أيعطش بلد النيلين؟! السودان يعطش صيفاً ويغرق في مياه الأمطار خريفاً!! مفارقة تختزل فشلاً حكومياً لا يحتاج إلى دليل
August 07, 2015

أيعطش بلد النيلين؟! السودان يعطش صيفاً ويغرق في مياه الأمطار خريفاً!! مفارقة تختزل فشلاً حكومياً لا يحتاج إلى دليل

أيعطش بلد النيلين؟!
السودان يعطش صيفاً ويغرق في مياه الأمطار خريفاً!!
مفارقة تختزل فشلاً حكومياً لا يحتاج إلى دليل


قليلون فقط هم الذين ربما لا يعرفون أن العاصمة السودانية الخرطوم تقسِمها روافد النيل الرئيسية وهي النيل الأزرق والأبيض إلى ثلاث مدن هي الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان. قليلون أيضا الذين لا يعرفون أن تلك المدن يعاني سكانها من العطش هذه الأيام رغم أن مياه الشرب في السودان ليست جوفية أو بحاجة لسدود تحبس مياه الأمطار حتى ينعم الناس بجرعة ماء. يعطش الناس في السودان صيفاً ويغرقون في مياه الأمطار خريفاً، مفارقة تختزل فشلاً حكومياً لا يحتاج إلى دليل، فموارد البلد الطبيعية لا تجد من يديرها ولا يبدو أن الإنسان في السودان ينتظر شيئا غير ما تجود به الطبيعة.


في أطراف العاصمة المثلثة، الخرطوم، ذات النيلين، تنتشر تجارة المياه الصالحة للشرب بشكل كبير (دلالة على أن المتوفر غير صالح للشرب)، هناك أيضا أفسحت السيارات الطريق لعربات تجرها الدواب تعمل في نقل الماء بين الآبار والمنازل، فالصورة تعيد الشعب إلى ما قبل الثورة الصناعية، بل إلى العصر الحجري.


الحكومة.. قصص الوعود السراب


قبل سنوات أقام الرئيس عمر البشير يوم افتتاح سد مروي "شمال السودان"، وبالتحديد في آذار/مارس 2009م، أقام الدنيا ولم يقعدها ليبث للداخل والخارج بشرى أن زمن الظلام والعطش قد انتهى، فالمشروع سوف ينهي مشاكل الملايين مع انقطاع التيار الكهربائي والإمداد المائي، وأن تعرفة الكهرباء في القطاع السكني سيتم تخفيضها. الآن وبعد مرور كل تلك السنوات لم يتغير شيء، بل إن الحكومة تمسك بخطط جديدة لرفع تعرفة الكهرباء وهي تنتظر فقط اللحظة المناسبة لطرحها، خصوصا وأن الماء والنور هذه الأيام قد باتا حلماً يستدعي الحصول عليهما التظاهر في الشارع والكتابة في الحوائط والأسافير بمختلف منصاتها. وتخلى الشخص في السودان عن تحفظه المعهود على وقع الضغوطات المعيشية اليومية، التي أيقظت حس السخرية اللاذعة.


تصاعدت أزمة نقص مياه الشرب بشكل كبير في عدد من ولايات السودان بما فيها العاصمة الخرطوم، وذلك رغم تأكيد المسؤولين على سعيهم الجاد لحل الأزمة.


وكانت مناطق عدة في السودان قد شهدت احتجاجات على نقص المياه، حيث أكد أناس أنهم يقومون بشراء عبوات مياه شرب كبيرة الحجم يصل سعر الواحدة منها إلى أربعمائة جنيه (حوالي خمسين دولاراً أمريكياً)، جراء انقطاع المياه عنهم لأكثر من عشرة أيام خلال شهر رمضان الفضيل. وتعزو هيئة مياه الشرب بالخرطوم الأزمة إلى التوسع العمراني المتزايد الذي يزيد الضغط على شبكات المياه. وقالت الهيئة في تصريح مكتوب للجزيرة نت: إنها أكملت حفر عدد من الآبار الجوفية في محليات بالعاصمة المثلثة، مؤكدة استمرار الجهود لحفر آبار أخرى لتخفيف معاناة الناس.


وأوضح مدير الهيئة جودة الله عثمان أن حفر هذه الآبار "يأتي ضمن خطة تستهدف حفر أكثر من 52 بئراً خلال العام الجاري". وأكد أن الحكومة تسعى لشراء مولدات كهربائية "للتدخل السريع حال انقطاع التيار الكهربائي عن الآبار والمحطات، وأن تحسينات ستُجرى على الخطوط الناقلة والشبكات في المناطق التي تعاني نقصا في إمدادات المياه".


كما تم رصد ثلاثمائة ألف جنيه (نحو خمسين ألف دولار أمريكي) لمشروعات "الحلول الجذرية" لمياه الشرب بالعاصمة السودانية، وفق مدير الهيئة.


قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30]. فكما أن الماء ضروري لكل كائن حي فهو ضروري لوجود الحياة الجماعية واستمرارها، وهو مرفق من مرافق الجماعة، وقد عدّه الإسلام من الملكيات العامة لتمكين جميع أفراد الأمة من الانتفاع به، جاء فى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي اللَّهُ عنه قال: قال رسولُ اللَّه ﷺ: «ثَلاثٌ لاَ يُمْنَعْنَ: المَاءُ والكَلأُ والنَّارُ». وفى سننه أيضاً عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: «المسلمونَ شُركَاءُ فى ثَلاَثٍ: المَاءُ والنَّارُ والكَلأُ، وثَمَنُهُ حَرَامٌ». وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: رسول الله ﷺ: «ثلاثٌ لا يكلمهم اللهُ يوم القيامة، ولا ينظرُ إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذابٌ أليم: رجلٌ على فضل ماء بالفلاة يمنعه من ابن السبيل...» رواه مسلم.


فالواجب على الدولة أن تحرص على توفير المياه وصونه من التلوث لأنه عامل أساسي وحيوي في بناء الدولة والمجتمع، وقد أدرك المسلمون هذه الأهمية للماء منذ نشوء الدولة الإسلامية. عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قَالَ: أَنْشُدُكُمْ اللَّهَ، أَتَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا بِئْرٌ يُسْتَعْذَبُ مِنْهُ إِلَّا رُومَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَشْتَرِيهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ، فَيَكُونَ دَلْوُهُ فِيهَا كَدُلِيِّ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا فِي الْجَنَّةِ» رواه أحمد ابن حنبل.


إن حل قضية المياه في السودان وفي غيرها يكمن في تطبيق نظام الإسلام؛ فأهل السودان مسلمون والثروة المائية موجودة في المنطقة وهي ملكية عامة للأمة ويجب أن ينتفع جميع أفراد الأمة، فالحديث عن حفر آبار وشراء مولدات هو للتضليل الإعلامي، فالمسؤولون يعلمون أن مياه روافد النيل تكفي لكنهم يريدون أن يبينوا أن الحكومة تتكلف الكثير.


إن الأوضاع السيئة، التي يعيشها المسلمون في السودان وفي غيره من فقر وضعف، لا يرجع إلى قلة الموارد في بلادهم، ولا إلى كثرة عددهم، فبلادهم من أغنى بلاد العالم بثرواتها المعدنية والمائية، وإنما يرجع إلى تخليهم عن الإسلام كنظام حياة، ثم خضوعهم لحكام يطبقون عليهم أنظمة الكفر لكي لا يعودوا إلى سابق عهدهم، أمة موحدة قوية مرهوبة الجانب، يرهبها أعداؤها ويحسبون لها ألف حساب.


فمشكلة المياه مشكلة جزئية وقضية فرعية تصغر أمام القضية المصيرية؛ التي يجب أن يتخذ المسلمون حيالها إجراء واحداً؛ الحياة أو الموت، وهي قضية عودة الإسلام إلى واقع الحياة بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة.


فإلى العمل الجاد وبالطريق الشرعي بادروا أيها المسلمون بالتغيير، وهبوا للعمل مع حزب التحرير لإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة لتوحيد الأمة الإسلامية بقيادة الراعي الذي يرعاها ويوحدها في كيان واحد، ويجمعها على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويخلّصها من الذئاب الشرسة؛ من دول الكفر ومن عملائهم؛ حكام المسلمين، ويحل مشكلة المياه وغيرها من المشاكل التي نرزح تحتها، ويقودنا إلى حمل الإسلام رسالة هدى ونور إلى العالم لنقوم بالدور الذي أناطه الله سبحانه بنا؛ هداية البشرية ورعاية شؤون العالم بأحكام الإسلام.


﴿ظهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41].

كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. ريم جعفر - أم منيب

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني