بطاقة تهيئة واجبة لأهل بلادي في عيد استغلال بلادي عيد الاستقلال
May 26, 2015

بطاقة تهيئة واجبة لأهل بلادي في عيد استغلال بلادي عيد الاستقلال

بطاقة تهيئة واجبة
لأهل بلادي في عيد استغلال بلادي عيد الاستقلال


عيدٌ بأيّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ         بمَا مَضَى أمْ بأمْرٍ فيكَ تجْديدُ


عيد الاستقلال: هو يوم من كل سنة تحتفل فيه الشعوب والدول بمناسبة مرور أعوام على الاستقلال أي التحرر أو استعادة الحرية من استعمار أجنبي أو وصاية خارجية. لتذكير الأجيال الناشئة بمدى معاناة الآباء من أجل الحصول على الحرية وغرس روح الحب للوطن في قلوبهم. وتتخذ معظم الدول هذا اليوم كعطلة رسمية وطنية. يشتمل هذا اليوم عادة على تنظيم عروض عسكرية، وإطلاق الألعاب النارية، وأداء الرقصات الشعبية احتفاء بهذه المناسبة وهذا الانتصار.


وفي الأردن يصادف هذا اليوم 2015/5/25 يوم استقلالها، عن منْ؟! لا ندري ونحن ما زلنا نرى بلادنا تابعة؟! كيف استقلت بلادنا؟! وعمّن استقلت؟! هذا ما دفعنا أن نقوم بواجبنا نحو أهلنا وأبنائنا من تصويب للأوضاع وتهيئة الأهل والبلاد لمشروع استقلال حقيقي، لا وهمياً لا يراه أبناؤنا إلا في طقوس احتفالية تخلو من أي مضمون صحيح.


فقد أسّست بريطانيا إمارة شرق الأردن وكانت خاضعة آنذاك للانتداب البريطاني بعدما انهارت دولة الخلافة الإسلامية العثمانية ونَصَّبوا عليها الأمير عبد الله بن الحسين عام 1921، واستقلت عام 1946 ونودي بالأمير عبد الله ملكًا عليها، أي أنها استقلت عن بريطانيا واعترفت بها الأمم المتحدة - التي صنعتها بريطانيا ودول الاستعمار معها - كدولة مستقلة ذات سيادة وعُرفت منذ ذلك الحين باسم المملكة الأردنية الهاشمية.


معنى هذا أنه لم يكن هناك إمارة اسمها إمارة شرق الأردن، ولا دولة اسمها المملكة الأردنية الهاشمية، فماذا كانت تسمى حتى ذلك الوقت؟! ومن كان يحكم أجدادنا؟! هل تعلم؟!


والنظام في المملكة الأردنية الهاشمية هو نظام ملكي دستوري مع حكومة تمثيلية. الملك يمارس سلطته التنفيذية من خلال رئيس الوزراء ومجلس الوزراء، الذي في الوقت نفسه، هو مسؤول أمام مجلس النواب (المنتخب) ومجلس الأعيان - المُعَّين من قبل الملك - اللذين يشكلان السلطة التشريعية للدولة. إضافة للسلطة القضائية، هكذا أراد الإنجليز للأردن أن يكون بعد احتلالها.


يقول الأستاذ عاطف الكيلاني في مقال له تحت عنوان "عيد الاستقلال كل عام والوطن بخير" على موقع جريدة الحقيقة الدولية: "جاء استقلال بلادنا عن طريق المفاوضات مع بريطانيا والتي توجت بالمعاهدة الأردنية البريطانية عام 1946 والتي عدلت في 15 أيار 1946 مع إبقاء القوات البريطانية في الأردن... وفي ما تلا ذلك من سنوات عصيبة عاشها الأردن وطنًا وشعبًا (تخللتها النكبة الفلسطينية الكبرى عام 1948) واصل شعبنا الأردني نضاله الوطني الضاري وخاض المعارك الشرسة من أجل استكمال الاستقلال الوطني الناجز وتعريب الجيش الأردني الذي كان تحت قيادة بريطانية (كلوب) وإلغاء المعاهدة الأردنية البريطانية".


أليست هذه مغالطة مع سبق الإصرار يلوي بها الكاتب أعناق الحقائق لتخدم وهمًا مصنوعًا اسمه استقلال، يقول: "جاء استقلال بلادنا عن طريق المفاوضات مع بريطانيا والتي توجت بالمعاهدة الأردنية البريطانية عام 1946 والتي عدلت في 15 أيار 1946"، فمع مَنْ تفاوض الأردنيون؟! لا بل ومن هم هؤلاء الأردنيون الذين تفاوضوا مع بريطانيا فكان أن نَصَّبوا عليهم ملكًا ليس منهم؟! أليست الحقيقة أن بريطانيا كانت تفاوض نفسها وتقرر ونسمع لها ونطيع، أليس "كلوب باشا" هو مؤسس الجيش العربي؟! ألم تسمعوا أن الجيش الأردني وتحت إمرة كلوب باشا كان يخوض حربًا مع عصابات اليهود التي أتى بها البريطانيون أنفسهم إلى فلسطين؟! يا لسخرية ما كتب التاريخ عنا في تلك الأيام، بريطانيا تفاوض نفسها فتمنح الأردن استقلالا، وبريطانيا تقاتل نفسها لدحر عصابات اليهود بأيدي الجيش الأردني، فتكون النتيجة انسحاب الجيش الأردني وغيره أمام عصابات اليهود بمساعدة بريطانيا، فتكون النكبة.


نعم كانت النكبة، وكم يشفق الواحد منا على نفسه عندما يقرأ تصريحاً لضابط أردني اسمه "عبد الله التل" كان وقتها مسؤولاً عن حماية منطقة القدس من عصابات يهود، عندما صعق من الأوامر التي تأتيه بالانسحاب من مواقعه رغم سيطرته الكاملة على الأرض، فلماذا تستمرون بالمغالطات وقد انكشف المستور، والشعب الأردني العربي المسلم الأبي لم تعد تنطلي عليه كل هذه المهازل السياسية والإعلامية، نعم بذل أفراد وضباط جيشنا الأردني الغالي والنفيس في سبيل حماية فلسطين ولم ينسحبوا من هزيمة عسكرية، بل هي هزيمة سياسية فرضتها عليهم القيادة السياسية التي كانت تسعى إلى تلك المعاهدة التي أسميتموها لنا زورا "الاستقلال"، وللحقيقة والتاريخ أقول؛ أن هناك وللآن في صفوف أبناء قواتنا المسلحة رجالاً لم تختبرهم الساحات في معارك حقيقية مع اليهود والكفار والمستعمرين، ولتعلموا أن هؤلاء الرجال هم أمل بلادنا، وما أن ينكسر قيد الاستقلال الاستعماري هذا عن رقاب بلادنا حتى تروا رجال الأردن كيف يروون أرض الحشد والرباط بدمائهم الزكية فقط طلبًا للشهادة، وقد رأيتم ورأى العالم معكم من هو الجندي الأردني العربي المسلم الذي نازلهم يوم الكرامة.


وعلى موقع جريدة الرأي نشر ما نصه "69 عامًا على الاستقلال.. والذي تتجدد فيه معاني الاعتزاز والفخر لدى الأردنيين بتحمل مسؤولياتهم تجاه وطنهم، وحماية مكتسبات الاستقلال ومنجزات الوطن"، الاعتزاز والفخر بماذا؟! والأقصى يدنس بجانبنا كل يوم؟! وما هي مكتسبات الاستقلال هذه ومنجزاته، أهي تعبيد الطرق وبناء الحدائق والمدارس؟! وكأن العالم كله يخلو من هذه الإنجازات التي لا يجوز حسابها إلا لمصلحة الاستقلال، أي استغلال أرعن هذا لتضخيم كل ما هو طبيعي على أنه من منجزات لاستقلال الدولة.


إلا أنه لا بد في هذه المناسبة من أن أتقدم إلى أفراد وضباط وضباط صف قواتنا المسلحة والشرطة والدرك بتهنئة من نوع خاص، ليس بمناسبة الاستقلال، فنحن لم نتمتع باستقلالنا بعد، بل بمناسبة أنهم هم الرجال الذين صنع إخوانهم ملحمة الكرامة والإباء رغم قلة الحيلة، أسوق لهم هذه الحكاية عن بطولة أحد إخوانهم رواها لي ضابط ذو رتبة عالية كان في ساحة القتال ذاتها، وللأمانة أقول أن هذا الضابط غالبته عيناه بفيضِ دمعٍ لم يستطع حبسه أبدًا وهو يتكلم عن زميل له قضى نحبه في ساحة المعركة حيث يقول: "أنه كان لدينا في المقدمة ما نسميه بضابط الملاحظة الذي كان يعطي للمدفعية إحداثيات الأهداف لتقصفها، فإذا به يعطينا إحداثيات هدف هو "موقع الخندق الذي يتمركز فيه هو كضابط ملاحظة"، فصُعِقنا لما استلمنا الإحداثيات فقلنا له أمجنون أنت؟! هذه إحداثيات الخندق الذي أنت فيه، يقول: رد علينا بقوله اقصف فورًا ولا تتأخر فأرتال الدبابات الإسرائيلة فوق رأسي وتحيط بي اقصف بكثافة أما أنا فأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله".


الله أكبر الله أكبر الله أكبر، ها أنتم أيها الإخوة الأبطال أنتم من سلالة رجال علموا الدنيا كيف تكون البطولات، أنتم أبطال وأصحاب رسالة، أيرضيكم استقلال مهين يمنون به علينا مجرد الحياة ولقمة العيش؟! أنحتفل باستقلال "سايكس- بيكو"، وبين أظهرنا يرقد أبو عبيدة وشرحبيل ومعاذ وضرار، أنحتفل باستقلال سايكس بيكو وبطاح معان ومؤتة تكاد تُسمعنا سنابك خيل زيد بن حارثة وجعفر وابن رواحة وابن الوليد؟! أنحتفل باستقلال سايكس بيكو وقلعة صلاح الدين في عجلون الأبية تشهد على أمجادكم وحصون قلعة الكرك الشماء يفوح منها عبق مجد أمتنا، أنحتفل باستقلال سايكس بيكو وضفاف اليرموك تشدك إلى مشهد كله رجولة وتضحية في سبيل الله وحده، بلادنا التي رواها أجدادنا الأوائل بدمائهم الزكية لتعلو كلمة الله، وتكون كلمة الذين كفروا السفلى، أترضون أن ترددوا وراء هذه الأبواق شعارات فارغة من كل مضمون، فتقولوا الأردن أولًا، لا لا لا ما خلقنا لنقول ذلك، بل لله العزة ولرسوله وللمؤمنين، هلموا أيها الإخوة وأسمعوهم أن الإسلام أولا وثانيا وثالثا وأخيراً لا نرضى إلا بما يرضي ربنا هو مولانا وإليه المصير ولا تخشوا إلا الله، هؤلاء يدعونكم إلى حتفكم في الدنيا والآخرة وما هم مُغْنون عنكم شيئًا، فما هم إلا دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها ومن عصاهم فقد سلم، فاخلعوهم قبل فوات الأوان ولا ترضوا أن ينطبق عليكم قول الله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ * وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾.


اللهم كن لأهلنا في الأردن خير معين واحفظهم من شرور الأشرار وأرهم الحق حقًا وارزقهم اتباعه وأرهم الباطل باطلًا وارزقهم اجتنابه، وارزقهم استقلالًا لا يشعرون فيه بالحاجة إلا إليك، اللهم وسع عليهم أرزاقهم فقد ضيقوا عليهم عيشهم، فإن في الأردن رجالًا أنْعِم بهم ثم أنْعِم وأَكْرِم ثم أَكْرِم، اللهم وكن مع إخوتنا في قواتنا المسلحة الباسلة التي ما انهزمت يوما بفعل خوف أو جبن أو فرارًا من إخوان القردة والخنازير، اللهم اجعلهم أبناءً لأمتهم وعونًا لها وانصرنا بهم على عدوك وعدونا إنك أنت القادر على ذلك يا مؤلف القلوب وباعث الأمل في النفوس اللهم آمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد الرؤوف بني عطا - أبو حذيفة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني