النداء قبل الأخير... من حزب التحرير  (2) بشائرُ نَزُفُّها ومُعَوِّقاتٌ نُذَلِّلُها بإِذن اللّه
June 25, 2015

النداء قبل الأخير... من حزب التحرير (2) بشائرُ نَزُفُّها ومُعَوِّقاتٌ نُذَلِّلُها بإِذن اللّه

النداء قبل الأخير... من حزب التحرير

(2)
بشائرُ نَزُفُّها ومُعَوِّقاتٌ نُذَلِّلُها بإِذن اللّه


أول المُعَوِّقات؛ الهزيمة النفسية التي لحقت ببعض أبناء أمتنا


لا أدري حقيقةً كيف استطاع فرعون أن يقنع الناس من حوله بأنَّه هو ربُهم الأعلى، وإنْ تَعجب فعجبٌ قبولُهم بهذا الأمر ليتعاملوا معه على أنه حقيقة، فما هي طبيعة العقول التي كانوا يفكرون بها، بل ما هي طبيعة الحواس التي كانوا يحسون بها واقعهم، أيُّ هزيمةٍ نفسيةٍ لحقت بهذا القوم حتى أفقدتهم إنسانيتهم ونزعت عنهم آدميتهم بأن رضوا أو خضعوا لأن يكون أحدُهم إلهاً لهم فيسمعوا له ويطيعوا بتلقائية وعفوية تشعرهم بالرضا عن أنفسهم، فألبسوها ثوبا مقدساً وكأنهم يطيعون الإله، انهزمت أنفسهم أمام ما تخيلوه أمراً مقدساً يقربهم إلى رضا من يحتاجون رضاه، فلا يبرز للأسف أمام عقولهم في هذا المشهد إلا ذلك الدَّعِـي فرعون.


وإذا كانت الهزيمة النفسية قد لحقت بقوم فرعون أمام فرعون لما يجدون حوله من سيول القوة والمنعة والبطش الجارف لكل من يجرؤ على الوقوف أمامه، فأي سبب أو قوة كانت وراء الهزيمة النفسية التي كانت تعيشها قريش وقبائل العرب، وأمام مَنْ؟ فَمَنْ هو فرعونهم؟! لا بل من الذي جعل قريشا وقبائل العرب تفكر أن يصنعوا أصناماً من الحجارة ليعبدوها ويقدسوها ويطلبوا رضاها ومباركتها، فأي هزيمة نفسية تلحق بهذا الإنسان حينما يشل حواسه عن التفكير في محيطه فيصنع بيديه إلهاً له يعبده ويتبرك به ويطلب رضاه، تفكر معي كيف أنَّ إنساناً يصنع صنما من حجرٍ أصمٍ ثم يعطيه الاسم كإله ثم يصلي له، كيف يكون المصنوع رباً وإلهاً لصانعه؟! أي شقلبة لوضع الإدراك هذا تمليه غريزة التدين على هذا الإنسان الذي حجر على تفكيره بأن يسمع ويطيع لمن لا يأمره ولا ينهاه؟!!، "اللهم لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"، ألا ترى معي أن حال قريش أسوأ من حال قوم فرعون مع أن كليهما في الهم شَرقُ؟! فذاك ينهزم أمام خوفه فيلغي عقله ويحجر عليه التفكير وهذا ينهزم أمام عجزه عن إشباع غريزة التدين التي تدفعه للتقديس فيحجر على عقله بحجر أصم كي لا يفكر، فذاك كان ينشد الحياة بأي ثمن، فأبعد عن نفسه الخوف بهزيمتها، وهذا ينشد عشوائية الحياة وطوي الأيام بأي طريقة يعلل فيها النفس، وتشاء حكمة الله أن تُطيح بفرعون وعرشه أفعى، وأن تطيح بقريش وجبروتها بكلمة "اقرأ" وكلاً على يدِ رسول من ذات القوم، فيقود فرعون قومه إلى حتفهم غرقا فيستجدي الرحمة بتنازله عن ألوهيته، لا بل بقبوله العبودية غير المشروطة التي جاءت متأخرة ليرفضها جبار السموات والأرض فيلفظ البحر جيفهم لتكون هزيمتهم عبرةً لمن يعتبر، ويقود زعماء قريش كثيراً من أبنائهم إلى حتفهم حتى يجدوا سيلاً من الرجال المؤمنين قد أحاطوا بمكة فأُسقِط في أيديهم ليلجأوا إلى ضعفهم هذه المرة في لحظات الانكسار تلك، فما أن يسمعوا من النبي القرشي الذي أخرجوه من بيته في مكة ذاتها، وهو يناديهم يا معشر قريش ما تظنون أني فاعلٌ بكم، حتى يجيبوه مهزومين أيضا "أخٌ كريم وابن أخ كريم" وهذه هي الهزيمة الحقيقية لقريش.


كان هذا كلُه قديما نسوقه ليكون نافذة العبرة والاعتبار، فما بالنا اليوم نعيش مذعورين خائفين مهزومين أمام كل ما هو غربي أو شرقي، وكأننا لا نقوى على فعل شيء ذي قيمة، ما الذي جرى لنا أيها الأخوة؟! وهل هذا الخوف والوهن والانهزام الذي نشعر به حقيقي أم أنه مصنوع ولا حقيقة له إلا في نفوس الضعفاء، الذين لم يعودوا قادرين على أي شيء سوى أن يعيشوا بأي ثمن مهما خسروا في حياتهم من شرف وكرامة وحرية، شعارهم في ذلك "من خاف سلم" ولا يدرون أن من خاف سيندم لما سيلحق به من أضرار لا حصر لها.


الجهل أيها الإخوة، وعدم الإيمان بالله، وفقدان الإرادة هي أدوات الهزيمة النفسية التي تلحق بأي أمة أو شعب، لكن الهزيمة النفسية حديثا صارت صناعةً تُدرس يمتهنها السياسيون لـيُرَوِّضُوا بها الناس كي لا ينفلت عِقالُهم فيبدأوا بالتفكير فيما حولهم، وهذا بالضبط ما جرى لأمتنا منذ أكثر من قرن من الزمان، حيث تمكن أهل الكفر والاستعمار من أن يغزوا أفكارنا فيُحطموا فينا أفكارنا الجميلة، ويُحِلوا محلها أفكارهم المسمومة، بعد أن رأوا أنه لا يمكن السيطرة على المسلمين إلا بخلخلة مفاهيمهم الإسلامية وتشكيكهم بها ثم إحلال مفاهيم دخيلة تؤدي إلى زعزعة نمط الحياة عندنا فنصبح بذلك أقرب للكفر منا للإسلام، فصارت الرشوة إكرامية والربا فائدة وصار الغش والخداع شطارة وفهلوة، ثم تَبِع هذا الغزو الفكري الذي لم ينقطع لهذه اللحظة تَبِعَه احتلال عسكري لبلادنا بعد أن أسقطوا دولتنا دولة الخلافة الإسلامية التي كانت تحمينا، فتم تغيير كل الأحكام الشرعية التي كنا نحتكم إليها وأحلوا محلها أحكاما من صنعهم لا تناسبنا نحن بصفتنا مسلمين، بعد أن قطَّعوا بلادنا أوصالاً ومنحونا جنسياتٍ مقيتة مختلفة، فتميز ابن الشام عن ابن الشام نفسه، فهذا من هنا من بطن الوادي وذلك من هناك من خلف الجبل، وتميز فينا ابن النيل عن ابن الكنانة، فهذا وجه قبلي وهذا وجه بحري، بعد أن كنا أمة واحدة لا فرق بيننا، فزادت الأوضاع سوءً، ثم فرضوا علينا حكاماً رويبضات يحكموننا لهم بغير ما أنزل علينا الله فكرسوا فينا الهزيمة تلو الهزيمة والانبطاح للكافر المستعمر، وهؤلاء الحكام الذين هم من أبناء جلدتنا جرُّوا البلاد والعباد إلى أحضان الكفر ثقافةً وفكراً وسياسةً واقتصاداً فصِرنا على أيديهم نهباً لكل طامع، والآن وفي أيامنا هذه لم يبقَ على قيد الحياةِ من أبناء أمتنا إلا من هو من أجيال هزائمهم الفكرية والعسكرية ونكساتهم ونكباتهم، أجيالٌ لم تعد تذكر طعماً لأي انتصار في أيِّ مجالٍ لأمتها، بعد أن قرأوا وسمعوا عن بطولات أمتهم وقيادتها للعالم لأكثر من 1300 سنة، تبخر كل هذا نتيجةً لسقوط دولتهم "دولة الخلافة الإسلامية"، وزاد الطين بِلة ذلك النفر من أبناء أمتنا، الذين لبسوا لنا العمائم واحتلوا منا المنابر ومقاعد الفتوى، أولئك الذين عينهم حكامنا الخونة ليخدموهم في ترويض أبناء الأمة فكرياً وتشويه ثقافتهم الإسلامية وأحكامها وصنعوا في الأمة ما لم يقدر على صنعه المستعمر بنفسه، وأكثر من ذلك فقد جيشوا العمائم في مؤتمرات ليخلعوا عن ديننا أيَّ أمر يأمر بالحكم بما أنزل الله، وليقولوا زوراً بأن أمر الخلافة الإسلامية أمر مزعوم، فليس هو حكم من أحكام الشريعة ولا يزيد عن كونه حدثا حدث وانتهى، وهكذا فعل غيرهم من أصحاب العمائم بأن قاموا بإعلان الخلافة فجأة على الأمة وصار لزاما على الأمة أن تنساق إلى مذبحها المقدس هذه المرة إن لم تبايعهم، كيف لا؟! ألم يكن أبو بكر الصديق أول خليفة بعد رسول الله ﷺ في الخلافة الراشدة، وعليه فهاكم أبو بكر مقابل أبي بكر، يا للمصادفة العجيبة يا للحنكة السياسية والدهاء، لماذا كل هذا التدليس على دين الله ولمصلحة مَنْ أيها المشايخ وأيتها العمائم، نحن نعلم أن كل هذا يصنع على عين الكافر المستعمر وبدولاراته، كل هذا لأنكم رأيتم أمة الإسلام تململت وتحرك شبابها وأصبح مطلبهم واضحاً ألا وهو إعادة السلطان المسروق منهم ليبنوا دولتهم بهدوء وعلى منهاج حبيبهم ﷺ.


هذه العقود من الزمان التي كان هدفها إلحاق الهزيمة النفسية وزعزعة الثقة بالنفس وبالدين في أجيالٍ من أبناء أمتنا الذين وُلِدوا وعاشوا وترعرعوا في كنف هزائم ونكبات ونكسات عاشتها الأمة على أيدي الخونة، أفقدتهم صوابهم وثقتهم بأنفسهم ومن قبل ذلك بدينهم، حتى أصبحوا غرباء على دينهم أو غريباً عليهم دينهم، فكيف لمن هذه حاله أن يتصور بأن للإسلام نظام حياة يعالج كل مشاكل الحياة بواسطة دولة عادلة ترعاهم كما يشاهدون بعض الأمم الأخرى ودولها، فقد بهرتهم مجرد المقارنة، وفي المقابل عندما يلتفتون لدينهم يجدون المشايخ الذين يتصدرون المشهد يطلقون الفتاوى التي تُحَسُّن من صورة حاكم يحكمهم بغير ما أنزل الله، مشايخُ وعلماء السلاطين الذين يتلاعبون بنصوص الوحي ليرضوا السلاطين الذين بدت سوآتهم للأمة فطفقوا يخصفون عليها من ورق أشجار نفاقهم وتملقهم حتى يغطوا سوآتهم، ولا بأس إن قلبوا مفاهيم الإسلام لتخدم الحاكم، فزادت هذه الزمرة من علماء السلاطين الطين بلة على أذهان المسلمين الذين اكتنفتهم حيرة أبعدتهم عن القدرة على التصور، فلماذا لا ينتج هذا الدين نفسه الذي أنتج الصديق والفاروق وذا النورين وأبا الحسن، فلماذا لا ينتج أمثالهم ما دام الدين هو الدين والكتاب هو الكتاب؟!


أتلاحظون أيها الإخوة الأحبة كيف يصنعون لنا الهزائم النفسية وأكثرها بأيدي أبناء جلدتنا، لأن الكافر لا يستطيع أن يقارعنا حجة بحجة في الدين فيلزمه عمائمُ بيضاء فاضح بياضها مرة، وسوداء حالك سوادها مرة أخرى، تثير فينا الفتن حول ديننا وقدرته على قيادة أمته، فيقع الجاهل منا في أُتُون هذه الفتن صريعاً مهزوماً لا يقوى على أي حركة، وهكذا فننهزم الواحد تلو الآخر كي لا نصل إلى مبتغانا، تماما كما فعلوا بثورات ربيعنا العربي فقد احتووها كلها ما عدا ثورة الشام التي لم تزل تقاوم، احتووها وأجهضوها وكان كل الهدف أن يصنعوا لكم هزيمة نفسية في أعماق أعماقكم أنكم قومٌ لا تستطيعون أن تحكموا أنفسكم ولا يستطيع إسلامكم هذا أن يحكمكم فتتيهوا ثانية بمكرهم وكيدهم، فكيف يستطيع من لا يظن في نفسه خيراً، أن يقدم أي خير، وكيف يستطيع من يظن نفسه ميتاً أن يمارس الحياة كيف؟! أفيقوا - يرحمكم الله - فهذا ما يريدون أن يوصلوكم وإخوانكم إليه، ولكن هيهات فقد سارت قافلة الأمة نحو هدفها ولن تعود إلا بالخلافة الإسلامية على منهاج النبوة بإذن الله تعالى، مهما نبحت الكلاب وراءها وحولها فهم الخائفون والمرتجفون فلا يستطيعون أن يعملوا إلا بالكيد والخداع والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.


وبعد أيها الأخُ المسلم الكريم فنحن لا نعقد الأمل إلا على الله وعلى أهل الله وأنت إن شاء الله واحدٌ منهم، فاعلم - يرحمك الله - أن هذا الدين لله، تكفل بحفظه ورعايته ونصرته، وأن الأمر أولاً وآخراً لله، ينصر من ينصره ويخذل من يخذله، ونحن في حزب التحرير عندما نتوجه إليك وإلى أبناء أمتنا لا نتوجه إلا لتذكيركم بواجبكم نحو دينكم بأن تنصروه، ولحبنا لكم فلتشاركونا هذا الشرف العظيم بنصر دين الله، وإياك ثم إياك أيها الحبيب أن تشعر أنك مهزوم أمام أي قوةٍ في الدنيا ما دمت مع الله، أو أنك تنتمي إلى أمة مهزومة ما دمت تنتمي إلى أمة محمد ﷺ. فما شعورك بأي نوع من أنواع الهزيمة النفسية إلا وَهْمٌ صنعه لك حكام المسلمين الخونة لكي تبقى تخافهم فلا تتقدم نحو حقوقك ونحو دينك، صنعوه ليبقوا هم في الحكم وأنت لا تنال إلا شقاء الدنيا والآخرة، صنعوه لنبقى أدوات طيِّعة بأيديهم، احذر أيها الحبيب فالأمة تسير إلى الأمام وهي على مسافةٍ جِدُ قريبةٍ فكن معنا في الموعد خيراً من أن نبحث عنك هناك فلا نجدك، وانظر - يرحمك الله - إلى ما يجري في تونس الأبية على أيدي إخوانك أهل تونس الأبطال الذين انتفضوا من جديد يطالبون بحقوقهم تحت عنوان "وينو البترول"، انظر كيف اختلفت أحوال حكامهم، وأحوال السفراء الأجانب في بلادهم وأحوال الدول من حولهم، كل ذلك لأنهم تحركوا للأمام نحو حقوقهم المشروعة "وينو البترول"، وحكامهم يُزيفون حقائق الواقع في عيون الشعب فينكرون أي وجود للبترول مع أنهم هم الذين أعلنوا وجوده، قبحهم الله من سُرَّاق، فيسألهم شعبنا الواعي هناك، فإذا كان لا يوجد بترول في تونس فلماذا توجد شركات البترول الأجنبية على أراضي تونس الخضراء، ما ضرورتها أيها السُرَّاق؟... وهذا مجرد مثال نسوقه لك على أنهم عيشونا بوهم اسمه أننا لا نقدر ولا نستطيع، وغير مؤهلين حتى إننا غير مؤهلين للديمقراطية العفنة عندما لا تخدمهم الديمقراطية في بلادنا، فقد تعرضنا لحجم هائل من التدليس والتضليل صنع في نفوس الكثيرين من أبناء أمتنا أكثر مما فعلت القنابل الذرية في أهل هيروشيما وناجازاكي، أحاطونا بالفتن الحالكة السوداء في جو من الظلمات التي كدَّسوا بعضها فوق بعض كقطع الليل المظلم، لكي يشلوا حركتنا فلا نقوى على المسير، فإياك أخي والنظر إلى الوراء فقد أنجزنا لك جُلَّ الطريق وأصبحت أمتنا تطالب وبالصوت العالي بعودة الخلافة على منهاج النبوة، ولا شك أنك ترى راية رسول الله ﷺ راية العقاب ترفرف في سماء القارات كلها، فالأجواء تفوح بعبير الإسلام ودعوته، وغدا بإذن الله تشرق الأرض بنور خلافة على منهاج النبوة.


فالله الله أيها الحبيب كن لدينك محبا ولنصرته مجيبا فبئست الحياة حياة الذل والخضوع والخنوع إلا لله، ونعمت الحياة حياة العز والكرامة حياة العدل والمساواة حياة التآخي والتراحم بيننا، حياة ملؤها الرحمة، واعلم أيها الأخ الكريم أن الله ما كان ولن يكون محتاجاً لنا لنصرة دينه، فالنصر من عنده ليس إلا، يمنحه لمن يستحقه فكن معنا لنكون ممن يستحقون نصر الله، اللهم اهدنا واهد بنا وانصرنا وانصر بنا واجعلنا ممن يستحقون النصر يا رب العالمين اللهم آمين.


﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾

 

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الرؤوف بني عطا - أبو حذيفة


لقراءة الجزء الأول اضـغـط هـنا

لقراءة الجزء الثالث اضـغـط هـنا

لقراءة الجزء الرابع اضـغـط هـنا

لقراءة الجزء الخامس اضـغـط هـنا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني