المرأة المعيلة بين الحاجة والاستغلال
November 02, 2013

المرأة المعيلة بين الحاجة والاستغلال

خلق الله المخلوقات وجعل لكل مخلوق وظيفته المنوطة به، والتي لا يمكن لغيره أن يقوم بها مثله، فخلق الذكر والأنثى ولكل دوره. ونظر الإسلام للمرأة بكل أدوارها نظرة تكريم وإعزاز، وأعطاها حقوقا تبقى ثابتة طالما طبقت الأحكام الشرعية، فقد خفض لها جناح الرحمة والرعاية في أمر الأعباء الاقتصادية، فكفل لها من أسباب الرزق ما يصونها عن التبذل ويحميها من عناء الكدح في الحياة، فأعفاها من كافة أعباء المعيشة وألقاها على كاهل الرجل حتى لو كانت موسرة ولها مالُها وثروتها.


ولكننا اليوم وضمن الحرب المسعورة على الإسلام فإنهم يدّعون أن تحرير المرأة لا يتوافق مع الاعتماد الاقتصادي على زوجها. وأن تحديد أدوار كل من الرجل والمرأة ما هو إلا قمع لاحترام المرأة وحريتها. فبالتالي أجبر هذا الادعاء المرأة على أن تعمل كل شيء، فمطلوب منها تحمل أعباء المنزل والأولاد وكذلك العمل لتأمين نفقاتها ونفقات العائلة ماديا، مما أفقدها حق الرعاية والإعالة سواء على مستوى الأسرة أم المجتمع أم الدولة؛ مما أثر بشكل كبير على بناء الأسرة وعلى العلاقات الزوجية والأسرية، وعلى المرأة نفسها التي زادت الضغوط عليها مما أشعرها بالإحباط والاكتئاب بما يمكننا وصفه بالقمع الاجتماعي النفسي والعاطفي.


وسنتناول هنا إحدى الظواهر المنتشرة حاليا، وهي ظاهرة المرأة المعيلة التي تُعيل نفسها أو أسرتها بمفردها دون وجود رجل سواء أكان زوجًا أم أبًا أم أخًا، فهي المصدر الوحيد لدخل الأسرة؛ إما عن طريق وفاة المعيل أو الطلاق أو الهجر أو البقاء بدون زواج، أو حتى بوجود الزوج الذي يستغلها. وتختلف المشكلات التي تواجه هؤلاء النسوة باختلاف المجتمعات والأعراف والعادات والتقاليد وظروف العمل وأنماطه. وسنأخذ مثالين لتوضيح وضع مثل هؤلاء النساء اللواتي يعشن في أنظمة رأسمالية جشعة تنظر لهن فقط كآلات لدرّ الدخل والربح فقط، حتى لو كان على حساب آدميتها وصحتها وحقوقها..


فمثلا في الأردن كشفت دراسات هناك، أن الأسرة التي تعيلها امرأة معرّضة للوقوع في الفقر أكثر من الأسرة التي يعيلها رجل، وعزت هذا الفقر إلى أسباب عدة، منها انخفاض المستوى التعليمي، وعدم حصولهن على تأهيل مهني، فما نسبته 86% تقريباً لم ينلن تعليماً يؤهلهن لامتهان وظائف أو أعمال مأجورة، كما أن 84% تقريباً لم يتلقّين أي تدريب مهني. وإن مشكلة النساء المعيلات لا ترتبط فقط بتوفير سبل الحياة الكريمة لهن ولأولادهن ولكنها تفرز مشاكل عديدة أولها اعتلال صحة المرأة‏، وتثبت الدراسات أن ‏20%‏ من النساء المعيلات يعانين من أمراض مختلفة سواء جسدية أو نفسية، كما أن ‏38%‏ من هذه الأسر يضطر أطفالها إلى الانخراط في مجال العمل‏‏ لمساعدة الأمهات‏، فيظهر هنا أثر غياب الدولة الراعية، فلو كانت هناك دولة ترعاهم لما اضطرت المرأة والأطفال أن يخرجوا للعمل، بل تقوم الدولة برعايتهم وتأمين احتياجاتهم والإنفاق عليهم.


ولو نظرنا بشكل عام إلى النساء العاملات في الأردن لوجدنا - وحسب دائرة الإحصاءات العامة - أن النسبة الأكبر من النساء العاملات هن متزوجات بنسبة 56.4%، تلاها النساء العزباوات بنسبة 39.5%، ومن ثم المطلقات بنسبة 2.3%، وأخيرا الأرامل بنسبة 1.8. وتشير جمعية معهد تضامن النساء الأردني "تضامن" إلى أن تلك الأرقام تؤكد على أن الأعباء الاقتصادية والظروف المعيشية وارتفاع تكاليف الحياة اليومية للأسر دفعت بالعديد من الأزواج إلى عدم الممانعة بعمل زوجاتهم من أجل زيادة دخل الأسر، وبالتالي مساهمتهن في تخفيف الأعباء المالية عن أزواجهن.. ولكن وكما جاء في تقرير "تضامن" فقد أصبح العديد من الأزواج يعتمدون على دخل زوجاتهم ورواتبهن ويعزفون عن العمل بأنفسهم وكأن مهنتهم أصبحت أنهم أزواج نساء عاملات!


وتضيف "تضامن" بأن العنف ضد النساء العاملات يتخذ شكلاً جديداً بظاهرة استيلاء الأزواج على رواتب زوجاتهم الآخذة في الانتشار بشكل كبير وبطرق مختلفة كالابتزاز والخداع إن لم تكن بالإكراه، وقد وصل الأمر ببعضهم إلى استلام بطاقات الصراف الآلي لسحب رواتب الزوجات فور صرفها، والاقتراض من البنوك لشراء العقارات والسيارات بأسمائهم على أن يكون السداد من رواتب الزوجات، وإذا ما وقفت الزوجات بوجه هذه التصرفات تبدأ الخلافات الزوجية بالتهديد بمنعهن من العمل أو تنتهي بالطلاق، وهذا في كل مكان وليس في الأردن وحده.. وتعاني منه العديد من النساء العاملات اللواتي لا يأخذن من دخلهن إلا "مصروف جيب" يعطيهن إياه الأزواج أو حتى الإخوة وبعض الآباء وكأنهن يتسوّلْنَهُ منهم! وكم من فتاة عضلها أهلها ومنعوها الزواج حتى لا يفقدوا دخلها وراتبها بدل أن ينفقوا عليها هم.. والله تعالى يقول في كتابه العزيز: ((وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)).


وما هذا إلا لبعد الناس عن أحكام الإسلام وغياب الدولة الراعية التي تحمي حقوق المرأة، فإن هذا الأمر لا يجوز شرعاً؛ لأن الرجل هو المسئول عن زوجته، والإنفاق عليها من واجباته الشرعية التي اختصه بها وحده المولى عزّ وجل، وإذا أرادت أن تشاركه في الإنفاق برضاها فهو جائز، وما دام الزوج راضيا عن عمل زوجته منذ البداية فلا يجوز له أن يأخذ من راتبها إلا برضاها وبموافقتها، لقوله الله عز وجل: ((فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا)).


ومن الأردن واستغلال الأزواج نذهب إلى المغرب وغياب الأزواج.. نذهب إلى سياج مليلية الحدودي، الجدار الفاصل بين المغرب ومدينة مليلية المحتلة... هذا السياج الذي شيد من قبل إسبانيا، وغرضه المعلن هو وقف الهجرة غير الشرعية وتهريب السلع.. يأتي له كل صباح ما ينيف عن الـ50 ألفا من النشطين المستقرين بالجوار والمتعاطين لمهن مختلفة.. أكثر من نصفهم إناث يلجن إلى ما وراء السياج المزدوج المحيط بالمدينة بحثا عن لقمة العيش ممتهنات التهريب بمعبر "باريو تشينو" الرابط بين ترابي بني أنصار ومليلية... نعم آلاف النسوة يعبرن يوميا في سفر مريع يستندن خلاله على أقدامهن مقوسات الظهر وهنّ محمّلات بحزم بضائعية تقارب في وزنها الثمانين كيلوغراما!


ونرى هناك "ربيعة" التي تستفيق كلّ يوم عند حلول الساعة الرابعة صباحا لتلتحق بهذا المعبر.. فالسيدة التي جاوز عمرها الواحد والأربعين تُعيل أسرة من ثلاثة أبناء، "كان زوجِي يشتغل في نقل السلع المهرّبة من مليليّة، وحين فارق الحياة بعد حادث سير، لم أجد من حلّ لإعالة نفسي وأبنائي سوى تعويضه في ما كان يقوم به"... ربيعة هذه واحدة من النساء الـ12.000، وفقا لتقديرات الإسبان، اللواتِي يحملن لقب "النساء البغلات!" بمعبر "بَاريُو تْشِينُو"، وهنّ إناث يعملن كما ذكرنا في حمل حزمات السلع التي قد تصل كتلة الواحدة منها إلى 80 كيلُوغراما مقابل أجرة ما بين الـ3 والـ30 درهما حسب الحجم!! أي في أحسن الحالات 150 درهما في اليوم لإعالة أسرتها والوفاء بالتزامات الكهرباء والماء، متعرضات لمختلف أنواع العنف والإهانة والذل والاستغلال والتحرش على هذا المعبر.. يقاومن رجال الأمن الإسباني، ويخترقن الحواجز بعنف، حتّى يتمكّن من ولوج جانب التواجد المغربي قُبيل لحظات من إغلاق الحدود في وجه المُهرّبين، مُتحمّلات هراوات الحرس المدني في سبيل الحصول على 50 درهما... كل هذا والحكومة المغربية لاهية عن مليلية وسبتة وعن قضايا أهل المغرب، فكيف ستهتم بنساء مثل هؤلاء يعشن في هذا الوضع المزري المخجل لكل صاحب ذرة من إحساس إنساني!!


إن ما ذكرناه هنا كمثالين عن وضع النساء المعيلات البائس هو دليل على التأثير المهين للأنظمة الرأسمالية التي نرزح تحتها، والتي يتم التعامل مع المرأة فيها على أساس فلسفة مادية صرفة؛ فهي تكدح لتأمين نفقاتها ونفقات عائلتها حتى لو كان هذا في ظروف مهينة بائسة أو على حساب كرامتها وإنسانيتها وراحتها.. وأين هذا من الإسلام الذي لم يفرض عليها العمل ولم يطلبه منها بل جعله في دائرة خياراتها إن أرادته وفي ظروف آمنة كريمة حيث تكون مكانتها دائما محفوظة وكرامتها مصونة، وحرم استغلالها أو استغلال جمال المرأة وجسدها أو أي شيء يمس بكرامتها، الإسلام الذي لا يقبل بأن تعمل تحت ظروف من الاستعباد أو الذل أو الاضطهاد... الإسلام الذي جعل نفقتها حقًّا لها عند الرجل ونصيبًا مفروضًا في ماله وليست تفضلاً أو منّة منه. يقول الله تعالى: ((لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ)) ويقول صلى الله عليه وسلم: «ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف»، فنفقتها واجبة على أبيها أو أخيها أو زوجها أو ولدها أو أقاربها الوارثين لها. فإن لم يكن لها قريب قادر على الإنفاق عليها، فنفقتها واجبة على الدولة... أين منا عمر بن الخطاب الذي قال له أحدهم عندما وزع المال عليهم من بيت مال المسلمين "جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين"، فقال له "ما بالهم نعطيهم حقهم ويظنونه مني منة عليهم"! إن كان هذا الحال مع الرجال فكيف بالنساء القوارير!!


اللهم عجل لنا بتحكيم شرع الله على الأرض لتعود الكرامة والعزة والرفاهية بإذنه تعالى..



كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم صهيب الشامي

المزيد من القسم null

في 30 سبتمبر 2013، أعلن رئيس وزراء تركيا رجب طيب أردوغان، عن حزمة إصلاحات ديمقراطية جديدة في البلاد. وكان أحد أهم التغييرات التي جاءت في الحزمة هو الرفع الجزئي للحظر القمعي للخمار (غطاء الرأس) عن موظفات القطاع العام في المؤسسات العامة، والذي تعرضت له النساء المسلمات لعقود عدة. وقد قدم رئيس الوزراء التوضيح التالي: "سنرفع الحظر المفروض على ارتداء الخمار في المؤسسات العامة عن طريق تغيير قانون اللباس. إن قانون "الهندام العام" الخاص بالموظفين العاملين في القطاع العام، تضمن بنودًا تقيد من حرية كل من النساء والرجال. وهو ما يعدّ انتهاكًا لحرية الفكر والعقيدة، ولحقوق العمل، وشكلًا من أشكال التمييز. ويتم استثناء اللواتي يتعين عليهن ارتداء ملابس رسمية، بمن فيهن العاملات في القوات المسلحة التركية، والشرطة، فضلًا عن القاضيات والمدعيات العامات". وهذا يعني بقاء الحظر ساريًا على العاملات في الجيش والشرطة والقضاء.


قد يشعر البعض أن هذا سببٌ يستوجب تقدير النظام الديمقراطي العلماني في تركيا والثناء عليه. إلا أنه ينبغي علينا أن نتذكر أن هذا الحظر قد تم تنفيذه في المقام الأول في ظِل النظام العلماني، وأنه ظَل ساري المفعول لسنوات عديدة تحت النظام الديمقراطي في تركيا، والذي بموجبه أجبرت الآلاف من النساء المسلمات للكفاح من أجل التزامهن بفرض من فرائض الإسلام الواجبة عليهن. ولا يزال الزي الإسلامي تحت نفس هذا النظام الديمقراطي العلماني، ممنوعًا في مختلف قطاعات المجتمع التركي. كما أنه تحت هذا النظام نفسه قد صدر حظر الخمار والنقاب في كل من فرنسا وبلجيكا وإيطاليا ودول علمانية غربية أخرى. فكيف يمكن لهذا الرفع الجزئي لحظر الخمار أن ينظر إليه باعتباره سببًا للاحتفال بالنظام الديمقراطي العلماني؟


فإذا كانت الديمقراطية نظامًا مفيدا حتى يتم تقديمه للنساء المسلمات، فلماذا تضطر الآلاف من النساء في الأنظمة الديمقراطية إلى الخروج إلى الشوارع والكفاح من أجل حقوقهن؟ إن الديمقراطية هي النظام الذي يتم تفسيره وتطبيقه تمامًا وفقا لأذهان أصحاب السلطة، وبالتالي فهو نظامٌ عارٍ على الإطلاق من أية موثوقية أو نزاهة. وإذا كان ممكنًا باسم الديمقراطية ارتكاب الكثير من الظلم ضد المرأة المسلمة، فما الذي يضمن أن الديمقراطية لن يتم إعادة تفسيرها من قبل السياسيين في المستقبل من أجل سحب هذه الحقوق الأساسية التي منحت للنساء مرة أخرى؟ وإذا كانت الديمقراطية تمتلك البنية الأساسية لتوفير العدالة للبشرية، فهل هذا يعني أن النساء المسلمات اللواتي يعشن خارج تركيا، في معابد الديمقراطية في فرنسا وبلجيكا وروسيا وكندا والعديد من الدول الغربية الأخرى حيث يفرض حظر اللباس الإسلامي بالقوة، هن لسن جزءًا من الإنسانية؟ ففي ظل مثل هذه الدول الديمقراطية العلمانية، حرمت النساء والفتيات المسلمات من الحصول على التعليم الجيد، ومن العمل، والرعاية الصحية، وحتى القدرة على التحرك بحرية داخل مجتمعاتهن، وذلك لمجرد أنهن رغبن في ممارسة معتقداتهن الدينية الراسخة؛ بعد أن تم الحكم على حقوقهن بكل وضوح بأنها تافهة وعديمة الأهمية!


وعلاوة على ذلك، فإنه ينبغي علينا أن نفهم أن حزمة الإصلاحات الديمقراطية هذه، وكما هو واضح من اسمها، لا تهدف إلى الامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، لأنها لا تزال تمنع النساء اللواتي يخدمن في القوات المسلحة التركية، وفي الشرطة والنظام القضائي من الالتزام بارتداء اللباس الذي أوجبه الله عليهن. وبالإضافة إلى ذلك، مع استثناء المدارس الثانوية الإسلامية، فإن الخمار للفتيات المكلفات شرعاً لا يزال محظورًا في جميع المدارس الأخرى. فإذا كانت هذه الحزمة الديمقراطية تجسد العدالة، فلماذا لم تشمل هذه العدالة هؤلاء النساء والفتيات أيضًا؟ وهذا يدل مرة أخرى على أن الديمقراطية هي نظام بشري مستند إلى القوانين الوضعية، وعلى هذا النحو فإنها تقف دائمًا في تناقض حاد مع نظام الله وستظل دائما معادية له. وعلاوة على ذلك، فإن النساء في تركيا الديمقراطية لا زلن يواجهن مستويات وبائية من العنف فضلًا عن الاستغلال الاقتصادي داخل مجتمعهن، وكذلك تعانين من معدلات الفقر المرتفعة والأزمات الاقتصادية، وهي المشاكل التي ما زالت لم تُحلّ لملايين النساء في جميع أنحاء العالم تحت النظام الديمقراطي العلماني. لذلك، فإن تقديم الرفع الجزئي لحظر الخمار من خلال هذه الحزمة الديمقراطية كما لو أنها قد رفعت القهر عن النساء المسلمات في تركيا واعتبارها نعمة موهوبة للمسلمين، هو خداعٌ ووهمٌ كاذب! وفي الواقع، فإن أي شيء آخر سوى التطبيق الكامل للإسلام سيؤدي حتمًا إلى ظلم المرأة والرجل على حد سواء، فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَن لَّمۡ يَحۡڪُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَـٰٓٮِٕكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ)) [المائدة: 45]


وفوق ذلك فإن تركيا الديمقراطية، حتى في ظل حكم حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية، تبقى هي الدولة التي لا تزال فيها النساء اللواتي يأمرن بالمعروف وينهين عن المنكر ويعملن لإقامة حكم الله، وإعادة الخلافة، فتواجهن الاضطهاد والسجن. فلا هن، ولا أزواجهن، ولا إخوانهن، ولا آباؤهن أو أبناؤهن، سينالون أية فائدة من حزمة التحول الديمقراطي هذه. إن حزب التحرير، وهو حزب سياسي عالمي مبدؤه الإسلام ولا يستخدم العنف في عمله ويعمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة، فإنه ما زال محظورًا في إطار القانون الديمقراطي في تركيا. ولا يزال أعضاؤه يعتقلون بتهمة الانتماء إلى منظمة إرهابية، على الرغم من أن أسلحتهم هي فقط أصواتهم والعبارات التي تدعو إلى التطبيق الكامل للإسلام.


ولذلك فإن هذه الحزمة الديمقراطية ليست أكثر من حبوب مسمومة؛ يجبر السكان المسلمون في تركيا على ابتلاعها، وهي تخدم فكرة الحرية الشخصية في حين تضع طاعة الله سبحانه وتعالى في آخر اهتماماتها. إن الرفع الجزئي لحظر الخمار تبعته حملة "10 مليون توقيع للخمار" التي بدأت في بداية عام 2013، وحملة العصيان المدني التي حصلت بدعم من اتحاد نقابة الموظفين العموميين ميمور سين منذ آذار/مارس من هذا العام. وبالتالي فإن الهدف من تمرير مثل هذه القوانين هو بكل وقاحة لإيهام المسلمين بأن حقوقهم بممارسة الأحكام الإسلامية يمكن تأمينها من خلال العملية الديمقراطية ونظامها، وأنه ليست هناك حاجة لتطبيق نظام الله سبحانه وتعالى في الحكم حتى يعيشوا حياة إسلامية جيدة أو لتنظيم شؤون دولتهم. ومع ذلك، فإن الشمس لا يمكن أن تغطى بغربال! فمقارنة نظام الله سبحانه تعالى المثالي والسامي في حماية وضمان مبادئ الإسلام وتنظيم شؤون البشر، بالنظام العلماني الديمقراطي المعيب والفاسد والذي يسبب تعاسة لا توصف للنساء والرجال، للمسلمين وغير المسلمين على حد سواء، هو مثل مقارنة النور بالظلام. فالله سبحانه وتعالى يقول: ((وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ (١٩) وَلَا ٱلظُّلُمَـٰتُ وَلَا ٱلنُّورُ (٢٠) وَلَا ٱلظِّلُّ وَلَا ٱلۡحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسۡتَوِى ٱلۡأَحۡيَآءُ وَلَا ٱلۡأَمۡوَٲتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُسۡمِعُ مَن يَشَآءُۖ وَمَآ أَنتَ بِمُسۡمِعٍ۬ مَّن فِى ٱلۡقُبُورِ (٢٢) إِنۡ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ)). [فاطر19-23] .


وعلاوة على ذلك، فإن حزمة الديمقراطية هذه لا تقدم أي حل للتعذيب والظلم والقهر، والذبح الذي تواجهه النساء المسلمات في جميع أنحاء العالم كما هو الحال في بورما وأفغانستان وفلسطين وكشمير وآسيا الوسطى، وباكستان، والصومال، وسوريا (جارة تركيا)، وهو واجب على هذه الأمة، وعلى أية دولة تمثل الإسلام حقًا أن تسرع في معالجته. ولكن بدلًا من ذلك، نرى استمرار الحفاظ على مبادئ تركيا القومية الفاسدة في البلاد؛ تلك المبادئ التي تجعل قادتها يديرون ظهورهم للمسلمين من الدول الأخرى في الوقت الذي هم في أمسّ الحاجة إليهم، ويعتبرونهم أجانب بدلًا من كونهم إخوة وأخوات لهم في الإسلام، فلا يحركون ساكنا لوقف إراقة دمائهم وإنهاء معاناتهم.


لذلك، فإنه بغض النظر عن عدد الحزم الديمقراطية القادمة، فإن هذا النظام لن يستطيع أبدًا أن يكون نظامًا عادلَا يزيل الظلم عن بنات هذه الأمة، أو يمكنهن من أداء كل الفرائض التي أوجبها الله عليهن والعيش وفقًا لأوامر خالقهن سبحانه وتعالى. والديمقراطية لن تكون أبدًا النظام الذي يوفر الحياة الكريمة لهذه الأمة، أو يحل المشاكل التي تواجها البشرية. وعلاوة على ذلك، فإن رمي الفتات لمسلمي تركيا لا يمكن أن يرضي رغبتهم في التغيير الإسلامي الحقيقي الذي يسعون إليه أو امتصاص غضبهم إزاء التقاعس عن حماية دماء أبناء أمتهم.


إن السبيل لحل مشاكل المرأة المسلمة وكل الناس لا يتوصل إليه من خلال الديمقراطية، بل فقط من خلال الإسلام. وفي الواقع، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبرنا بقدوم مثل هذه الأنظمة غير الإسلامية وكيف ينبغي لنا أن نواجهها. فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ألا إن رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا إن الكتاب والسلطان سيفترقان فلا تفارقوا الكتاب، ألا إنه سيكون عليكم أمراء يقضون لأنفسهم ما لا يقضون لكم إن عصيتموهم قتلوكم وإن أطعتموهم أضلوكم، قالوا: يا رسول الله كيف نصنع؟ قال: كما صنع أصحاب عيسى ابن مريم نشروا بالمناشير وحملوا على الخشب، موت في طاعة الله خير من حياة في معصية الله». [الطبراني، المعجم الكبير، المعجم الصغير].


إن دولة الخلافة، وحدها التي يمكنها أن تضمن حق المرأة المسلمة في ممارسة عقيدتها الإسلامية وأداء جميع فرائضها وواجباتها الإسلامية، بما في ذلك الالتزام بلباسها الإسلامي - الخمار والجلباب - دون مضايقة، أو خوف أو تمييز، لأن الخلافة القادمة بإذن الله ستكون على منهاج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فقد أجلى صلى الله عليه وسلم قبيلة بنو قينقاع بأكملها، انتصارا لامرأة مسلمة. فالخلافة وحدها هي التي ستتعامل بأقصى درجات الحزم والشدة مع أي انتهاك لكرامة المرأة أو أي عمل من أعمال العنف أو الإساءة التي تضر بها، وتفرض عقوبات قاسية على كل من يعتدي عليها ويضر بها جسديًا أو يسيء لسمعتها. وستقوم الخلافة بحشد الجيوش للدفاع عن دماء وكرامة بنات هذه الأمة في سوريا وبورما وتحريرهن من الظلم الواقع عليهن. تمامًا كما فعل الخليفة المعتصم الذي أرسل جيشًا ضخمًا استجابةً لنداء امرأة مسلمة استنجدت به كانت قد اعتقلت وأهينت من قبل الرومان. فنظام الخلافة وحده هو الذي يلزم الحاكم أن يكون راعيًا لشعبه وبالتالي يتحمل الحاكم الأعباء الاقتصادية للمرأة على ظهره، ويضمن تمتعها بحياة آمنة ومستقرة ماليًا، وينقل لها المواد الغذائية بيديه إذا كانت جائعةً كما فعل الخليفة عمر بن الخطاب مع المرأة الفقيرة وأطفالها في المدينة المنورة. إنه فقط في ظل الخلافة يمكن للمرأة المطالبة بالعدالة دون التعرض للاضطهاد أو الإهانة أو الاعتقال، لأنها هي الدولة التي سوف تشجع النساء على أن يصبحن ناشطات سياسيًا، وستسهل عليهن، بدلًا من محاربتهن، أداءَ واجبهن الإسلامي في محاسبة الحاكم وستثمن آراءهن السياسية حق التثمين. ويعود هذا إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو أحد الفرائض الأساسية التي أوجب الله سبحانه وتعالى على المسلمين والمسلمات القيام بها، قال تعالى: ((وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٍ۬‌ۚ يَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ)) [التوبة: 71].


ولذلك فإن النساء في ظل الخلافة سيصبحن قادرات على المطالبة بحقوقهن التي منحهن الله سبحانه وتعالى إياها، وسيتم تكريمهن لأدائهن هذا الواجب وذلك كما كان أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فعندما أعلن عمر أنه يريد تحديد المهور، وقفت امرأة ورفعت صوتها أمام الملأ وانتقدت قرار عمر رضي الله عنه علانية، قائلة: "ليس ذلك لك يا عمر. كيف تقولها والله تعالى يقول: ((وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا)). فقال عمر: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"، وتراجع على الفور عن قراره.


إن كل هذا مكفول وفقًا لقوانين الله سبحانه وتعالى، ولكن فقط من خلال تطبيقها بالكامل تحت النظام الإسلامي لدولة الخلافة، فإن هذا النظام وحده، الذي شرعه الله سبحانه وتعالى هو الذي يمكنه ضمان العدالة الحقيقية واتخاذ التدابير الحقيقية والفعالة ضد اضطهاد المرأة والبشرية جمعاء.


أخواتي العزيزات في الإسلام! إننا في حزب التحرير ندعوكن لدراسة كتبنا المفصلة الشاملة وكذلك مشروع دستور دولة الخلافة الذي أعده الحزب، لكي تدركن بالتفصيل مكانة المرأة وحقوقها في ظل حكم الإسلام. وإننا ندعوكن أخواتي العزيزات، وأنتن اللواتي ترغبن بصدق في الفلاح في الدنيا، وفي الآخرة، بأن تنأين بأنفسكن عن الأفكار والمفاهيم غير الإسلامية وعن تطبيق أي مبدأ غير الإسلام في حياتكن، وندعوكن بأن تعتصمن بحبل الله سبحانه وتعالى وتتبعن سبيله. قال تعالى: ((وَأَنَّ هَـٰذَا صِرَٲطِى مُسۡتَقِيمً۬ا فَٱتَّبِعُوهُ‌ۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦ‌ۚ ذَٲلِكُمۡ وَصَّٮٰكُم بِهِۦ لَعَلَّڪُمۡ تَتَّقُونَ)) [سورة الأنعام: 153].

أم خالد
عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

اشتهر شعب السودان بين الشعوب الإسلامية الأخرى بحبه الشديد للإسلام والمسلمين، واشتهر بتمسكه القوي بأحكام الله سبحانه وتعالى وبحفظ القرآن الكريم وتعلمه، وانعكس ذلك في سلوكهم وأصبح رأيًا عامًّا في البلاد؛ مثل بر الوالدين واحترام الأعمام والأخوال ووجهاء القبائل وصلة الرحم والسؤال المستمر عن الأهل والجيران والأصدقاء وكرم الضيافة والبساطة وجعل "الحالة بين البيوت واحدة"، فلا يـأكل أحدهم إن كان أهله أو جيرانه جياعًا؛ فالإيثار سجية يسارع إليها الناس، وتوزيع الأكل والشرب على الجيران وتبادل الزاد لترسيخ المحبة بين الناس وتبادل الهدايا في الأعياد بقلوب صافية، فلا حسد ولا تباغض بين المسلمين وبين غير المسلمين هنا، فالجميع يعيش في طمأنينة، وكالاحترام المتبادل بين مختلف الأعمار، فلا يوجد صغير لا يحترم الشيخ الكبير، والاحترام سائد بين الرجال والنساء في الأسرة وفي المنطقة وفي المجتمع عامة، فارتداء الزي الشرعي الصحيح للفتيات وعدم الاختلاط هو الأصل بين الرجال والنساء الأجانب، وغض البصر واحترام الشاب للفتاة وتحمل مسؤولية حمايتها إن كانت من منطقته أو غيرها، فهي العرض الذي يجب أن يصان، وهو الرجل الشهم الذي يُعتمد عليه ليصون أمانات الله تعالى والمجتمع، وكان أهل السودان يحرصون على الزواج المبكر وتربية البنت على احترام الزوج وطاعته، وهذا أمر مفروغ منه لأنه حكم شرعي أصبح عرفًا عامًّا في البلاد، وكما ينشأ الصبي على صفات الرجل القوي؛ فهو الذي يشد من عضد والده ويبر أمه ويحترم أهل زوجته الطيبة ويؤدي لها كامل الحقوق والواجبات.


كما عُرف أهل السودان بالقدرة على الصبر عند الابتلاء والشفافية في المعاملات والطيبة والصبر على الأذى ومقابلة السيئة بالحسنة لعل الله يتقبل منهم؛ فهم العافون عن الناس والكاظمون الغيظ.. واشتهر المسلمون في السودان بحبهم النقي للمسلمين وفهمهم لرابطة العقيدة الإسلامية وشوقهم لتحرير فلسطين ولوحدة المسلمين، ولم يكن ذلك على المستوى الفردي أو على مستوى المجتمع، بل كان حتى على مستوى الحكم والبلد، حيث لم يرض الناس إلا بحاكم يطبق عليهم الشريعة ليطيعوه ويقبلوا به!


فكانت كل فئات المجتمع على قلب رجل واحد؛ فالهمة في العمل والإحسان في الإيمان والسعي نحو الأفضل دائما وحب العلماء واتخاذهم نماذج مشرقة من سمات الطيبين والطيبات، ولم تكن المنفعة يوما هي المتحكمة في أفكار ومفاهيم الناس..


إلا أن هذا كله قد تغير الآن! فعلى مدى عشرين سنة كشّرت الحكومة عن أنيابها وضيعت الدين ورهنت رقاب المسلمين للغرب الكافر!


فتدهورت الأوضاع الاقتصادية تدهورًا كبيرًا في السنوات الأخيرة أثر وبقوة على المجتمع في السودان وعلى أهله الطيبين؛ فأصبحت هذه القيم السامية التي عكست الهوية الإسلامية التقية النقية لأهل السودان أصبحت قيمًا لا مكان لها في بلد حكمه نظام رأسمالي فاشل أدى إلى انحطاط الفكر في السودان وإلى البعد عن الإسلام، فعمل النظام على نشر الأفكار الفاسدة، وأصبحت المنفعة أساس التعامل في العلاقات بين الناس؛ حيث جندت حكومة المؤتمر الوطني الكثير من الشباب والفتيات لكسب ولائهم، فأغرتهم بالأموال والبيوت والسيارات والوظائف، فتحولت نفسيات الناس الطيبة إلى نفسيات تلهث وراء الثروة والشهرة والتبعية للنظام الحاكم في البلاد، كما تسبب النظام في تفسخ العلاقات، حتى داخل الأسرة الواحدة، من خلال دعم المنظمات النسوية التي توسوس للبنات بالخروج عن طاعة الوالد والزوج ومنع الزواج المبكر ورفع كل الحواجز بين الرجال والنساء؛ فخلعت البنت يدها وحلت محل العفة والاحترام مفاهيمُ هدامةٌ كالحداثة والتحرر في العلاقة بين الرجل والمرأة والمساواة، فتغيرت نظرة الرجل إلى المرأة وتغيرت نظرة المرأة إلى نفسها، فأصبحت تقيس نجاحها على أساس جمالها، وأصبح الرجل يقيّمها على أساس هذا الجمال وليس عقلها ودينها وخلقها!


فلقد تغير المجتمع في السودان وتغير الأشخاص وتغيرت الشخصيات لأن المفاهيم السائدة قد تغيرت! فعندما تصبح المنفعة المادية أساس الأفكار ويغيب الخوف من الله تعالى يتبدل السلوك إلى الأنانية والجشع. فبسبب الأوضاع الاقتصادية ضاع مفهوم الرحمة والإيثار؛ لأن الحاكم الذي يرعى شؤون الناس غير موجود، فلقد زرع النظام القسوة بين الناس والبعد عن الدين بسبب فساد النظام على جميع الأصعدة! واستخدم النظام أساليب قمعية لإسكات الناس وتكميم أفواههم ليصمتوا على سياسات الحكومة الفاشلة كانفصال الجنوب والرحيل بالنفط والعجز في ميزانية الدولة بسبب نهب الثروات، وجعل المواطن يتحمل تبعيات فساد النظام المتهور!


وسبّب ذلك الإحباط لأبناء السودان الذين يصلون الليل بالنهار لتحصيل لقمة العيش، ولا يزال الكثير منهم يعيشون على حافة العوز والفقر المدقع! فظهرت الآن على المجتمع صفات سلبية؛ ككثرة التأفف وقلة الصبر، وانعدام الاحترام وكثرة الانتهازية، والكسل واستسهال الحرام، والخوف من النظام الجائر وعدم محاسبته، بل مجاراته، والاستفادة قدر المستطاع منه حتى" تمشي الأمور"! فتبدلت صفات الشهامة والمسؤولية بالتهرب، وانتشرت أساليب النصب والاحتيال المختلفة، وتفشى الانحطاط الفكري؛ فما عاد الناس يهتمون للعلم والتعلم والإبداع تقربا إلى الله تعالى، وحل التبلد والجمود مكان القصائد ودراسة اللغة العربية والقرآن الكريم، فخبى حب التدين وافتُقدت طيبتهم المعهودة! وكيف لا يحدث ذلك فالراعي قد رتع، فكيف لا ترتع الرعية! ومن يحكمه الرويبضة يبرز أسوأ ما في عقليته ونفسيته وسلوكه.. فلا تتعدى إنجازات نظام المؤتمر الوطني ادعاء الرئيس البشير الذي صرح في 26 سبتمبر 2013 بأن "السودانيين لم يسمعوا عن "الهوت دوغ" قبل حكمي"، هذا التصريح الذي أطلقه أثناء الاحتجاجات العنيفة في أواخر سبتمبر على سياسة الحكومة برفع الدعم المزعوم عن المحروقات وزيادة أسعارها لتكون خطوة أخرى لسحق البسطاء من الناس وصناعة المزيد من الفقراء، كانت هذه القشة التي قصمت ظهر البعير وأطلقت شرارة التغيير!


فلا بد للشمس أن تشرق مهما طال الظلام، ولا بد للمعدن النفيس أن يلمع وإن غطّته الأتربة، فها هي السودان تنتفض لتلحق بأخواتها، فليس بجديد على الأهل في السودان أن يخرجوا في ثورات؛ فهم من أوائل الشعوب الإسلامية الذين خرجوا، في الثمانينات ضد النميري وفي التسعينات، وكانت النتيجة حكومة الإنقاذ! فلا عجب أن تثور السودان مرة أخرى ليعود أهلها الطيبون طيبين مرة أخرى! فقد خرجوا وطالبوا بإسقاط نظام البشير الرأسمالي الذي أفقر الجميع، وسقط في غضون ثلاثة أيام من الاحتجاجات المئاتُ برصاص الأمن والشرطة، ولم يزد ذلك الناسَ إلا إصرارا على كسر حاجز الخوف وحاجز الصمت، وبقي أن تتوفر لثورتهم القيادة الواعية؛ فيجب على الثوار أن يفهموا سبب خروجهم فهما شرعيا صحيحا حتى يستقيم مسار الثورة فتنجح، ويجب عليهم أن يجعلوا ثورتهم خالصة لله تعالى وأن يكون خروجهم وهتافاتهم كلمة حق في وجه سلطان جائر وجهاد في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله. فسبب شقاء الناس في السودان وفي كل العالم هو هذه الأنظمة العلمانية الرأسمالية الجاثمة على صدور المسلمين، فمن أجل أن يتحقق التغيير المنشود فإنه يجب الرجوع إلى الله تعالى وإلى نظام الإسلام الصحيح الذي يطبق في الدولة الإسلامية الواحدة للأمة الإسلامية الواحدة؛ فالقضية مشتركة بين المسلمين في أنحاء العالم، وليست شأنًا سودانيًّا أو سوريًّا أو مصريًّا، بل قلع الطغاة وتنصيب خليفة المسلمين هي القضية المصيرية، وحين ننصر الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه ينصرنا ويرفع عنا الظلم والذل ونعيش في ظل الإسلام العادل، ويكون الشهيد شهيدًا في سبيل الله تعالى وفي سبيل إقامة شرع الله تعالى.


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم حنين