النظام الدولي القادم... دولة الخلافة الإسلامية
May 06, 2015

النظام الدولي القادم... دولة الخلافة الإسلامية

النظام الدولي القادم... دولة الخلافة الإسلامية


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «..ثم تكون خلافةً على منهاج النبوة». النظام الدولي يتم تشكيله وصياغته من دولة عظمى تحمل مبدًأ يتكون من عقيدة ونظام، لأنها تكون قويةً وقادرةً على تنفيذ ونشر المبدأ الذي تعتنقه للدول الأخرى وشعوبها، وعليه فنظرة تاريخية غير بعيدة، تري الناظر والمفكر والسياسي وكل من له شأن، كيف كانت دولة الخلافة الإسلامية على مدى ثلاثة عشر قرنًا من الزمن ولغاية عام 1924م من القرن المنصرم الدولة الأولى عالميًا وبلا منازع بل حتى بلا شريك، وحال تآمرت الدول الأخرى عليها وبعض من أبناء جلدتنا، تم تقسيمها إلى دويلات سايكس وبيكو، وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ظهرت أمريكا والاتحاد السوفياتي، وأخذ ينتظم النظام الدولي ضمن اتفاقات سياسية منها السري والعلني، وانقسم العالم إلى معسكرين: معسكر شرقي موالٍ للاتحاد السوفياتي الذي يحمل المبدأ الاشتراكي، ومعسكر غربي بقيادة أمريكا التي تحمل المبدأ الرأسمالي.


ومعلوم أنه في أواخر ثمانينات القرن الماضي تم انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفككت دول المعسكر الشرقي، وبقيت روسيا أقوى دولة تتأرجح بين قوة وضعف حتى أقصتها أمريكا من المسرح الدولي العالمي، ووصل الأمر قبل عام تقريبًا بفرض عقوبات اقتصادية عليها في القضية الأوكرانية، وانفردت أمريكا بالنظام الدولي منذ أواخر تسعينات القرن الماضي، وأخذت تسوس العالم بنظامها الرأسمالي، ونشر الديمقراطية بأدواتها من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وهيئة الأمم المتحدة، وقد كان من نتاج تلك القيادة أن حدثت الأمور الآتية:


• خاض العالم حربين عالميتين قتل على أثرهما ما يزيد على ستين مليون من البشر.


• وضعت قوانين جعلت من الدولار الأمريكي غطاءً ومرجعيةً لكل عملات العالم.


• أوجدت منظمة التجارة العالمية وفكرة تحرر السوق، حيث أكل القوي الضعيف، وتقلصت الطبقة الوسطى.


• أشعلت العديد من الحروب، وقتل الملايين من البشر، وهجر غيرهم، ودمرت أكثر من بلد (أفغانستان والعراق).


• تحكم أصحاب رؤوس الأموال والشركات الكبرى بمصير دول وشعوب (شركات النفط الأمريكية والإنجليزية).


• الدعوة للفجور والمجون والسفور وانتشار المخدرات تحت دعوى الحرية الشخصية وتحرر المرأة.


• ازدياد القتل والجريمة والتمييز العنصري وهجرة العقول وإشاعة الحروب الإقليمية والطائفية والتفجيرات.


• ازدياد الجوع والتشرد والفقر والأمراض المستعصية وغيرها.


• ازدياد الأسعار العالمية، واستعباد الناس بالقليل من الأجور وهضم الحقوق.


• وغير ذلك كثير من الأمور التي يطول تعدادها وبحثها.


وعليه فإن العالم بعد هذا الاستعراض لما سبق، حدث به العديد من التحركات التي تنذر بثورات عالمية وتنذر بسقوط وتنحي الدولة الأولى (أمريكا) عن عرشها وخصوصًا بعد دخولها بالأزمة المالية العالمية، وعدم القدرة على الخروج منها، وحصول تحركات عديدة كان أقواها وأشهرها ما سمي بالربيع العربي، وقلب أنظمة حكم جثمت فوق الصدور عقودًا من الزمن تتحكم بالشعوب، وقد كانت صنيعةً للغرب وأمريكا، وقد تلاها مظاهرات وول ستريت في عقر أمريكا نفسها، وقتل فيها العديد وتم التعتيم عليها، ومن ثَم مظاهرات إسبانيا واليونان ونيوزلندا..، وأخيرًا تحركات الفرنسيين ضد التقشف، ولم يستطع العالم إيجاد حل لأموره الاقتصادية التي تنذر بالهاوية جميع الناس غنيهم قبل فقيرهم، وكذلك لم تستطع أمريكا ومعها أوروبا من إيجاد حل لكثير من قضايا العالم مثل قضايا دول الربيع العربي، وأوكرانيا وأفريقيا وقضايا الأقليات العالمية، وقضية ثورة الشام التي امتدت للعام الخامس على التوالي، ومثلها ليبيا واليمن انزلقت للمحظور، فكل ذلك يدل على التخبط والفشل العالمي للدولة الأولى التي تتحكم بمصير الشعوب والعالم.


ومما يعلمه المتابع للسياسة الدولية وتاريخ الدول والشعوب، وكما يقول ابن خلدون: "إن أعمار الدول كأعمار الأفراد، فإنها تشيخ وتهرم..".


وحيث إن المبدأين اللذين سادا العالم وهما: "الاشتراكية والرأسمالية" قد ثبت فشلهما عقائديًا وتشريعيًا، وهما مبدآن من وضع البشر، فإن المبدأ العالمي الثالث وهو الإسلام عقيدة ونظام حياة، منذ قرابة القرن لا تمثله أية دولة في العالم كله، وقد هدمت دولته عام 1924م كما أسلفنا، وهو يشبه هذه الأيام بـ "مارد الخلافة" الذي يتململ ليخرج من القمقم، وقد امتاز عن غيره من المبادئ بالمميزات الآتية:


• مبدأ عقيدته ربانية، ونظامه رباني من جنسه.


• مبدأ أثبت وجوده قرابة الثلاثة عشر قرنًا، ولم يستعبد البشرية، ولم ينهب ثرواتها.


• مبدأ عالمي، يعالج جميع المشاكل لكل بني البشر بإنصاف سماوي، وعدل ورحمة.


• مبدأ الرحمة للعالمين، يقول تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. [الأنبياء: 107]


• مبدأ إنساني يهدي للتي هي أقوم، يقول تعالى: ﴿إِنَّ هَـٰذَا الْقُرْ‌آنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾. [الإسراء: 9]


• مبدأ لا يُكره الناس على اتباع دين معين يقول تعالى: ﴿لا إِكرَ‌اهَ فِي الدِّينِ قَد تبَيَّنَ الرُّ‌شْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَن يَكْفُرْ‌ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِالله فَقَدِ استمْسَكَ بِالْعُرْ‌وَةِ الْوُثقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. [البقرة: 256]


• مبدأ حاكمه إنسان، ومحاسبة الحاكم فرض فرضه على الإنسان ربُّ الإنسان.


• مبدأ دولته دولة بشرية، لا دولة إلهية أو كنسية، وقوانينه إلهية لا قوانين إنسانية علمانية.


• مبدأ دولته خلافة على منهاج النبوة.


إن النظام الدولي القادم يتشكل بشكل طبيعي، وذلك بتقدم طبيعي ممن يحملون فكرة هذا المبدأ الإسلامي العالمي رحمةً للعالمين، فيحملونه بطريقة فكرية لا بطريقة القتل والتفجير والتدمير، ولا بطريقة أمريكا التي تستعمر وتستعبد الشعوب، وتمتص خيراتهم وثرواتهم لصالح أسياد المبدأ الرأسمالي أي أصحاب رؤوس الأموال وخدمهم من السياسيين الذين يتحكمون بمصير شعوب العالم، وكما يحلو لهم ولأهوائهم ورغباتهم وشهواتهم، نعم إنه فكر يسري بجسد الأمة الإسلامية من أدناها إلى أقصاها، حتى إذا جاء أوانها واستأهلت أمة الإسلام دولة الخلافة على منهاج النبوة جاءها نصر من الله تعالى وفتح مبين، وانهزم الأحزاب وأحلافهم وعملاؤهم.


وهذه ليست أحلامًا وتخرصاتٍ وأمانيَّ، بل نتاج عمل سياسي وفكري دؤوب وصبور وتضحيات جسام، ونتاج دراسات وأبحاث مراكز استراتيجية، فانظروا لمجلة الوعي - حيث نشرت موضوعًا تحت عنوان: "حتمية المصالحة مع دولة الخلافة الخامسة رسالة جون شيا إلى الرئيس أوباما". ويمكنكم متابعته من خلال هذا الرابط: "...www.al-waie.org/issues/279/article.php?id=888_0_69_0_C".


بسم الله الرحمن الرحيم مرة أخرى يعود مشروع «الخلافة» للتداول على المسرح الدولي بالرغم من وجود... الكاتب جون شيا للرئيس الأمريكي: "إن عليك أن تضع استراتيجيةً للتعامل مع الدولة التي ستقوم لكيفية التعامل معها....". وحذر "محمد الإبياري" مستشار الرئيس الأمريكي للأمن الداخلي، من مواجهة قيام الخلافة الإسلامية، مؤكدًا أن الخيار الوحيد للولايات المتحدة هو احتواؤها لجعلها مثل الاتحاد الأوروبي، كتنظيم منظم على حد قوله.


وقال "الإبياري" في تغريدة له على موقع التواصل (الاجتماعي) "تويتر"، أثارت الجدل في أمريكا: "كما قلت من قبل: إن عودة الخلافة أمر حتمي... والخيار الوحيد لنا أن ندعم رؤيةً تجعلها مثل الاتحاد الأوروبي"، ومن يريد الاستزادة فليراجع دراسات المراكز الاستراتيجية، وأقوال المفكرين والسياسيين في العالم العربي والغربي.


وقبل النهاية ندعو المسلمين والمفكرين في العالم أجمع للعمل على تخليص شعوب العالم من جيفة النظام الدولي الحالي، والذي أزكمت رائحته الأنوف، وقتل الملايين من البشر، واستعبد البشرية لصالح قلة قليلة من أصحاب رؤوس الأموال من تجار السلاح والبترول ومافيا الدواء وأمثالهم...، وأن يستعدوا ليكون لهم دور في إنقاذ البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور، ومن جور النظام الرأسمالي إلى رحمة الإسلام، ومن الفقر والجوع إلى بحبوحة إطعام الجائع وابن السبيل، إلى ذلك ندعو المسلمين وكل البشر لاستقبال النظام الدولي الجديد القادم، ألا وهو نظام دولة الخلافة على منهاج النبوة. قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْ‌ضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْ‌تَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِ‌كُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ‌ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
الأستاذ وليد نايل حجازات
عضو لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير - ولاية الأردن

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني