النظام الاجتماعي الإسلامي هو السبيل الوحيد لتكوين أسرة سليمة
October 14, 2018

النظام الاجتماعي الإسلامي هو السبيل الوحيد لتكوين أسرة سليمة

النظام الاجتماعي الإسلامي هو السبيل الوحيد لتكوين أسرة سليمة

لقد أنعم الله علينا أن كفانا نحن المسلمين مؤونة البحث عن نظام نسير به حياتنا، حينما وهبنا سبحانه نظاما اختاره هو لنا وأمرنا باتباعه، وضمّنه كل أسباب السعادة في الدنيا والفلاح في الآخرة، ومنه النظام الاجتماعي الذي احتوى أحكاماً تمكننا من الحفاظ على وحدة الأسرة المسلمة وتناغمها، وتعمل على تدعيم الزيجات وتقويتها. لكن مع تغلغل الرأسمالية في حياتنا اضطرب فهم المسلمين للنظام الاجتماعي حيث تداخلت لديهم أحكام الإسلام وأحكامه مع الثقافة الغربية الدخيلة، وانبهروا بأفكاره المسمومة التي روجوا لها من قبيل الحريات وضمان الحقوق، فكانت النتيجة كارثية: فقد تدهورت الأخلاق، وانسلخت المرأة عن هويتها الإسلامية، ولم يعد الحلال والحرام مقياس أعمال المسلمين... فالتبس عليهم الحق بالباطل حتى أصبحوا يطلقون على جميع أنظمة الحياة اسم النظام الاجتماعي، وهذا إطلاق خاطئ لأن أنظمة الحياة أولى أن يطلق عليها اسم أنظمة المجتمع. فهي تشمل الاقتصاد والحكم والسياسة والتعليم والعقوبات والمعاملات والبينات وغير ذلك، وعلى هذا الأساس يكون الإسلام هو الدين الوحيد الذي يشتمل على نظام اجتماعي شامل، كما أنه الدين الوحيد الذي عرفه التعريف الصحيح. فالنظام الاجتماعي هو النظام الذي ينظم اجتماع المرأة بالرجل والرجل بالمرأة، وينظم العلاقة التي تنشأ بينهما عن اجتماعهما، ويبين كل ما يتفرع عن هذه العلاقة، فهو العلاج لامرأة مسلمة ورجل مسلم يعيشان في طراز معين أوجبه الإسلام، ويتقيدان بأحكامه.

فالنظام الاجتماعي في الإسلام هو النظام الوحيد الذي يضمن هناء الحياة؛ إذ إن أساسه الناحية الروحية ومقياسه الأحكام الشرعية، فهو ينظر للإنسان باعتباره إنسانا مهما كان جنسه ويبيح له التمتع بلذة الحياة، ولكن على نحو يحفظ الجماعة والمجتمع وينظم الصلات بين الجنسين حتى يكون تعاونا منتجا لخير الجميع. ويضمن في الوقت نفسه تحقيق القيمة الخلقية، ويجعل المثل الأعلى رضوان الله هو المسير لها حتى تكون الطهارة والتقوى هي التي تقرر طريقة الصلات بين هذين الجنسين في الحياة، والتي حددها الإسلام بالزواج وملك اليمين، وأي صلة تخرج عن ذلك تعتبر جريمة تستوجب أقصى أنواع العقوبات، كما جعل العفة أمرا واجبا. ثم أباح باقي الصلات التي هي من مظاهر غريزة النوع غير الاجتماع الجنسي كالأبوة والبنوة والأخوة إلى غير ذلك، وجعله رحما محرما. فالاسلام جعل كل وسيلة أو أسلوب يؤدي إلى صيانة الفضيلة والخلق أمرا واجبا لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وحدد جملة من الأحكام الشرعية كأمره كلا من المرأة والرجل بغض البصر، وأمر النساء أن يرتدين اللباس الشرعي، كما حدد للمرأة متى يحل سفرها ومتى يحرم، كما منع الخلوة بين الرجل والمرأة، كما منع المرأة من الخروج من بيتها بدون إذن زوجها. كما حرص على الفصل بين الجنسين في الحياة الخاصة، وحث المرأة على عدم مزاحمة الرجال في الطريق والأسواق، كما حرص على أن تكون صلة التعاون بينهما صلة عامة في المعاملات لا صلة خاصة. وبهذه الأحكام احتاط الإسلام في اجتماع المرأة والرجل، وقدم لهما معالجات تحصر الاجتماع بالعلاقة التي وجدا من أجلها، وتبعدهما عن علاقة الاجتماع الجنسي، وتبعدهما عن كل ما نعيشه اليوم من انسلاخ أخلاقي وانحطاط سلوكي رفع من التحرش الجنسي والاغتصاب إلى نسب مهولة. فلو فهم المسلمون معنى الزواج الحقيقي في الإسلام فقد سماه الله تبارك وتعالى بالميثاق الغليظ، لما وصلوا إلى ما هم عليه اليوم من عهر جنسي وصل إلى درجة البهيمية في الزواج، فالإسلام هو تاج الفضيلة والكفيل بكبح جماح الانفلات الجنسي في المجتمعات، فقد أمرنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالزواج حين قال: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ! مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». ففي الزواج حفاظ على النسل البشري وعمارة الأرض وصلاحها، وهو الذي يحصل به التكاثر في النوع الإنساني، وبه توجد الأسرة وعلى أساسه يجري تنظيم الحياة الخاصة. وقد حث الإسلام على الزواج، فعن أنس رضي الله عنه أن رسول الله r قال: «تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الأُمَمَ».

ومن خلال هذا العرض نستشف القيمة الكبيرة التي منحها الله للزواج حيث اعتبره عماد الحياة بغية حصول المودة والسكينة والطمأنينة والرحمة والعطف والتعاون بين الزوجين، كما يحقق الزواج اللذة والاستمتاع بطريقة مشروعة، فهو سبب لجلب الرزق، ودفع الفقر والحاجة كما نصت على ذلك الآية الكريمة ﴿وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. فالزواج يمتن الترابط والمودة، وتبادل المنافع بين الناس عبر تحقيق الرابط بين الأسر من قرابات وأصهار. كما تتمتع الزوجة برعاية زوجها لها، والاهتمام بها والإنفاق عليها، وبالتالي يتحصل الإنسان على الراحة النفسية والاستقرار العائلي، ويبتعد عن ممارسة الحياة البهيمية إلى علاقة إنسانية راقية تمكنه من تحقيق غايته من الزواج وهي تكوين أسرة تكون مترابطة يسودها التعاطف والتآلف والعمل على حب الخير بين أفرادها. كل ذلك ضمن عقيدة إيمانية راسخة متبعين منهجاً نبوياً سديداً، فهذا الإيمان هو الكفيل بتحقيق الأمن الشامل والدائم والذي يحمي المجتمع من المخاوف ويبعده عن الانحراف وارتكاب الجرائم، ومن أهم الركائز لبناء هذه الأسرة السليمة واستمرارها:

- معرفة الزوجين أن الله بينهما في كل أفعالهم إذ يجب أن يتّقيا الله في بعضهما، ويتقربا إلى الله بخدمة بعضهما، وتلبية طلبات ورغبات كل واحد منهما للآخر.

- جعل الله للزوجين مرجعية مفصلة: وهي كتاب الله وسنة رسوله e، وهي أساس حياة المسلم، فحينما يطبق منهج ربه سبحانه وتعالى يشعر أنه في ظل الله، وأن الله معه متجلياً عليه بالبركات والتوفيق والدعم.

- يتولى الله إنجاح الزواج في حال بني على طاعة الله.

- كل من الزوج والزوجة هو ملء عالم الآخر أي على الزوجين أن يقصرا طرفيهما على بعضهما فهما ملء عالمي بعضهما قال تعالى: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور]. فمن غض بصره عن محارم الله أورثه حلاوة في قلبه إلى يوم يلقاه، ومن ملأ عينيه من الحرام ملأهما الله من جمر جهنم.

- يجب أن تحل المشاكل بين الزوجين في بيت الزوجية قال تعالى: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [سورة الطلاق].

- النظر إلى الجوانب الإيجابية في الزوجة ومعنى ذلك أنه لا يجب أن تحس الزوجة أن الزوج ملّ منها وأصبحت حياته معها رتيبة، فاخش الله فيها فهي التي ترعى أولادك.

- بيت الزوجية مؤسسة ولا بد لها من قائد قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ ولكن هذه القوامة والقيادة لا تعني أن المرأة لا شيء، وليس لها دور، بل إن القرآن كرمها بقوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ﴾ [سورة البقرة].

- المعاملة بالمثل يعني أن تعامل زوجتك كما تحب أن تعاملك.

- التصحيح يعني الصبر على الاعوجاج، فإنه سيصلح ويستقيم وبذلك يصبح الزواج ناجحا قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [سورة الأنبياء].

كل هذه القوانين والمبادئ الاجتماعية التي يقوم عليها نظام الأسرة في الإسلام كفيلة بإنجاح الزواج، والحفاظ عليه قويا متينا. فكل بيت فيه ذكر الله عز وجل يكون مباركا ولا تؤثر فيه مغريات الشارع، ويعمه الهدوء والوئام، ويرعاه الله برعايته ويحفظ الزوجين من البحث عن السعادة خارج بيتهما، فينجذبان إلى العلاقات المحرمة خارج إطار الزواج التي توقعهما في الحرام والتي تتسبب في دمار الأسرة وتشتتها. ولكي يتواصل الترابط المتين للزواج في الإسلام أنيط بكل من الزوج والزوجة دور له في الحياة الأسرية قال رسول الله e: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». فالإدارة العائلية تتولى تحقيق كل درجات الوئام بين الأم والأب والأطفال إذ يقوم الزواج الإيجابي على توزيع مسؤوليات الأسرة بالتساوي كل حسب نوعه. فعلى كل واحد منهما أن يراعي حقوق قرينه ويشبع حاجاته، كذلك تربيتهم للأطفال ورعايتهم لهم، وكسب الرزق وتوفير حاجات الأسرة وتحسين ظروف العيش، والقيام بأعمال البيت وتدبير شؤون المنزل.

ودون أن ننسى أهم دور للمرأة في أسرتها: وهي أن تكون أما وربة البيت إذ لم يعرف التاريخ دينا ولا نظاما كرّم المرأة الأم وأعلى من مكانتها مثلما جاء به دين الإسلام الذي رفع من مكانة الأم، وجعل برّها من أصول الفضائل والإيمان. والمتأمل بهذا الدين من خلال القرآن الكريم وسنة النبي محمد r يجده قد جعل حقها كامرأة (أم) أعظم من الرجل (الأب) لما تتحمله من مشاق تتمثل بالحمل والولادة والإرضاع والتربية، فعندما نتحدث عن الأمومة فإننا لا بد من أن نتحدث عن الأم، وهي الأصل الذي جعله الله سبحانه وتعالى القرار المكين الحاضن للذكر والأنثى مصداقاً لقوله تعالى في سورة المؤمنين: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾. وقد اختصها الله سبحانه وتعالى بشرف الأمومة التي من خلالها يحفظ النوع الإنساني من الانقراض والهلاك، كما أعطاها دورا قياديا في المجتمع يتمثل في إدارة شؤون الأسرة حيث يخبرنا رسولنا الكريم r في قوله: «وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِيْ بَيْتِ زَوْجِها» فالأم هي الحلقة الأولى في التربية تدفع أبناء صالحين وأقوياء في المجتمع، وهي أحق بالصحبة من الأب في الإسلام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ e، فَقَالَ: مَنْ أَحَقُّ النَّاسِ بِحُسْنِ صَحَابَتِي؟ قَالَ: «أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أُمُّكَ» قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ أَبُوكَ».

فالإسلام أعطى أعظم المراتب للمرأة فهي الأم والبنت والصاحبة والزوجة، وما أرفعه من شأن عندما نتخذ زوجات رسولنا الكريم قدوة لنا وحياته الزوجية نموذج حياة نسير على طريقه، فهو المثال والقائد والمعلم والقدوة الذي لو اتبعنا نهجه في حياته وعلاقته بزوجاته لنلنا الدرجات العلى من السعادة والطمأنينة المنشودة. فقد كان رسولنا الكريم يعين أهله ويقضي حاجاتهم بنفسه فكان يرفع من شأنهن، ويقدرهن، ويدللهن، فقد كان زوجا ودودا حكيما يعدل بين زوجاته ويوصي بالنساء خيرا، «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْراً» وقال e: «رِفْقاً بِالْقَوَارِيرِ» إذ يجعل الخيرية في إكرام الأهل. فقد كان رفيقا بنسائه يشاورهن في قراراته، حليما في غضبه ورغم المكانة العظيمة والمنزلة الرفيعة التي يتمتع بها الرسول الكريم وتحمله لهموم الأمة الإسلامية بأكملها فإن رِقّته في التعامل مع زوجاته تفوق الوصف، فلا تتعلل بمسؤولياتك عزيزي الزوج وكن كما محمد r لتكون زوجتك كخديجة وعائشة وصفية...

وما نستخلصه من هذا العرض أن النظام الاجتماعي في الإسلام يحافظ من خلال قيمه ومبادئه وقوانينه على قوة الزواج، وتناغمه ويضمن وحدة الأسرة المسلمة وتماسكها باعتبارها الدعامة الأساسية للمجتمع المسلم. فلا سبيل إلى أمة مؤمنة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتقود الجماهير إلى بر الأمان وتنشر الخير في كل البقاع إلا بأسرة مؤمنة مستقرة.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

آمال بن رحومة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني