عمل شابات حزب التحرير شرف عظيم لا ينبغي لحكومة بنغلاديش الخادمة للغرب أن تقوم به
September 17, 2015

عمل شابات حزب التحرير شرف عظيم لا ينبغي لحكومة بنغلاديش الخادمة للغرب أن تقوم به

عمل شابات حزب التحرير شرف عظيم
لا ينبغي لحكومة بنغلاديش الخادمة للغرب أن تقوم به
(ضمن حملة المعتقلات في بنغلاديش)

إن الصراع بين الحق والباطل صراع أبدي منذ أن خلق الله الأرض إلى أن يرثها ودائما الحق ينتصر ويزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا. وفي ظل العمل الدؤوب لحزب التحرير لتبصير الأمة بقضيتها المصيرية (إقامة دولة الإسلام الخلافة الراشدة على منهاج النبوة) دعا حزب التحرير بنغلاديش لمؤتمر عبر الإنترنت وقام شبابه، مجاهدو كلمة الحق التي تقض مضاجع الباطل دائما، بتوزيع منشورات للدعوة للمؤتمر، وهم يقومون بذلك تم اعتقال فتاتين من شابات حزب التحرير في بنغلاديش، يوم الأحد 30 آب/أغسطس الماضي، من قبل حكومة حسينة وبلطجيتها. والتهمة هي الدعوة‏ لإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، وتوزيع منشورات، هذا الشرف العظيم الذي لا ينبغي لحكومة حسينة الخادمة للغرب وبرامجه أن تقوم به، وهذه الحكومة التي تدعي أنها تقوم بمجهودات جبارة لما يسمى بتمكين المرأة وإعطائها كافة حقوقها السياسية والاقتصادية وغيرها، حسب ما يمليه عليها المجتمع الدولي عبر برامج لا تتوقف، مع العلم أن معظم السكان مسلمون يعتنقون عقيدة، لها أفكار ومفاهيم ومقاييس عن الحياة.


ولكن حكومة حسينة تصر على أن تكون خادمة مطيعة للغرب وثقافته السطحية المادية، وتقف حجر عثرة في وجه كل من يدعو للخلافة، وها هي تتجرأ باعتقال أختينا عضوتي حزب التحرير رغم أنهما ما فعلتا إلا ممارسة حقهما السياسي بالدعوة بالفكر الرصين؛ فكر الإسلام العظيم لحل معضلة المرأة وكل المسلمين بتشريع من خالق البشر بأساليب ووسائل سلمية مشروعة (توزيع منشور)، ولكن فرعونة بنغلاديش قالت ﴿ما أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرشاد﴾.


إن بنغلاديش تفتح الأبواب للمنظمات الدولية الخاصة بحقوق المرأة والتي تصدر دوريا تقارير مطولة عما أسموه ضحايا العنف والعنف المنزلي وانتهاك لحقوق المرأة، وتجرى البحوث التي تتحدث في خصوصيات الأسر والعائلات، وتسهب في ذلك بأيدي المنظمات النسوية التي تبث سمومها الفكرية فتجعل من المرأة عدوا للرجل، لا هم لها إلا فتح البلاغات ضده وتقديمه للمحاكمات بوصفه هاضما لحقوقها التي لم تدرك حقيقة من أضاعها، بل عمي عليها حتى تناست أنها ستر للرجل والرجل ستر لها، كما حض دين الإسلام الحنيف الذي تعتنقه، مما يدل على أثر ما تفرضه الدولة من قوانين وثقافة غربية ضحلة فاسدة أفسدت على الناس حياتهم وزادت من نسب الطلاق والخلافات الأسرية، ويتم ذلك بمساعدة وإسناد من الحكومة التي تقدم كل التسهيلات. فأصبحت أداة لتفريق الأسر والزج بها في مهاترات ومحاكم لم يعهد لها مثيل، والتي لم تحل مشكلة بل أزّمت المشكلات، خدمة لثقافة التحرر ومساواة المرأة بالرجل التي يكتوي الغرب بنارها، ويكاد يشيخ مجتمعه بسببها والمنظمات النسوية فرحة طربة وهي تعزف على أوتار العلمانية في بلاد المسلمين وترى أن هناك تقدما في مجال حقوق المرأة بالمقياس الغربى وتطلب المزيد.


وسط كلّ الإشادة العالمية التي حصلت عليها بنغلاديش لبرامجها الرامية إلى تقليص (معدلات الفقر) والعنف ضد المرأة في بنغلاديش، والدمج بين الفقر والعنف ضد المرأة، هو تسويق لبضاعة الغرب التي طال كسادها عند المسلمين، رغم الأوضاع الحرجة التي يعيشونها، وسط هذه الإشادة الدولية هناك حركة قوية لحقوق المرأة على الأساس الديمقراطي، دافعت عن إصلاحات في القانون على مدى عقود. وقاد ذلك إلى خطوات ملموسة باتجاه إصلاح القانون بل تغييره لمجاراة المجتمع الدولي وشرائعه الفاسدة والتي ترعاها الحكومة بعين بصيرة وتحتضنها بكلتا ذراعيها وتبذل جهدا مضنيا في سبيل ذلك، وعلى سبيل المثال:


1/ المذكرة الخاصة التي أصدرها البنك الدولي في عام 2005 أن بنغلاديش أحرزت تقدمًا مذهلاً في التنمية البشرية في مجالات التعليم والمساواة بين الذكور والإناث في التعليم والحد من النمو السكاني.


وهنا خلط الحابل بالنابل ودس السم في الدسم، والدليل في مجال التعليم؛ ففي الثمانينات من القرن العشرين، مولت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية برنامج المنح التعليمية للإناث من أجل تشجيع الطالبات على الالتحاق بالمدارس الثانوية بموجب برنامج مساعدة المدارس الثانوية للبنات، كانت رواتب المعاشات تمنح إلى الفتيات بغض النظر عن ثروات عائلاتهن من أجل تسديد الرسوم المدرسية على أساس ثلاثة شروط يجب أن تلبيها الفتيات: الحضور إلى المدرسة بنسبة لا تقل عن 75 بالمئة من السنة الدراسية، الحصول على معدل لا يقل عن 45 بالمئة من العلامات في الامتحانات النهائية، والبقاء غير متزوجات حتى إكمال التعليم الثانوي، وهنا مربط الفرس لا تهم الدرجات المتدنية، فقط على الطالبة أن لا تتزوج والمنحة المعيشية توفر لها استقلالاً عن الأسرة. أى درجة من شيطنة المجتمع يريد الغرب أن يوصل المسلمين لها؟ إنه يريد أن يعيش المسلمون نفس نمط عيشه ويسلكون ذاك المنحدر الذي يسلكه.


أفضى برنامج المساعدات هذا أيضاً إلى تحقيق زيادة مبهرة في التحاق الإناث بالمدارس الدينية وحوّل نظام المدارس الإسلامية المسجلة في البلاد من نظام يسيطر عليه الذكور إلى نظام تعليم مختلط! اختلاط في المدارس الدينية هل ينتج علماء وعالمات دين أم يجفف الدين عند منابعه؟


قاتل الله حكومة حسينة التي تستجدي وتستجيب للغرب الكافر الحاقد على الإسلام.


وأعلن حينها أن برنامج المساعدات هذا خفض من نسب الخصوبة ووفيات الأطفال وتعزيز المساواة بين الجنسين (داونى بالتي كانت هي الداء) أين محاربة الفقر بين النتائج، لا مهتمة بالفقر ولا الفقراء، حكومة بنغلاديش يهمها كرسيها المعوجة قوائمه والغرب تهمه أفكاره الباطلة ومعالجاته الفاسدة؟


انتهت هذه الخطة الأمريكية للمساعدات المشروطة في 2001م والمرحلة الثانية منها انتهت في 2008م والآن يجري العمل بنسخة معدلة من برنامج المساعدات الأمريكية.


2/ في العام 2010م، أصدرت بنغلاديش تشريعاً وصف بأنه تاريخيٌ للحماية من العنف الأسري، والوقاية منه، يعترف ببعض أنواع "الخسائر الاقتصادية" للنساء المتزوجات كشكل من أشكال العنف الأسري. ويمنح النساء الحق في الإقامة بالبيت الزوجي والمطالبة بنفقة مؤقتة طارئة ولكن لم تبحث أسباب الفقر والأوضاع الاقتصادية الخانقة التي تمس المرأة والرجل جراء تطبيق الرأسمالية التي لا ترحم البشر ولا الشجر ولا الحجر، ولم يبحث أثر الحكومة ومسؤوليتها تجاه الفقراء من النساء في مصانع النسيج التي تنتج أرقى الملابس القطنية للتصدير للغرب بأجور غاية في الزهد وأولئك اللاتي يمتن من نقص الرعاية الطبية والفقر والجوع في أصقاع بنغلاديش الخصبة التربة الغنية بالثروة التي تستأثر بها الطغمة الحاكمة ومعارضتها وهم يلعبون لعبة السلطة القذرة على الأساس الرأسمالي.


3/ وفي العام 2012م دعمت وزارة العدل والشؤون البرلمانية بحث اللجنة القانونية في بنغلاديش لتوصية إصلاحات على قانون الأحوال الشخصية قالت هيومن رايتس ووتش إن على حكومة بنغلاديش أن تصلح فوراً قوانين الأحوال الشخصية، وأن تركز على الحقوق الاقتصادية للمرأة. قامت لجنة التشريع في بنغلاديش مباشرة باتخاذ خطوات وصفت بالمهمة ترمي لمراجعة قوانين الأحوال الشخصية المتعلقة بالزواج والانفصال والطلاق، وأوصت في عام 2012م بتغييرات أسهمت المدافعات عن حقوق المرأة (حركات نسوية) وأكاديميون في عملية المراجعة هذه، وطال ضغطهم منذ فترة طويلة من أجل هذه الإصلاحات الاجتماعية وهم شركاء الغرب والحكومة في التغريب.


الحكومة في بنغلاديش تبحث عن تعديلات للإجراءات في محاكمها بكل جدية. وفي بيان شديد اللهجة صدر في أيلول/سبتمبر، جدّدت سبع منظمات رائدة لحقوق المرأة مطالبتها بإصلاح قوانين الأسرة، تعهدت الحكومة ضمن المبادرة العالمية الجديدة "مبادرة الشراكة للمستقبل المتساوي" بأن تقوم بعمل ملموس لتعزيز حقوق المرأة من خلال تطوير خطط عمل لتطبيق القوانين والسياسات القائمة.


ولكن كل هذا لا يكفي بل تزيد المطالب من كل الجهات الآنفة بأنه ينبغي تحقيق أكثر من ذلك. وأنه حان الوقت كي تتخذ الحكومة إجراءات تهدف إلى إنهاء التمييز القانوني وضمان مساواة حقوق المرأة في الممتلكات الزوجية، وتنظيم إجراءات محكمة الأسرة. في إشارة واضحة لقانون الأحوال الشخصية.


إن حكومة بنغلاديش بهذه الأعمال، يتحقق فيها أنها عميلة بامتياز للغرب وثقافته التي أزكمت الأنوف، وبهذا الحال هي عدوة للإسلام والمسلمين، بالعمل على تقويض الثقافة الإسلامية والدعوة والدعاية للثقافة العلمانية الفاسدة.


لهذا لا بد من الصدع بالحق في وجه هذه الحكومة التابعة الذليلة، هذا الوجه الكالح الذي لا يخشى الله ولا يتقيه، وما تلاقيه أخواتنا المعتقلات هو سهم أسهمن به في نصرة دين الله من يدفعه يعلو عند الله وخلقه، فآسيا بنت مزاحم وماشطة بنت فرعون وسمية وغيرهن نساء سطرن أسماءهن بمداد من نور ولقين فقط ما قدره الله لهن بقلوب صابرة محتسبة. فهنيئا لمن صبر واحتسب، اللهم صبر أخواتنا المعتقلات على دينهن، وانصرهن نصرا عزيزا تعز به من نصرك، وتذل به حسينة وحكومتها في الدنيا والآخرة كما ذل فرعون والطغاة أجمعون بنهاية مؤلمة لمعاندتهم الحق والحقيقة وكذلك سينتهي كل مزيف للحق ضال.


قال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ * وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ * وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ [سورة غافر: 26-33].


كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
غادة عبد الجبار - أم أواب

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني