النداء قبل الأخير... من حزب التحرير (5) بشائرُ نَزُفُّها ومُعَوِّقاتٌ نُذَلِّلُها بإِذن اللّه
July 07, 2015

النداء قبل الأخير... من حزب التحرير (5) بشائرُ نَزُفُّها ومُعَوِّقاتٌ نُذَلِّلُها بإِذن اللّه

النداء قبل الأخير... من حزب التحرير
(5)
بشائرُ نَزُفُّها ومُعَوِّقاتٌ نُذَلِّلُها بإِذن اللّه


الخوف من الأنظمة الحاكمة في حالة الرغبة بتلبية نداء حزب التحرير ونصرته والخوف من مواجهة السلطة والخوف على الأهل والرحم والرواتب والأرزاق والمعاشات


وبعد أن استقر الحال للكافر المستعمر في بلادنا وأنشأ لنا دولاً كرتونية بأنظمة كفر تحكمنا بالطريقة التي يريدها لينهب ثرواتنا وخيراتنا وبالقانون والديمقراطية المزيفة التي صنعها وبأيدي أبناء جلدتنا من الحكام المأجورين الخائنين لله ورسوله وللبلاد والعباد، وأخذت هذه الأنظمة تتحكم في مفاصل حياة الناس جميعها وتتحكم بأرزاقهم وتتدخل بلقمة عيشهم بطريقة تجعلهم يخضعون لها تحت وطأة حاجتهم للعيش بسلام، بعد كل ذلك وأكثر، صارت هذه الدول الحديثة التي أنشأها الكافر في بلادنا هي رأس الحربة بيد المستعمرين الكفار لمكافحة وعي الأمة على حقوقهم؛ سواء أكانت هذه الحقوق متصلة بنمط الحياة التي يرغبون أن يعيشوها أم كانت في المطالبة بحقوقهم في حياة كريمة، وبما أن الدول كل الدول القائمة في العالم هي عدوة للإسلام، ومنها لا بل وعلى رأسها هذه الدول القائمة في بلادنا، فإن مكافحتها لأي إنسان مسلم أو جماعة مسلمة أو تيار مسلم أو حزب إسلامي يتطلع وبطريقة سلمية شوقا لعودة إسلامه إلى واقع الحياة، ليعيش مسلما كما أراد له الله ورسوله، أقول فإن مكافحتها لذلك الفرد أو تلك الجماعة أو الحزب هي على رأس أولويات هذه الدول، تستخدم حيالها كل الوسائل والأساليب والحيل والأحابيل، لكي تثنيه عن مجرد التفكير في ذلك، حتى أصبح هذا يتطلب منها استخدام الحديد والنار لكسر إرادة أصحاب الإرادة الصلبة الذين يجابهون بصمودهم كل تلك الأساليب، فليس هناك فرد أو جماعة أو تيار أو حزب إسلامي إلا وتعرضت له هذه الدولة بمساعدة نخبة صنعتها من كبار الموظفين والضباط العسكريين والشرطيين - كما سنشير لاحقا - لتكون أداة تضرب بها وتمارس كافة أنواع الضغوط لتحول بينه وبين هدفه في التقرب إلى الله بإسلام صحيح يعيد له عزته وكرامته، وما حياة المسلمين خلال القرن العشرين وللآن إلا شاهد على ما نقول في علاقتهم مع هذه الدولة أو تلك إذا هم تطلعوا إلى ذلك الهدف.


ومن أساليب هذه الدول محاربة الناس في أرزاقهم بالتضييق عليهم ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، فحاربوا الموظف في وظيفته وترقيته ومرتبه ورزقه، بعد أن ارتبط عيشه بهذه الوظيفة وذلك الراتب، وحاربوا غيره باستبعاده عن أن يجد فرصته في وظيفة أصلاً وذلك لإبعاده وإخضاعه إلى حفنة من المأجورين من أزلام هذه الدولة أو تلك، أما عن العسكري والشرطي فحدث ولا حرج فرغم حياة الذل والإهانة التي يعيشها أفراد الجيش والشرطة وضعف رواتبهم التي لا تكاد تسد رمق حياتهم فإنهم يخرجون من الخدمة وبرتب ومرتبات صغيرة لا يستطيعون العيش بها حياة كريمة ولا أن يقوموا بأي وظيفة يسترزقون بها، وأما الضباط فإن هناك حداً للرتب لا يتجاوزه الضابط إلا بعد أن يكون قد سلم واستسلم لهم بأنه كحجر على رقعة شطرنج فليس كل ضابط يرقونه إلى رتبة عميد أو لواء، إلا أن يكون من الزمرة المحسوبة على النظام وفساده، والذي يتجاوز هذه الرتبة يغدقون عليه بالامتيازات التي لا يقوى معها أن يقاوم الولاء والطاعة المشوبة بالعبودية والذل والخضوع والخنوع، فتصبح نخبة الوظائف المدنية الكبرى والقيادات العسكرية والشرطية نخبة فاسدة تتسابق في ممارسة الفساد على الناس - إلا من رحم الله - سواء على الموظفين دونهم وأفراد الشرطة والجيش، فالإنسان - على رأيهم - مسحوق مطحون إلا من أشقاه الله بأن وجد طريقا فاسدة توصله إليهم، والعسكري أشقى من الشخص العادي في خدمته حيث الذل والإهانة التي يجدها من الضباط وتعاملهم معه، وكذلك الشرطي فهو أسوأ حالا من الجميع بعيشته في عمله وبين الناس.


كيف لا وهذه الأنظمة التي أقامها الكافر المستعمر تعلم جيداً أن عودة الإسلام إلى واقع الحياة معناها نهايتهم وزوالهم هم وأسيادهم، كيف يمكن لنا أن نتصور أن هذه الأنظمة ستتعامل معنا حجة بحجة أو فكرة بفكرة؟! هذا إن كان هناك أصلا لديهم حجة أو فكر يبيح للإنسان أن يظلم ويستعبد أخاه الإنسان ويحبس عنه حريته ويصادر منه كرامته، لا بل إن التصور الوحيد الوارد في هكذا حالة هو أن تضرب هذه الدول ولأنها عدوه للإسلام والمسلمين بيد من حديد ما دام بقاؤها مرتبطاً ارتباطا وجوديا بوعي الناس أو جهلهم على حقوقهم، وهذا هو الحاصل بالفعل كشاهد آخر على ما نقول، فكل هذا خلق نوعا من الخوف الشديد لدى الناس خوف من هذه الدول البوليسية على أهلهم وأرزاقهم ورواتبهم ومعاشاتهم.


فمن لي بطبيب نفسي يصف لي وصفة سحرية كما يقال فأسقيها للإنسان في بلادنا لعله يستفيق ويشفى مما هو فيه من رعب وخوف من هذه الأنظمة، وصفة تجعله يصحو ليجد أن هذه الأنظمة هي الأحق بالخوف منه، فهي أنظمة النهب والسلب والظلم والظلام والتضليل، أنظمة يكرهها حتى بعض الخونة والمأجورين المنتفعين منها لكثرة فسادها وقبح رائحتها التي ينفر من القرب منها الناس الأسوياء، فكيف للسارق واللص والخائن أن لا يخاف المسروق منه، فهذه طبيعة الحياة ومنطقها أن يخاف السارق ممن يسرقه، فلماذا نخاف نحن من تلك الشرذمة السارقة الناهبة لحقوقنا؟! فهذا هو الوهم بعينه، وقلة الحيلة وضعف الإرادة وحب الحياة ولو كان ثمنها الذل والخنوع، نحب حياة الإنسان حتى لو تنازلنا عن كوننا من أبناء هذا الإنسان الذي له في هذه الحياة حقوق وعليه واجبات، فأي خوف استطاع أن يتمكن من إرادتنا حتى أصبح بعضنا يعيش عيشة البهائم بصورة الإنسان حتى ولو ضحك على نفسه بلبس بذلة ووضع ربطة عنق، أي خوف هذا وكيف نقاومه لتعود لنا إنسانيتا وكرامتنا فنشعر بأننا آدميون من سلالة البشر، من يدلني على طبيب بارع لديه ترياق الحياة الكريمة الحرة الخاصة بالإنسان الذي لا ولن يستطيع أن يعيش إلا إنسانا كريما حراً شجاعا لا يتنازل عن حقه، فهل أنت إنسان تحب الحياة الإنسانية الكريمة الحرة التي تعطيك حقوقك دون منٍّ ولا أذىً؟! وهل أنت إنسان تحب الحياة الإنسانية الكريمة الحرة التي تؤدي فيها واجباتك وأنت مطمئن أنك تعيش وسط أسرتك وتبذل وتعطي وتؤدي واجباتك حيالها لتحسين ظروفها والنهوض بها؟! إذا كنت حقاً كذلك والخوف يتملكك أو لم تكن كذلك أصلاً مع أنك تتمنى عيشة البشر، فاسمع إلى هذه الوصفات التي ربما لو أخذتها في موعدها تغير حالك أو تتقدم بك الحال نحو حياة أكثر رُقياً، اسمع كيف يصفنا رسول الله ﷺ ويصف حالة الوهن التي نعيش فيها ابتداءً وكيف يطمئننا ويدلنا على العلاج.


فعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:«يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا». فقال قائل: ومِن قلَّةٍ نحن يومئذٍ؟! قال: «بَلْ أَنتُمْ يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ المَهَابَةَ مِنكُمْ، وَلَيَقذِفَنَّ اللهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهَنَ». فقال قائل: يا رسول الله! وما الوَهَن؟ قال: «حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ».


مع أن الخوفَ من الله تعالى من لوازم الإيمان، أي لا ينفكّ الخوفُ عن الإيمان، وعلى قدر إيمان العبد يكون خوفه من الله، فمن كانه إيمانُه كبيرًا يكون خوفه من الله كبيرًا، والعكس بالعكس، فقِسْ قدرَ إيمانك بمقدار خوفك أخي الحبيب، إذن فالخوف لا يكون إلا من الله تعالى، فإياك أن تكون ممن يخافون من أولياء الشيطان فتخرج بنفسك عن دائرة الإيمان، ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.


فالخوف المحمود هو ما حجزَ العبدَ عن محارم الله تعالى، فالخائف من الله تعالى هو مَنْ يخَافَ أن يُعاقبَه الله تعالى، إمّا في الدنيا، وإمّا في الآخرة، ولهذا قيل: ليس الخائفُ الذي يَبكِي ويمسح عينيه، بل الخائفُ الذي يترك ما يخَافُ أن يُعذَّب عليه، لذلك أوجب الله تعالى على العباد أن يخافوه فقال: ﴿وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾،وقال: ﴿وَإِيَّايَ فارهبون﴾، ومدحَ المؤمنين بالخوف فقال: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾.


ومن أجل طرد هواجس الخوف وأوهامه التي تعشش في النفس، فما عليك إلا أن تتقرب إلى الله بالطاعات وأن تروض النفس على العبادة وأن تتعلم شئون دينك كاملة حتى تنجلي لك الحقائق، فتعرف أن الله هو أحق أن نخشاه فلا نخشى في الدنيا غيره، فنكون في جنب الله في أمن وأمان، فعَنْ أَبِي عَبَّاسٍ عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ النبي ﷺ يَومَاً فَقَالَ: «يَا غُلاَمُ إِنّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ: احْفَظِ اللهَ يَحفَظك، احْفَظِ اللهَ تَجِدهُ تُجَاهَكَ، إِذَاَ سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَاَ اسْتَعَنتَ فَاسْتَعِن بِاللهِ، وَاعْلَم أَنَّ الأُمّة لو اجْتَمَعَت عَلَى أن يَنفَعُوكَ بِشيءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ لَك، وإِن اِجْتَمَعوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشيءٍ لَمْ يَضروك إلا بشيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيْكَ، رُفعَت الأَقْلامُ، وَجَفّتِ الصُّحُفُ» [رواه الترمذي] - وفي رواية - غير الترمذي: «اِحفظِ اللهَ تَجٍدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يَعرِفْكَ في الشّدةِ، وَاعْلَم أن مَا أَخطأكَ لَمْ يَكُن لِيُصيبكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُن لِيُخطِئكَ، وَاعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَربِ، وَأَنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً».


وفوق كل ذلك فإن الله سبحانه قد تكفل برزق عباده وتعهد لهم أن لا يموت أحدهم إلا وقد استوفى رزقه الذي كتبه له في هذه الدنيا، فها هو نبينا ﷺ يدعو أصحابه ليخبرهم قائلاً: «هلموا إلي». فأقبلوا إليه فجلسوا، فقال: «هذا رسول رب العالمين؛ جبريل نفث في روعي: أنه لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وإن أبطأ عليها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تأخذوه بمعصية الله، فإن الله لا يُنال ما عنده إلا بطاعته».


فعلى ماذا الخوف بعد ذلك وممن نخاف، فكيف نخشى الفقر والجوع وقلة الرزق والله هو الرزاق؟! والله إننا لو فهمنا هذه الحقيقة لخجلنا من أنفسنا أن نخاف أو نخشى غير الله سبحانه وتعالى، ولكن يبدو أننا بحاجة إلى أن نعترف أن العيب فينا وليس في شيء سوانا، فلو تخلصنا من عيوبنا هذه وسلمنا أمرنا إلى صاحب الأمر والنهي سبحانه وتعالى، والله لن يقف في وجهنا أي قوة في الدنيا، ولكن الوهن قد أصابنا ولا بد من العلاج منه، ورحم الله الشافعي الذي رأى فينا بحكمته هذا العيب وشخصه وبلغنا وحذرنا كي لا ننـزلق فيه، ومع ذلك انزلقنا فهل إلى عودة لديننا ونصرة لله ولرسوله من سبيل أيها الأخوة المؤمنون؟!

نعيب زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيبٌ سوانــا
ونهجو ذا الزمان بغير ذنبٍ ولو نطق الزمان لنا هجانـا
وليسَ الذئبُ يأكلُ لحمَ ذئبٍ ويأكلُ بعضنا بعضاً عيانـا


وها نحن في حزب التحرير توجهنا إليكم بهذا النداء قبل الأخير: نستنصركم فانضموا لمن سبقوكم بنصرتنا، ونمدُّ إليكم أيديَنا فشدوا عليها والحقوا بأهل مَنَعتِنا، فقد أوشك الركبُ أن يسير فشاركونا المسير ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا﴾ ونحن مطمئنون بنصر الله ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الرؤوف بني عطا - أبو حذيفة


لقراءة الجزء الأول اضـغـط هـنا

لقراءة الجزء الثاني اضـغـط هـنا

لقراءة الجزء الثالث اضـغـط هـنا

لقراءة الجزء الرابع اضـغـط هـنا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني