أسباب قيام حزب التحرير
أسباب قيام حزب التحرير

إن قيام حزب التحرير كان: استجابةً  لقوله تعالى:﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران]. بغية إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار الشديد، الذي وصلت إليه وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ومن سيطرة الدول الكافرة ونفوذها.

0:00 0:00
السرعة:
June 01, 2015

أسباب قيام حزب التحرير

أسباب قيام حزب التحرير

إن قيام حزب التحرير كان: استجابةً  لقوله تعالى:﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[آل عمران].

بغية إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار الشديد، الذي وصلت إليه وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ومن سيطرة الدول الكافرة ونفوذها.

وبغية العمل لإعادة دولة الخـلافة الإسلامية إلى الوجود، حتى يعود الحكم بما أنزل الله.

  • ·   وجوب قيام أحزاب سياسية شرعاً:

أولاً: أما كون قيام الحزب كان استجابة لقوله تعالى:  ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ فلأن الله سبحانه قد أمر المسلمين في هذه الآية أن تكون منهم جماعة متكتلة، تقوم بأمرين اثنين:

الأول: الدعوة إلى الخير، أي الدعوة إلى الإسلام.

والثاني: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وهذا الأمر بإقامة جماعة متكتلة هو لمجرد الطلب، لكن وجدت قرينة تدل على أنه طلب جازم، فالعمل الذي حددته الآية لتقوم به هذه الجماعة المتكتلة - من الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - هو فرض على المسلمين أن يقوموا به، كما هو ثابت في كثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك، قال ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِـي بـِيَده لَـتَـأْمُـرُنَّ بـِالْمَعْرُوفِ وَلَـتَـنْـهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أو لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً من عِنْده ثُمَّ لَتَدْعُـنَّهُ فَلاَ يَسْـتَجِيبُلَكُمْ» [رواه أحمد]، فيكون ذلك قرينة على أن الطلب هو طلب جازم، والأمر فيه للوجوب.

ويجب أن تكون هذه الجماعة المتكتلة حزباً سياسياً، وهذا آتٍ من ناحية أن الآية طلبت من المسلمين أن يقيموا منهم جماعة، ومن ناحية تحديد عمل هذه الجماعة بأنه الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وعمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شامل لأمر الحكّام بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، بل هو أهم أعمال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهو محاسبة الحكام، وتقديم النصح لهم، وهذا عمل سياسي، بل هو من أهم الأعمال السياسية، وهو من أبرز أعمال الأحزاب السياسية.

وبذلك تكون الآية دالة على وجوب قيام أحزاب سياسية.

غير أن الآية حصرت أن تكون التكتلات أحزاباً إسلامية، لأن المهمة التي حددتها الآية والتي هي الدعوة إلى الإسلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - وفق أحكام الإسلام - لا يقوم بها إلا تكتلات وأحزاب إسلامية.

والحزب الإسلامي هو الذي يقوم على العقيدة الإسلامية، ويتبنى الأفكار والأحكام والمعالجات الإسلامية، وتكون طريقة سيره هي طريقة الرسول e.

ولهذا لا يجوز أن يكون التكتل بين المسلمين على غير أساس الإسلام فكرة وطريقة. لأن الله أمرهم بذلك، ولأن الإسلام هو وحده المبدأ الصالح في هذا الوجود، فهو مبدأ عالمي يتفق مع الفطرة، ويقوم على معالجة الإنسان من حيث هو إنسان، فيعالج طاقاته الحيوية من غرائز وحاجات عضوية، وينظمها وينظم إشباعها تنظيماً صحيحاً، دون كبت أو إطلاق، ودون أن تطغى غريزة على غريزة، وهو مبدأ شامل ينظم شؤون الحياة جميعها.

وقد ألزم الله سبحانه المسلمين أن يتقيدوا بأحكام الإسلام جميعها، سواء أكانت تنظم علاقاتهم بخالقهم، كأحكام العقائد والعبادات، أو بأنفسهم كأحكام الأخلاق والمطعومات والملبوسات أو بغيرهم كأحكام المعاملات وغيرها من التشريعات.


وأوجب عليهم أن يطبقوا الإسلام تطبيقاً شاملاً في جميع شؤون الحياة، وأن يحكموا به، وأن يكون دستورهم وسائر قوانينهم أحكاماً شرعية مأخوذة من كتاب الله وسنة رسوله e. قال تعالى:﴿فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾[المائدة: 48]، وقال:﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ﴾[المائدة:49] واعتبر عدم الحكم بالإسلام إنكاراً له كفراً، قال تعالى: ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة].

وغير الإسلام من المبادئ الأخرى كالرأسمالية والشيوعية ومنها الاشتراكية هي مبادئ فاسدة، تتناقـض مع فطرة الإنسان، وهي من وضع البشر، وقد بان فسادها، وظهر عوارها وهي تتناقض مع الإسلام وأحكامه، فأخذها حرام وحملها والدعوة إليها حرام، والتكتل على أساسها حرام.


لهذا يجب أن يكون تكتل المسلمين على أساس الإسلام وحده فكرة وطريقة، ويحرم عليهم أن يتكتلوا على أساس رأسمالي أو شيوعي أو اشتراكي، أو قومي أو وطني أو أو ماسوني، أو أمثالها. لذلك فإنه يحرم عليهم إقامة أحزاب شيوعية أو اشتراكية أو رأسمالية أو قومية أو وطنية أو ماسونية، ويحرم عليهم الانتساب إليها، أو الترويج لها فهي أحزاب كفر وتدعو إلى الكفر، والله يقول: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾[آل عمران]، والآية  التي  معنا  تقول:﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾أي إلى الإسلام، والرسول e يقول: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» [متفق عليه].

وقد حرّم الإسلام إقامة أحزاب طائفية وأحزاب تدعو إلى العصبية، وحرم التكتل على أساسها والدعوة إليها... وجعل القتال بناء عليها إثمـاً كبـيراً. عن جندب بن عبد الله الْبَجَلِيِّ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e: «مَنْ قُتِلَ تَحْتَ رَايَةٍ عِمِّـيَّـةٍ يَدْعُو عَصَبـِيَّـةً أَوْ يَنْصُرُ عَصَبـِيَّـةً فَقِتْلَةٌ جَاهِلِيَّـةٌ» [أخرجه مسلم].

ثانياً:  وأما بغية إنهاض الأمة الإسلامية من الانحدار الذي وصلت إليه، وتحريرها من أفكار الكفر وأنظمته وأحكامه، ومن سيطرة الدول الكافرة ونفوذها، فإنه يكون برفع الأمة فكرياً عن طريق تغيير الأفكار والمفاهيم التي أدت إلى انحطاطها تغييراً أساسياً شاملاً، وإيجاد أفكار الإسلام ومفاهيمه الصحيحة لديها، حتى تكيف سلوكها في الحياة وفق أفكار الإسلام وأحكامه.

وإن الذي أدى إلى هذا الانحدار الفظيع، وغير اللائق الذي وصلت إليه الأمة هو الضعف الشديد الذي طرأ على أذهان المسلمين في فهم الإسلام وأدائه، جرّاء عوامل التغشية على فكرة الإسلام وطريقته منذ القرن الثاني الهجري حتى الآن.

وعوامل التغشية هذه نتجت عن أمور كان من أبرزها:

1. نقل الفلسفات الهندية والفارسية واليونانية ومحاولة بعض المسلمين التوفيق بينها وبين الإسلام مع وجود التناقض التام بين تلك الفلسفات وبين الإسلام.

2. دسُّ الحاقدين على الإسلام أفكاراً وأحكاماً ليست من الإسلام لتشويهه وإبعاد المسلمين عنه.

3. إهمال اللغة العربية في فهم الإسلام وأدائه، وفصلها عن الإسلام في القرن السابع الهجري مع أن دين الله لا يفهم بغير لغته، كما أن استنباط أحكام جديدة للوقائع المتجددة عن طريق الاجتهاد لا يتأتى بدون اللغة العربية.

4. الغزو التبشيري والثقافي ثمّ السياسي من الدول الغربية الكافرة من القرن السابع عشر الميلادي لحرف المسلمين عن الإسلام وإبعادهم عنه، بغية القضاء عليه.

لقد قامت محاولات عديدة، وحركات متعددة، إسلامية وغير إسلامية، لإنهاض المسلمين لكنها قد أخفقت جميعها، ولم تستطع أن تنهض المسلمين، ولا أن تحول دون الانحدار الفظيع.

أما سبب إخفاق هذه المحاولات والحركات التي قامت لإنهاض المسلمين بالإسلام فيرجع إلى أمور عدة منها:

1- عدم فهم الفكرة الإسلامية من قبل القائمين على إنهاض المسلمين فهماً دقيقاً لتأثرهم بعوامل التغشية، وكانوا يدعون إلى الإسلام بشكل عام مفتوح، دون تحديد للأفكار والأحكام التي يريدون إنهاض المسلمين، ومعالجة مشاكلهم بها، وتطبيقها، لعدم وضوح هذه الأفكار والأحكام في أذهانهم، وجعلوا الواقع مصدراً لتفكيرهم، يستمدون منه تفكيرهم، وحاولوا أن يؤولوا الإسلام ويفسروه بما لا تحتمله نصوصه حتى يتفق مع الواقع القائم، مع أنه مناقض للإسلام، ولم يجعلوا الواقع موضع تفكيرهم، ليغيروه حسب الإسلام وأحكامه.

لذلك نادوا بالحريات والديمقراطيات، وبالنظام الرأسمالي والاشتراكي، واعتبروها من الإسلام، مع أنها تتناقض مع الإسلام تناقضاً كلياً.

2- عدم وضوح طريقة الإسلام لديهم في تنفيذ فكرة الإسلام وأحكامه وضوحاً تاماً، فحملوا الفكرة الإسلامية بوسائل مرتجلة، وبشكل يكتنفه الغموض.

وصاروا يرون أن عودة الإسلام تكون ببناء المساجد وإصدار المؤلفات، أو بإقامة الجمعيات الخيرية والتعاونية، أو بالتربية الخُلُقية وإصلاح الأفراد، غافلين عن فساد المجتمع، وسيطرة أفكار الكفر وأحكامه وأنظمته عليه، ظانين أن إصلاح المجتمع يكون بإصلاح أفراده، مع أن إصلاح المجتمع إنما يكون بإصلاح أفكاره ومشاعره وأنظمته، وإصلاحها سيؤدي إلى إصلاح أفراده، فالمجتمع ليس أفراداً فقط، وإنما هو أفراد وعلاقات، أي أفراد وأفكار ومشاعر وأنظمة، وهذا واضح من عملِ رسول الله e لتغيير المجتمع الجاهلي إلى مجتمع إسلامي، إذ أخذ يعمل على تغيير العقائد الموجودة إلى العقيدة الإسلامية، وعلى تغيير الأفكار والمفاهيم والعادات الجاهلية إلى أفكار الإسلام ومفاهيمه وأحكامه، ومن ثم تغيير مشاعر الناس من الارتباط بعقائد الجاهلية وأفكارها وعاداتها، إلى الارتباط بالعقيدة الإسلامية، وأفكار الإسلام وأحكامه، حتى قيض الله له أن يغير المجتمع في المدينة، حيث أصبحت جمهرة أهل المدينة تدين بعقيدة الإسلام، وتتبنى أفكار الإسلام ومفاهيمه وأحكامه، وعندها هاجر رسول الله e إليهم هو وأصحابه بعد حصول بيعة العقبة الثانية، وأخذ يطبق عليهم أحكام الإسلام، وبذلك أوجد المجتمع الإسلامي في المدينة.

أو يرون أن عودة الإسلام تكون بالأعمال المادية، وبحمل السلاح، غير مفرقين بين دار الإسلام ودار الكفر، وبين كيفية حمل الدعوة وإنكار المنكر في كل دار منهما:

فالدار التي نعيش فيها اليوم، وإن كان جل أهلها من المسلمين، هي دار كفر بالاصطلاح الشرعي لأنها تطبق أحكام الكفر، وهي تشبه مكة أيام بعثة الرسول e، ويكون حمل الدعوة فيها بالدعوة والأعمال السياسية لا بالأعمال المادية، كما حمل الرسول e الدعوة في مكة، إذ اقتصر على حمل الدعوة، ولم يستعمل الأعمال المادية، لأنه ليس المراد تغيير حاكم حَكَمَ بغير ما أنزل الله في دار إسلام، بل المراد تغيير دار كفر بأفكارها وأنظمتها، وتغييرها يكون بتغيير الأفكار والمشاعر والأنظمة فيها، كما فعل رسول الله e في مكة.

أما دار الإسلام التي يحكم فيها بما أنزل الله، فإنه لو قام حاكمها، وحكم بالكفر الصراح، فيجب على المسلمين أن ينكروا عليه ذلك، وأن يحاسبوه ليرجع إلى الحكم بالإسلام، فإن لم يرجع، وجب عليهم حمل السلاح في وجهه ليرغموه على أن يعود إلى الحكم بما أنزل الله، كما ورد في حديث عبادة بن الصامت عن رسول الله e قال: «وَأَنْ لاَ نُنَازِعَ الأَمْرَأَهْلَهُ إِلاَّ أَنْ تَرَوْا كُفْرًا بَوَاحًا عِنْدَكُمْ مِنْ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ» [رواه البخاري]، وحديث عوف بن مالك الذي رواه مسلم «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَابـِذُهُمْ بـِالسَّـيْفِ فَقَالَ لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمْ الصَّلاَةَ»، وإقامة الصلاة كناية عن الحكم بالإسلام وهذان الحديثان هما في محاسبة الحاكم المسلم في دار الإسلام، وفي بيان كيف تكون محاسبته، ومتى تستعمل القوة المادية معه لمنع ظهور الكفر البواح في دار الإسلام، بعد أن لم يكن.

ثالثاً:  وأما بغية العمل لإعادة دولة الخـلافة والحكم بما أنزل الله إلى الوجود، فلأن الله سبحانه وتعالى قد أوجب على المسلمين التقيد بجميع الأحكام الشرعية، وأوجب عليهم الحكم بما أنزل الله، ولا يتأتى ذلك إلا بوجود دولة إسلامية، وخليفة يطبق على الناس الإسلام.

والمسلمون منذ أن قضي على دولة الخـلافة في الحرب العالمية الأولى يعيشون بدون دولة إسلامية، وبدون الحكم بالإسلام، لذلك كان العمل لإعادة الخـلافة، وإعادة الحكم بما أنزل الله إلى الوجود فرضاً يوجبه الإسلام، وهو واجب محتم، لا خيار فيه، ولا هوادة في شأنه، والتقصير في القيام به من أكبر المعاصي، يعذب الله عليه أشد العذاب، قال e: «وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» [رواه مسلم]، ولأن القعود عنه هو قعود عن القيام بفرض من أهم فروض الإسلام إذ يتوقف عليه إقامة أحكام الإسلام، بل يتوقف عليه إيجاد الإسلام في معترك الحياة، و(ما لا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب).

لهذا قام حزب التحرير، وأعلن عن نفسه في القدس في 28 جمادى الثانية 1372هـ الموافق 14/3/1953م، وقد جعل تكتله قائماً على العقيدة الإسلامية، وتبنى من أفكار الإسلام وأحكامه ما يلزمه في السير لتنفيذ غايته، وقد تلافى جميع النواقص والأسباب التي أدت إلى إخفاق التكتلات التي قامت لإنهاض المسلمين بالإسلام، فأدرك الفكرة والطريقة إدراكاً فكرياً دقيقاً مما نزل به الوحي من كتاب الله وسنة رسوله، ومما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس، ولم يجعل الواقع مصدر تفكيره بل موضع تفكيره ليغيره وفق أحكام الإسلام، والتزم طريقة الرسول e في سيره في حمل الدعوة والسير بها في مكة حتى أقام الدولة في المدينة، وجعل الرابط الذي يربط بين أفراده هو العقيدة وما تبناه من أفكار الإسلام وأحكامه.

وبذلك كان جـديـراً بأن تحتضنه الأمة، وأن تسير معه، بل إنه واجب عليها أن تحتضنه وأن تسير معه لأنه الحزب الوحيد الهاضم لفكـرتـه، المبـصـر لطريقته الفاهم لقضيته، الملتزم بترسـم سـيرة الرسـول e دون حيد عنها، ودون أن يثنيه ثان عن تحقيق غايته.

المزيد من القسم null

العضوية في حزب التحرير

العضوية في حزب التحرير

يضم الحزب إلى عضويته الرجال والنساء من المسلمين، بقطع النظر عن كونهم عرباً أو غير عرب بيضاً أو سوداً، فهو حزب لجميع المسلمين، ويدعو جميع المسلمين لحمل الإسلام وتبني أنظمته بقطع النظر عن قومياتهم وألوانهم ومذاهبهم، إذ ينظر إلى الجميع نظرة الإسلام.

وطريقة ربط الأشخاص فيه تكون باعتناق العقيدة الإسلامية، والنضج في الثقافة الحزبية، وقيامه بالالتزامات الإسلامية، وتبني أفكار الحزب وآرائه، والشخص نفسه هو الذي يفرض نفسه على الحزب، حين ينصهر فيه، وحين تتفاعل الدعوة معه، ويتبنى أفكاره ومفاهيمه، فالرابط الذي يربط بين أفراد الحزب هو العقيدة الإسلامية والثقافة الحزبية المنبثقة عن هذه العقيدة. وحلقات النساء فيه مفصولة عن حلقات الرجال، ويشرف على حلقات النساء الأزواج، أو المحارم، أو النساء.

طريقة حزب التحرير

طريقة حزب التحرير


• طريقة السير في حمل الدعوة هي أحكام شرعية، تؤخذ من طريقة سير الرسول ﷺ في حمله الدعوة لأنه واجب الاتباع، لقوله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾[الأحزاب]، وقوله تعالى:﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾[آل عمران: 31]، وقوله تعالى:﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾[الحشر: 7]. وكثير غيرها من الآيات الدالة على وجوب اتباع الرسول ﷺ والتأسي به والأخذ عنه.


• لكون المسلمين اليوم يعيشون في دار كفر، لأنهم يحكمون بغير ما أنزل الله فإن دارهم تشبه مكة حين بعثة الرسول ﷺ لذلك يجب أن يكون الدور المكي في حمل الدعوة هو موضع التأسي.


• ومن تتبع سيرة الرسول ﷺ في مكة حتى أقام الدولة في المدينة تبين أنه مرّ في مراحل بارزة المعالم، كان يقوم فيها بأعمال معينة بارزة. فأخذ الحزب من ذلك طريقته في السير، ومراحل سيره، والأعمال التي يجب أن يقوم بها في هذه المراحل تأسياً بالأعمال التي قام بها الرسول ﷺ في مراحل سيره.


وبناء على ذلك حدّد الحزب طريقة سيره بثلاث مراحل:


الأولى: مرحلة التثقيف لإيجاد أشخاص مؤمنين بفكرة الحزب وطريقته لتكوين الكتلة الحزبية.


الثانية: مرحلة التفاعل مع الأمة، لتحميلها الإسلام، حتى تتخذه قضية لها، كي تعمل على إيجاده في واقع الحياة.


الثالثة: مرحلة استلام الحكم، وتطبيق الإسلام تطبيقاً عاماً شاملاً، وحمله رسالة إلى العالم.


أما المرحلة الأولى فقد ابتدأها الحزب في القدس عام 1372هـ - 1953م على يد مؤسّسه العالم الجليل، والمفكر الكبير، والسياسي القدير، والقاضي في محكمة الاستئناف في القدس الأستاذ تقي الدين النبهاني عليه رحمة الله، وكان الحزب يقوم فيها بالاتصال بأفراد الأمة، عارضاً عليهم فكرته وطريقته بشكل فردي، ومن كان يستجيب له ينظمه للدراسة المركزة في حلقات الحزب، حتى يصهره بأفكار الإسلام وأحكامه التي تبنّاها، ويصبح شخصية إسلامية، يتفاعل مع الإسلام، ويتمتع بعقلية إسلامية، ونفسية إسلامية، وينطلق إلى حمل الدعوة إلى الناس. فإذا وصل الشخص إلى هذا المستوى، فرض نفسه على الحزب، وضمّه الحزب إلى أعضائه. كما كان يفعل رسول الله ﷺ في مرحلته الأولى من الدعوة، والتي استمرت ثلاث سنين، من دعوته الناس أفرادا، عارضاً عليهم ما أرسله الله به ومن كان يؤمن يكتله معه على أساس هذا الدين سراً، ويحرص على تعليمه الإسلام، وإقرائه ما نزل عليه وينزل من القرآن حتى صهرهم بالإسلام، وكان يلتقي بهم سرّاً ويعلمهم سرّاً في أماكن غير ظاهرة، وكانوا يقومون بعبادتهم وهم مستخفون. ثمّ فشا ذكر الإسلام بمكة وتحدث به الناس ودخلوا فيه أرسالاً.


وفي هذه المرحلة انصبّت عناية الحزب على بناء جسمه، وتكثير سواده وتثقيف الأفراد في حلقاته، بالثقافة الحزبية المركزة، حتى استطاع أن يكوّن كتلة حزبية من شباب انصهروا بالإسلام، وتبنّوا أفكار الحزب، وتفاعلوا معها وحملوها للناس.


وبعد أن استطاع الحزب تكوين هذه الكتلة الحزبية، وأحسّ به المجتمع، وعرفه وعرف أفكاره، وما يدعو إليه، انتقل إلى المرحلة الثانية.


• وهي مرحلة التفاعل مع الأمة لتحميلها الإسلام، وإيجاد الوعي العام، والرأي العام عندها على أفكار الإسلام وأحكامه، التي تبناها الحزب، حتى تتخذها أفكاراً لها، تعمل على إيجادها في واقع الحياة، وتسير مع الحزب في العمل لإقامة دولة الخـلافة، ونصب الخليفة، لاستئناف الحياة الإسلامية وحمل الدعوة الإسلامية إلى العالم.


وفي هذه المرحلة انتقل الحزب إلى مخاطبة الجماهير مخاطبة جماعية. وقد كان يقوم في هذه المرحلة بالأعمال التالية:


1- الثقافة المركزة في الحلقات للأفراد لتنمية جسم الحزب، وتكثير سواده، وإيجاد الشخصيات الإسلامية القادرة على حمل الدعوة، وخوض الغمرات بالصراع الفكري، والكفاح السياسي.


2- الثقافة الجماعية لجماهير الأمة بأفكار الإسلام وأحكامه التي تبناها الحزب، في دروس المساجد والنوادي والمحاضرات وأماكن التجمعات العامة وبالصحف والكتب والنشرات، لإيجاد الوعي العام عند الأمة، والتفاعل معها.


3- الصراع الفكري لعقائد الكفر وأنظمته وأفكاره، وللعقائد الفاسدة، والأفكار الخاطئة، والمفاهيم المغلوطة، ببيان زيفها وخطئها ومناقضتها للإسلام، لتخليص الأمة منها ومن آثارها.


4- الكفاح السياسي، ويتمثل بما يلي:


أ- مكافحة الدول الكافرة المستعمرة، التي لها سيطرة ونفوذ على البلاد الإسلامية ومكافحة الاستعمار بجميع أشكاله الفكرية والسياسية والاقتصادية والعسكرية، وكشف خططه وفضح مؤامراته لتخليص الأمة من سيطرته، وتحريرها من أي أثر لنفوذه.


ب- مقارعة الحكام في البلاد العربية والإسلامية وكشفهم ومحاسبتهم والتغيير عليهم كلما هضموا حقوق الأمة، أو قصّروا في أداء واجباتهم نحوها، أو أهملوا شأناً من شؤونها، وكلما خالفوا أحكام الإسلام.
والعمل على إزالة حكمهم لإقامة حكم الإسلام مكانه.


5- تبنّي مصالح الأمة، ورعاية شؤونها وفق أحكام الشرع.


وقام الحزب بكل ذلك اتباعاً لما قام به الرسول ﷺ بعد أن نزل عليه قوله تعالى:﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾[الحجر]، فإنه أظهر أمره، ودعا قريشاً إلى الصفا وأخبرهم أنه نبي مرسل وطلب منهم أن يؤمنوا به، وأخذ يعرض دعوته على الجماعات كما يعرضها على الأفراد، وقد تصدى لقريش وآلهتها وعقائدها وأفكارها فبين زيفها وفسادها وخطأها وعابها وهاجمها كما هاجم كل العقائد والأفكار الموجودة. وكانت الآيات تنزل متلاحقة بذلك وتنزل مهاجمة لما كانوا يقومون به من أكل الربا، ووأد البنات وتطفيف الكيل ومقارفة الزنا، كما كانت تنزل بمهاجمة زعماء قريش وسادتها، وتسفيههم وتسفيه آبائهم وأحلامهم وفضح ما يقومون به من تآمر ضد الرسول ﷺ وضد دعوته وأصحابه.


وكان الحزب في حمل أفكاره، وفي تصدّيه للأفكار الأخرى، والتكتلات السياسية، وفي تصدّيه لمكافحة الدول الكافرة المستعمرة، وفي مقارعته للحكّام صريحاً سافراً متحدياً، لا يداجي ولا يداهن ولا يجامل ولا يتملق ولا يؤثر السلامة، بغض النظر عن النتائج والأوضاع فكان يتحدى كل من يخالف الإسلام وأحكامه، ما عرّضه للإيذاء الشديد من الحكّام من سجن وتعذيب وتشريد وملاحقة، ومحاربة في رزق، وتعطيل مصالح، ومنع من سفر، وقتل، فقد قتل منه الحكام الظلمة في أوزبكستان والعراق وسورية وليبيا العشرات، كما أن سجون الأردن وسورية والعراق ومصر وليبيا وتونس وتركيا، وباكستان، وآسيا الوسطى وبخاصة أوزبكستان، وغيرها، مليئة بشبابه، وذلك اقتداء برسول الله ﷺ، فقد جاء برسالة الإسلام إلى العالم أجمع متحدياً سافراً مؤمناً بالحق الذي يدعو إليه يتحدى الدنيا بأكملها، ويعلن الحرب على الأحمر والأسود من الناس دون أن يحسب أي حساب لعادات وتقاليد، أو أديان أو عقائد أو حكّام أو سوقة، ولم يلتفت إلى شيء سوى رسالة الإسلام، فقد بادأ قريشاً بذكر آلهتهم وعابها، وتحداهم في معتقداتهم وسفّهها وهو فرد أعزل لا عدة معه ولا معين، ولا سلاح عنده سوى إيمانه العميق برسالة الإسلام التي أُرسِل بها.


ومع أن الحزب التزم في سيره أن يكون صريحاً وسافراً متحدياً، إلاّ أنه اقتصر على الأعمال السياسية في ذلك، ولم يتجاوزها إلى الأعمال المادية ضد الحكام، أو ضد من يقفون أمام دعوته، اقتداء برسول الله ﷺ من اقتصاره في مكة على الدعوة، ولم يقم بأيّة أعمال مادية حتى هاجر، وعندما عرض عليه أهل بيعة العقبة الثانية أن يأذن لهم بمقاتلة أهل منى بالسيوف أجابهم قائلاً: «لَمْ نُؤْمَرْ بـِذَلِكَ» [الطبقات الكبرى]، والله سبحانه قد طلب منه أن يصبر على الإيذاء كما صبر من سبقه من الرسل حيث قال الله تعالى له:﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَىٰ مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّىٰ أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾[الأنعام: 34].


وعدم استعمال الحزب القوة المادية للدفاع عن نفسه، أو ضد الحكّام، لا علاقة له بموضوع الجهاد، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، فإذا ما هاجم الأعداء الكفار بلداً إسلامياً وجب على المسلمين من أهله ردهم، وشباب حزب التحرير في ذلك البلد جزء من المسلمين يجب عليهم ما يجب على المسلمين من قتال العدو ورده بوصفهم مسلمين. وإذا وُجِد أمير مسلم وقام بالجهاد لإعلاء كلمة الله واستنفر الناس فإن شباب حزب التحرير يلبون بوصفهم مسلمين في ذلك البلد الذي حصل فيه الاستنفار.


 ولما تجمّد المجتمع أمام الحزب جرّاء فقد الأمة ثقتها بقادتها وزعمائها الذين كانوا موضع أملها، وجرّاء الظروف الصعبة التي وضعت فيها المنطقة لتمرير المخططات التآمرية، وجرّاء التسلط والقهر الذي يمارسه الحكام ضد شعوبهم، وجرّاء شدة الأذى الذي يوقعه الحكام بالحزب وشبابه، لما تجمد جراء كل ذلك قام الحزب بطلب النصرة من القادرين عليها. وقد طلبها لغرضين:


الأول: لغرض الحماية حتى يستطيع أن يسير في حمل دعوته وهو آمن.


الثاني: الإيصــال إلى الحكم لإقامة الخـلافة وتطبيق الإسلام.


ومع قيام الحزب بأعمال النصرة هذه فإنه قد استمر في القيام بجميع الأعمال التي كان يقوم بها، من دراسة مركزة في الحلقات، ومن ثقافة جماعية، ومن تركيز على الأمة لتحميلها الإسلام، وإيجاد الرأي العام عندها ومن مكافحة الدول الكافرة المستعمرة وكشف خططها، وفضح مؤامراتها، ومن مقارعة الحكّام، ومن تبنّ لمصالح الأمة ورعاية لشؤونها.


وهـو مسـتـمر في كل ذلك آملاً من الله أن يحقّق له وللأمة الإسلامية الفوز والنجاح والنصر، فتكون المرحلة الثالثة حـيـث إقـامـة الخـلافة الراشدة، وعندئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.