الطاقم وحرقوا ذراع ابني بأعقاب السجائر". وأضافت أنها رأت جثتين ألقيتا عن ظهر قارب آخر في البحر. لقد قضى المئات في رحلة الموت هذه طلباً للمأوى بما فيهم النساء والأطفال.


أيتها الأخوات: هؤلاء الرجال والنساء والأطفال الجوعى والمرضى والبائسون والمعذبون هم من طردتهم الحكومات الماليزية والإندونيسية ومنعتهم من النزول على شواطئها لأسابيع عديدة، هذه الحكومات بالذات هي من ظن الروهينجا فيهم خيراً لإنقاذهم من معاناتهم لأنهم إخوانهم في الدين. هذا الدين الذي فر هؤلاء من بلدهم من أجله. كم هو مخز للغاية أن سعت هذه الحكومات لطرد هؤلاء المسلمين ومنعهم من دخول البلاد. أنه يبرهن عن نيتهم لأن يغمضوا أعينهم عن الوحشية والاضطهاد الذي يتعرض له إخوانهم وأخواتهم في العقيدة من الروهينجا على أيدي النظام البورمي والمتطرفين البوذيين. في البداية أعلنت الحكومة الماليزية أنها لن تقبل باللاجئين بسهولة وقالت أنه إذا دخل أي شخص إلى البلاد بشكل غير قانوني سوف يعتقل، ويحاكم ويطرد إلى المياه الدولية أو إلى بلده الأصلي. ولكن بعد الضغط المحلي والعالمي وافقت ماليزيا على السماح بالدخول لبضعة آلاف من العالقين في البحار، ومنحهم ملجئاً مؤقتا. ويعتقد أنه ما زال هناك ما يقارب 2500 إنسان من الروهينجا في عرض البحر على متن قوارب الموت، ومعهم مؤنٌ آخذة بالنفاد نتيجة لقلة الجهد المبذول من الحكومات المحيطة للعثور عليهم وإنقاذهم.


أخواتي العزيزات: إن الاتفاقية التي توصلت إليها الحكومتان الإندونيسية والماليزية من إعطاء 7 آلاف روهينجيا حق اللجوء السياسي لمدة عام واحد لا يقدم سوى القليل من الراحة لإخواننا وأخواتنا. ماذا بالنسبة للآلاف من المسلمين الذين يفرون من بورما كل شهر نتيجة الاضطهاد؟ ماذا بالنسبة للسبعة آلاف الذين أعطوا اللجوء لعام واحد والذين يتوقع أن يُعادوا إلى المياه الدولية أو العودة إلى التعذيب والاضطهاد في بورما؟ وماذا بالنسبة للروهينجا المسلمين الذين مضى على وجودهم في ماليزيا سنين طويلة وما زالوا يعاملون كمهاجرين غير شرعيين ويمنعون من الحصول على وظائف لائقة أو تعليم حكومي أو رعاية صحية، مما يضطرهم إلى العمل كالعبيد في المزارع أو غيرها، أو حتى التوسل في الشوارع للبقاء على قيد الحياة. كم هذا فظيع والحق سبحانه يقول ﴿إِنَّمَا ٱلمُؤمِنُونَ إِخوَةٌ﴾ [الحجرات: 15]. ويقول رسول الله ﷺ «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه».


الأخوات الكريمات... يجب أن لا نضع ثقتنا في منظمة دول جنوب شرق آسيا لحل أزمة أطفال ونساء الروهينجا. لقد حاولت ماليزيا، البلد المضيف لمؤتمر المنظمة لهذا العام، حاولت نيل العطف من أعضاء المنظمة لمساعدتها في معالجة الأزمة. ولكن هذا الهدف مستحيل لأن من مبادئ هذه المنظمة هو عدم التدخل في الأمور الداخلية للدول الأعضاء. ولكن في الحقيقة إن هذه المنظمة قد وقعت عام 2009 على تأسيس لجنة تدخل من أجل حماية حقوق الإنسان. ونص دستورها على أن المنظمة تحمي حقوق الإنسان وتسعى لتحقيق السلام والاستقرار في جنوب شرق آسيا. والواقع أن هذا الكلام هو حبر على ورق، مع غياب الإرادة السياسية أو الوسائل العملية التي تستطيع من خلالها إجبار الدول على تبني مثل تلك الحقوق الإنسانية، والدليل أنه لم يحصل حتى الآن أي جهد جاد من الدول الأعضاء في المنظمة لوقف مأساة الروهينجا المسلمين. ومؤخرًا أثناء عقد مؤتمر المنظمة، قامت ميانمار بتقديم قانون تحديد النسل الصحي، الذي يضع قيودا على الإنجاب عند الروهينجا، ومع أن هذا القرار واجه المعارضة، إلا أن ميانمار ماضية في تطبيقه، وما زالت المنظمة عاجزة عن منع ميانمار من تطبيق سياسات اضطهادية أخرى مثل قانون "حماية العرق والدين" الذي وافق عليه البرلمان البورمي، والذي يحظر تغيير الدين وتعدد الزوجات وغيرها من الممارسات التي تؤثر على المسلمين. لقد فشلت الدول الأعضاء في المنظمة في اجتماعها في تايلاند يوم 29 أيار/مايو على إجبار ميانمار تحمل مسوؤلية سيل المهاجرين من أراضيها نتيجة لسياستها الاضطهادية ضدهم. إذا كانت هذه هي الحالة، فكيف تتوقع المنظمة وأعضاؤها أن توقف بورما اضطهادها وظلمها للأقلية المسلمة عندها؟! بالرغم من كل هذا الاضطهاد للروهينجا، فقد أُعطيت بورما زعامة منظمة دول جنوب شرق آسيا لعام 2014. في الواقع إن هذه المنظمة هي هيكل هش لا يستطيع القيام بأي شيء لمساعدة الروهينجا وإنهاء معاناتهم، فما هي إلا أداة في يد الغرب لتطبيق أجنداتهم الاقتصادية ورعاية مصالحهم في المنطقة.


أيتها الأخوات: إن أخواتنا الروهينجا وأطفالهن لا يحتجن فقط لحماية مؤقتة أو لمساعدات إنسانية. إنهن بحاجة للحماية والأمن والحقوق والعيش الكريم، مثلهن مثل أي إنسان آخر على وجه الأرض. إنهن بحاجة إلى مسح دموعهن ونسيان معاناتهن الطويلة وللأسف فإن هذا لن يحدث ولن يتحقق على أيدي منظمة جنوب شرق آسيا أو أي كيان غربي آخر. إنه واجبنا نحن المسلمين، حماية إخواننا وأخواتنا وهو فرض علينا بوصفنا مؤمنين أن نحميهم وندافع عنهم ونرفع الظلم عنهم. قال رسول الله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه».

سمية عمار
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير / ماليزيا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني