أيعقل أن يجوع السودان وهو سلة غذاء العالم؟!
August 21, 2015

أيعقل أن يجوع السودان وهو سلة غذاء العالم؟!

أيعقل أن يجوع السودان وهو سلة غذاء العالم؟!

أعلنت وزارة المالية فك احتكار استيراد سلعتي الدقيق والقمح لشركات المطاحن الكبرى الثلاث للغلال (سيقا، وويتا، وسين)، بجانب فتح باب الاستيراد لبقية شركات المطاحن عبر العطاءات. وقال وزير المالية بدر الدين محمود: "إن الخطوة تأتي بالتزامن مع انخفاض أسعار القمح عالمياً، كاشفاً في الوقت ذاته عن اعتزام الحكومة استيراد كميات معتبرة من القمح عبر إدارة المخزون الاستراتيجي خلال الأيام المقبلة، مشيراً إلى أن دعم الحكومة للقمح بلغ 3 مليارات دولاراً في العام الماضي، بينما بلغ دعم الخبز والمواد البترولية نحو 12% من حجم الموازنة العامة للدولة، وأضاف بدر الدين خلال اجتماع ضم أصحاب المطاحن واتحاد الغرف الصناعية بالوزارة أمس، أن الحكومة ستوجه فَرْق الاستيراد بعد انخفاض الأسعار العالمية للقمح لتشجيع الإنتاج الزراعي، وتوطين زراعة وصناعة القمح، وتشجيع المنتج ودعم الخدمات الاجتماعية، مشيراً إلى أن جوال الدقيق زنة 50 كيلو يباع للمخابز بواقع (116) جنيهاً، مشدداً على توجيه القمح المدعوم من الدولة للخبز فقط. (جريدة آخر لحظة 2015/8/17).


الحقائق:


يواجه السودان أزمة اقتصادية بعد انفصال الجنوب في تموز/يوليو 2011م، وذهاب الإيرادات النفطية للجنوب، مما أدى إلى فقدان (46%) من إيرادات الخزينة العامة و(80%) من عائدات النقد الأجنبي. مما ترتب عليه زيادات مضطردة في أسعار كافة السلع بالأسواق السودانية. وطلبت الحكومة السودانية، من روسيا، أواخر العام الماضي، فتح خط ائتماني تجاري لتمويل واردات مليوني طن من القمح الروسي إلى السودان.


والسودان أحد أكبر ثلاثة بلدان إفريقية مساحة، وأحد أهم بلدان العالم التي تتوفر فيها المياه والأراضي الصالحة للزراعة، إلا أن زراعة القمح فيها لا تزال غير كافية لتغطية الاستهلاك المحلي الذي يتجاوز مليوني طن من القمح سنويا، في حين ينتج السودان حوالي 12 إلى 17% من هذا الاستهلاك السنوي. فى وقت يُعتبر محصول القمح من المحاصيل الغذائية والاستراتيجية المهمة التي تمثل المرتبة الثانية في الاستهلاك للحبوب بعد محصول الذرة، وقد شهد استهلاك القمح تزايداً مضطرداً نتيجة لارتفاع معدل السكان وتصاعد معدلات الهجرة من الريف إلى الحضر، وتغير نمط الاستهلاك لسكان السودان نحو القمح، وفي خطوة أشبه باليقين والاطمئنان، قال وزير الزراعة عبد الحليم المتعافي وقتها، إن السودان سيضع الزراعة ضمن أولوياته بهدف تحقيق الاكتفاء الذاتي في غضون خمس سنوات، وعلى الرغم من مرور سبع سنوات من حديث وزير الزراعة، لم تنخفض فاتورة الاستيراد، ولم تقل نسبة الاستهلاك، بل زادت الفجوة وفاقت 200% لصعوبات وعوائق ظلت تواجه القمح منذ العام 1994م، أي العام الذي حقق فيه السودان الاكتفاء الذاتي من السلعة للمرة الأولى والأخيرة، في ظل تزايد مضطرد في الاستهلاك والاستيراد.


أصبح القمح الغذاء الرئيسي لأهل السودان بعد التحولات التي حدثت في نمط الحياة والغذاء بعد أن كان الاعتماد فيما مضى كلياً على الذرة الرفيعة والدخن بالنسبة للسودان الشمالي، وبعد أن كان حجم زراعة القمح بالسودان تبلغ نحو أكثر من 800 ألف فدان، والإنتاج نحو نصف مليون طن متري منها إنتاج مشروع الجزيرة وأراضي ولايتي الشمالية ونهر النيل التي تقع على ضفاف النيل الرئيسي، حدث تقلص في المساحات التي كانت تزرع بالمشاريع المروية القومية الأربعة، وهي مشاريع الجزيرة والرهد الزراعي وحلفا الجديدة والسوكي، وكان مشروع الجزيرة لوحده يزرع فيها نحو 400 ألف فدان قمح، بل بلغ في موسم 1996م إبان التكثيف والتنويع بالمشروع إلى 600 ألف فدان تقريباً.


وتشير الإحصائيات إلى انكماش في الإنتاجية حيث أصبحت لا تزيد عن 350 ألف طن متري وهي تعادل 25% من حجم الاستهلاك المحلي، مما جعل حكومة السودان تستورد الكميات التي تغطي الطلب الاستهلاكي إضافة إلى استيراد كميات من الذرة تحدث للمرة الثانية بعد مجاعة 1984م التي أعلنت فيها الأمم المتحدة أن السودان منطقة كوارث، مما تطلب (نداء السودان) قدمت فيه الدول الصديقة للسودان المعونات المطلوبة لدرء المجاعة التي حدثت من جراء العطش والتصحر في غرب السودان ومناطق أخرى.


هناك فرص أوسع للبلاد لإنتاج الذرة التي كانت تمثل الغذاء الرئيسي لقوت الناس بالاستيراد في ظل العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والتي يمكن أن تصل إلى إيقاف تصدير القمح إلى السودان في أي لحظة، وأشار الخبراء إلى إمكانية تحقيق نقلة في زراعة القمح بالبلاد إذا ما توفرت المدخلات الأساسية للزراعة ممثلة في التقاوي المحسنة والجيدة، والأسمدة بجانب معالجة مشكلة الري ومكافحة الآفات، فضلاً عن تشجيع الزراعة الجماعية عن طريق تنظيمات المزارعين وتجمعاتهم الإنتاجية، وهي الطريقة المتبعة في جميع أنحاء العالم، لأنها تتيح زراعة مساحة كبيرة، وتسهل المتابعة والتمويل والإشراف، لأغلبية أهل السودان.


السودان ينفق ما لا يقل عن مليار دولار لاستيراد القمح سنوياً فيما يمكن توفير المبلغ والاستفادة منه وتوظيفه في مجالات أخرى بتوطين زراعة القمح وتحقيق الاكتفاء الذاتي. خبراء اقتصاديون يقولون إن سبب المشكلة زيادة عدد السكان والحل في قمة تونس وقمة الجزائر وقمة الرياض بإصدار بيان للأمن الغذائي والتنمية المستدامة لتأمين الغذاء للوطن العربي، فالسودان أكبر بلد عربي وأكثر مياهاً وأكثر خصوبة حيث تبلغ الأراضي الخصبة 2.5 مليون فدان يمكن أن تستغل لتأمين الغذاء للعالم العربي والإفريقي.


فإلى متى تعتمد الحكومة على الأسواق الخارجية لتأمين احتياجات السودان من القمح؟! مع أن السودان يستطيع أن يطعم العالم أجمع؟!


أما حكومة السودان فقد تقاعست عن رعاية شؤون الناس عندما لم تحكم بشريعة رب العالمين، فقد رفعت يدها عن دعم الزراعة حيث حمل المزارع تكاليف الزراعة بالقروض التي أثقلت كاهله وتوقفت عجلة الإنتاج في أكبر مشروع، به إدارة موحدة في إفريقيا؛ مشروع تعتمد عليه كل المؤسسات الحكومية؛ والمصدر الوحيد لخزينة الدولة وتوفير العملات الصعبة 2.4 مليون فدان هي مساحة المشروع المروي انسيابيا من خزان سنار على النيل الأزرق، تزرع بالقطن (الذهب الأبيض)؛ المحصول الرئيس، ثم القمح والفول السوداني والخضروات. أما الآن فقد وصلت المساحة المستغلة من أراضي المشروع إلى 10% فقط وتم تدمير البنى التحتية للمشروع.


أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الزراعية الخصبة، ويجري بين ظهرانينا نهر النيل ويهطل علينا من السماء ماء يقدر بحوالي تريليون متر مكعب، وبعد ذلك نستورد القمح من روسيا وغيرها، هذا إنما يدل على فشل في السياسات وفشل السياسيين الذين يستجدون الحلول من صندوق النقد والبنك الدوليين بالإضافة إلى أن الحكومات ترهن القرار السياسي والاقتصادي وتخضعه لمصالح الدول الكبرى.


إنه لا خلاص للبشرية كلها إلا بتطبيق الإسلام في دولته دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، تنظر إلى المشكلة الاقتصادية نظرة صحيحة، فتعالجها علاجًا صحيحًا. فتبني رؤيتها للمعالجات على أساس أن حاجات الإنسان محدودة بينما الموارد ومنها الغذاء غير محدودة: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت:10]، وتحسن توزيع الملكيات والثروات، فلا يبقى المال دولة بين الأغنياء فقط، وتمنع احتكار السلع والأسواق، وتعطي كل ذي حق حقه فلا يتملك الأغنياء فقط الأراضي الشاسعة، وإنما تُعطى لمن يحييها وتعينه الدولة على إحيائها، يقول النبي ﷺ : «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا فَهِيَ لَهُ» [رواه الثلاثة، وحسنه الترمذي].


إن المعالجات التي يملكها الإسلام فوق كونها هي فقط العلاج الناجح والوحيد للأزمات الاقتصادية، فهي معالجات توافق ما في فطرة الإنسان من عجز واحتياج إلى الخالق المدبر. وإن العالم كله بعامة وأمة الإسلام بخاصة، ليتطلع إلى من ينقذه من شقاء الرأسمالية النفعية وجشعها. لقد حكمت الخلافة فعدلت وكانت خير مثال طبق ونجح في علاج كل مشكلات البشر، حتى إن من خلفائنا من قال انثروا القمح على رؤوس الجبال كي لا يُقال جاع طير في بلاد المسلمين، ولله در الخليفة الرابع علي بن أبي طالب رضي الله عنه حين قال: "لو كان الفقر رجلا لقتلته"، ولنا في عمر رضي الله عنه خير مثال؛ فلما أصاب الناس هولُ المجاعة والقَحط في عام الرمادة كان عمر رضي الله عنه لا ينام الليل إلا قليلاً، وما زال به الهمّ حتى تغيّر لونه وهزل، وقال من رآه: "لو استمرّت المجاعة شهوراً أخرى لمات عمر" من الهمّ والأسى لحال المسلمين. فكان أول من جاع عام الرمادة وآخر من أكل عندما شبع الناس، وعندما وُضع أمامه اللحم قال: "لقد آليتُ على نفسي أن لا أذوقَ السمن واللحم حتى يشبعَ منهما المسلمون جميعاً" [مسند ابن أبي شيبة]، ولم يقل (حتى يأكل) بل قال (حتى يشبع) فلله دره!، وكان خلفاء بني عثمان يجعلون أوقافاً خاصة للطيور الهائمة يبتنى منها أعشاشاً وتزود بالطعام.


هذا هو عمل دولة الخلافة الراشدة للطيور الهائمة فكيف بالبشر؟، وقد قال نبينا ﷺ : «أيّما أهل عَرْصَةٍ أصبح فيهم امرؤ جائعٌ فقد برئت منهم ذمة الله» [رواه أحمد]. وصدق سبحانه القائل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾.

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
د. ريم جعفر - أم منيب

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني