هل التاريخ يعيد نفسه؟
October 19, 2015

هل التاريخ يعيد نفسه؟

هل التاريخ يعيد نفسه؟
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾


رغم سقوط الشيوعية واندثار المعسكر الشرقي واتخاذها الإسلام والمسلمين العدو اللدود، فإن الولايات المتحدة تأخذ حذرها من الصين وروسيا وتعتبرهما منافسا محتملا لها على النفوذ في وسط وجنوب شرق آسيا وبحر الصين، وقد تم محاصرة روسيا على حدودها مع أوروبا الشرقية بإدخال معظم دول أوروبا الشرقية للاتحاد الأوروبي، وكانت أحداث أوكرانيا الشرقية وضم روسيا لشبه جزيرة القرم ردا روسيا على أوروبا بالدرجة الأولى، ليعلم الجميع حدود ما تقبل به روسيا تجاه خسارة مناطق نفوذها في أوروبا الشرقية، وأن قوتها الاقتصادية في تنام، مما يوفر لهما تمويلا لحماية مناطقها الحيوية وتنافسها على المصالح الاقتصادية والنفوذ السياسي وأنها أوقفت التردي الذي أصابها في عهد يلتسين.


وتعلم أمريكا أن قوة الصين الاقتصادية تقوم على تدني الأجور وعلى التصدير لأمريكا وأوروبا ولبقية العالم، وأن البنية التحتية لسائر بلاد الصين والتجارة الداخلية ضعيفة، وقوتها الاقتصادية قائمة على التجارة الخارجية، والقائمة على تدني أجور العمالة الصينية وتدني أثمان المنتوجات الصينية وسعر العملة الصينية، وأن الصين لديها استثمارات كبيرة في سندات الدين الأمريكي وتحتفظ بمئات مليارات الدولارات لدرجة أن مدخراتها تتأثر بوضع الاقتصاد الأمريكي وبسعر الدولار في الأسواق العالمية ارتفاعا وهبوطا، بمعنى أن المصالح الاقتصادية بين الصين والولايات المتحدة متبادلة، وقد تحرص إحداهما على الأخرى لتبقى عجلة الاقتصاد في كل منهما دائرة، وبالرغم من الصراع على مناطق النفوذ بينهما وتحقيق المصالح، لا يغيب عن هذه الدول التفاهم والاعتراف المتبادل غير المكتوب للمصالح الحيوية لكل منها، وإمكانية مساعدة بعضها البعض في تحقيق بعض الخطط والمصالح السياسية. ومع أن القياس في السياسة أمر غير محمود، إلا أنه لتقريب الصورة لبعض الناس لفهم ما تقوم به تلك الدول وبصورة غير متوقعة للوهلة الأولى نضرب مثلا ما حصل في سنة 1956 حينما كانت بريطانيا وفرنسا وكيان يهود يجتمع مندوبوها لترتيب العدوان على مصر، كانت الولايات المتحدة على اطلاع وعلم، وتركتهم يقومون بالهجوم على مصر بالرغم من أن هذا العمل لا يصب في مصلحتها وكان في مقدورها إيقافه بشتى الوسائل إلا أنها تركتهم يقومون بهجومهم على منطقة قناة السويس، ومن ثم دفعت الاتحاد السوفيتي لتوجيه إنذار لبريطانيا وفرنسا وكيان يهود للانسحاب فورا من منطقة القناة سنة 1956م، وانسحبوا لعلمهم أن صاحب الإنذار هو الولايات المتحدة، ودور الاتحاد السوفيتي لا يتعدى إرسال الإنذار بمغلف من بريد موسكو، وإلا فهذه من أمنيات بريطانيا أن تشتعل الحرب بين الحلفاء والاتحاد السوفيتي، وكان الوضع مناسبا جدا لو كان الإنذار فعلا من الاتحاد السوفيتي وليس من الولايات المتحدة لتحقق بريطانيا ما أرادته عند نهاية الحرب العالمية الثانية، لكنه كان من الولايات المتحدة، إضافة لذلك وإمعانا بإذلال رئيس وزراء بريطانيا أنطوني إيدن وجه دلاس إنذارا له ليغادر لندن، حيث إن جناب وزير خارجية الولايات المتحدة سيحضر إلى لندن، وعلى من تجرأ على التطاول على مصالح الأمريكان أن يذوق طعم المهانة والذل، فغادر لندن واستقال من منصبه وغاب نجمه عن السياسة وانزوى بمهانة يستحقها. هذا يذكرنا بصيحات رئيس وفد بريطانيا العظمى في محادثات الجلاء عن مصر وهو يستصرخ رئيس وزراء حكومة جلالة الملك بضرورة إبعاد سفير أمريكا كافري عن المحادثات وادعائه أنه يساعد الإنجليز، وهو يساعد المصريين بنصحهم وتوجيه محادثاتهم مع الإنجليز ورئيس الوزراء لا حيلة له.


وخرج اليهود من حرب السويس الرابح الوحيد حيث إنه قد سمح لهم بالمرور من خليج العقبة إلى أم الرشراش (إيلات) التي سلمها كلوب باشا إلى اليهود في 9 آذار/مارس سنة 1949، طبعا عامة الناس لا علم لهم بما يستحوذ عليه اليهود في كل مرة، فدعاية النصر تصم الآذان والتضليل السياسي تتقنه زبانية الحكام.


اليوم تقوم روسيا مقام الولايات المتحدة نيابة عنها، في حماية بشار الأسد ونظامه وتضرب الثوار وتقوم بالأعمال التي لا تستطيع الولايات المتحدة القيام بها، كما لم تستطع الولايات المتحدة بالأمس الظهور علنا أنها ضد العدوان الثلاثي على مصر وأنها مع حكومة - كما أنها اليوم تبذل جهدا مضنيا كي لا تظهر أنها مع عبد الفتاح السيسي، وتشاك هيجل كان يوميا يتصل ليسأل عن أخته حرم السيد الرئيس -، وكيف لها أن تظهر أنها ضد العدوان وهي زعيمة الاستعمار، وكما كانت تقدم عبد الناصر على أنه الزعيم الوطني المحارب للاستعمار وقد أخرجه من قناة السويس، وها هو الاستعمار المتضرر من تأميم قناة السويس يعود بجيوشه بذريعة واهية، ولا أحد من العرب يفرق بين بريطانيا وأمريكا فهما الاستعمار بعينه، ولا يسأل أحد من أجبر بريطانيا على سحب جيشها من منطقة القناة لينتهي في 13 حزيران/يونيو 1956م، وتحاول العودة في 30 تشرين الأول/أكتوبر 1956م، أين دور الولايات المتحدة في انقلاب يوليو 1952 وأين موقفها من العدوان الثلاثي على مصر سنة 1956؟.


يقول الدكتور أحمد عكاشة في كتابه ثقوب في الضمير صفحة 64: "وعندما سعت ثورة 23 يوليو إلى إنهاء الوجود العسكري البريطاني بالمفاوضات التي جرت بين حكومة الثورة وبريطانيا، كان المصريون أثناءها يعتبرون الولايات المتحدة الأمريكية حليفا لهم في الوقت الذي كانت فيه أمريكا تستعد لوراثة قوى الاستعمار التقليدي البريطاني والفرنسي في المناطق المتطلعة إلى الاستقلال، وكانت تدبر الكثير من الانقلابات العسكرية في المشرق التي تؤدي إلى نشوء أنظمة سياسية ترتبط بالولايات المتحدة الأمريكية". ويقول أيضا: "الولايات المتحدة الأمريكية وجدت في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 فرصة ذهبية لإضفاء المزيد من تحسين صورتها في مصر فقد بادرت أمريكا إلى المساندة الإيجابية لمصر حتى انسحبت قوات العدوان".


من المتضرر من تأميم قناة السويس؟؟ أمريكا زعيمة الاستعمار المهيمن على المعسكر الغربي بدون منازع، أم الاستعمار الجديد؟ أم الاستعمار القديم؟ من يفرق بين الاستعمار القديم المتمثل ببريطانيا وفرنسا، والاستعمار الجديد المتمثل بالولايات المتحدة؟ والذي بدأ يصفي الاستعمار القديم بعد الحرب العالمية الثانية ويحل محله بتبني الانقلابات العسكرية وحركات التحرر من الاستعمار، وبث الأفكار الاشتراكية والقومية في بلاد المسلمين، للتلبيس على الناس، والاستعمار ملة واحدة ولا فرق بينهم وكلهم يحفظ ويساعد ويدعم اليهود وكيان يهود بدون حد أو تحفظ، انظر مثلا هجوم سلاح طيران كيان يهود على سفينة التجسس ليبرتي في البحر الأبيض المتوسط، من يصدق أنها كانت تتجسس على دولة اليهود في حرب الأيام الستة، وهي كانت تتجسس على اليهود؟ لقد ادعى عبد الناصر وحسنين هيكل أنها كانت تتجسس على مصر، والصحيح أن جونسون رئيس الولايات المتحدة أخذ تعهدا من دولة يهود ألا تكون البادئ بالحرب وأخذ تعهدا من عبد الناصر ألا يكون البادئ بالحرب أيضا، وعلى كل منهما أن يبعث مندوبا إلى الولايات المتحدة لحل الإشكال سلميا، فكان زكريا محيي الدين يعد حقائب السفر إلى الولايات المتحدة وطائرات يهود تقصف المطارات المصرية، لأن حل الإشكال سلميا ليس من صالح اليهود. والولايات المتحدة تحافظ على مصالح اليهود والآن هي حريصة على إنهاء هذه الأزمة سلميا، واليهود يتمردون! لأن ذلك يصب في صالح عبد الناصر شخصيا، يقول بيغن: (إننا كنا نعرف أن عبد الناصر لا يريد محاربتنا ولكنا قمنا بضربه). لأن الرجل يوهم الناس أنه يعد لتحرير فلسطين، وهذا يشحن الناس ويحشدهم بطريقة لا يتصور اليهود وقعها في نفوس الناس، وهذا بحد ذاته يمثل لليهود خطرا أعمى يجب تعرية مصدره، فهم يريدون من يتحدث عيانا بياناً بأحقية اليهود بفلسطين وبالسلام وهم أبعد الناس عن السلام! إذن قام طيران يهود بضرب ليبرتي إخفاءً للدليل والشاهد على أنهم من بدأ الحرب، ولسوء حظهم لم يستطيعوا إغراق ليبرتي وحسن حظهم أن الولايات المتحدة لم تستطع إعلان وتوجيه التهمة لكيان يهود بمهاجمة ليبرتي، لأن ذلك سوف يقوض سياستها في دعم ودعوى العرب التقدميين أن أمريكا حاربتهم وهي التي هزمتهم وليس كيان يهود وإن أمريكا هي دولة يهود ودولة يهود هي أمريكا، دولة يهود حاولت إغراق سفينة التجسس الأمريكية لأنها الشاهد على أن اليهود هم من بادر بالحرب رغم تعهد حكومتهم بألا يكونوا أول من يبدأ بالحرب.


من يسأل كيف سلمت شبه جزيرة سيناء إلى اليهود كما استلمت من الملك فاروق؟ لماذا أرسل الجيش المصري إلى اليمن واليهود على حدود مصر الشرقية؟ وكذلك لماذا خرج المصريون من السودان ولم تبق بلداً واحداً؟ فاروق كان ملك مصر والسودان إذا كان مشروع الوحدة العربية في وارد الضباط الأحرار؟ من يصدق عصابة الأسد الأب والابن أنهم من جبهة ممانعة؟ نعم ممانعة من تمكين الناس من حقوقهم في الحياة الكريمة اللائقة بالإنسان، نعم إنهم من جبهة ممانعة طرد اليهود من فلسطين.


يقول الدكتور مصطفى الفقهي: (لا يحكم مصر إلا من ترضى عنه أمريكا) تأتي أمريكا بعبد الفتاح السيسي أسوأ سهم وآخر ما تملك في جعبتها، وتبعثه لروسيا ذرا للرماد في العيون، على أساس أن روسيا تمثل الجهة المعارضة لسياسة الولايات المتحدة، وتجعله يشتري أسلحة من فرنسا وروسيا لتعزف الموسيقى القديمة بأشد الأصوات نشازا ليتذكر الناس شراء مصر الثورة أسلحة من المعسكر الشرقي مع أن الاتحاد السوفيتي من أوائل الدول التي اعترفت بدولة يهود حين تأسست. كأن التاريخ يعيد نفسه ولا يتعظ أو يتساءل كثير من الناس، فتجد بعد دعوات الاشتراكية الزائفة لأكثر من ستين سنة يأتي اليوم دور النداء بالديمقراطية ومدنية وعلمانية الدولة!. والمفجع أن دول الاستعمار ما تزال تجد في بلاد المسلمين من يطيعها ويأتمر بأمرها.


ما الفائدة التي حققها الاتحاد السوفيتي من عمله لمصلحة أمريكا في بلادنا، لقد كانت هذه هي الفرصة الوحيدة المتوفرة له لدخول المنطقة ورعايتة للرفقاء، لعله يتحصل لهم على شيء من النفوذ والحماية ونشر أفكاره، وثم سوقا لأسلحته حيث إن صورة الزعيم الوطني الثوري ومحارب الاستعمار الاشتراكي رائد العدالة الاجتماعية رفيق الفقراء لا تتم إلا بشراء الأسلحة من الاتحاد السوفيتي والتقرب إليه، فهو عدو الاستعمار الغربي ونصير المظلومين وداعم التحرر والثوار! والصورة اليوم عند روسيا الاتحادية لا تبعد كثيرا عما كانت بالأمس عند روسيا السوفيتية، وإلا كيف يستطيع السادات إخراج السوفييت من مصر بجرة قلم، ويرتمي جهارا نهارا بحضن الأمريكان؟ أين الدولة التي أنشئت منذ انقلاب 1952 يلعب بها السادات كيفما يشاء؟ إنها هيكل دويلة بإدارة استعمارية، السلطة والقوة بيد الحاكم، لا وجود لأجهزة حكم حقيقية منفصلة عن الحاكم ترعى مصالح الناس وتنظم شؤون حياتهم بيسر وسهولة وإنصاف وعدل.


ومن ثم إذا كان دخول الروس إلى سوريا غصبا عن الأمريكان، (فبوكست) بندورة محملة بصواريخ ستنجر أمريكية كفيلة بقطع دابر الروس من سوريا، وما أحداث أفغانستان المجاهدين ببعيدة، وما حدث للروس السوفييت لن يمحى من ذاكرة الروس الاتحاديين، عوضا عن صور كيري ولافروف التي تشي بالحميمية والاتفاق والوفاق في مباحثاتهم التي لا تنقطع، مع العلم أن من متطلبات الأمر أن يظهر بعض الاختلاف في التصريحات الصحفية. روسيا تقوم بمهمة الأمريكان في دعم بقاء بشار الأسد في السلطة وقتل المسلمين وتخريب سوريا ريثما يتم ترتيب الأوضاع في سوريا كما رتبت في مصر. ويكفي وجود دولة يهود مغتصبة لفلسطين لتبقى الولايات المتحدة متشبثة في المنطقة العربية ومتحكمة بها بالتفاصيل الدقيقة، ويقلقها بل يقض مضجعها عمل المسلمين الدؤوب لاستئناف الحياة الإسلامية. وترويج خبر انسحابها وترك الميدان لحميدان ضرب من التعمية السياسية ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.


كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
إبراهيم سلامة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني