حكام آل سعود من مرحلة التوحيد إلى حقيقة التجديف!
حكام آل سعود من مرحلة التوحيد إلى حقيقة التجديف!

  ما كان حكام آل سعود من عهد أبيهم وجدهم الهالك عبد العزيز إلى نسله المشؤوم في يوم الناس هذا إلا أعداء شديدي النكاية في الإسلام وأهله، تمسحوا بالإسلام نفاقا وكذبا حينا من الدهر خدمة لسيدهم الكافر المستعمر، فزعموا توحيدا لإخفاء سوأة عمالتهم وخيانتهم لله ورسوله والمسلمين، واستفزوا بادعائهم التوحيد خلقا كثيرا وأَغْوَوْا بتدليسهم جمعا عظيما، فكانوا بحق خنجرا شديد السم أُهلِك به صنف من الناس وخُدر به آخر وشُلَّت به حركة ثالث. وقد صرح صبي سلمان لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية سنة 2018 عن بعض من حقيقة الخديعة قائلا: "إن بلاده نشرت الوهابية بطلب من حلفائها لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي"، وما كان حلفاؤهم إلا دول الغرب الكافرة.

0:00 0:00
السرعة:
January 03, 2022

حكام آل سعود من مرحلة التوحيد إلى حقيقة التجديف!

حكام آل سعود من مرحلة التوحيد إلى حقيقة التجديف!

ما كان حكام آل سعود من عهد أبيهم وجدهم الهالك عبد العزيز إلى نسله المشؤوم في يوم الناس هذا إلا أعداء شديدي النكاية في الإسلام وأهله، تمسحوا بالإسلام نفاقا وكذبا حينا من الدهر خدمة لسيدهم الكافر المستعمر، فزعموا توحيدا لإخفاء سوأة عمالتهم وخيانتهم لله ورسوله والمسلمين، واستفزوا بادعائهم التوحيد خلقا كثيرا وأَغْوَوْا بتدليسهم جمعا عظيما، فكانوا بحق خنجرا شديد السم أُهلِك به صنف من الناس وخُدر به آخر وشُلَّت به حركة ثالث. وقد صرح صبي سلمان لصحيفة واشنطن بوست الأمريكية سنة 2018 عن بعض من حقيقة الخديعة قائلا: "إن بلاده نشرت الوهابية بطلب من حلفائها لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي"، وما كان حلفاؤهم إلا دول الغرب الكافرة.

ثم حكام آل سعود في كل هذا عملاء خونة، في عمالتهم يتقلبون وفي خيانتهم يتناسلون وفي غيهم سادرون. بالأمس كانوا مدفعا من مدافع أوروبا الكافرة ولغما من ألغامها، كانوا قنبلة للكفرة الإنجليز في هدم صرح الإسلام العظيم ومحو خلافته مكمن ومستقر ومستودع أحكامه وشريعته، والذابة عن حياضه وحمى بيضته وعياله، بعد أن فارقوا جماعة المسلمين وشقوا عصا السمع والطاعة ونازعوا خليفة المسلمين أمره وسلطانه في أرض الله، وحادّوا الله فيما أوجب من وحدة الخليفة وحرمة تعدد الخلفاء، وعصوا أمر النبي ﷺ فيما رواه مسلم من كتاب الإمارة عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إِذَا بُويِعَ لِخَلِيفَتَيْنِ فَاقْتُلُوا الآخَرَ مِنْهُمَا»، بل في غيهم ظاهروا الكافر الإنجليزي على خليفة المسلمين وأمعنوا في تفتيت كلمة المسلمين وكشف أرضهم لعدوهم، واستباحوا في منكر فجورهم دماء المسلمين وفي شنيع وقبيح صنائعهم سبوا حرائر المسلمات العفيفات واستحلوا أموالهم، وكأنك بهم بذرة للخوارج لا نسلاً منهم. نصَّبوا شقِيَّهم عبد العزيز بن محمد بن سعود ثم ولده سعود رئيسا ورأسا لخيانتهم ولم يكن إلا عميلا رخيصا لكفرة الإنجليز العدو اللدود للإسلام وأهله. فكان حكام آل سعود بحق مدفعا من مدافع الصليبيين فحاربوا خلافة المسلمين وجيوشهم بتحريض من الكفرة الإنجليز وإمداد منهم، فاستحلوا الدم الحرام بمكة الحرم ومدينة الحرم النبوي والرياض بولاية الحجاز وبعدها بحمص وحلب بولاية الشام ثم بكربلاء بولاية العراق، فاستحلوا دماء المسلمين وعاثوا في أرضهم فسادا وخرابا ثم أسلموا رقاب المسلمين لعدوهم الكافر المستعمر، وهي لعمرك سبة الدهر ألحقها حكام آل سعود بأنفسهم وكانوا لها أهلا.

أما اليوم وقد أعلنها الغرب الكافر صريحا فصيحا حربا على الإسلام وأهله، بعد هزيمته الفكرية المدوية وإفلاسه الحضاري في تحويل هذه الأمة حضاريا إلى مستنقع فلسفته وعدمية فكره، وها هو في يأسه وبؤسه يخوض آخر حروبه ضد الإسلام وأهله، وقد استجلب علينا أوباشه وعملاءه ومرتزقته وسفلة القوم وأراذلهم وأخلاطهم لعلَّه وعساه في هوانه وأرذل عمره ينجز ما تعذر واستحال عليه إنجازه وهو في سطوة مقتبل عمره. ثم كان حكام آل سعود من سفلة السفلة جزءا من حربه وفي خستهم ورخص عمالتهم بعد أن سقط القناع وتكشفت سوأتهم وباتوا في عراء الخيانة التام، أعادوها حربا شعواء على الإسلام وأهله وأوكلوا بها كبير سفهائهم سلمان وصبيه الغر المغفل رويبضة زمانه وشقي قومه. وكانوا قد جعلوا من بلاد الحرمين قاعدة متقدمة في الحرب الصليبية التي أعلنها حكام أمريكا آل بوش الكفرة المجرمون على بلاد المسلمين، فكانوا بحق لأبي رغال خلفا ومن نسل ابن العلقمي فرعا.

ثم على عادة خونتهم افتتحوا لرأس الكفر والإرهاب أمريكا سنة 2017 مركزا ضرارا في الرياض جعلوا كُنْيَتَه "اعتدالا" وسموه المركز العالمي لمكافحة التطرف، خدمة لأمريكا في حربها الحضارية للإسلام وأهله. وقبلها كان نظام آل سعود في فجوره وسفوره قد أنشأ هيئة لإشاعة الرذيلة والفاحشة في أبناء المسلمين في أرض الحرمين وسماها هيئة الترفيه، ليستحل بها الفجور كله لا يستثني منه شيئا. ثم سنة 2019 كانت وثيقة مكة الظالمة الآثمة ذات السبعة عشر بندا، ما من بند فيها إلا ويؤسس للظلم والفجور والمروق من الدين، وما كانت إلا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وصدا عن سبيل الله وزيغا واعوجاجا وانحرافا وإرصادا لمن حارب الله ورسوله وأولياءه وعباده المتقين.

ثم ها هم حكام آل سعود قد ضاقوا بنفاقهم ذرعا، فأعلنوها صريحا فصيحا كفرا لا شية فيه ولا لبس عبر مؤتمر الرياض للفلسفة، وما كانت فلسفته إلا كفر الغرب فإن كان لكفر الغرب من قواعد وأصول فهي فلسفته، فهي كتاب كفره وديوان إلحاده وسجل أحكامه وشرائعه وأصل وجذر موبقاته وشروره. فقد استجلب حكام آل سعود الخونة لمؤتمر ضلالتهم سفلة الكفرة من زنادقة وملاحدة ومضلي الغرب وسقط أخلاطهم من غلمانهم بأرض المسلمين. وما كان مؤتمر الضلالة هذا إلا قنبلة أخرى ألقيت فينا من مدفع الغرب الكافر المستعمر وهي محشوة كفرا وضلالا، في محاولة أخرى منه في قهر هزيمته الفكرية أمام الإسلام العظيم وفشله الحضاري، يبغي بها هدم إيمان قائم فينا وحكام آل سعود هم معول هدمه، فاستضافة هذا الجمع من الركام البشري من الملاحدة والزنادقة والضالين المضلين بأرض الحرمين هو لإشاعة ونشر ترهات وسقيم فلسفة الغرب وعقيم فكره الغارق في العدمية والعبث واللامعنى، فلسفته هذه التي بات أصحابها من ذوي العقول يتنذرون من شؤمها وشرور مآلاتها ووخيم عاقبتها. لكن حكام آل سعود كعادتهم في عمالتهم وخيانتهم لله ورسوله والمسلمين أبَوْا إلا نشر وإشاعة كفر الغرب في أرض الإسلام والنبوة بلاد الحرمين.

ما كان حكام آل سعود إلا مصيبتنا وبليتنا وخَبَث أرضنا ومادة ابتلائنا، بهم نبتلى ونختبر ويكأن فيهم يتلى قول الجليل سبحانه: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىَ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.

معشر المسلمين: خبرنا أن ليس البلية في أيامنا هذه عجبا بل السلامة في الدين أعجب، فالله الله في دينكم والثبات الثبات عليه واسألوا مقلب القلوب تثبيتها على دينه في زمن تزاحمت علينا فيه بوائق وشرور وفتن حكام الضرار، وابرأوا إلى الله من صنيعهم وشنيع خياناتهم وانفضوا عنكم غبار المهانة وانزعوا عنكم لباس الذل واكسروا أغلال القهر، واتخذوا من تحكيم شرع ربكم قضية مصيرية لكم وانتزعوا سلطانكم المغصوب من هكذا رويبضات وأقيموها خلافة راشدة على منهاج النبوة لتستحقوا بحق تكريم بارئكم؛ قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾.

﴿وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

مناجي محمد

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني