فلتكن حملتكن يا نساء السودان من أجل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة لا حواراً وطنياً ترعاه أمريكا
November 12, 2015

فلتكن حملتكن يا نساء السودان من أجل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة لا حواراً وطنياً ترعاه أمريكا

فلتكن حملتكن يا نساء السودان من أجل الخلافة الراشدة على منهاج النبوة
لا حواراً وطنياً ترعاه أمريكا


أشاد أحمد بن محمد الجروان رئيس البرلمان العربي بتدشين مجموعة تشمل النساء السودانيات الناشطات في الأحزاب والمجتمع المدني والحكومة والمعارضة، لحملة نسائية جامعة تهدف إلى دعم الحوار الوطني السوداني. وقال الجروان في بيان صحفي أصدره اليوم إن البرلمان العربي بصفته ممثلاً للشعب العربي الكبير يدعم الخطوات الحثيثة في السودان نحو عملية الحوار الوطني بقيادة المشير عمر البشير رئيس الجمهورية، مؤكداً أن البرلمان العربي كان قد تابع سير العملية الانتخابية والمسار الديمقراطي في السودان، وأيد بقوة خطا الحوار الوطني والتي تهدف إلى ترسيخ دعائم الديمقراطية و"الحكم الرشيد".


وعن الحملة النسائية لدعم الحوار الوطني السوداني، قال رئيس البرلمان العربي إن البرلمان العربي ومن منطلق إيمانه بمدى أهمية دور المرأة العربية في كافة المجالات ودعمه القوي لمشاركتها الواسعة في الحياة الاجتماعية والعملية السياسية، يشيد بإنجازات المرأة السودانية وإضافاتها البناءة لما فيه خير ومصلحة السودان والوطن العربي الكبير، متمنياً للحملة ولعملية الحوار الوطني السوداني النجاح في تحقيق أهدافها التي يسعى إليها الشعب السوداني. الخرطوم 2015/11/4 (سونا للأنباء).


لم يبق أحد إلا وأصابه جنون الحوار الوطني الذي يدعو له المؤتمر الوطني! ها هم يريدون إشراك المرأة في هذا الحوار والذي هو أمريكي المولد والمنشأ، وأُتي به من عند العدو اللدود للأمة الإسلامية؛ أمريكا!! وهي التي تريد تحقيق مصالحها من خلال هذا الحوار، كما صرح بذلك (ليمان)، وذلك بإصلاح النظام القائم ومنع سقوطه! أي التأسيس لنظام علماني يحارب كل مظاهر الإسلام. إن هذا النظام يريد السير بالبلد للتحول نحو العلمانية المحرمة شرعاً وينخرط في تناغم عجيب مع أمريكا في حربها على الإسلام ووصفها إياه بالتطرف والإرهاب.


ويأتي تبني النظام لأفكار العلمانية؛ من نظام الحكم الديمقراطي؛ الذي يجعل التشريع للبشر بالأغلبية الميكانيكية، بدلاً عن المحجة البيضاء؛ تشريع رب العباد، الذي يؤخذ من النصوص الشرعية بقوة الدليل! هذا ما تريده أمريكا عبر هذا الحوار الوطني: العلمانية، ومزيداً من التمزيق!!


ولكن عوّدتنا أمريكا أنها عندما تريد أن تفعل شيئاً فلا بد من أن تشرك فيه الجميع ومن ذلك إشراك المرأة في الحوار والاستمرار في سقي شجرة تمزيق البلاد، وجني ثمارها المُرة، بعد أن فصلت هذه الحكومة جنوب السودان بفكرة حق تقرير المصير، إرضاءً لأمريكا، هذه الفكرة التي شكّلت أخطر سابقة في تاريخ السودان، ثم عادت أمريكا هذه المرة، لسلخ دارفور، عبر فكرة الحكم الذاتي الموسع للإقليم؛ التي نصت عليها اتفاقية الدوحة. إن قبول دخول الحركات المسلحة براياتها وشعاراتها، تحت مظلة الحوار الوطني، والبحث في وضع دستور توافقي، والاعتراف بهذه الكيانات وخصوصيتها، لهو خطوة تخطوها الحكومة نحو التمزيق، ولها سابقة فصل جنوب السودان، وهي تمهد لذلك بالوضع الخاص لدارفور، عبر الدستور التوافقي؛ الذي يراد أن ينص فيه على أفكار الحكم الذاتي والفدرالية وغيرها. ومن ذلك مطالبة الحركة الشعبية قطاع الشمال بالحكم الذاتي لمنطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق وقد عانت المرأة كثيرا من ذلك. إن المرأة في السودان تعاني هي وأطفالها في معسكرات النزوح البائسة ومعسكرات اللجوء، وآثار الحروب الأهلية في أطراف السودان، وفي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وفي الشرق الحزين. وتعاني كذلك الفقر، ليس في المناطق النائية فحسب، وإنما في الخرطوم والوسط. وذلك كله مرده للنظام الرأسمالي الديمقراطي الذي يحكمنا والذي يقول عنه الجروان الحكم الرشيد! ساء ما يحكمون؟


إن الملايين من النساء والعائلات قد تأثروا بهذا النظام أيما تأثُّر، فعدد الأسر الفقيرة يزداد يوما بعد يوم في هذا الوضع السيئ للنظام الاقتصادي الرأسمالي الذي اعتمدته البلاد. وهو ما يعتبر ليس نتيجة للأزمة الاقتصادية الدورية فقط، وإنما يثبت ذلك أيضًا أن تلك المشاكل هي نتيجة للنمو الاقتصادي الوهمي كما وصفوه باقتصاد الفقاعة لأنه يرتكز على قطاع الربا (أرباح غير حقيقية) والنقود الورقية. ولأنه لا يملك آلية لتوزيع عادل، فإن النظام الرأسمالي أدى أيضًا إلى إفقار عشرات الملايين من الناس، بما في ذلك النساء في هذا البلد بينما عدد قليل من الناس هم من يملكون جُلَّ الثروة.


هؤلاء الحكام الذين يراد من المرأة أن تشاركهم في جرائمهم هم سبب الحروب والفقر لأن نسبة 70% من ميزانية الدولة تذهب للحروب والأمن، خصماً من التعليم والصحة والخدمات، فالمرأة كانت في الإسلام عرضاً مصاناً، وكانت قبل هذه الحروب ملكة في بيتها، وفي بيئتها وكانت تزرع الأرض وتحلب الضرع، وتبني البيت؛ كانت تفعل ذلك منذ الأزل، ولكن الدول الكبرى وعملاءها من الحكام هم من أوصلوا المرأة إلى هذا الوضع المأساوي، فبعد أن كانت تنتج وتعطي أصبحت الآن تستغيث. وكان الأولى أن يطلب من المرأة العمل للتغيير الحقيقي، وتطبيق أنظمة الإسلام، وأن يكون ذلك بالطريقة الشرعية؛ التي اتبعها الرسول ﷺ، وهي العمل الفكري والسياسي، والصبر في هذا الطريق، لا العمل المادي، وأن يطلب منها العمل لاستئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة إن لم تكن موجودة كما هو الحال اليوم. إن نظام الخلافة هو النظام السياسي الوحيد القادر على إعادة النظام الاقتصادي الإسلامي. وإن السياسة الاقتصادية لدولة الخلافة الإسلامية على منهاج النبوة تضمن إشباع الحاجات الأساسية لكل أفراد الرعية فردا فردا (الملبس والمسكن والمأكل) وكذلك الحاجات الأساسية للمجتمع (الصحة والتعليم والأمن)، بالإضافة إلى إنشاء آلية للتوزيع العادل للثروة. ومما لا شك فيه أيضًا أن أوضاع الملكيات وإدارة الثروات سيتم تصحيحها من خلال التطبيق الكامل للأحكام الشرعية المتعلقة بالمجال الاقتصادي.


فإن دليل فرضية العمل للخلافة يوجبه على القادرين من الرجال والنساء على حدٍ سواء، يقول تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمّةٌ يَدْعونَ إلى الخَيرِ وَيأمرونَ بِالمَعروفِ وَيَنْهَوْنَ عَن المُنْكَرِ وأولئكَ هُمُ المُفْلِحون﴾ [آل عمران 104]، هذه الآية خاطبت المؤمنين والمؤمنات وأمرتهم بإنشاء حزب يكون عمله الدعوة إلى الإسلام (الخير) وأمر الأمة بتحكيم شرع الله ونهيها عن الأخذ بالأفكار والأنظمة الغربية، وهذا أعظم معروف يؤمر به وأشد منكر ينهى عنه. وكذلك الأحاديث الشريفة التي يستدل بها على وجوب إقامة الخلافة كقوله ﷺ: «مَنْ ماتَ وَليسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ ماتَ مَيْتَةً جاهِلَيّة» [رواه الطبراني في الكبير]، فكلمة "من" عامة تشمل الرجال والنساء، ومن المعلوم أن نسيبة بنت كعب - أم عمارة - من بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو - أم مَنيع - من بني سلمة بايعن الرسول ﷺ في بيعة العقبة الثانية، وقد بايع الرسول ﷺ النساء اللواتي هاجرن بعد إقامة الدولة، قال تعالى: ﴿يَآ أيُّها النّبِيُّ إذا جَاءَكَ المُؤمناتُ يُبايعنَكَ على أنْ لا يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيئاً وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنينَ وَلا يَقْتُلنَ أولادَهُنّ وَلا يَأتينَ بِبُهتانٍ يَفْتَرينَهُ بينَ أيديهِنَّ وَأرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصينَكَ في مَعروفٍ فبايِعْهُنَّ واستغْفِر لَهُنّ اللهَ إنَّ اللهَ غَفورٌ رَحيمٌ﴾ [الممتحنة 12]، وعليه فإن المَيتة الجاهلية تشمل النساء أيضا لأن في أعناقهن بيعة فإن لم يتلبسن بالعمل لإيجاد خليفة يستحق البيعة فميتتهن ميتة جاهلية.


هذه أحكام شرعنا الحنيف المتعلقة بالمرأة ودورها السياسي في ظل الخلافة الراشدة، فيجب على نسائنا اليوم أن يتأسّين بسيرة هؤلاء النساء العظيمات، ويعملن كما عملن لاستئناف الحياة الإسلامية والنهوض بالمسلمين، حتى يظهر الله أمره ويعز دينه، وإذا شهدنا قيام خلافة المسلمين الثانية على منهاج النبوة، لا يتركن العمل السياسي، بل يستمررن في نصحِ المسلمين وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، ولا يتوانين بإذن الله عن محاسبة الخليفة وأعوانه والنصح لهم، حتى يرضى الله عنهن، فيُحشرن في زمرة المسلمات الأوائل.

كتبته لإذاعة المكتب الاعلامي المركزي لحزب التحرير
د. ريم جعفر - أم منيب

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني