هل السعودة هي الحل لمشكلة البَطالة؟ (2 من 7) (تتمة المحور الثاني: حقيقة وحجم المشكلة)
هل السعودة هي الحل لمشكلة البَطالة؟ (2 من 7) (تتمة المحور الثاني: حقيقة وحجم المشكلة)

 إن أبسط مقارنة يمكن إجراؤها هي مقارنة عدد المشتغلين غير السعوديين وهو (10,694,320) حسب الإحصاء الرسمي بعدد المتعطلين السعوديين المذكور أعلاه أو حتى الباحثين عن عمل أو حتى قوة العمل، فإنني أظن أن هذه المقارنة وحدها كفيلة بإنهاء الموضوع، لأن العدد بكل بساطة هو ضعفي قوة العمل كلها، و10 أضعاف الباحثين عن عمل وأكثر من 16 ضعف المتعطلين جميعا، وأكثر من 40 ضعف الذكور المتعطلين، فهل تريد الحكومة أن تطرد حوالي 12 مليوناً لتشغيل 120 أو 250 ألفاً؟!

0:00 0:00
السرعة:
April 21, 2018

هل السعودة هي الحل لمشكلة البَطالة؟ (2 من 7) (تتمة المحور الثاني: حقيقة وحجم المشكلة)

هل السعودة هي الحل لمشكلة البَطالة؟

(2 من 7)

(تتمة المحور الثاني: حقيقة وحجم المشكلة)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

ثالثا: بعض المقارنات والأمثلة السريعة:

1- إن أبسط مقارنة يمكن إجراؤها هي مقارنة عدد المشتغلين غير السعوديين وهو (10,694,320) حسب الإحصاء الرسمي بعدد المتعطلين السعوديين المذكور أعلاه أو حتى الباحثين عن عمل أو حتى قوة العمل، فإنني أظن أن هذه المقارنة وحدها كفيلة بإنهاء الموضوع، لأن العدد بكل بساطة هو ضعفي قوة العمل كلها، و10 أضعاف الباحثين عن عمل وأكثر من 16 ضعف المتعطلين جميعا، وأكثر من 40 ضعف الذكور المتعطلين، فهل تريد الحكومة أن تطرد حوالي 12 مليوناً لتشغيل 120 أو 250 ألفاً؟!

2- مقارنة ببعض الشركات أو المصانع:

ا) كان عدد موظفي مجموعة بن لادن (قبل التسريحات الأخيرة) حوالي 220 ألف موظف منهم حوالي 17 ألف سعودي (روسيا اليوم أيار/مايو 2016)، وأرامكو حوالي 60 ألفاً 85% سعوديون (عكاظ 2017/07/14)، ومصنع المراعي حوالي 42 ألفا (موقع المراعي)، وسابك في 2014 40 ألفا (العربية)، أي أن إنشاء مصنع كهذا أو شركة كهذه كفيل بحل أكثر من نصف المشكلة، بدلا من ذلك تقوم الحكومة بضرب هذه الشركات فقد دمرت شركة بن لادن وتسببت في تسريح حوالي 12 ألف سعودي، وتسعى لخصخصة أرامكو مع أنها مسعودة بنسبة 85% وخصخصتها ستعني حتما خفض هذه النسبة...

ب) يبلغ عدد موظفي شركة واحدة من شركات الصناعة التكنولوجية الصينية ZTE حوالي 70 ألفا، ومصنع فاو للسيارات حوالي 132 ألفا، ولا أقول إيريكسون أو تويوتا مثلا... فهل تنقص هذه البلاد الأموال أم الموارد الطبيعية أم البشرية أم المساحات الجغرافية لإنشاء مصنع واحد كهذه المصانع أو الشركات؟!

3-    مقارنة بحسب بعض التخصصات:

ا) يبلغ عدد المهندسين الأجانب بحسب هيئة المهندسين حوالي 230 ألف مهندس، فيما يبلغ عدد المهندسين السعوديين العاطلين عن عمل حوالي 1500 مهندس بحسب برنامج (يا هلا) في 2017/04/21، ثم يخرج من يتحدث عن وجوب سعودة المهندسين!

ب) بلغ عدد المتخصصين في مجال قطاع تكنولوجيا المعلومات ما بين 180 و220 ألف متخصص في 2006 بحسب جريدة الرياض، وهو عدد يفوق عدد الذكور الباحثين عن عمل، من الجامعيين أو حتى من هم فوق 25 سنة من غير الجامعيين، ثم يخرج من يطلب سعودة هذا القطاع!..

4- مشكلة المعلمين وخريجي التخصصات التربوية، كمثال صارخ:

في 2017/09/29 وجهت بعض إدارات التعليم العديد من المشرفين التربويين والمفرغين للتشكيلات المدرسية، بالعودة إلى العمل الميداني كمعلمين من أجل سد العجز في تخصصات عدة (سبق)، وكانت (سبق) نشرت تحقيقا صحفيا مفصلا تحدثت فيه عن مشاكل المدارس الكثيرة ومنها بل أساسها، وجود نقص في المعلمين ببعض المدارس تسبب في عدم إعطاء حصص بعض المواد لعدة أسابيع، بما فيها مواد العلوم الإسلامية التي يتحدثون دوما عن فائض خريجيها! وعندما تحدث العيسى عن فائض المعلمين رد عليه الناس بأن (العجز دفعكم إلى دمج المدارس فأين فائضكم؟!) (صحيفة المواطن 2017/02/14) والتي نشرت بدورها تقريرا موسعا في نهاية 2016 تحدثت فيه عن نقص حوالي 19 ألف معلم ومعلمة..

يتبين من ذلك أن مشكلة بطالة المعلمين ما زالت قائمة وتتفاقم برغم أنها مسعودة تقريبا وبرغم نقص المعلمين في المدارس، فهل سعودة سوق الخضار ستحل هذه المشكلة؟!

رابعا: التجييش والتحريض والتهويل والتضخيم والتضليل الإعلامي المرافق للأمر:

وسأكتفي بمثال واحد اختصارا؛ ففي 2017/04/21 نشرت صحيفة المرصد تقريرا بعنوان (إحصائية صادمة عن عدد السعوديين العاطلين من حملة الماجستير والدكتوراة.. و14 ألف أجنبي بالجامعات!) جاء فيه: "أعلن حساب "عاطلون بشهادات عليا"، على موقع التواصل "تويتر"، عن عدد حملة الدكتوراة والماجستير العاطلين والمسجلين في برنامج "جدارة"، مؤكدًا أن العدد يصل إلى 20 ألفاً. وكانت إحصائية صادرة عن وزارة الخدمة المدنية، قد أكدت أن 14422 من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات السعودية "غير سعوديين"، وقالت إن من بينهم 8248 في درجة أستاذ مساعد و2088 في درجة محاضر، مؤكدة أن عدد السعوديين حاملي الماجستير يصل إلى 19439 بينهم 8458 من الرجال و7981 من النساء. وأشارت "الإحصائية" إلى أن عدد الذين تقدموا العام الماضي لطلب وظائف بلغ 301 بينهم 210 مواطنين و91 مواطنة". انتهى الخبر.

أي أن 301 هو عدد الباحثين فما الصادم بالأمر؟! وقد تم وضعها في ذيل الخبر مع أنها أهم ما في الموضوع الذي خصص عنوانه وجل محتواه للحديث عن العدد الضخم من (الأجانب) في الجامعات، وكأنهم سبب المصيبة، علما أن نسبة البطالة بين حملة الماجستير والدكتوراة من السعوديين بحسب هيئة الإحصاء (0.72%) أي لا تكاد تذكر وأكاد أجزم أنهم من حديثي بل آنيي التخرج...

والأمثلة الإعلامية كثيرة لكل من يتابع، ومن المعلوم طبعا أن الحكومات الرأسمالية عندما تريد تمرير أمر ما تجيش له من الكذب والتزييف الإعلامي ما يفوق القرارات الجائرة التي تتخذها..

خامسا: المطالبة بسعودة قطاعات فيها نقص أصلا:

نشرت صحيفة مكة بتاريخ 2016/12/18 تقريرا جاء فيه: "حددت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية 8 تخصصات مطلوبة في سوق العمل السعودي وتعاني انخفاض الطلاب المتاحين لهذه الوظائف.. إذ ضمت القائمة: الهندسة بأنواعها، التعليم، التمريض، علوم الكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات، الطب، الصيدلة، التقنية الطبية، المحاسبة والمالية". انتهى الخبر..

ويكفي هذا التقرير لبيان حجم التضليل ولا أقول فقط التخبط، الذي يمارسه من يتحدث عن (السعودة) كحل لمشكلة البطالة في تخصصات مطلوبة تعاني من نقص أصلا، ولو كان لدى الحكومة ذرة عقل لما أبرمت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية اتفاقًا مع وزارة الصحة، يتضمن إمكانية الاستغناء عن المتطلب التأهيلي للصيدلي العامل في الصيدلية بهدف توطين هذا القطاع (الحياة 2016/12/21)، ليس المقصود إذن تشغيل الصيادلة العاطلين عن العمل، فهل أصبحت السعودة هدفا بذاتها ولو على حساب صحة الرعايا أم أن القصة كلها زوبعة وراءها ما وراءها؟!

يتبين مما سبق أن هناك تهويلاً وتعويماً للمشكلة، فأنت تتحدث عن أرقام مبهمة تعمل على إرباك الناس وإصابتهم بالصدمة، ولو استعرضناها بشيء من التفصيل كما حاولنا هنا، نجد أن الأمر يختلف، فعندما تتكلم عن مشكلة عشرات الآلاف من خريجي التخصصات التربوية (الحياة 2017/07/24)، فلا تحدثني عن رواتب المهندسين الأجانب أو سعودة محلات الخضار، بل قل لي ماذا فعلتَ لحل مشكلة المعلمين، وعندما تتحدث عن أن حوالي نصف السعوديين العاطلين عن عمل هم دون سن العشرين أو لا يحملون شهادات جامعية، فلا تقل لي إن الصيادلة جلهم من الأجانب فيجب سعودة الصيدلة، فهذا خلط مضلل، ومن الواضح أنه مقصود...

(يتبع...)

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

محمد بن إبراهيم – بلاد الحرمين الشريفين

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني