القومية: جدار عازل يقف حائلا أمام إنقاذ إندونيسيا لأطفال ونساء الروهينجا المسلمين
June 06, 2015

القومية: جدار عازل يقف حائلا أمام إنقاذ إندونيسيا لأطفال ونساء الروهينجا المسلمين

القومية: جدار عازل يقف حائلا أمام إنقاذ إندونيسيا لأطفال ونساء الروهينجا المسلمين

(مترجم)


مرت ثلاث سنوات ومأساة الروهينجا لم تنته بعد. آلاف المسلمين لا يزالون يقتلون ويذبحون. ونتيجة لذلك، لم يكن أمامهم إلا أن يفروا إلى بلدان مجاورة على متن طوافات خشبية. والآن، هنالك الآلاف من الروهينجا الذين أصبحوا ضحايا لجماعات الاتجار بالبشر وقد تقطعت بهم السبل في بحر آتشيه. إنهم ينتظرون أي مدد وأية مساعدة من إخوانهم المسلمين. من إخوتهم وأخواتهم في العقيدة. فهل سيحصلون على الحماية كما كانوا يتوقعون؟ وهل من الممكن أن تضع إندونيسيا نفسها - كونها أكبر بلد إسلامي في العالم - حامية ومساعدة رئيسية أساسية للمسلمين الذين يتعرضون للاضطهاد في أماكن كثيرة مختلفة وبخاصة نساء وأطفال الروهينجا المسلمين؟


إن موقف الحكومة الإندونيسية في مواجهة هذه المشكلة واضح الآن. فالحكومة لا ترغب في أن يشكل الروهينجا أي عبء عليها ولا أن يتسببوا لها بالمشاكل فحسب. لذا، لا عجب في أن الجيش الإندونيسي نهى الصيادين في آتشيه عن مساعدة اللاجئين الذين تقطعت بهم السبل بل وفرض عقوبات على كل من ينتهك ويخالف ذلك. كما أكدت الحكومة الإندونيسية مرارا وتكرارا أن ما قدمته كمساعدة للروهينجا أكثر من كاف. وقال وزير الخارجية الإندونيسي بأن الحكومة قد انتهجت سياسات تجاوزت المطالب الدولية باسم المساعدات الإنسانية. وفي الواقع، فقد تغير موقف الحكومة قليلا بعد أن نشرت وسائل الإعلام الوطنية والعالمية وعلى نطاق واسع عملية الإنقاذ لمئات اللاجئين الروهينجا على يد صيادين من آتشيه الشهر الماضي. وقد دفع الإلحاح الشديد لمكونات المجتمع المختلفة فيما يتعلق بوجوب عدم التخلي عن اللاجئين الرئيس جوكوي إلى الموافقة على إيواء الروهينجا لعام واحد. وقد وعد القائد العام للجيش الوطني الإندونيسي (بانغليما) بنشر قوات لتحديد مواقع ومساعدة الروهينجا الذين لا يزالون عالقين وسط البحر الإندونيسي. وقد وعد القائد العام للشرطة (كابولري) بضمان أمن الروهينجا حيث سيتم إيواؤهم لعام كامل في البلاد. لكن دعونا نقف عند الحقيقة ونراها بوضوح، فإن الحكومة الإندونيسية باهتة المشاعر لم تنتهج سياسات تقدم حقا العون والغوث والحماية إضافة إلى ضمان مستقبل هؤلاء اللاجئين. كما أنهم يوضعون في مخيمات لاجئين متهالكة متداعية ويعاملون فيها كمتسولين يقفون في طوابير للحصول على الطعام بعد أن يتم تسجيل هويتهم.


الاستفادة من أزمة الروهينجا


يبدو بأن استيعاب اللاجئين من الروهينجا وإيواءهم لمدة عام يحقق ميزات واضحة للحكومة. ففي خضم تراجع ثقة الناس بهذه الحكومة الجديدة بسبب السياسات ذات الطابع الليبرالي الحديث الذي يتم تسليط الضوء عليه وانخفاض النمو الاقتصادي، جعل من قضية الروهينجا "شيئا" بالنسبة للحكومة. فبهذا تستطيع الحكومة الإندونيسية أن تكسب قلوب الناس وبخاصة المسلمين منهم. وقد ردت الحكومة بلطف على الاحتجاجات والمظاهرات التي قامت بها عناصر مختلفة من المجتمع لحث البرلمان ودعوته إلى التحرك، وتعاملت بلطف كذلك مع الضغوط التي قامت بها منظمات مختلفة متعهدة بأنها لن تعيد قوارب الروهينجا إلى البحر (سياسة الإرجاع للخلف) كما فعلت أستراليا.


إن جدية الحكومة الإندونيسية في إنهاء معاناة إخوتنا وأخواتنا من الروهينجا المسلمين أمر مشكوك فيه بالفعل. ففي الاجتماع الذي عُقد في تايلاند (2015/5/29) والذي دعي ممثلو 17 دولة للحضور إليه، لم يكن فيه أي مسؤول على المستوى الوزاري من إندونيسيا. ما الذي يمكن توقعه من الاجتماع؟ في وقت سابق تحدث وزير الخارجية الإندونيسي أثناء زيارته إلى ميانمار في (2015/05/21) بأن قضية الروهينجا جزء من جدول أعماله. ولكنه لم يُدن وبشدة ما يجري بل إنه لم يقطع العلاقات الدبلوماسية مع نظام ميانمار الذي يغطي ويوافق على المجازر التي ترتكب بحق مسلمي الروهينجا. وعوضا عن ذلك، فقد دعا الوزير إلى مزيد من التعاون لتحقيق مصالح اقتصادية وتجارية مع إندونيسيا. كما ناقشت حكومتا إندونيسيا وميانمار أيضا إمكانية التعاون الثنائي في مجالات الاقتصاد والتعليم والبنية التحتية والاتصالات. ووفقا لبيان رسمي لوزارة الخارجية جاء فيه: "كلا البلدين ملتزمان بزيادة حجم التبادل التجاري وهدفنا هو الوصول إلى المليار بحلول عام 2016". وقد وافقت ميانمار في النهاية على زيادة حجم الواردات من بعض المنتوجات الإندونيسية. كما أن إندونيسيا وميانمار اتفقتا على بضعة أمور متعلقة بالإفراج عن صيادين غير شرعيين كانوا لا يزالون محتجزين في إندونيسيا. ولا تزال قضية الروهينجا مبهمة غير واضحة، ولا تذكرها الحكومة إلا لمعالجة قضية الهجرة التي تتم وعلى نطاق واسع أطلقت عليه اسم "التنقلات غير المنتظمة".


وحتى هذا اليوم، لم تُدل الحكومة بأي خطاب يقدم مستقبلا واضحا لمسلمي الروهينجا. بل إن الحكومة رفضت حتى إعادة مسألة التوطين التي كانت تقوم بها سابقا بل قامت بها بالفعل عند تعاملها مع النزوح الجماعي لسكان فيتنام بسبب الأزمة السياسية التي اجتاحت بلادهم أواخر عام 1970، وذلك عندما قامت بجمعهم ووضعهم في جزيرة غالانج، باتام.


سموم الوطنية تقتل الأخوة


إن سبب فتور شعور المسلمين بإخوانهم هو سموم الوطنية، فالحدود المرسومة بين الدول تحول دون الإحساس بالقلق والمسؤولية تجاه الآخرين. فالوطنية ليس معناها الوحيد هو حب المكان الذي ننتمي إليه، الذي لم ينه عنه الإسلام. إنما مفهوم الوطنية هو المفهوم الذي يجعل المسلم يتخلى عن الإسلام كقيادة فكرية من أجل ما يسمى المصلحة الوطنية أكان الوطن على صواب أم على خطأ. إن الحكومة الإندونيسية تعتبر أنه يكفي أن توفر مساعدة وملجأ مؤقتين للروهينجا، بلا حماية، ولا رعاية ولا أمن من أجل مستقبلهم، والسبب حسب رأيها هو أن الشعب الإندونيسي كثير العدد وله مشاكل متعددة يجب الاهتمام بها جديا، فالمصالح الوطنية يجب أن يكون لها الأولوية على مساعدة الغرباء، يعني أنها تعتبر أن إخواننا من المسلمين غرباء!!


إن حكومة إندونيسيا الرأسمالية هي أيضا سبب في فشل إيجاد إخواننا الروهينجا مستقبلا في هذا البلد. وقد وضعت الحكومة الرأسمالية خطوطا عريضة تفرض أن تولّد جميع السياسات منافع مادية. إن الحكومة الإندونيسية لا تملك أي حل لأزمة الروهينجا وبقيت تختبئ وراء قرار عدم التدخل الذي اتخذته رابطة أمم جنوب شرق آسيا، لأنها لا تريد أن تعطل مصالحها الاقتصادية مع ميانمار ودول آسيوية أخرى. لن يكون هناك أي قرار بقطع العلاقات أو مقاطعة لهذا النظام المجرم في ميانمار، لأن المسألة لا توفر منافع مادية. فما يمكن للحكومة القيام به هو مجرد إقناع النظام في ميانمار البوذية بوجوب وقف نزوح الروهينجا الذي يمثل مشكلا بالنسبة للدول المجاورة.


أما الأعمال البطولية التي قام بها الصيادون الفقراء في 'آتشيه' لإنقاذ قوارب الروهينجا، يجب أن تكون مثالاً يحتذي به الجميع. في الواقع فإن الطبيعة الإنسانية ستشجع أي شخص على مساعدة من هو في حاجة إليه بكل ما يقدر وبصدق، على الرغم من الخصاصة التي به. عندما تحقق الحكومة هذه الطبيعة الإنسانية من خلال شكل سياساتها، فمن المؤكد أنها ستساهم بشكل كبير في إنقاذ المسلمين الروهينجا. فليس من الصعب على هذا البلد توفير أرضية مناسبة لهم وتوفير سبل العيش للرجال بزراعة الأرض أو موارد أخرى. أليس هناك مئات من الجزر المهجورة بلا سكّان والغنية بالموارد الطبيعية؟ فمن السهل على الحكومة الإندونيسية نشر قواتها لردع نظام ميانمار الوحشي وتحرير المسلمين وأطفالهم الذين تُركوا مرعوبين في البلاد. لكن في الحقيقة، فالوطنية والرأسمالية قتلت هذه الشخصية الطبيعية داخل السلطات وسياساتها، وأدت هذه المفاهيم الكفرية إلى انخفاض درجات الإنسانية إلى الانعدام.


أما بالنسبة للمسلمين الذين يدركون مسؤوليتهم تجاه إخوانهم المسلمين فهم كالجسد الواحد، فهذا الرابط العقدي أهم من حقوق الإنسان والإنسانية. رابط الأخوة لا يميز بين القبلية والعرقية ويتجاوز المناطق الجغرافية.كلنا نعلم أن الروهينجا تم إذلالهم وقمعهم بوحشية لمجرد أنهم مسلمون. ولكن حكام المسلمين يفتقدون كل مسؤولية، ويمنعون جيوش المسلمين والمسلمين في هذا البلد من إنقاذ إخوانهم وبناتهم من شراسة البوذيين. ففكرة الوطنية والقومية تعيق المسلمين في إعطاء الروهينجا حقوقهم، وقد أثبتت هذه الفكرة إضعاف قوة المسلمين وإضعاف رابط الأخوة الإسلامية الذي يجمعهم. وقد كان من الواضح أيضا أنها تعيق المسلمين في إندونيسيا عن إنقاذ أخواتهم وأبنائهم الروهينجا من الظلم الذي يواجهونه كل هذا الوقت.


حاجة ملحة لإرادة سياسية


أزمة الروهينجا يجب أن تنشر الوعي لدى جميع الأطراف بفشل النظام السياسي الديمقراطي وأنظمته في تحقيق حل للمشاكل الإنسانية، وكذلك في حماية دم وشرف المسلمين من كل أشكال الظلم. يجب على الأمة الإسلامية أن تمارس فورا جميع إمكانياتها لتحقيق وحدة الأمة وإيجاد السلطة السياسية التي تكون قادرة على تنفيذ جميع أحكام الله في كل نواحي الحياة. فقط بوجود إرادة وقوة سياسية سيتم الحفاظ على دم وشرف المسلمين من الهتك وكذلك سيتم تحقيق العدل والرفاهية وحماية حقوق المسلمين في العالم كله، أما هذه السلطة والإرادة السياسية فهي دولة الخلافة الإسلامية الراشدة على منهاج النبوة.


باختصار، رابطة الأخوة الإسلامية تلزم جميع المسلمين بتوحيد صفوفهم من أجل تطبيق الشريعة في ظل الخلافة. لأن المسلمين أمة واحدة فالمحنة التي يعيشها الروهينجا هي بالأساس محنة لجميع المسلمين في العالم، بما في ذلك المسلمين الإندونيسيين، بكاؤهم بكاؤنا، معاناتهم معاناتنا وتجاهل معاناتهم ضرب لرابطة الأخوة الإسلامية وزعزعة لعقيدة المسلم. بالمقابل، فإنه يجب على كل مسلم في كل مكان أن ينظر إلى هذه القضية باعتبارها مسألة خطيرة مرتبطة بالعقيدة وبرابطة الأخوة. وعلينا جميعا، وخاصة العلماء وقادة المجتمع ووسائل الإعلام، أن نكون في الطليعة لتمهيد الطريق لحل شامل لأزمة الروهينجا.


قال رسول الله ﷺ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ، كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ»

عفة أينور رحمة
الناطقة الرسمية لحزب التحرير في إندونيسيا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني