حاملُ الدعوة ورسالةُ الرسل
حاملُ الدعوة ورسالةُ الرسل

الحملُ الحقيقيُّ للدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية، ليست هزلاً ولا ترفاً، بل أمانةٌ عظيمةٌ وواجبٌ على من وُفِّقَ لحملها. حامل الدعوة مدعوّ أن يكون منصِفاً واعياً، متوكِّلاً على الله، مثابراً في سبيل رفع كلمة الحقِّ وتبيين منهج الإسلام في شتى مناحي الحياة، لا مبتغياً منصباً ولا جاهاً، بل رضا ربِّه واحتساباً عنده. فحامل الدعوة وقع أجره على الله وهو يدعو على بصيرة من ربه، وربه يرعاه ويحفظه.

0:00 0:00
السرعة:
November 17, 2025

حاملُ الدعوة ورسالةُ الرسل

حاملُ الدعوة ورسالةُ الرسل

الحملُ الحقيقيُّ للدعوة إلى استئناف الحياة الإسلامية، ليست هزلاً ولا ترفاً، بل أمانةٌ عظيمةٌ وواجبٌ على من وُفِّقَ لحملها. حامل الدعوة مدعوّ أن يكون منصِفاً واعياً، متوكِّلاً على الله، مثابراً في سبيل رفع كلمة الحقِّ وتبيين منهج الإسلام في شتى مناحي الحياة، لا مبتغياً منصباً ولا جاهاً، بل رضا ربِّه واحتساباً عنده. فحامل الدعوة وقع أجره على الله وهو يدعو على بصيرة من ربه، وربه يرعاه ويحفظه.

ما يلقاه حاملُ الدعوة من ابتلاءٍ ليس بجديدٍ؛ فقد عانى الأنبياء والمرسلون السخريةَ والتعذيبَ والسجنَ، ولم يَضعفوا ولا استكانوا، بل تحلوا بالصبر وحسن التوكل على الله. ثمّ إنَّ من تحمّل هذه الرسالة راضياً صابراً محتسباً، فهو في رعاية الله وحفظه مهما تنوّعت الظروف.

الخلافةُ: مظلّةُ التوحّدِ ووحدةِ الحكم

الخلافةُ على منهاج النبوة هي الدولة التي توحِّدُ المسلمين سياسياً وتشكّل الإطار الشرعيّ لتطبيق الشريعة؛ فبها يتجمّع النّاس تحت إمامٍ واحدٍ يحكم بما أنزل الله، وتُسترجع حقوقُ الأمة وكرامتها وحُريّتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية. لقد أدرك أعداءُ الأمة خطرَ هذه الحقيقة، فعملوا على تفتيتِها وبثِّ العصبيات والطوائف والحدود المصطنعة، عبر مؤسّساتٍ دولية وقوانين وبنىً مؤسسيةٍ تُخفي حقيقتها: السيطرة والهيمنة.

أحقيةُ الدعوة إلى إقامة الخلافة

بعد هدم الخلافة واحتلال البلاد الإسلامية بزعم "الحدود القومية" و"الأنظمة الوطنية"، أصبحت إعادة الخلافة واجباً شرعياً على من استقام عليه الإيمانُ ورأى خطر تشتّت الأمة وانكسار سلطانها. إنّ الدعوة لإعادة سلطان المسلمين حكمٌ شرعيٌّ، ودعوةٌ لتطبيق ما جاء في الكتاب والسنة من أحكامٍ تُنقِذُ الأمة وتعيد لها مكانتها. وعد الله للمؤمنين العاملين بأنه سيستخلفهم في الأرض، وهذا وعدٌ للذين آمنوا وعملوا الصالحات كما ورد في الأحاديث النبوية وقوعُ الخلافة على منهاج النبوة.

صفاتُ حامل الدعوة وكيفيةُ العمل

حامل الدعوة: مخلصٌ، لا تلهيه تجارةٌ ولا بيعٌ عن ذكر الله؛ مؤمنٌ ثابتٌ، يعمل بين الناس ليُبيّنَ الحقَّ ويوعِّيَ ويربي ويُنظّم، لا يسعى لمنصبٍ شخصيٍّ أو لَذةٍ دنيويةٍ فانية. الطريقُ وعرٌ ومليءٌ بالمصاعب، لكنه يسيرٌ على من توكّل على الله وآثر رضاه. على حامل الدعوة أن يكون واعياً سياسياً ومنهجيَّ التفكير، ينظر إلى العالم من زاوية العقيدة الإسلامية، ويُعدّ نفسه فكرياً وعملياً لبناءِ مشروعٍ سياسيٍ قائمٍ على المنهج الإسلامي.

لقد أرسل الله الرسل إلى الناس ليعرفوا الحق فيتبعوه والباطل فيجتنبوه، فكان يرسل النبي والرسول إلى قومه رحمة للناس وليدركوا الحق من الباطل. أرسل الله الرسل تترا للناس كما بين رب العالمين في الكتاب العظيم ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْراً﴾.

فحمل الدعوة للناس في حقيقته هو عمل الأنبياء، جاؤوا ليسوسوا الناس بما أنزل الله خالقهم والأعلم بما ينفعهم في الدنيا والآخرة. وتعرضوا للإيذاء والسخرية والاستهزاء والتعذيب والسجن والسب وكل أنواع الابتلاءات فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا. كان يملك أعداؤهم المال والقوة والسلطان وكل الوسائل الإعلامية والاقتصادية، وأصحاب النفوذ والدهاء والمكر والنفاق كما نرى في زماننا.

كان سلاح الرسل والأنبياء الصبر وحسن التوكل على الله والإيمان بأنه متمّ دينه ومبلّغه للناس رغم كل شيء. فبلغوا رسالاتهم وأنذروا أقوامهم.

لقد بين الله سبحانه في كتابه جميع الحلول للمسائل والمشاكل لكل زمان وفي أي مكان ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾، ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.

لقد أدرك أعداؤنا خطورة الخلافة كقوة توحد الأمة وتجمعها وتوحد قوتها، فعملوا على هدمها لتمزيق المسلمين؛ لأنها المظلة التي توحدهم وتجمعهم، فقاموا بعقد المؤتمرات الدولية وأنشأوا مؤسسات وكيانات دولية باسم القانون الدولي والأمن الدولي والصحة والعلوم والثقافة والمساعدات للدول. لكن ذلك كله كان هدفه السيطرة والنفوذ على جميع الدول وخصوصا البلاد الإسلامية.

فحمل الدعوة لإعادة سلطان المسلمين واجب شرعي بعد هدم خلافتنا وبعد تولي أمراء على قطع ممزقة لعصبيات وقوميات ووطنيات مقيتة من أفعال الجاهلية الأولى، تحكم بالكفر على عين أعداء المسلمين وتحت إشرافهم وقيادتهم.

لم يكلفنا الله بشيء إلا أن يكون في وسعنا وعلى قدر طاقتنا.

تمر بالأمة هذه الأيام أحداث صعبة وشاقة، فيها من الخذلان والعمالة والخيانة ما تنوء عن حمله الجبال، وترى فيها الحليم حيران. فهل من رجال لكل هذه الشدائد والأهوال، رجال باعوا أنفسهم في سبيل الله، رجال قال عنهم رب العالمين: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾، رجال أشداء مؤمنين قال عنهم رب العالمين: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾؟

نريد شبابا مؤمنين، ورجالا ونساء مؤمنين، لا يعملون لمنصب أو شهادة أو دنيا فانية.. رجالا لا يخافون في الله لومة لائم ويخشون الله ولا يخشون أحدا غيره، مسلمين مؤمنين يغيرون بالكلمة الصادقة يقذفون بها على الباطل فيدمغوه، قلوبهم تعظم ربهم ورسولهم ولا ترضى بالدنية في الدين. فما بالكم إن كان هذا المنهج الرباني لا يطبق على أرض الله، بل يستهزئ بكتابه وبرسوله أتفهُ الخلق وأهونهم على الله.

يا أهل القوة المخلصين، يا عباد الله، يا أصحاب الرتب في جيوش المسلمين، يا من لكم يدٌ في حماية أرض الأمة وشعبها: إنّ لكم دوراً عظيماً في استعادة الحقوق وردّ المظالم، وقيام دولة تحكم بالشريعة وتجسد العدالة. إن الأمة تنتظر منكم أن تُظهروا نقاء الضمير والشجاعة في نصرة دين الله ورفع البلاء عن عباده. وها أنتم ترون كما نرى مصائب كثيرة يقوم بها أعداء الله في كل مكان من أراضي المسلمين، نناشد فيكم صلاتكم، تسبيحكم، استغفاركم، دعاءكم لربكم. من لها غيركم؟ نعلم تماما وتعلمون أنها مهمة صعبة لكنها يسيرة على من توكل على الله واستجار به. ولدينا كل مقومات السيطرة على الأرض وباطنها والجو والبحار والأنهار، هذا لأننا نملك بفضل الله كل مقومات وأسباب الغلبة والتمكين، وعلى أرضنا هذه كنا أمة واحدة، لها إمام واحد وجيش واحد.

الأمةُ تمرُّ بمرحلةٍ شاقّةٍ من الخذلان والعمالة وإضاعة الحقوق، لكنّ الطريق ليس معسوراً على من آثر الحقّ ورضي بوجه الله، حملوا الرسالة كما حملها السابقون، أخرجوا الناس من ظلمات العبادة للعباد إلى نور عبادة ربِّ العباد، فذلك الفوز العظيم.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمود سعيد – ولاية مصر

المزيد من القسم null

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ  الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

مصر بين الشعارات الحكومية والواقع المرّ

الحقيقة الكاملة عن الفقر، والسياسات الرأسمالية

نقلت بوابة الأهرام الثلاثاء 4 تشرين الثاني/نوفمبر 2025م، أن رئيس الوزراء المصري، في كلمة ألقاها نيابةً عن الرئيس في القمة العالمية الثانية للتنمية الاجتماعية في العاصمة القطرية الدوحة، قال إنّ مصر تطبّق نهجاً شاملاً للقضاء على الفقر في جميع أشكاله وأبعاده، بما في ذلك "الفقر متعدد الأبعاد".

منذ سنوات، لا يكاد يخلو خطاب رسمي في مصر من عباراتٍ مثل "نهج شامل للقضاء على الفقر" و"الانطلاقة الحقيقية للاقتصاد المصري". يكرّر المسؤولون هذه الشعارات في المؤتمرات والمناسبات، مصحوبة بصور براقة لمشروعات استثمارية وفنادق ومنتجعات. لكن الواقع، كما تشهد عليه التقارير الدولية، مختلف تماماً. فالفقر في مصر ما زال ظاهرةً راسخة، بل متفاقمة، رغم الوعود الحكومية المتكرّرة بالتحسن والنهضة.

بحسب تقارير اليونيسف والإسكوا وبرنامج الغذاء العالمي لعامي 2024 و2025، يعيش نحو واحد من كل خمسة مصريين في فقرٍ متعدد الأبعاد، أي محروم من أكثر من جانب من جوانب الحياة الأساسية كالتعليم والصحة والسكن والعمل والخدمات. كما تؤكد البيانات أن أكثر من 49% من الأسر تعاني من صعوبات في الحصول على غذاء كافٍ، وهو رقم صادم يعكس عمق الأزمة المعيشية.

أما الفقر المالي، أي انخفاض الدخل مقارنة بتكاليف المعيشة، فقد ارتفع بصورة حادة، نتيجة موجات التضخم المتلاحقة التي أكلت أجور الناس وجهودهم ومدخراتهم، حتى أصبحت نسبة كبيرة من المصريين تحت خط الفقر المالي رغم عملهم الدائم.

وبينما تتحدث الحكومة عن مبادرات مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، تكشف الأرقام الدولية أن هذه البرامج لم تغيّر بنية الفقر جذرياً، بل اقتصرت على مسكّنات مؤقتة أشبه بالقطرة التي تُسكب في صحراء. فما زال الريف المصري الذي يقطنه أكثر من نصف السكان، يعاني من ضعف الخدمات وانعدام فرص العمل اللائق وتهالك البنية الأساسية. ويؤكد تقرير الإسكوا أن الحرمان في الريف يفوق نظيره في المدن بعدة أضعاف، ما يدل على سوء توزيع الثروة والإهمال المزمن للأطراف.

حين يشكر رئيسُ الوزراء ابنَ البلد "الذي تحمّل مع الحكومة إجراءات الإصلاح الاقتصادي"، فإنه في الواقع يُقرّ بوجود معاناة حقيقية ناتجة عن تلك السياسات. غير أن هذا الاعتراف لا يتبعه تغيير في المنهج، بل مزيد من السير في الطريق الرأسمالي نفسه الذي سبّب الأزمة.

فالإصلاح المزعوم الذي بدأ عام 2016 ببرنامج "التعويم" ورفع الدعم وزيادة الضرائب، لم يكن إصلاحاً بل تحميلاً للفقراء كلفة الديون والعجز. وفي الوقت الذي يتحدث فيه المسؤولون عن "الانطلاقة"، تتجه الاستثمارات الضخمة إلى العقارات الفاخرة والمشروعات السياحية التي تخدم أصحاب رؤوس الأموال، بينما لا يجد ملايين الشباب فرصاً للعمل أو السكن. بل إن كثيراً من هذه المشاريع، كمنطقة علم الروم في مطروح التي تُقدّر استثماراتها بـ29 مليار دولار، هي شراكات رأسمالية أجنبية تستحوذ على الأراضي والثروات وتحوّلها إلى مصدر ربح للمستثمرين، لا مصدر رزق للناس.

النظام يفشل ليس لأنه فاسد فحسب، بل لأنه يسير على أساسٍ فكريٍّ باطلٍ هو النظام الرأسمالي، الذي يجعل المال محوراً لكل سياسات الدولة. فالرأسمالية تقوم على حرية التملك المطلقة، وتسمح بتكديس الثروة في يد القلة التي تملك أدوات الإنتاج، فيما تتحمل الكثرة عبء الضرائب والأسعار والدَّين العام.

ولهذا، فإن كل ما يُسمى "برامج حماية اجتماعية" ما هو إلا محاولة لتجميل وجه الرأسمالية الوحشي، وإطالة عمر نظامٍ جائرٍ يراعي الأغنياء ويجبي من الفقراء. فبدلاً من معالجة أصل الداء؛ أي احتكار الثروة وتبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، يُكتفى بتوزيع فتات من الإعانات النقدية، لا ترفع فقراً ولا تحفظ كرامة.

إن الرعاية ليست منّةً من الحاكم على الرعية، بل واجب شرعي، ومسؤولية يحاسبه الله عليها في الدنيا والآخرة. وما يجري اليوم، هو إهمال متعمّد لشؤون الناس، وتخلٍّ عن واجب الرعاية لصالح قروضٍ مشروطة من صندوق النقد والبنك الدوليين.

لقد أصبحت الدولة وسيطاً بين الفقير والدائن الأجنبي، تفرض الضرائب وتقلّص الدعم وتبيع الممتلكات العامة لسدّ عجزٍ متضخم صنعه النظام الرأسمالي نفسه. وفي هذا كله تغيب المفاهيم الشرعية التي تضبط الاقتصاد، كتحريم الربا، ومنع تملك الثروات العامة للأفراد، ووجوب النفقة على الرعية من بيت مال المسلمين.

لقد قدم الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً يعالج الفقر من جذوره، لا بمجرد دعمٍ نقدي أو مشروعات تجميلية. هذا النظام يقوم على أسسٍ شرعيةٍ ثابتة أبرزها:

1- تحريم الربا والديون الربوية التي تُكبّل الدولة وتستنزف مواردها، فبزوال الربا تزول تبعية الاقتصاد للمؤسسات الدولية، وتُعاد السيادة المالية للأمة.

2- جعل الملكيات ثلاثة أنواع:

ملكية فردية: كالبيوت والمتاجر والمزارع الخاصة...

ملكية عامة: تشمل الثروات الكبرى كالنفط والغاز والمعادن والمياه...

ملكية دولة: كأراضي الفيء والركاز والخراج...

وبهذا التوزيع تتحقق العدالة، إذ تُمنع فئة قليلة من احتكار موارد الأمة.

3- ضمان الكفاية لكل فرد من الرعية: فالدولة تضمن لكل إنسان في رعايتها حاجاته الأساسية من مأكل وملبس ومسكن، فإن عجز عن العمل وجب على بيت المال أن ينفق عليه.

4- الزكاة والإنفاق الإلزامي: الزكاة ليست إحساناً بل فريضة، تجمعها الدولة وتصرفها في مصارفها الشرعية للفقراء والمساكين والغارمين. وهي أداة توزيع فعّالة تعيد الأموال إلى دورة الحياة في المجتمع.

مع التحفيز على العمل المنتج ومنع الاستغلال، والحثّ على استثمار الموارد في مشاريع نافعة حقيقية كالصناعات الثقيلة والحربية لا في المضاربات والعقارات الفاخرة والمشاريع الوهمية. إلى جانب ضبط الأسعار بالعرض والطلب الحقيقيين لا بالاحتكار ولا بالتعويم.

إن دولة الخلافة على منهاج النبوة هي وحدها القادرة على تطبيق هذه الأحكام عملياً، لأنها تُبنى على أساس العقيدة الإسلامية، ويكون هدفها رعاية شؤون الناس لا جباية أموالهم. ففي ظل الخلافة، لا يوجد ربا ولا قروض مشروطة، ولا بيع للثروات العامة للأجانب، بل تُدار الموارد بما يحقق مصلحة الأمة، ويتولى بيت المال تمويل الرعاية الصحية والتعليم والمرافق العامة من موارد الدولة والخراج والأنفال والملكية العامة.

أما الفقراء، فتُكفل حاجاتهم الأساسية فرداً فرداً، لا عبر صدقات مؤقتة بل كحقٍّ شرعي مضمون. ولذا فإن محاربة الفقر في الإسلام ليست شعاراً سياسياً، بل نظام حياة متكامل يُقيم العدل ويمنع الظلم ويعيد الثروة إلى أهلها.

ما بين الخطاب الرسمي والواقع المعاش مسافةٌ هائلة لا تخفى على أحد. فبينما تتغنّى الحكومة بمشروعاتها "العملاقة" وبـ"الانطلاقة الحقيقية"، يعيش ملايين المصريين تحت خط الفقر، يعانون الغلاء والبطالة وانعدام الأمل. والحقيقة أن هذه المعاناة لن تزول ما دامت مصر تسير في طريق الرأسمالية، تُسلِّم اقتصادها للمرابين وتخضع لسياسات المؤسسات الدولية.

إن أزمات ومشكلات مصر هي مشكلات إنسانية وليست مادية، وتتعلق بها أحكام شرعية تبين كيفية التعامل معها وعلاجها على أساس الإسلام، وإن الحلول أسهل من غض الطرف لكنها تحتاج إدارة مخلصة تملك إرادة حرة تريد السير في الطريق الصحيح وتريد الخير لمصر وأهلها حقا، وحينها على هذه الإدارة أن تراجع كل العقود التي أبرمت سابقا والتي تبرم مع كل الشركات التي تحتكر أصول البلاد وما هو من ملكياتها العام وعلى رأسها شركات التنقيب عن الغاز والنفط والذهب وباقي المعادن والثروات، وتطرد كل تلك الشركات لأنها في الأصل شركات استعمارية ناهبة لثروات البلاد، ثم تصوغ عهدا جديدا يقوم على تمكين الناس من ثروات البلاد وإنشاء أو استئجار شركات تقوم هي على إنتاج الثروة من منابع النفط والغاز والذهب وغيرها من المعادن وتعيد توزيع هذه الثروات على الناس من جديد، حينها سيتمكن الناس من زراعة الأرض الموات التي ستمكنهم الدولة من استغلالها بحقهم فيها، وسيتمكنون أيضا من صناعة ما يجب أن يصنع ليرتفع باقتصاد مصر ويكفي أهلها، وستدعمهم الدولة في هذا السبيل، وإن كل هذا ليس ضربا من الخيال ولا مستحيل الحدوث ولا مشروعا نعرضه للتجربة قد ينجح أو يفشل، وإنما هي أحكام شرعية لازمة ملزمة للدولة والرعية، فلا يجوز للدولة أن تفرط في ثروات البلاد التي هي ملك للناس بدعوى عقود أقرتها وأيدتها وتحميها قوانين دولية جائرة، ولا يجوز لها أن تمنع الناس منها بل يجب أن تقطع كل يد تمتد ناهبة إلى ثروات الناس، هذا ما يقدمه الإسلام ويجب تنفيذه، إلا أنه لا يطبق بمعزل عن باقي أنظمة الإسلام بل إنه لا يطبق إلا من خلال دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، هذه الدولة التي يحمل همها والدعوة إليها حزب التحرير ويدعو مصر وأهلها شعبا وجيشا إلى العمل معه من أجلها، عسى الله أن يكتب الفتح من عنده فنراها واقعا يعز الإسلام وأهله، اللهم عاجلا غير آجل.

﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

سعيد فضل

عضو المكتب الإعلامي لحزب التحرير في ولاية مصر

إسقاط الفاشر تسريع للخطة الأمريكية لفصل دارفور

إسقاط الفاشر تسريع للخطة الأمريكية لفصل دارفور

أعلنت قوات الدعم السريع صباح الأحد 26/10/2025م، سيطرتها على الفاشر، وذلك بعد حصار استمرّ أكثر من عام، وهذا يعني بسط نفوذها على جميع ولايات دارفور الخمس، وتقسيم البلاد بين شرق يسيطر عليه الجـيش السوداني، وغرب تحت سيطرة الدعم السريع. وبهذا يتضح أن سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر هي أكبر من انتصار في مـعركة على مدينة، بل هي سيطرة على إقليم بكامله بشكل لافت للنظر.

وهذا التطور في المشهد من سقوط الفاشر بعد انسحاب الجيش السوداني، كان بالتزامن مع مباحثات تجريها أمريكا بين وفدي الطرفين الحكومة وقوات الدعم السريع في واشنطن بهدف وقف إطلاق النار. واضح أن أمريكا هي التي أمرت قيادتي الطرفين، بتنفيذ دخول قوات الدعم السريع إلى الفاشر، وانسحاب الجيش منها، لتتسارع الخطة الأمريكية لفصل دارفور، ضمن مخطط تفتيت السودان إلى دويلات!

جاء في الورقة الأمريكية التي نوقشت في اجتماع الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، مع مستشاريه مع بداية فترة رئاسته الثانية عام ٢٠٠٥ لبحث ورقة عمل حول الشرق الأوسط، تتحدث الورقة عن السودان، وعن ثلاثة سيناريوهات مستقبلية، لا تستبعد تقسيم السودان إلى ثلاث دول كما يلي:

* ترتبط مصر بواحدة منها في الشمال.

* وترتبط أمريكا ارتباطا استراتيجيا بأخرى في الجنوب.

* ويرتبط كيان يهود بالدولة التي يمكن أن تولد في غرب السودان (دارفور)

فكانت الاستراتيجية، والدبلوماسية الأمريكية المقترحة في منطقة الشرق الأوسط هي أن الأفكار يتم إعدادها وتجهيزها، ثم استدعاء رؤساء وقادة دول الشرق الأوسط إلى البيت الأبيض، من أجل الموافقة عليها وليس تمحيصها أو تعديلها، والمطلوب أن يتم الاتفاق، مع قادة الدول في المنطقة، على الأسلوب أو الوسيلة المثلى التي يمكن من خلالها تنفيذ هذه الأفكار السياسية، أو المبادرات الدبلوماسية ضمن تشاور مسبق في إطار ثنائي ثم في إطار جماعي. هذه هي السياسة الأمريكية تجاه بلاد المسلمين بعامة والسودان بخاصة؛ وضع خطط التمزيق حدود الدم والعمل على تنفيذها عبر الحكام والوسط السياسي وتسويق الإعلام لها.

ولذلك كانت أوامر أمريكا واضحة باستخدام كل ما يمكن لسيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر وإسقاطها، ولذلك قامت هذه القوات بإبادة الناس العزل وسفك الدماء الغزيرة في أرض الفاشر وغيرها من مدن السودان مع تقاعس قيادة الجيش في القيام بواجبها في حماية الفاشر وأهلها وتركتها لتستباح من قوات الدعم السريع المجرمة بأبشع الصور التي يمكن أن تحكي، وكل ما يصدر من تصريحات وحديث وتأسف على مجازر الفاشر من أمريكا والأدوات الإقليمية والمحلية هو لذر الرماد في العيون عن الحقيقة والمؤامرة المتفق عليها.

المطلوب من أهل السودان بعامة هو الوعي على حقيقة وبشاعة أمريكا وأدواتها الإقليمية والمحلية التي تتغني بالسلام وهي في الحقيقة تجلب الدمار والقتل لبلاد المسلمين في تنفيذ مخطط حدود الدم.

والوعي كذلك على مشروع الخلاص من خطط أمريكا والغرب الاستعمارية الجهنمية؛ مشروع الخلافة الذي يقوم على وحدة الدولة ووحدة الأمة، والانخراط في العمل مع حزب التحرير الرائد الذي لا يكذب أهله الذي يقوم بهذا العمل واصلا ليله بنهاره وصارخا بأعلى صوته من خلال المنابر المختلفة بل يقوم بحملة كبيرة لأكثر من شهرين محذرا من إسقاط الفاشر وتحقق المقصود الأمريكي.

 إن شباب الحزب وقيادته لن يكلوا ولن يملوا في مواصلة عملهم حسبة لله حتى يتحقق موعود الله سبحانه وبشرى حبيبنا محمد ﷺ؛ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، وروى الإمام أحمد في المسند عَن حُذَيْفَةَ، قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «تَكُونُ النُّبُوَّةُ فِيكُمْ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً عَاضّاً، فَيَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ مُلْكاً جَبْرِيَّةً، فَتَكُونُ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَكُونَ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا إِذَا شَاءَ أَنْ يَرْفَعَهَا، ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةٌ عَلَى مِنْهَاجِ نُبُوَّةٍ».

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

عبد الله حسين (أبو محمد الفاتح)

منسق لجنة الاتصالات المركزية لحزب التحرير في ولاية السودان