إنا لكم ناصحون وبنصر الله متيقنون فعوا وارشدوا
إنا لكم ناصحون وبنصر الله متيقنون فعوا وارشدوا

يمر علينا هذه الأيام من المحن الكثير، التي لا تعد ولا تحصى، وليس آخرها إغلاق مسرى نبينا المسجد الأقصى المبارك وتدنيس يهود له، فأصبحنا في أمس الحاجة لأصحاب القوة المخلصين لهذا الدين ومقدساته التي قدسها رب الخلق من فوق سبع سماوات، لكننا نلقى السكون القاتل من قبل من صدعوا رؤوسنا بالكلام الأجوف المفعم بالجهل والغرور المفرط والمبطن بالحقد، فحق لنا أن نسأل: أين أصحاب القلوب المؤمنة بوعد الله للمخلصين ووعيده للمقصرين المتخاذلين؟

0:00 0:00
السرعة:
July 26, 2017

إنا لكم ناصحون وبنصر الله متيقنون فعوا وارشدوا

إنا لكم ناصحون وبنصر الله متيقنون فعوا وارشدوا

يمر علينا هذه الأيام من المحن الكثير، التي لا تعد ولا تحصى، وليس آخرها إغلاق مسرى نبينا المسجد الأقصى المبارك وتدنيس يهود له، فأصبحنا في أمس الحاجة لأصحاب القوة المخلصين لهذا الدين ومقدساته التي قدسها رب الخلق من فوق سبع سماوات، لكننا نلقى السكون القاتل من قبل من صدعوا رؤوسنا بالكلام الأجوف المفعم بالجهل والغرور المفرط والمبطن بالحقد، فحق لنا أن نسأل: أين أصحاب القلوب المؤمنة بوعد الله للمخلصين ووعيده للمقصرين المتخاذلين؟

أما أين هؤلاء من الحكام، فإنهم كلهم وبلا استثناء عملاء مخلصون لأسيادهم الذين أوهموهم بإبقائهم على كراسيهم المعوجة، مشغولون في خدمة أعداء الله ورسوله عليه الصلاة والسلام. فحكام الحجاز الذين يسهرون على خدمة سيد البيت الأبيض في اليمن وليبيا والشام، حركوا جيوشهم إلى اليمن السعيد وألقوا بحممهم على رؤوس المسلمين هناك للتحضير لإيجاد عميل آخر واستبدال الموجود به، ليذيق المسلمين ويلات ذاقوها من قبل، بل وأنفقوا الأموال السياسية القذرة لشراء الذمم في بلاد الشام وحرف الثورة المباركة عن مسارها. أما حكام مصر الكنانة فهم في شغل عظيم، حيث نجدهم في شرق البلاد وغربها إما محاصرين لأهلنا في غزة هاشم مانعين عنهم الماء والهواء خدمة لأمن يهود، أو باعثين للطائرات تقصف المسلمين في ليبيا عمر المختار. أما ما تبقى من حكام المسلمين في باقي بقاع الأرض من المشرق فحدث ولا حرج، من حكام باكستان الذين هم في عبثهم في باكستان وأفغانستان شاغلون، وعن أقرب الأراضي لهم (كشمير، وبورما) منشغلون، حتى عن أرضهم التي تصول فيها طائرات الأمريكان وتجول لتقصف من تشاء من غير حسيب ولا رقيب، إلى الآخرين الذين جعلوا حصار قطر أهم من قضية أرض الإسراء والمعراج، فأرسلوا جنود المسلمين الأتراك تنفيذًا لمخطط لا يوصف بأقل من أنه قمة في النذالة والخذلان، إلى الذي يسمي نفسه زورًا وبهتانًا بأمير المؤمنين فهو في سبات عميق. أما حكام المغرب العربي الذين نكاد ننسى أنهم موجودون فهم أشباه أموات، كحكام أرض المليون شهيد (الجزائر). كل هؤلاء قد نفضت الأمة يديها منهم، فليسوا منها وليست منهم، بل هم أشد الناس عداءً لها ولدينها الحنيف، فلا ينتظر منهم أحد يختم حياته الملطخة بالعار والخذلان والفسق والفجور بشيء يمحو ما في صفحاته السوداء القاتمة.

أما أين هؤلاء من جنودنا البواسل؟ فهؤلاء من عتبنا عليهم، الذين ما انفكوا يدافعون عن الرويبضات ويمكنون لهم حكمهم ويحكمون قبضتهم على أنفاسنا بظلمهم. أين أنتم وأين نخوتكم التي هي أملنا والخلاص لهذه الأمة التي أنجبتكم وجعلتكم حماة لها ومدافعين عنها وعن عقائدها ومقدساتها؟ أين سلاحكم الذي أنفقنا عليه من قوت أطفالنا وحرمنا أنفسنا من أجله؟ ألا تحرك الأحداث الدم في عروقكم؟ ألا ترون ماذا يحدث لأمتكم ومقدساتها؟ إن أصغر جندي يأتمر بأمركم لو أراد لأذاق يهود من العذاب وجعلهم عبرة لمن يعتبر. ألا تعلمون أنكم تستطيعون  -والأمة من ورائكم ومعكم-  أن تنسوا أعداء الله وساوسهم وتخضعوهم لكم؟ فهلا سعيتم إلى عز الدنيا وثواب الآخرة! هل منكم رجل رشيد يزلزل أركان الوجود؟ نحن نعلم أن فيكم صلاح الدين وخالد بن الوليد والمظفر قطز ومحمداً الفاتح والسلطان عبد الحميد... نعلم أنكم تتوقون لإعادة أمجادهم بدل أن تكونوا منزوعي الشجاعة والكرامة والنخوة. لم يبق من الزمان بقدر ما سلف، والله متمّ نوره ولو كره المشركون، وهو قادر على استبدال ما يحب وترضى عنه الأمة بكم، فسارعوا إلى مرضاة الله عز وجل قبل أن يتنزل غضبه عليكم فتصبحوا ملومين متحسرين على ما فاتكم من الأجر العظيم.

كلمة آمل أن تصل مسامعكم: إن هذه أمتكم ونحن منكم وأنتم منا، وما هؤلاء الحكام سوى امتحان لكم في دينكم، فلا تسمحوا لهم بأن يلقوا بكم إلى التهلكة، وهم لا سلطة لهم من غيركم، فإن تخليتم عنهم والتصقتم بأمتكم فهذا هو الفوز العظيم والنصر الكبير على من أذاق أمتكم كل أصناف العذاب وأنتم على ذلك شهود. إن الأمور بخواتيمها فاجعلوا خاتمتكم بما يحب الله والرسول r ويثلج صدور المؤمنين من أبناء أمتكم، فهم لكم خير عون ونصير، ولموت في عزة وكرامة خير من عيش في ذل ومهانة، فسارعوا وقدموا لأنفسكم عملًا يكفر عنكم سيئاتكم بحق أمتكم، وستجدون الخير كله عند الله وهو الأعظم، وبين أحضان أمتكم الدافئة.

أما أين هؤلاء من علمائنا أو من يُسمّون بذلك؟ فإننا نلومهم على سكوتهم المميت، فكأنهم رضوا بالحياة الدنيا من الآخرة، وقبلوا على أمتهم ما هي عليه من ذل وهوان بسكوتهم وحجبهم الحق الأبلج! فلم نسمع منهم ما يشفي الصدور وما يعذرهم أمام خالقهم، فكأنهم نسوا أن العلماء هم أكثر الناس علمًا بالله وقدرته وبطشه وجبروته! وكأنهم نسوا أن الله يمهل ولا يهمل! وكأنهم نسوا أن التقوى تكون بالبعد عن غضب الله وليس البعد عن بطش أعوان الشياطين! وكأنهم نسوا أنهم هم من وقع على عاتقهم حمل هذا الدين ونشره وتطبيقه والدفاع عنه وعن مقدساته! أين أنتم يا ورثة الأنبياء عن الدفاع عن مسرى رسولنا؟ أين إنكاركم للمنكر وأمركم بالمعروف؟ فلا نصر لنا إن لم ننصر دين الله. إننا نعلم أن الخير لا يزال ينبض في هذه الأمة، ولله في خلقه شؤون يقدم لعباده الفرصة تلو الأخرى للنجاة من عذابه ونيل رضاه، فهل ستظلون في صف حكامكم الذين انبرت ألسنتكم في الدفاع عنهم؟ أم ستتذكرون أن هذه الدنيا ما هي إلا دار ابتلاء؟

أيها العلماء! كفاكم خوضًا في صغار الأمور واقتصارًا على ما يلهي الأمة ويحرفها عن آخرتها، كفاكم حفظًا لعروش الطغاة والدعاء لهم، متى ستطلقون كلمات كالرصاص عليهم وعلى من يعاونهم ويثبتهم؟ كفاكم جبنًا وتخاذلًا وخذلانًا لهذه الأمة، قد آن أوانها الآن وليس لاحقًا، كلمة حق تكتب في صحائفكم تحاجون بها عند الله يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا جاه ولا نسب. أقول لكم كلمة آمل أن تصل مسامعكم: إن من زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز، وليس من باع دينه بعرض من الدنيا، فذلك الخاسر وبئس الخاسر. إن ما بقي من عمركم فيه فرصة لكم وباب إن دخلتموه تبدلوا بدنياكم جنة عرضها السماء والأرض، فكونوا على قدر المسؤولية التي وضعت على أعناقكم، واعملوا لآخرتكم، ولا تَدَعوا الشيطان يطغى عليكم ويتسلط، فقد اقتربت ساعة الحساب، فأروا الله من أنفسكم موقفًا يحبه فيغفر لكم ما قد أسلفتم في الأيام الخالية. إننا لا نطلب منكم ما ليس باستطاعتكم، بل ما هو فرض عليكم بأن تبينوا لهذه الأمة الكريمة سوء حكامها وتقصيرهم في رعاية شؤونها، وأن تحثوا أهل القوة والمنعة لنصرة هذا الدين والعاملين له، فكونوا عند حسن ظننا بكم، ولا تملأوا صفحاتكم بما تندمون عليه يوم لا ينفع الندم ولا عودة ولا استدراك لما سلف.

أخيرًا؛ إننا متيقنون من الخير الكثير في هذه الأمة، بأن فيها من القادة العظماء والعلماء الأنقياء الأتقياء، وأن هذا الزمان هو فترة تمحيص للخير والشر، المخلص والمنافق. إن هذه الأمة التي أنجبت القادة العظام الذين سطروا أمجادهم في صفحات التاريخ لن تعقر على إنجاب أمثالهم، فهي لا تزال في ريعان شبابها وقمة عطائها، وسوف يخرج منها أمثال أبي بكر وعمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وصلاح الدين والعز بن عبد السلام والسيد قطب... إنما الأمور تسير بقدر، وقدر الله لا شك حاصل ولا تبديل له، بهذا نحن متيقنون، ولنصر الله عاملون، ولآخرته متشوقون.

كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

د. ماهر صالح – أمريكا

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني