عندما يصبح الدين تجارة!
December 31, 2014

عندما يصبح الدين تجارة!

انتشرت في الفترة الأخيرة تهمة المتاجرة بالدين وتعالت أصوات المنادين بفصل الإسلام عن السياسة والحذر من أي خطاب ديني أو نقاش مبني على أسس عقدية، روّجت هذه الفئة العلمانية على أنها الحصن الأمين أمام ابتزاز المتاجرين بالدين وتناقلوا مقولة ابن خلدون: "الفتن التي تتخفى وراء قناع الدين تكون تجارة رائجة جدا في عصر التراجع الفكري للمجتمعات".


حصرت هذه الأقلام مشاكل العصر بمظاهر التدين وتذمرت من الملتزمين بل واتهمت المنقبة والملتحي والفقيه بأنهم يتاجرون بالدين ويبالغون في إظهار تدينهم بينما ادّعوا هم حمل لواء الوعي والتنوير والعقلانية. تغنّى أصحاب هذه الأقلام بنغمة كشف مخططات المنتفعين من الدين وضرورة التفريق بين من يخدم الدين ومن يستغله. خرجوا يحاربون من يعطي الفتاوى الدينية دون تصريح وزي رسمي وسخروا منه وتهكموا عليه وكأنه يبيع صكوك الغفران في عصور الظلام.. ارتبطت شعارات لا دين في السياسة ولا تجارة في الدين وليحيا الدين نقياّ "روحانيا".


ولكن اللافت للنظر أنّ تِلكمُ الأقلام المتحمسة جفّ مدادها عندما اجتاحت الدول الغربية في الأيام القليلة الماضية حمّى التسوق باسم الدين. لم نسمع عبارة المتاجرة بالدين بل على العكس تبادلوا التهاني وانتقدوا من لم يشارك في أعياد النصارى واتهموهم بمحاربة قيم التسامح وعدم احترام الآخر. لم يروا بأسا في تزاحم الناس على الأسواق في إطار التجهيزات لأعياد الميلاد ومليارات الدولارات التي تسرق من جيوب الفقراء تحت مسمى إحياء الشعائر الدينية!! تجهيزات لأعياد دينية تكون أبعد ما يكون عن الروحانيات وتخنقها النزعة الاستهلاكية.


لم يعد الكريسماس مناسبة دينية روحانية واحتفالات عائلية بسيطة بل هيمنت عليه الرموز الدينية التي تحولت مع الوقت لتجارة مربحة مثل شجرة الميلاد وطقوس شراء وتبادل الهدايا والاحتفاء بأسطورة بابا نويل (سانتاكلوس أو نيكولاس) أو مراسم عشاء الميلاد. لم يعد الكريسماس عيداً للنصارى فقط بل أصبح طقساً موسمياً يحتفل به أيضاً الملحدون وأصحاب الديانات الأخرى، يحضرون له ويشاركون بطقوسه الاستهلاكية ويقبلون فيه على الشراء واقتناء المنتجات المميزة لهذا الموسم.


أصبح عيد الميلاد "الكريسماس" أكبر محفز اقتصادي economic stimulus"" للعديد من الدول حيث تزدهر التجارة وترتفع المبيعات بشكل ملحوظ، قطاع التجزئة في الولايات المتحدة الأمريكية حصل على أرباح تصل لثلاثة ترليون دولار في عطلة عام 2013 مما يعني 19.2% من إجمالي مبيعات ذلك العام. أما التوقعات لهذا العام بالنسبة لمبيعات التكنولوجيا الملبوسة في فترة عيد الميلاد في بريطانيا (ساعات وخلافه) فقد تتجاوز 104,7 مليون جنيه استرليني (ريتيل تكنولوجي 24/12/2014).


يصاحب أجواء قداس عيد الميلاد تكهنات ورصد لإيرادات السينما والمسارح ووسائل الترفيه وسباق شرس للشركات من أجل الوصول إلى القمة والمحافظة على النجاح. تستمر حمّى الشراء لأسابيع عدة فما أن تنتهي أعياد الميلاد حتى يبدأ موسم التخفيضات المنتظر ويخرج الناس قبل الفجر ليقفوا بالساعات الطوال.. ازدحام في المتاجر وليس الكنائس وطوابير لشراء الماركات العالمية وليس للصلوات والابتهالات.. يضحي الشخص بنومه وراحته وحتى كرامته ليحصل على مطلبه فيضيء ذلك المكان المظلم في قلبه ولو لدقائق.


إنه موسم الشراء من أجل الشراء، يشتري الجميع الهدايا للآخرين وتكون معظمها هدايا غير مرغوب فيها فيعمل صغار الرأسماليين على ابتكار أسواق ثانوية تستفيد من هذه الهدايا وتعيد تداولها بين الناس. عيد ميلاد يتحول في كل عام لعيد تتويجٍ للرأسمالية وحفلٍ لتقديس الماركات العالمية، يحتفي فيه المتعبدون بآخر إصدار لشركة أبل وآخر صيحات بيوت الأزياء من العطور والأزياء وغيرها. يتزاحم فيه الناس على شراء النسخ الفريدة من المصمم والمحلات الكبرى وكأنهم في مناسك مقدسة يسعون لرضا خالقهم عبر أفعال مخصوصة.. انقلبت الآية فتحول الكريسماس من عيد ديني لواقع أصبح فيه التسوق ديناً!


كل هذا وألسنة دعاة العلمانية في بلادنا مسلطة على محاربة الإسلام السياسي بل ولا يجدون غضاضة في المساهمة بالدعاية لأغلى شجرة عيد ميلاد أو التفنن في إهدار الأموال على الألعاب النارية ليلة رأس السنة أو استيراد أسطورة سانتاكلوس (بابا نويل أو نيكولاس) وطرحها لأطفالنا بكل الوسائل وكأنها من تراث البادية، سوّقوا الأسطورة في أرجاء العالم حتى ألِفها الصغار وتعلقوا بها.. وفي كل عام تطل علينا أسطورة سانتاكلوس بزيه الأحمر المميز ولحيته الناصعة البياض ووجهه الضحوك وهو يحمل جرابه ويطوف على البيوت حاملاً الهدايا مخاطباً خيال الطفل وغريزة التملك في الإنسان وحبه للاهتمام.


قد يحلم الناس في الغرب بكريسماس أبيض ينزل فيه الثلج ليعم التفاؤل والأمل والرخاء ودفء الأسرة ولكن أيفترض أن يشاركهم أهالي خط الاستواء وأقاصي آسيا وأمريكا الجنوبية هذا الحلم؟! هل يحلم بالثلج من حُرم الدفء وافترش الطرقات أو ذاق مرارة العيش في المخيمات؟! هل يسرح الأطفال بعربة بابا نويل وتطربهم ضحكته المميزة وهو يجتاح الثلوج بسحر وبطولة ليوصل الهدايا الثمينة وهم لا يجدون التعليم والدواء والماء النظيف في الألفية الثالثة.. إنه الحلم الأمريكي يلبس قناع الأعياد الدينية.. لعمري إنها أضغاث أحلام يفيق منها جياع العالم على بطون تقرقر وريق ناشف وثياب رثة وصوت المدافع والرشاشات ولوعة اقتتال الأهل على الفتات.


والأعجب مما سبق أيها الكرام، أن المنتقدين للمتاجرة بالدين ملأوا الدنيا ضجيجاً ولكنهم لا يرون حرجاً في دعم الدول لشخصيات معينة وإظهارهم بمظهر رجال الدين واحتكار هؤلاء للإفتاء والمجامع. يحاربون تجارة الدين ولا يهاجمون تقييد الفكر والرأي والحجر على المخالفة المبنية على أسس شرعية وهيمنة أسماء معينة على الوسط الفقهي والثقافي.. لا يرون أن الإصرار على المحافظة على الوضع الحالي فيه ترسيخٍ لفكرة رجال الدين بل وإفساد لهم. هذا لأن الأصوات المتعالية التي ترفض المتجارة بالدين تقدس الاحتكار والقوالب النمطية وتهاب التغيير الجذري المبدئي وترى أن لهم سهما مهمّا في المحافظة على "المونوبولي". إنهم يرون رجال الدين الذين يبنون القصور من وراء دعم السلاطين المفسدين وتأييد أصحاب المليارات ولا يأخذون على أيديهم بل يتركون الحديث مرسلا لأن تجار الدين لا يعنونهم في شيء فهم يرمون إلى ما هو أبعد من ذلك.. إنهم يرفضون أن يكون للدين أي أثر في الحياة ومصالحهم متوافقة وليست متعارضة مع المفسدين من حملة العلم (ولا نقول عنهم علماء حتى يعودوا لرشدهم ويقدروا الله حق قدره). نعم إن من يحارب المتاجرة بالدين قد لا يهمه أمر العلماء المفسدين وإن باعوا صكوك الغفران في كبرى الميادين وقبضوا الثمن على عيون الأشهاد لأن مراده أن لا يحكم الناس بشرع الله ولكن الله متم نوره ولو كره من في الأرض جميعا.


قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى أبواب السلاطين افتتن، وما ازداد أحد من السلطان قرباً إلا ازداد من الله بعداً».


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
أم يحيى بنت محمد

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني