بالأمس كان خبيرًا في الإرهاب أما اليوم فمنظمة إرهابية
May 03, 2015

بالأمس كان خبيرًا في الإرهاب أما اليوم فمنظمة إرهابية

بالأمس كان خبيرًا في الإرهاب أما اليوم فمنظمة إرهابية


كتبت وكالة الأناضول للأنباء بتاريخ 2015/4/29 تحت عنوان: كفاح الكيان الموازي يستمر بإصرار:


أكد مجلس الأمن القومي الذي انعقد برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان استمرار العزم على مكافحة الكيان الموازي والتشكيلات غير الشرعية. وأفاد بيان مكتوب صدر بعد اجتماع مجلس الأمن القومي الدوري في نيسان/أبريل الذي انعقد برئاسة الرئيس رجب طيب أردوغان أن المناقشات التي جرت في الاجتماع الأخير تضمنت التطورات المتعلقة بسلام وأمن الشعب خلال فترة شهرين منذ الاجتماع الأخير الذي عُقد في 26 شباط/فبراير عام 2015 وحتى اليوم. وأعرب البيان عن ضرورة التركيز على التدابير الأمنية في جميع المؤسسات والمنظمات العامة. وقد تم إطلاع أعضاء مجلس الأمن القومي على التفاصيل المتعلقة "بكيان الدولة الموازية". وأضاف البيان "وقد قدمت معلومات تفصيلية بشأن هيكل الدولة الموازية والتشكيلات غير الشرعية والتأكيد على استئناف الكفاح بكل عزم".


إن الصراع بين حكومة حزب العدالة والتنمية وحركة فتح الله غولن كان سابقًا كما هو معلوم يدور في الخفاء، إلا أنه قد بدا واضحًا للغاية في نهاية عام 2013 (17-25 كانون الأول/ديسمبر). وقد تأسس حزب العدالة والتنمية في عام 2001 ومن ثم وصل إلى السلطة في الانتخابات العامة التالية، وقد حظي بدعم غير محدود من أفضل حليف له وهو حركة فتح الله غولن في إعداد كوادره وإقامة الحملات الدعائية، وكان من المفترض أن يقوم بإدارة الأمور في تركيا معه بحيث تكون تركيا أكثر ديمقراطية وأكثر ليبرالية، وبحيث يكون فيها القضاء متميزًا ويكون الحوار موضع ترحيب. في السابق كانت الانقلابات في تركيا هي السائدة، حيث الهيمنة العسكرية تضطهد الأحزاب السياسية وحيث يتم تجاهل إرادة الشعب ولم تكن الديمقراطية موجودة. وفيما مضى كان هناك القانون المطبق في تركيا هو قانون من كان في السلطة. فالقضاء والقضاة كانوا يقررون وفقَ إرادة أصحاب السلطة، ولم يكن الناس باستطاعتهم المطالبة بحقوقهم. وقد كان هناك تعذيب وقمع وإدانة غير قانونية واضطهاد. وبمجيء حزب العدالة والتنمية إلى السلطة سوى حساباته مع الجميع.


وقد كان أكبر داعم لحزب العدالة والتنمية في هذا الانتقام هو مجموعة فتح الله غولن، فقد كانت ماهرةً في زرع كوادرها سرًا في مؤسسات الدولة. وذلك لأن هذه المجموعة قد أولت اهتمامًا منذ سنواتها الأولى في مجال تدريب وتجنيد الأشخاص في المؤسسات الأكثر تأثيرًا في الدولة. وكانت وزارة مخابرات الشرطة والقضاء على رأس هذه المؤسسات. وكان لجماعة غولن سيطرة شبه كاملة على الشرطة والمؤسسات القضائية وتمسكت بها. ولم يكن هذا هو الحال بالنسبة لحزب العدالة والتنمية، فلم يكن له جهاز استقطاب خاص به، فالخلفية التي كانت لبعض كبار كوادره هي خلفية وطنية تقليدية، وبعضهم جاء من حزب أوزال "حزب أنافاتان"، والبعض الآخر كانوا من ذوي خلفيات مختلفة.


لذلك كان حزب العدالة والتنمية يتكفل بالدعم الشعبي من خلال حكام مثل أردوغان من ناحية، ومن ناحية أخرى كانت مجموعة غولن تشكل بنيةً عميقةً وسريةً داخل الدولة... وقد شنت الحركتان المتعاونتان حربًا كبيرةً ضد بنية عملاء الإنجليز من القوميين ونفوذهم في الجيش في عام 2008. وقد كان المقصود من هذه الحرب أن تشكل الحلقة الأخيرة في الصراع من أجل تصفية بنية نفوذ بريطانيا تمامًا وتمكين النفوذ الأمريكي من السيطرة سيطرة كاملة. وخلال هذا الصراع شكل حزب العدالة والتنمية وحركة غولن حلفًا واحدًا وسارا معًا. ولكن حقيقة الصراع لا يظهر للناس على أنه صراع أمريكي بريطاني كما بينّا هنا. وإنما كان الناس ينظرون إليه على أنه صراع بين "وصاية مؤيدي الانقلاب وعقلية مؤيدي المجلس العسكري". وقد تم عرض المشهد السياسي على أنه تصفية حساب تاريخية مع أولئك الذين أهملوا الشعب، وقمعوا الناس من خلال قوانين أصحاب السلطة الذين حكموا على الناس بالفقر وتجاهلوا حرياتهم. هذه هي الطريقة التي قدمت بها وسائل الإعلام هذه القضية. وقد قُدم تحالف حزب العدالة والتنمية وجماعة غولن للناس على النحو التالي: في تلك الأيام، معظم الناس نظر إلى المشهد السياسي على أنه عملية ثأر ولم يدركوا أنه كان اتفاقًا بينهما لخدمة المصالح الأمريكية.


إلا أن هذا التحالف انهار في كانون الأول/ديسمبر عام 2013 دون أن تكون هناك إمكانية لإعادته مجددًا. فقد تعارضت المصالح الشخصية والحركية والتجارية، وكشفت عمليات الفساد والرشوة في 17 - 25 كانون الأول/ديسمبر كل شيء. وفجأةً أدركنا أنه لم يختلف شيء في المشهد الحالي عما كان عليه الحال في السابق. والمثير للدهشة أن المسؤولين الجدد فاسدون تمامًا كالمسؤولين السابقين. وفي الحقيقة أنه لم تتم أي عملية خالية من الفساد. فأولئك الذين سرقوا في السابق سرقوا دون أن يقدموا خدمات، ولكن من جاؤوا اليوم يسرقون ويقدمون خدمات.


وفجأة أدركنا أن القانون كان موضوعًا تحت الأقدام. ومن أجل القضاء على نفوذ بريطانيا، جعلت الحكومة مجموعةً واحدةً تحتكر السيطرة على القضاء والشرطة. وفي المقابل قام هؤلاء بالمحاكمة والحكم والظلم والافتراء بغض النظر عن الحقوق والقوانين، وصنعوا مجرمين من خلال تلفيق الأدلة. وبطبيعة الحال، كانوا سابقًا يلقون القبض على أي عصابة إجرامية منظمة موجودة من أجل أن يجعلوا الأمر يبدو وكأنه يسير بشكل سليم. لأنه من المحتمل أن يقوم الكيان القومي بأعمال تزعزع الاستقرار. والعصابات المنظمة تشكل تهديدًا كقنبلة موقوتة. وسيكون من السهل تصفية "نظام الوصاية" بعد تنظيف الساحة.


وهكذا، ووفقًا للاتفاق على مكافحة الإرهاب بين حزب العدالة والتنمية وأمريكا، فقد كان بإمكانهم اضطهاد المسلمين من خلال أتباع جماعتي حزب العدالة والتنمية وحركة غولن. فخلال 12 عامًا من حكمهم قاموا بمحاكمة وسجن آلاف المسلمين بذريعة الإرهاب. فكان التحالف القائم بين جماعتي حزب العدالة والتنمية وحركة غولن يقوم فعليًا بالانتقام من مؤيدي الانقلاب والعقليات المؤيدة للمجلس العسكري. وهذا هو السبب في أن كل الجماعات الإسلامية المحافظة الأخرى بقيت صامتة، لأن كل من يجرؤ على الحديث يستهدف تحت حجة أنه صانع للفساد ويسعى لزعزعة استقرار الواقع على الأرض. فتحول الجميع إلى "الديكتاتورية" في خضم هذا التعاون السحري، حتى الإسلاميين...


وعند أحداث 17 - 25 كانون الأول/ديسمبر أعلن حزب العدالة والتنمية أن جماعة غولن تجاهلت كلمة العدالة في اسم حزب العدالة والتنمية. ولذلك كشفت صفحةً صفحةً كافة الأعمال غير القانونية والمؤامرات التي قامت بها من خلال المؤسسات القضائية والشرطة التي تسيطر عليها. لأنه لو لم يقم حزب العدالة والتنمية بذلك، لقامت جماعة غولن بفضح كل العلاقات القذرة لقادة حزب العدالة والتنمية صفحة صفحة. ونحن طبعًا لا نستطيع أن نقول أن حزب العدالة والتنمية لم يقم بذلك. وأثناء ذلك، وعلى الرغم من أن أمريكا لم تعلن صراحة تأييدها لأي طرف، إلا أنها بسبب الحفاظ على مصالحها الذي يعتبر أمرًا ضروريًا، فقد فضلت أن تحمي النظام، أي دعامته السياسية المتمثل في حزب العدالة والتنمية والحكومة.


ولذلك فلا أحد آخر غير أمريكا من يأخذ بيد أردوغان ويدعمه ضد الجماعة عقب عمليات 17-25 كانون الأول/ديسمبر. ولو أرادت أمريكا إنهاء أردوغان وحزب العدالة والتنمية لاختفوا قبل 17-25 كانون الأول/ديسمبر. ولذلك فاليوم الجماعة التي نظمت كل العمليات حتى كانون الأول/ديسمبر 2013 تحت اسم "الحرب على المنظمات الإرهابية"، وُضعت على القائمة السوداء تحت اسم "كيان موازٍ يهدد الأمن القومي" في اجتماع مجلس الأمن القومي. وبذلك نعت أردوغان وحزب العدالة والتنمية بذريعة الجماعة المئات من المسلمين الأبرياء بالإرهابيين وزجوهم في الأقبية والزنازين حتى وقت قريب جدًا. إن مصطلح "مكافحة الكيان الموازي، والمنظمات غير القانونية الأخرى التي تهدد الأمن القومي" في الأخبار المذكورة أعلاه أمر لافت للنظر. فالجميع يعرف بأن الجماعة لا تهدد أمن الدولة. قد تشكل تهديدًا محتملًا لبعض القادة السياسيين لحزب العدالة والتنمية ولكن الجماعة لم يكن عندها أبدًا الفكرة والأيديولوجية التي من شأنها أن تهدد أمن الدولة. وإن هذا معروف جدًا للولايات المتحدة ومعها أردوغان وحزب العدالة والتنمية. وبالتالي فليست جماعة غولن المقصودة بمسمى المنظمات غير القانونية. بل إن حزب التحرير والحركات الإسلامية الأخرى هي المقصودة من هذا المصطلح. فحزب التحرير لم يتبن أبدًا البنية الجمهورية العلمانية في تركيا، وعوضًا عن ذلك عمل على استبدال دولة الخلافة بهذا النظام الفاسد.


هذا هو السبب الذي يتعرض لأجله أعضاء حزب التحرير لعقوبات شديدة جدًا على يد القضاء في ظل حكم حزب العدالة والتنمية. أعضاء من الجماعة، الذين تعاون معهم حزب العدالة والتنمية من خلال الشرطة والمؤسسات القضائية أصدروا أحكامًا قضائيةً على أعضاء حزب التحرير دون وجه حق. ولو كان حزب العدالة والتنمية مخلصًا صادقًا لكان أعلن عدم قانونية هذه الأحكام الصادرة. ولكان أطلق سراح المعتقلين المسلمين الأبرياء. ولكنه لم ولن يفعل ذلك. فقد أصبح حزب العدالة والتنمية الدولة الآن. وأصبح هذا الحزب ممثلًا للنظام الجمهوري في تركيا. فكما كان حزب مصطفى كمال ممثلًا عن الدولة في عدائه للإسلام والمسلمين، فالآن نظام حزب العدالة والتنمية الذي أسسه أردوغان يمثل الدولة الحالية. والنظام الذي كان بالأمس القريب يعمل على تصفية وإنهاء الوصاية الإنجليزية في البلاد بالتعاون مع رجال جماعة فتح الله غولن، يعمل الآن على تصفية الجماعة ذاتها لتورطها في قضايا فساد ورشوة. وعلى يد من؟ على يد فريق مهيأ ممن يمتلكون نزعة توجيهية في الدولة ومعهم القضاة القوميون والشرطة... وأولئك الذي أُطلق عليهم بالأمس بأنهم خبراء في الإرهاب، يُحاكمون اليوم على أنهم أعضاء في منظمة إرهابية. وفي النهاية، هذه هي الطريقة التي يُحافظ بها على الجمهورية العلمانية. وعاجلًا أم آجلًا سيُلقى أولئك الذين خدموا هذا النظام جانبًا. وغدًا لن يكون مصير حزب العدالة والتنمية وقادته مختلفًا عن مصير أولئك.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
محمود كار

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني