"انهيار الأسرة" في المجتمعات الغربية العلمانية الجزء الأول: واقع الانهيار الأسري في الدول العلمانية الغربية
October 03, 2018

"انهيار الأسرة" في المجتمعات الغربية العلمانية الجزء الأول: واقع الانهيار الأسري في الدول العلمانية الغربية

"انهيار الأسرة" في المجتمعات الغربية العلمانية

الجزء الأول:

واقع الانهيار الأسري في الدول العلمانية الغربية

(مترجم)

في نيسان/أبريل 2008، ألقى القاضي بول كولريدج وهو القاضي المسؤول عن محاكم الأسرة في جنوب غرب إنجلترا خطابا أمام محامي الأسرة من منظمة "الحل"، حيث وصف الحياة الأسرية في بريطانيا بـ"الانهيار" والذي هو وباء التفكك الأسري. وقال إن "عددا كبيرا من الأسر الآن متكونة من أطفال تربيهم أمهات لديهن أطفال من عدد من الآباء المختلفين الذين لا يشاركون أياً من أبنائهم في حياتهم أو في دعمهم أو تنشئتهم... وهذه الأسر ليست مهملة فهي تشكل جزءاً من تجارة محاكم الأسرة". وتابع قائلا: "تقريبا كل المشاكل التي يعاني منها المجتمع يمكن أن تعزى مباشرة إلى انهيار الحياة الأسرية، ونحن نعلم ذلك، ابحث في سبب وجود كل طفل في نظام الرعاية أو نظام قضاء الشباب وستكتشف أسرة مكسورة وكذلك مدمن مخدرات ومدمن الكحول، حتى أولئك الأطفال الذين يتغيبون عن المدرسة أو الذين لا يحسنون التصرف في المدرسة. اخدش سطح هذه الحالات وستعثر على عائلة بائسة تشرف عليها علاقة مختلة ومكسورة بين الوالدين أو لا مشرف لها".

وجاء هذا الوصف العليل للحياة الأسرية في بريطانيا في أعقاب الأخبار الأخرى، بما في ذلك انخفاض معدلات الزواج في إنجلترا وويلز إلى أدنى مستوى لها منذ بدأت السجلات في عام 1862م (مكتب الإحصاءات الوطنية (أونس)) ووجود ارتفاع في معدلات الطلاق إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1996. وقد ترددت هذه الآراء المتعلقة بانهيار هيكل الأسرة في بريطانيا أيضا من قبل العديد من السياسيين والأكاديميين والمعلمين في البلاد. بما فيهم روبرت ويلان من مركز أبحاث سيفيتاس: معهد دراسات المجتمع المدني، الذي كثيرا ما ينصح الحكومة البريطانية بشأن القضايا المدنية، فقد وصف التفكك الأسري بأنه مشكلة كبيرة جدا لمساعدة الدولة على حلها. وقال إن "الدولة قد تكون قادرة على صب المال وقصف الأطفال بمساعدة إذا كانت هناك نسبة ضئيلة من الأسر المتفككة، لكنها لا تستطيع التعامل مع مشكلة على هذا النطاق". كما قال كارين وودال من مركز الأسر المنفصلة: "انفصال الأسرة هو في الواقع حقيقة من حقائق الحياة في بريطانيا في جميع أنحاء المجتمع. إذا أحصيت أعداد أجداد الأطفال الذين انفصلوا عن آبائهم والبالغين من الأزواج وغيرهم من الآباء المنفصلين، فمن المرجح أن الطلاق والانفصال هو قضية تؤثر على نصف السكان". كما قال المعلمون والمحاضرون في المؤتمر السنوي لعام 2008 لرابطة المعلمين بأن هناك "حلقة سامة" من الانهيار العائلي الذي يؤثر على قدرة الأطفال على التعلم فضلاً عن صحتهم العقلية ورفاهيتهم.

وعلى مدى العقد الماضي،كان حجم الانهيار في وحدة الأسرة في بريطانيا قد ازداد. في الواقع، فقد كان في الهاوية. حذر كريستيان غي، مدير مركز (العدالة الاجتماعية)، وهو مركز تفكير بريطاني يقدم المشورة بشأن القضايا الاجتماعية في بريطانيا، في تقرير نشر في عام 2013 بعنوان "الأسر المتفككة: ومسائل الاستقرار" قال بأن هناك ""تسونامي" من انهيار الأسرة ضرب البلاد". وقال إن التكاليف البشرية والاجتماعية والمالية "مدمرة" للأطفال والكبار على حد سواء ولكن بغض النظر عن مواجهة هذه "الطوارئ" الوطنية، إلا أن استجابة السياسيين من اليسار واليمين كانت "ضعيفة".

هذا التسونامي من انهيار الأسرة يتجلى في الدول في جميع أنحاء العالم الغربي. ففي بريطانيا يبلغ معدل الطلاق 42٪ (وفقاً لمكتب الإحصاءات الوطنية). وفي عام 2012 كان هناك 13 حالة طلاق كل ساعة في إنجلترا وويلز. وفي أمريكا 53٪ من الزيجات تنتهي بالطلاق، وفي السويد نسبتها 64٪، وفي بلجيكا 70٪ (بحسب أرقام من رجال الأعمال من الداخل). ووفقا للمكتب الإحصائي للجماعات الأوروبية (يوروستات)، تضاعف معدل الطلاق بين عامي 1965 و2013 في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ28.

وقد صاحب هذه الزيادة الضخمة في الطلاق زيادة كبيرة في الأسر وحيدة الوالد - الأسر التي يعيش فيها الطفل مع أمه أو أبيه. وفي بريطانيا، ارتفع عدد الأسر وحيدة الوالد بنسبة تتراوح بين 25 في المائة إلى حوالي 2 مليون أسرة في الفترة ما بين عامي 1996 و2012، وتمثل الآن ربع جميع الأسر التي لديها أطفال معالون. في الواقع، وفقا للأرقام الحكومية، فإن ما يقرب من نصف مَن أعمارهم 15 سنة في البلاد لا يعيشون مع والديهم بشكل طبيعي. وفي التجمعات المحلية الأشد فقرا، يرتفع هذا المعدل إلى 2/3 من جميع المراهقين. وترأس الأمهات الغالبية العظمى (92 في المائة) من الأسر الوحيدة الوالد التي لديها أطفال معالون، وكثيرون يكافحون من أجل تربية أطفالهم بمفردهم، في حين إنهم أيضا هم المزود الوحيد لأسرهم. وفي كل عام، ينضم 20.000 شخص معظمهم من النساء إلى أولئك الذين يربون أطفالهم وحدهم. والنتيجة هي أن أعدادا كبيرة من الأطفال في بريطانيا، 1 من كل 3 في الواقع، يكبرون دون أب في المنزل، مع ما يقدر بنحو 1-2 مليون منهم حرموا من أي اتصال هادف مع آبائهم (وفقاً لمكتب الإحصاءات الوطنية)، وكثير منهم ليس لديهم أي اتصال على الإطلاق بآبائهم. وأظهر الرقم الرسمي لتسجيل المواليد لعام 2015 أن أكثر من نصف الأمهات المراهقات الجدد لا يعشن مع الأب أو أن اسم الأب غير مسجل. ويذكر معهد الأبوة أنه عندما يبلغ الطفل 16 عاما من عمره، فإن 1 من كل 6 أطفال في بريطانيا لا يرون والدهم على الإطلاق. وقال ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني السابق في خطابه في مؤتمر حزب المحافظين 2015 "اليوم، المراهقون ممن يسعون للحصول على شهادة الثانوية هم أكثر ميلاً لامتلاك الهاتف الذكي بدلاً من أب يعيشون معه".

إنها قصة مماثلة لما هو الحال في دول علمانية غربية أخرى. فوفقا لتعداد أمريكا لعام 2010، يعيش 1 من بين كل 3 أطفال في أمريكا (الـ15 مليون) بدون أب، ويعيش ما يقرب من 5 ملايين طفل دون أم. وفي بعض المناطق الحضرية، يوجد طفل واحد فقط من بين كل 10 أطفال يعيش مع أبيه.

إلى جانب هذا الوباء من انهيار الأسرة داخل الدول الغربية العلمانية كان الانخفاض الهائل في معدلات الزواج داخل هذه البلدان على مدى العقود القليلة الماضية. ووفقا للمكتب الإحصائي للجماعات الأوروبية، بين عامي 1965 و2013، انخفض معدل الزواج في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ28 بما يقرب من 50٪ من حيث القيمة النسبية. في بريطانيا، على مدى السنوات الأربعين الماضية، انخفضت نسبة السكان البالغين المتزوجين من حوالي 70٪ من السكان إلى أقل من النصف. وشهد عام 2013 أدنى معدل زواج في السجل. ووفقا لمكتب الإحصاءات الوطنية، لن يتزوج سوى نصف المراهقين اليوم في البلد. وفي معظم بلدان الشمال الأوروبي مثل آيسلندا والدنمارك والنرويج، لا تتزوج سوى حوالي 30 في المائة من النساء، بينما ينخفض ​​ذلك إلى أقل من 20 في المائة من النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 25 و29 عاما (worldatlas.com).

وعلى النقيض من هذا الانخفاض في معدلات الزواج، فإن السكن المشترك (الأزواج الذين يعيشون معا خارج إطار الزواج) داخل الولايات الغربية قد صعدت السماء عندما أصبحت معترفاً بها في المجتمعات الليبرالية كشكل مقبول من "هيكل الأسرة"، أخلاقيا على قدم المساواة مع الزواج. وهكذا، في بريطانيا، فإن أقل من 1% من البالغين الذين تقل أعمارهم عن 50 عاما يعيشون سوياً خارج إطار الزواج وذلك عام 1960، وقد ارتفعت هذه النسبة إلى 1 من كل 5 اليوم (مكتب الإحصاءات الوطنية)، حيث أصبحت تضم 3.3 مليون أسرة. والواقع أن العيش خارج إطار الزواج كان أسرع أنواع الأسر نموا على مدى العقدين الماضيين في البلد. هذا على الرغم من أن التقرير بعد التقرير، والدراسة تلو الدراسة كشفت أن الزواج هو الطريقة الأكثر استقرارا لإنجاب الأطفال، مع كون الأسر على أساس المعيشة خارج إطار الزواج أكثر عرضة للانفصال عن تلك القائمة على الزواج. ووفقا للأرقام الصادرة عن مؤسسة الزواج، فإن الأطفال البريطانيين المولودين لأبوين غير متزوجين هم أكثر عرضة بنسبة 94٪ لرؤية انفصال آبائهم قبل سن 12 عاما مقارنة بالأطفال المولودين لأبوين متزوجين.

ونتيجة لهذا النمط من الحياة الليبرالية في الغرب، فإنه ليس من المستغرب بالتالي أن الولادات خارج نطاق الزواج ارتفعت في هذه الدول. وتشير أرقام المكتب الإحصائي للجماعات الأوروبية إلى أن نسبة المواليد الأحياء خارج إطار الزواج في بلدان الاتحاد الأوروبي الـ28 في عام 2014 بلغت 42 في المائة. وفي عام 2015، تجاوز عدد الولادات خارج إطار الزواج عدد الولادات داخل الزواج في عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي: فرنسا - 59 في المائة، السويد - 55 في المائة، الدنمارك - 56 في المائة، إستونيا وسلوفينيا (58 في المائة) (يوروستات). في بريطانيا، ولد ما يقرب من النصف (47٪) من جميع الأطفال خارج الزواج (مكتب الإحصاءات الوطنية)، في حين إن النسبة كانت في عام 1940 حوالي 6٪. ووفقا لدراسة أجراها أكاديميون في جامعة جون هوبكنز الأمريكية، نشرت في عام 2012 فإن 57٪ من الآباء والأمهات في أمريكا الذين تتراوح أعمارهم بين 26-31 أنجبوا أطفالاً خارج إطار الزواج.

وبالإضافة إلى تسونامي انهيار الأسرة في الغرب، هناك أيضا مشاكل رئيسية أخرى تؤثر على الحياة الأسرية، مثل ضيق الوقت الذي يقضيه الآباء مع الأطفال نظرا لأن كلا من الأب والأم يطالبان بتوقعات عمل مما يحد من الزيجات أيضا؛ معاناة "الأم المثالية" التي تكافح من أجل تحقيق التوازن بين مسؤوليات الحياة المنزلية مع وظيفة عالية الأجر؛ وتقلص حجم الوحدة الأسرية مع اختيار الأزواج أن يكون عدد الأطفال أقل أو حتى لا يوجد أطفال على الإطلاق مما تسبب في فجوة وجود "الطفل" في عدد من البلدان بما في ذلك فرنسا وألمانيا وإسبانيا، مما أدى إلى شيخوخة السكان وعدد أقل من الشباب بالمقارنة مع عدد كبار السن.

ومن الواضح أن انخفاض قيمة الحياة الأسرية في بريطانيا وفي كثير من المجتمعات العلمانية الغربية الأخرى، كما هو الحال بالنسبة لعواقب الأسر المتفككة أو المختلة دمرت حياة الكثيرين، ولا سيما الأطفال وزرعت العديد من المشاكل الاجتماعية لهذه الدول. ووصف القاضي بول كولريدج هذا الانهيار العظيم في بريطانيا بأنه "... حالة لا تنتهي أبدا من البؤس الإنساني". ونهر متواصل من المحنة للإنسان".

الجزء الثاني من هذه المقالة سوف يدرس الأسباب الجذرية للانهيار الأسري في الدول الليبرالية العلمانية الغربية.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. نسرين نواز

مديرة القسم النسائي في المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني