هل يواجه مسلمو أوروبا مصير اليهود في القرن العشرين أم مصير المسلمين في القرن الخامس عشر في محاكم التفتيش الإسبانية؟
May 24, 2015

هل يواجه مسلمو أوروبا مصير اليهود في القرن العشرين أم مصير المسلمين في القرن الخامس عشر في محاكم التفتيش الإسبانية؟


"هل يجري إعداد المسلمين في أوروبا مثل اليهود؟ يبدو ذلك، المسلمون هم العدو الأول للدول الأوروبية الحديثة، والتوراتية، وهم كبش فداء للمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في أوروبا... وبالربط بين حال يهود أوروبا في القرن العشرين والمسلمين الأوروبيين في القرن الواحد والعشرين، نجد أنفسنا نتساءل عما إذا كان التاريخ على وشك أن يعيد نفسه."] الدكتور كريغ كونسيدين[.


شيء مرعب يختمر في معقل الحرية والديمقراطية (أوروبا)، فقد أصبحت هجرة المسلمين إليها مقلقة، ولا يهم ما إذا كان المسلمون من رعايا الدول الأوروبية أم من المهاجرين إليها، فقد أصبحت المعاملة التي يتلقونها سيئة.


ونذكر هنا مثالين هما صورة مصغرة "للإسلام فوبيا" في العواصم الأوروبية. الأول في فرنسا، حيث لا تتم معاقبة الفتيات في المدارس الإسلامية لارتدائهن الحجاب أو الجلباب فقط، بل تتم معاقبتهن لارتدائهن التنانير الطويلة! فكيف لتنورة طويلة وهي قطعة من القماش ومنتشرة على نطاق واسع بين العديد من غير المسلمين في فرنسا أن تعتبر رمزا للدين الإسلامي؟ إلا أن يكون ذلك خارجا عن حدود العقل الرشيد. والمثال الثاني هو المعاملة الفظيعة للمسلمين المهاجرين، ففي الآونة الأخيرة، وفي هانوفر، تم تصوير ضابط شرطة ألماني يقوم بإجبار أحد المهاجرين الأفغان على أكل لحم الخنزير الفاسد، وهذا يذكرنا بما أشار إليه بعض السياسيين في فرنسا العام الماضي.


على مدى العقد الماضي أو نحو ذلك، توترت المواقف الأوروبية تجاه الإسلام والمسلمين بشكل هائل، فقد ورد في تقرير صدر عن مركز غالوب تحت عنوان "الخوف من الإسلام: فهم المشاعر المعادية للمسلمين في الغرب" ما يلي: "لقد كانت الإسلام فوبيا موجودة قبل هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001م، ولكن زادت وتيرتها خلال العقد الماضي... وفي المجتمعات الغربية الرئيسية هناك وجهات نظر سلبية تجاه المسلمين وتمييز ضدهم، حيث سكانها يعتقدون بأنه لا يوجد ولاء عند المسلمين للدول التي يقيمون فيها، ويعربون عن التحيز ضدهم، ويتجنبون مجاورتهم، وهذه بعض أعراض الخوف من الإسلام الموجود عند الغرب... إن مجرد وجود الخوف من الإسلام شيء بحاجة لمعالجة، وقد وصل إلى درجة أن يفصح الأفراد عن كرههم للإسلام والمسلمين في تجمعاتهم".


ونظرا لمستوى كراهية الإسلام عند الأوروبيين، فلا يُستغرب أن نجد حظرا للمآذن والمساجد وحظرا للحجاب في الأماكن العامة، والتجسس على المسلمين دون مراعاة للقوانين، وتكميما للأفواه، وإلغاء ما يسمى حق المواطنة، وهذه التدابير تنفّذ بشكل روتيني في مدن أوروبية عديدة. لكن بالنسبة لبعض الحكومات الأوروبية، فإن التدابير الصارمة التي تتخذها تصل إلى مستوى فرض الشكل الذي تريد أن تكون عليه الجالية الإسلامية، فحكومة كاميرون مثلا تريد أن تضع تشريعات لاختبار مدى تطرف أطفال المسلمين، بل وللسيطرة عليهم ووضعهم تحت الرعاية الاجتماعية.


وعلى هذه الخلفية من النقد اللاذع والهستيريا، فإنه ليس من غير المألوف أن تجد وجهات نظر متطرفة بين السكان الأصليين في أوروبا. فعلى سبيل المثال، السياسيون مثل خيرت فيلدرز ومارين لوبان دأبا على مقارنة المسلمين بالنازيين، ومارين لوبان (ابنة جان ماري) قارنت صلاة مسلمي فرنسا خارج المساجد بالاحتلال النازي لفرنسا، وقالت متحدثة في تجمع في ليون عام 2010م: "بالنسبة لأولئك الذين يتحدثون كثيرا عن الحرب العالمية الثانية، فإن كان ذلك احتلالا، فيمكننا تسمية صلاة المسلمين في الشوارع بالاحتلال أيضا"، وكثيرا ما انتقد خيرت فيلدرز (زعيم اليمين المتطرف من حزب الحرية الهولندي) الإسلام، وكانت تصريحاته نابية ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكن، وبصرف النظر عن السياسيين الأوروبيين، فقد لعبت وسائل الإعلام الأوروبية دورا محوريا في تشكيل مواقف السكان الأصليين ضد الإسلام. والحديث اليومي عن الخوف من الإسلام يتخلله في كثير من الأحيان نقدٌ لاذع وشديد للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، مثل الرسوم الدنماركية، وأحداث شارلي إيبدو التي حصلت في وقت سابق من هذا العام، والتي كانت الأكثر دراماتيكية. لقد كان واضحا أن أوروبا تعمل على تشويه صورة الإسلام عن قصد، وقد أدى ذلك إلى الزجّ بالعديد من المعتقلين في السجون، مثل أحداث ثلاثينات القرن الماضي، عندما تم اضطهاد اليهود فيما يسمى بالهوليكوست في عدة دول أوروبية لكونهم يهوداً.


عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع المسلمين في أوروبا، فإن هناك حقبة أخرى من التاريخ الأوروبي ربما تصف بدقة أكثر الاتجاه الذي تتوجه نحوه أوروبا الآن. ففي ظل حكم الملك فرديناند والملكة إيزابيلا في القرن الخامس عشر، أقيمت محاكم التفتيش الإسبانية الشهيرة، وكانت تخير المسلمين بين القتل أو النفي أو التحول إلى الكاثوليكية، وللتحقق من آخر خيار، كان المحققون يتجولون حول منازل المسلمين ويفحصون ويفتشون حتى القمامة للتأكد من استهلاك المسلمين للحم الخنزير في وجبات الطعام.


لأوروبا تاريخ طويل في إبادة الحضارات وتنفيذ مجازر على نطاق واسع، من محاكم التفتيش الإسبانية، إلى فظائع الأنكا، والهنود الحمر، والأزتيك، وهذه فقط بعض الأمثلة وليست لحصر التاريخ الدنيء للاستعمار الأوروبي. ووعد أهل أفريقيا والهند وآسيا والشرق الأوسط... وغيرها بالحرية سرعان ما تبخر وحل محله الحكم الاستعماري، وبدلا من إظهار الندم تجاه مثل هذه الأعمال الوحشية، تفتخر أوروبا بإنجازاتها هذه!


لم تعامل الخلافة الإسلامية في الماضي البشرية بمثل هذه الهمجية قط، فالسلطان بايزيد الثاني مد يده لليهود الذين طردوا من إسبانيا (السفارديم). ولم تنشر الخلافة الإسلام بالقوة ولم تدمر الحضارات، فعندما انتشر الإسلام في مصر، اعتنق الكثير من النصارى الأقباط الإسلام، ولا يزال عددهم يقرب من 7 ملايين نسمة، وبالمثل فإنه عندما فتح المسلمون الهند، لم يرغموا السكان على اعتناق الإسلام، والهندوس اليوم يبلغ عددهم أكثر من 750 مليون هندوسي.


مسلمو أوروبا يواجهون مستقبلا مجهولا، ومع ذلك، فإنه بدلا من البقاء متفرجين أو خائفين من نقاش فكرة الاستيعاب الأوروبي، يجب على المسلمين العمل الجاد لفضح المحاولات الأوروبية السابقة في استيعاب الرعايا غير الأوروبيين وإجبارهم على طريقة العيش الأوروبية.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد المجيد بهاتي

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني