اليونان والأزمة المالية إلى أين..؟! الرأسمالية تفترس الشعب اليوناني
June 28, 2015

اليونان والأزمة المالية إلى أين..؟! الرأسمالية تفترس الشعب اليوناني

اليونان والأزمة المالية إلى أين..؟!


الرأسمالية تفترس الشعب اليوناني

نبذة حول اليونان:


اليونان بلد أوروبي عريق حضاريًا وتاريخيًا، ويبلغ عدد سكانه قرابة أحد عشر مليون نسمة، وأعداد المهاجرين فيه ملحوظة، وفيه أكثر من مئة وعشرين ألف مسلم، وقد عاش تحت الحكم الإسلامي العثماني قرابة الأربعة قرون ببحبوحة اقتصادية، ويشتهر بصناعة السفن والتعدين والسياحة.


سعى اليونان للدخول في الاتحاد الأوروبي، وقد حصل ذلك فعلاً في عام 1981م، وهو بلد ليس بالقوي اقتصاديًا، وليس بالفقير، وللانضمام إلى الاتحاد الأوروبي شروط. على أي بلد يريد الدخول إليه أن يحققها، ومن أهمها شروط حقوق الإنسان، ومعدل نمو اقتصادي قرابة ال 3% وغيرها من الشروط التكميلية.


أزمة اليونان المالية:


بدأت أزمة اليونان المالية الأخيرة تظهر في نهاية 2009 بعد أن تفجرت الأزمة المالية العالمية في أمريكا رأس الرأسمالية ‏وشملت أوروبا وباقي العالم الذي يخضع للنظام الرأسمالي. وعصفت باليونان في نيسان/أبريل 2010، وعقب ذلك، في يوم ‏‏2010/06/23، طلبت الحكومة اليونانية رسميًا من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي تفعيل خطة إنقاذ تتضمن قروضًا ‏لمساعدة اليونان حتى تتجنب الإفلاس والتخلف عن سداد الديون، وقد ارتفعت معدلات الفائدة على السندات اليونانية كما ‏ارتفع التأمين على هذه السندات ضد التخلف عن السداد، فارتفع كل ذلك إلى معدلات عالية نتيجة مخاوف المستثمرين من ‏‏"عدم قدرة اليونان على الوفاء بديونها، مع ارتفاع معدل عجز الموازنة، وتصاعد حجم الدين العام، بالإضافة إلى ضعف النمو في ‏الاقتصاد اليوناني"، فهددت هذه الأزمة وضع اليورو ومنطقته، وبالتالي الاتحاد الأوروبي برمته، وطرحت فكرة خروج اليونان من ‏هذه المنطقة الاقتصادية، إلا أن أوروبا قررت تقديم المساعدة إلى اليونان مقابل تنفيذها لإصلاحات اقتصادية وإجراءات تقشف ‏تهدف إلى خفض العجز بالموازنة العامة. هذا مع العلم أن البرنامج الحالي لما يسمى بالإصلاحات لم يكن حاسما في مضمونه ولكنه أجَّل الانفجار.


أزمة اليونان بالأرقام:


1. إنّ ضخامة حجم ديون اليونان والتي تناهز 320 مليار يورو، أي ما يعادل 170% من صافي الناتج المحلي.


2. الحزمة الأولى عامي 2010 - 2011 بقيمة 110 مليار يورو لمدة ثلاث سنوات، وبفائدة قيمتها 5.5 %، لكنها لم تُسعف اليونان في تمكينها من سداد ديونها في المدة المطلوبة.


3. الحزمة الثانية من القروض بقيمة 110 مليار يورو أخرى، وفرضت على اليونان شروطاً اقتصادية قاسية جديدة من مثل رفع الضرائب على القيمة المضافة.


4. لم تنجح اليونان في تخفيض مديونيتها التي بلغت 320 مليار يورو، أي ما يعادل 170% من صافي الناتج المحلي لها.


5. %3 هو عجز الموازنة المسموح به داخل منطقة اليورو، والذي لم تستطع اليونان تقليصه حيث بقي بحدود 12.7% وهي نسبة عالية جداً وخطيرة.


6. %40 هي نسبة الهجرة من اليونان إلى دول الاتحاد الأوروبي.


7. %25 نسبة العاطلين عن العمل بين اليونانيين.


8. 34 ألفا الذين هاجروا إلى ألمانيا وحدها.


نتائج انفصال اليونان عن منطقة اليورو:


1. هذا الواقع الاقتصادي العليل، شخصه الرئيس التنفيذي بمركز البحوث الاقتصادية والأعمال بلندن "ماك وليامز" بالقول إن انسحابًا منظمًا لليونان من اليورو قد يكلف منطقة اليورو 2% من ناتجها المحلي الإجمالي أي نحو ثلاثمائة مليار دولار.


2. أما في حال حصل انسحاب غير منظم فإن التكلفة قد تصل إلى تريليون دولار قبل أن يضيف "إن نهاية اليورو بشكلها الحالي أمر حتمي".


3. رئيس البنك المركزي البريطاني: منطقة اليورو تمزق نفسها، وبريطانيا لن تكون بمنأى عن ذلك.


4. المسارعة إلى سحب اليونانيين أموالهم من البنوك تجسيدًا للمقولة الشهيرة في عالم الاقتصاد "الرأسمال جبان".


5. ستشهد المنطقة تساقطًا متتاليًا لدول القارة العجوز في حال سقطت أضعف حلقات العقد الأوروبي وهو اليونان.


6. توترات وتظاهرات في الشارع اليوناني واختلال في الأمن وفي نسيج المجتمع.


7. خروج أثينا من الاتحاد الأوروبي إعصار مدمر سيخلف خسائر فادحة سيكون المتضرر الأول منه جيران اليونان.


8. ازدياد نسبة العاطلين عن العمل وتعمق الركود الاقتصادي لسنوات قادمة، والعودة إلى العملة القديمة لليونان وهي الدراخما والتي ستكون بأسوأ حال لحين تحسن الأوضاع الاقتصادية.


الأسباب والنتائج:


اليونان بلد أوروبي، ولكنه ليس صناعيًا بقوة ألمانيا أو فرنسا، والكثير من الدول الأوروبية، ومع انضمامه لدول الاتحاد الأوروبي، وتوفر القروض الميسرة تطاول ليجاري بقية الدول الأوروبية في كافة القطاعات وخصوصًا البنية التحتية، ومع اشتهاره سابقًا بالفساد المالي وخصوصًا الرشوة والتهرب الضريبي، لدرجة أنه أعطى مؤسسات الاتحاد الأوروبي أرقامًا مغلوطة عن اقتصاده للقبول بالانضمام للاتحاد، ومع تزاوج تلك الصفات وصفات الجشع والفساد التي يقوم عليها النظام الرأسمالي نفسه الذي يقوم عليه الاتحاد الأوروبي، فقد تلاقت تلك الصفات مع بعضها البعض، وأنتجت مديونية بمئات المليارات، وحيث إن الفائدة الربوية للبنوك الأوروبية، والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي مجزية بشكل واضح، فقد حصل وأن أعطيت اليونان قروضًا أكثر مما تستحق وفوائد ربوية عالية، ومع حصول الأزمة المالية العالمية، فقد انكشف المستور، وبان عوار الدولة الأضعف وهي اليونان، ومنذ بداية الأزمة المالية العالمية بدا العجز يظهر في سداد الديون، وذلك بسبب الركود المحلي لليونان والعالمي كذلك، وهنا بدأ الترقيع بسداد الديون بالاستدانة ثانية، وبفوائد أعلى من السابق، وسنة بعد أخرى ظهر العجز للعيان، وكادت أن تشهر اليونان إفلاسها، وما زالت مهددة بذلك لولا ضخ القروض لسداد الديون المستحقة، وفوائدها والتأمين على القروض، ولإبقاء اليونان على قيد الحياة الاقتصادية، وعند خروجها من الاتحاد الأوروبي وإشهار الإفلاس، وليس كل ذلك حبًا وخوفًا على اليونان، بل لأن الكارثة ستطال كل دول الاتحاد وخصوصًا ألمانيا وفرنسا الدائن الأكبر، وقد يكون الأمر بداية تفكك، وانهيار الاتحاد الأوروبي، ولذلك نجد هذه الأيام كل دول أوروبا تترقب نتائج المحادثات الجارية، والتي لا يزيد عمرها عن ثلاثة أيام، والتي من المنتظر والمتوقع أن تمدد أشهرًا معدودة، ويتم الإفراج عن جزء للسداد المطلوب نهاية هذا الشهر الجاري، وحتى يتم التوافق على إمكانية تنفيذ الشروط من الحكومة اليسارية التي قد لا تطول أيامها بسبب نكوصها عما وعدت من وقف المزيد من التقشف، ورفع ضريبة القيمة المضافة وتخفيض معاشات التقاعد، وكما يظهر فإن النتائج ستكون اليوم أو غدًا كارثية على الطرفين أي على كل الاتحاد الأوروبي، وتعود اليونان لعملتها القديمة أي الدراخما وستمنى بوضع اقتصادي سيئ للغاية، ولسنوات حتى تستطيع أن تسترد عافيتها، هذا إن استطاعت، وحسب قناة CNBC في 2015/6/27 فإن رئيس وزراء اليونان اليساري تسيبراس سيستفتي اليونانيين حول شروط وعرض وزراء مالية مجموعة اليورو في الخامس من تموز/يوليو المقبل، واصفًا الشروط بالمذلة.


العلاج والحل:


المبدأ الرأسمالي مبدأ له من اسمه النصيب الأكبر، فهو مبدأ لا يعرف إلا رأس المال والمنفعة المادية، فمبدأ "دعه يعمل دعه يمر فهو حر" أساسه مادي بحت، ولا يحتوي أي قيمة إنسانية أو روحية، فما دام هناك فائدة ومنفعة، فلا مانع من الاستمرار بالعمل مهما كانت النتائج، فالمتنفذون وأصحاب رؤوس الأموال همهم الربح الآني، ولا ينظرون إلى المستقبل، أو إمكانية الضرر الواقع على إحدى الجهتين، لدرجة أنهم باعوا واشتروا مالاً بمال، واشتروا ديونًا بحكم الميتة، وباعوا ما لا يملكون، أي كبائع السمك بالماء، وتهربوا من الضرائب، وابتكروا أدوات مالية لم تخطر على بال علماء الاقتصاد، وكل ذلك من ابتكارات السوق، حيث لا حسيب ولا رقيب، ولا حرام ولا حلال، وكل ذلك على أساس الحرية المطلقة في التعاملات ما دام التراضي متوفرًا، وعليه وبعد هذه الأزمة المالية العالمية التي لا سابقة ولا مثيل لها في التاريخ، حيث لم يستطيعوا ترقيعها ولا تقويم اعوجاجها، فإنهم يماطلون ويمدون بعمر ديون الدول، وتراكم الفوائد بأرقام فلكية وعلى شاشات الحواسيب، حتى لا يبقى لمعتذر عذر وتنكشف الأمور، وتثور الشعوب كما حصل في أمريكا بوول ستريت وإسبانيا واليونان، وسيكون الحبل على الجرار وستكون ثورات جياع تأكل الأخضر واليابس، وينكشف الأخطبوط الرأسمالي الذي التهم وافترس العالم أجمع لمدة زادت عن قرن من الزمان.


والحل بأن يبحث العالم عن حل ينقذ البشرية من هذا الجشع والتوحش الرأسمالي، ولا يكون ذلك إلا بمبدأ رباني يكون نظامه من جنس عقيدته، ويطبق على البشرية بعدل وإنصاف ورحمة، ولا فرق بين من يعتنق المبدأ أو من يعتنق خلافه، فالكل سواسية أمام حكم المبدأ الرباني، والعالم كله يشهد ذاك المخاض، ومحاربة ذاك المبدأ الذي ينقذ البشرية من نفر استعبدوا العالم بجشعهم الرأسمالي، عن طريق تزاوج السياسة ورأس المال، وما مقاومة الإرهاب واتهام الإسلام به إلا إشارة واضحة لما يخوضه العالم من مخاض للتحول من الرأسمالية إلى المبدأ الرباني الإسلامي واقتصاده الذي نعمت به البشرية قرابة 1300 عام أي حتى عام 1924م حيث تم هدم الخلافة الإسلامية العثمانية، فلا خلاص إلا بعودتها لتكون الدولة الأولى عالميًا، وتحق الحق بين بني الإنسان كل الإنسان.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
وليد نايل حجازات - أبو محمد


لقراءة الجزء الثاني اضـغـط هـنا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني