انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - إن حصل - مؤذن بتفكك الاتحاد
انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - إن حصل - مؤذن بتفكك الاتحاد

 الاستفتاء الشعبي البريطاني المزمع إجراؤه أواخر حزيران/يونيو من هذه السنة بشأن بقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي من عدمه يدل دلالة واضحة على أن بريطانيا مقبلة على العمل خارج منظومة الاتحاد وعدم تحمل أعبائه؛ فدول الاتحاد البالغ عددها ثمان وعشرين دولة هي في الحقيقة دول ضعيفة اقتصادياً إذا ما استثنيت الدول القوية في الاتحاد مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا. فبريطانيا التي ما انفكت تستعمل الاتحاد لمصلحتها السياسية والاقتصادية ربما لم تعد تجد فيه ضالتها سيما بعد الانهيارات الاقتصادية المتتالية التي تعصف بدوله الواحدة تلو الأخرى، وأبرز مثال اليونان وقبرص؛ ولئن كانت بريطانيا تستعمل الاتحاد لتحقيق التوازن السياسي والاقتصادي مع الولايات المتحدة، فإن هشاشة تركيبة الاتحاد جعلتها تعيد النظر في البقاء فيه؛ فهي ترى فيه في قابل السنوات، بل وربما الشهور القادمة بأنه مقبل على أزمات اقتصادية وسياسية تابعة بالضرورة ستضطر، إن بقيت فيه، على تحمل أعباء يفرضها بقاؤها فيه ويصبح بقاؤها فيه عديم الجدوى بل سيكون ضغثا على إبالة.

0:00 0:00
السرعة:
April 17, 2016

انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - إن حصل - مؤذن بتفكك الاتحاد

انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - إن حصل - مؤذن بتفكك الاتحاد

الاستفتاء الشعبي البريطاني المزمع إجراؤه أواخر حزيران/يونيو من هذه السنة بشأن بقاء بريطانيا عضواً في الاتحاد الأوروبي من عدمه يدل دلالة واضحة على أن بريطانيا مقبلة على العمل خارج منظومة الاتحاد وعدم تحمل أعبائه؛ فدول الاتحاد البالغ عددها ثمان وعشرين دولة هي في الحقيقة دول ضعيفة اقتصادياً إذا ما استثنيت الدول القوية في الاتحاد مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا. فبريطانيا التي ما انفكت تستعمل الاتحاد لمصلحتها السياسية والاقتصادية ربما لم تعد تجد فيه ضالتها سيما بعد الانهيارات الاقتصادية المتتالية التي تعصف بدوله الواحدة تلو الأخرى، وأبرز مثال اليونان وقبرص؛ ولئن كانت بريطانيا تستعمل الاتحاد لتحقيق التوازن السياسي والاقتصادي مع الولايات المتحدة، فإن هشاشة تركيبة الاتحاد جعلتها تعيد النظر في البقاء فيه؛ فهي ترى فيه في قابل السنوات، بل وربما الشهور القادمة بأنه مقبل على أزمات اقتصادية وسياسية تابعة بالضرورة ستضطر، إن بقيت فيه، على تحمل أعباء يفرضها بقاؤها فيه ويصبح بقاؤها فيه عديم الجدوى بل سيكون ضغثا على إبالة.

فعلى الصعيد السياسي فإن الإنجليز وكعادتهم قبل إنشاء الاتحاد وبعده يستعملون باقي أوروبا لخدمة مصالحهم، فهم يستعملون الفرنسيين إذا ما أرادوا مناكفة أمريكا سياسيا أو تعطيل مشروع لها في مجلس الأمن ويجعلونها في مواجهة مع الولايات المتحدة ويتظاهرون أنهم معها، وعندما يتعلق الأمر بالجانب الاقتصادي والمالي يستعملون الرافعة المالية لأوروبا وهي ألمانيا، ولا أدل على ذلك من استخدامهم الألمان في مشكلة اللجوء الأخيرة والتي تحمّل الألمان فيها كل التكاليف عن أوروبا في الوقت الذي نأت بريطانيا بنفسها عن تحمل أي عبء مالي جراء مشكلة اللاجئين.

وما زالت ألمانيا منفردة تحاول سبر المشكلة وحلها ورميت الكرة في الملعب الألماني، وهي ما زالت تعمل على حلها؛ فتغري اليونان بشطب الديون مقابل توطين اللاجئين على أرضها وتدفع لتركيا بعض المال مقابل إغلاق حدودها في وجههم، فبريطانيا تدرك تماما أن ألمانيا وحدها لا تستطيع تحمل أعباء دول الاتحاد سيما بعد خطة الإنقاذ التي تحملت فيها ألمانيا وحدها عبء كل من قبرص واليونان وأيرلندا والبرتغال وإسبانيا، ثم إن بريطانيا تدرك بأن بذور التفكك في أصل بذرة الاتحاد ودوله القوية لن تلبث إلا قليلا حتى تنأى بنفسها عن مشاكل القارة؛ فألمانيا مثلا والتي كانت حريصة على توسيع الاتحاد وزيادة عدد الدول فيه بدأت الأصوات فيها تتعالى للخروج من الاتحاد ومغادرة همومه؛ فقد اكتسب اليمين المتطرف فيها على حساب ميركل وحزبها شعبية - مع حداثة عهده بالسياسة - لأنه يقوم على شعار مناهضة أوروبا وخروج ألمانيا من الاتحاد وشعبيته في ازدياد، فهو يدعو لترك الاتحاد والانشغال بالشأن الداخلي؛ بمعنى أن الشعب الألماني لم يعد يريد أن يتحمل أعباء علاج دول الاتحاد وانهياراته الاقتصادية المتكررة، فهو ما زال ينقم على دولته ضم ألمانيا الشرقية له، مع أن ألمانيا الغربية في ضمها للجزء الشرقي منها استفادت بُعدا جغرافيا وسياسيا في قلب القارة بالرغم من أن أمريكا أرادت بهذا إضعاف ألمانيا وجعلها تنشغل بمشاكلها الداخلية.

وإذا أضفنا إلى هذا النزعة القومية والعرقية والنرجسية التي تغلب على بعض دول الاتحاد من الإنجليز والفرنسيين والألمان علمنا أن أمر تفكك الاتحاد مسألة وقت؛ فالإنجليز مخزونون بالإرث السياسي لهم وتاريخ الدولة التي لا تغيب عنها الشمس، والفرنسيون يتحدثون بالتفوق الثقافي على باقي دول الاتحاد، والألمان يتحدثون بنقاء العرق الآري وضربه في جذور التاريخ؛ لكل هذا وغيره نقول بأن أمر التفكك لا بد سيدرك القارة إن عاجلاً أو أجلاً. فأوروبا لم يكن لها في يوم من الأيام سياسة خارجية واحدة، وما منصب المنسق العام للسياسة الخارجية للاتحاد إلا لغو من الكلام لا قيمة له فهو منصب وهمي، ودول الاتحاد لا يكاد يجمعها سياسة خارجية واحدة؛ فبريطانيا لها سياستها الخارجية وألمانيا لها سياستها الخارجية وفرنسا كذلك لها سياستها الخارجية.

إن الاستفتاء الذي تنوي بريطانيا القيام به في الثالث والعشرين من حزيران من هذه السنة سيحدد مصير الاتحاد ودوله الثماني والعشرين، وإذا ما تم التصويت لصالح ترك الاتحاد فإننا سنشهد تغيرا دراماتيكيا في الاتحاد، وإذا أضفنا له تعالي الأصوات في ألمانيا لترك الاتحاد والانفكاك من مسئولياته فإننا سنكون أمام تفكيك منظومة جغرافية واقتصادية هائلة ستلقي بظلالها على دوله الضعيفة التي ما زالت تعيش عالة على المال الألماني وربما يؤدي ذلك إلى انهيار دول بأكملها في أوروبا، وربما كانت الخطوة البريطانية إن تم التصويت على ترك الاتحاد خطوة استباقية للقفز من سفينة سيدركها الغرق لا محالة. وللتذكير فإن بريطانيا ليست جزءا من الوحدة النقدية لأوروبا (اليورو)، فما زالت تجري معاملاتها بالجنيه الإسترليني عملتها المحلية وترفض الانضمام لليورو؛ بمعنى أنها لم تكن في يوم من الأيام عضوا كاملا في الاتحاد مع أن دول الاتحاد وبخاصة ألمانيا تقدم لها الاستثناءات والتي يقدمها لها البنك المركزي الأوروبي حتى تبقى في الاتحاد. فمثلا هي مستثناة من أي هزة تشهدها دول الاتحاد في عملته أو مساعدة أي من أعضائه ودوله كما حصل في خطة الإنقاذ الأخيرة التي تحملت فيها ألمانيا وحدها أمر الدول المنهارة.

إن الاتحاد هو شكل من أشكال التفرقة وليس الوحدة، ولو كانت أوروبا تريد اتحادا فعلا لما تعددت دولها وتضاربت مصالحها، ولكن دولها الأم بريطانيا وفرنسا وألمانيا لا يكاد يربط بينها رابط إلا لون العيون والبشرة، وإلا فالقوميات مختلفة والأعراق مختلفة والمصالح متضاربة، ولو كانوا اتحادا لجمعوا دولهم في دولة واحدة وكانت وحدة وليس اتحادا ﴿تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى﴾...

وأخيرا فإن انسحاب بريطانيا من الاتحاد الأوروبي - إن حصل - سيكون له عواقب وخيمة؛ فهو مؤذن بتفكك الاتحاد وتفكك دوله، وسيكون بعده ما بعده من القلاقل والبلابل والأمور العظام التي ستطال القارة بأكملها، ولن تكون بريطانيا بمنأى عن تبعات هذا التفكك، ولكن بالمقابل فإن تفكك الاتحاد - إن حصل- سيسهل مهمة دولة الخلافة القادمة بإذن الله، فالتعامل مع أوروبا مفككة خير من التعامل معها مجتمعة.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

خالد الأشقر (أبو المعتز)

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني