إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج14 - تطبيق قانون السنن والسببية على تغيير الدولة
إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج14 - تطبيق قانون السنن والسببية على تغيير الدولة

يشربُ الإنسان عند العطشِ، فالعملُ: شربُ الماءِ، والدافعُ له هو العطش، والغايةُ من الشربِ هي الارتواءُ، ويكون ترتيب الدافع والغاية والعمل في الواقع كما يلي: ...

0:00 0:00
السرعة:
December 09, 2017

إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج14 - تطبيق قانون السنن والسببية على تغيير الدولة

إقامة الدولة في ظل قانون السببية

للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

(الجزء الرابع عشر: تطبيق قانون السنن والسببية على تغيير الدولة)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

يشربُ الإنسان عند العطشِ، فالعملُ: شربُ الماءِ، والدافعُ له هو العطش، والغايةُ من الشربِ هي الارتواءُ، ويكون ترتيب الدافع والغاية والعمل في الواقع كما يلي:

1-  الدافع، 2- العمل، 3- تحقيق الغاية!

إلا أن هذا الحكم سطحي ويمثل نظرةً سطحية للواقع، لكن بالتعمق فيه نجد أن الإنسان يضع لنفسه أهدافا (غايات) وهو يسعى لتحقيقها من خلال بحثه عن العمل الذي يحقق الغاية ثم يقوم بمباشرة العمل.

وعليه فالترتيب الذي ينبغي أن يصار إليه عند القيام بأيِّ عملٍ من أجلِ غايةٍ ما كما يلي:

1- الدافع، 2- الغاية الـمُتَصَوَّرَة في الذهن، 3- التفكير بالعمل الذي يحقق الغاية وبالتالي يشبع الدافع، 4- التفكير بالأسباب التي لا بد منها لوجود المعلول، والتفكير بالشروط اللازمة وكيفية التفاعل معها (تصميم النظام السببي وتفعيله) 5- العمل 6- تحقيق الغاية في الواقع.

ولهذا نقول إن: الغاية الـمُتَصَوَّرَةَ في الذِّهْنِ تُعيِّنُ نوعَ العمل بأنواعه في النقاط الثالثة والرابعة والخامسة أعلاه


ونقول أيضا إن: الفكر في النقاط الثانية والثالثة والرابعة يأتي قبل العمل، وأن: الفكرَ والعملَ من أجلِ غايةٍ يصل إلى مطابَقَةِ الغايةِ الـمُتَصَوَّرَةَ في الذهنِ، مع الغايةِ المتحققةِ في الواقعِ.

فما هو الدافعُ وما هي الغايةُ المتصورةُ في الذهنِ من وراء عملية تغيير المجتمع وإقامة الدولة على أنقاض دولة أخرى؟ وما هي الأمور التي بتحققها يتحقق بلوغ الغاية؟ وما هي الأسباب التي لا بد من توفرها لحصول هذا العمل بشكل حتمي؟

الجواب:

  1.  الدافع للتغيير هو تغيير دار الكفر إلى دار إسلام، وتمكين الدين، وتطبيق الشريعة، وإنهاض الأمة لتحمل رسالتها للأمم، وتقتعد مكانتها التي ارتضاها الله لها.
  2. والغاية الـمُتَصَوَّرَة في الذِّهْنِ استئناف الحياة الإسلامية، فهذه الغايات الكبرى، وينتج عن وجودها تحقق غايات أخرى كثيرة جانبية مثل محو الفقر، واستئصال الجريمة، ورفاهية العيش، وتحسين التعليم... الخ.
  3. وأما نوع العمل الذي يحقق الغاية، فهو إقامة الدولة الإسلامية التي بوجودها: سيتمكن الدين، وبدون وجودها لن يتمكن الدين، وبوجودها: تتحول الدار إلى دار إسلام، وتوضع أحكام الإسلام موضع التطبيق، وينهض المسلمون ويرتقوا، وتقتعد الأمة الإسلامية المكانة اللائقة بها، وتتمكن من حمل رسالتها بين الأمم. (ومن نافلة القول إن الفقر والجهل والبطالة والعنوسة وسائر أدواء المجتمع تحل بتطبيق النظام الإسلامي تطبيقا صحيحا).
  4. أما الأسباب التي ينبغي التفكير بها والتي بوجودها يتم تفعيل نظام السببية، وبغيابها لن يفضي العمل إلى تحقيق الغاية المتصورة في الذهن، فهي كما قال الإمام تقي الدين النبهاني في جواب سؤال: "وإقامة دولة أي دولة، في جماعة أي جماعة، لها قوانين ونواميس، وهي أن تتقبل تلك الجماعة أو الفئة الأقوى فيها للمفاهيم والمقاييس والقناعات التي تقوم عليها تلك الدولة، وما لم تتقبل تلك المفاهيم والمقاييس لا يمكن أن تقوم فيها الدولة، ولو تسلط عليها متسلطون، وتولى السلطة فيها أقوياء. فالأصل في إقامة الدولة هو تقبل الجماعة أو الفئة الأقوى لتلك المفاهيم والمقاييس والقناعات، فالخطوة الأولى هي المفاهيم والمقاييس والقناعات. هذه هي نواميس الجماعات، وهذه هي قوانين الحكم والسلطان. ‎فهذه القوانين مشاهدة منظورة، فمحاولة تجاهلها، ‎وأخذ السلطة بالقوة والقهر، لا يمكن أن يوجد الدولة، وإن كان يمكن أن يوجد المتسلطين إلى حين"[1]،

وذلك لأن إقامة الدولة تعني إقامة وأخذ السلطان وهذا لا يتحقق إلا بأمرين:[2]

أحدهما: رعاية المصالح، أي مصالح الناس عامة، (نظام الحكم، وأنظمة الدولة) بأحكام معينة،

وثانيهما: القوة التي تحمي الرعية، وتنفذ الأحكام، أي الأمان.

أما رعاية مصالح الناس عامة (نظام الحكم، وأنظمة الدولة) بأحكام معينة. فقد ثبت بما لا يدعُ مجالاً للشك أن السلطة هي التصرف في مصالح الناس، ومصالح الناس تتحدد قطعاً حسب وجهة نظرهم في الحياة، فما يرونه من أعمال وأشياء مصلحة لهم يعتبرونه مصلحة، وما لا يرونه مصلحة يرفضون أن يعتبروه مصلحة، فالمصلحة إنما تكون من حيث النظرة إليها لا من حيث واقعها فقط، فالموت في سبيل الله (الاستشهاد) يراه المسلم أنه مصلحة مع أنه موت [أي الموت ليس مصلحة في ذاته]، والربا عند المسلم لا يراه مصلحة مع أنه كسب مال [كسب المال هو مصلحة في ذاته]، فوجهة النظر في الحياة حددت طبيعة الشيء بأنه مصلحة أو مفسدة، فالكذب مفسدة ولكنه في الحرب مصلحة، مع أن واقعه أنه كذب لم يختلف في الحالتين، وإنما اختلفت النظرة إليه بحسب وجهة النظر في الحياة، فالمصالح هي قطعاً حسب وجهة النظر في الحياة، فمن يريد أن يأخذ السلطة إنما يعني أنه يريد التصرف في مصالح الناس، فلا بد أن يأخذ هو وجهة نظر الناس وحينئذ يتصرف في مصالحهم حسب وجهة نظرهم، وإما أن يعطيهم وجهة نظره في الحياة فيقنعهم بها ثم يتصرف في مصالحهم، أو أن يجبرهم على رؤيته كما في أنظمة الاستبداد، (والتي لا تدوم لإخلالها بهذا الشرط) وفي الحالتين الأولى والثانية إنما جعل النظرة إلى الحياة أساساً في أخذ التصرف في مصالح الناس، أي أساساً في أخذ السلطة، بناء على رضا الطرفين، وفي الحالة الثالثة اختلفت فقط بفرض وجهة النظر لدى الحاكم على الناس فرضا، وبقيت هي الزاوية التي من خلالها تؤخذ السلطة، وعليه فإن النظرة إلى الحياة هي الأساس في أخذ السلطة، لذلك كان لزاما العمل على تغيير النظرة إلى الحياة إن خالفت تلك النظرةُ الإسلامَ، وإقناع الناس باتخاذ العقيدة الإسلامية أساسا في نظرتهم إلى الحياة وإلى مصالحهم، فحيثما كان الشرع فثم المصلحة، وأن يتحول الرأي العام في المجتمع لاتخاذ هذه النظرة أساسا للحكم، فتقوم بناء على ذلك: مجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات من هذه العقيدة، وتحمل إلى المجتمع أو إلى الفئة الأقوى فيه والتي تمتلك القدرة على إحداث التغيير فيه، فيؤخذ الحكم ممن لا يقيمونه على أساس هذه النظرة، من هنا فاستئناف الحياة الإسلامية يقتضي أن تتحول النظرة إلى المصالح والأفعال والشؤون إلى زاوية الإسلام فتتخذ هي الزاوية التي يحكم بها على المصالح وترعى الشؤون على أساسها، لذلك كان عمل الحزب المركزي تغيير المفاهيم والقناعات والمقاييس التي لدى المجتمع لإقامة الدولة على أساس مفاهيم ومقاييس وقناعات إسلامية، يقيم السلطان على أساسها وتحل محل ما يخالف الإسلام في الواقع.[3] فهذا العمل يجري وفقا للسنن الإلهية: التي بينت طريقة عمل الرسول ﷺ والتي استنبطناها منها، ويستجلب النصر من الله بحسن اتباع منهج نبيه ﷺ، ويجري وفقا للسنن المجتمعية، فيحقق إقامة الدولة بالضرورة، وحتما، بإذن الله تعالى.

ويراعي هذا العمل: الشروط اللازمة لإنجاحه من خلال البحث في مقومات الدولة، وكيفية التعامل مع كل مقوم من هذه المقومات بشكل يفضي إلى إحداث التغيير واستمراره!

وأما أخذ الحكم بالقوة، فإنه ليس من السنن، وذلك لأن من يريد أخذ الحكم بالقوة، عليه أن يستعين بقوة أقوى مادياً وفكرياً من قوة الشعب كالاستعانة بنفوذ الدول الكبرى، وبذلك قد يستطيع أن يتغلب على الشعب ويأخذ السلطة، ولكن مثل هذه الدولة تقوم كالجمر من تحت الرماد، لا يلبث أن يشعل النار ولو بعد حين، ولذلك لا يجعل عمل من يأخذ الحكم بالقوة دليلاً على جعل القوة أساساً لأخذ السلطة، فلا بد من جعل نظرة الأمة في الحياة أمراً أساسياً والاستعانة بقوة الأمة الذاتية مادياً وفكرياً.

  1. وأما القيام بالعمل، فإنه من المعلوم أنه عندما تتوالى المصائب على الأمة، وتتتابع عليها الأحداث الجسام، والخطوب العظام، ويسود فيها الظلم، ويوسد الأمر إلى غير أهله، يبدأ الناس بالتذمر، ثم ينتقل هذا إلى إحساس بالظلم، يدفع إلى الحركة لدفع الظلم، وإبعاد الفساد، ورفع شأن المجتمع والأمة، والنهوض بها إلى المستوى الذي يليق بها، ومن البديهي أن يُلجأ من أجل بلوغ ذلك إلى التكتل، والعمل الجماعي، لإيجاد القوة القادرة على إحداث التغيير، في الخطوب التي تتعدى قدرات الفرد كفرد، بمعزل عن جماعة، أي لإيجاد الطاقة السببية القادرة على تفعيل الأسباب لإنتاج مسبباتها،

ولا شك أن اجتماع هؤلاء القوم من أجل تحقيق ذلك الأمر الذي نهضوا من أجله، سيجمعهم على هدف أو أهداف، أو أفكار يلتفون حولها تتضمن أهدافهم وخطة سيرهم لبلوغ مرامهم، وبدون هذه الأفكار وبدون رسم طريقة لبلوغ الغاية، وبدون تصور للغاية قابل للتطبيق، لن يثمر العمل وستفشل الحركة فشلا ذريعا طال الوقت أم قصر. لذلك فالعمل المطلوب لإحداث هذا التغيير هو العمل الحزبي، والذي سيتطلب وجود حزب، عليه أمير مطاع، ولديه ثقافة متبناة تضع النقاط على الحروف، وترسم مخططا للعملية التغييرية وفق قوانين السببية، ثم يعمل هذا الحزب في المجتمع بشكل صحيح فينتج عن عمله هذا تفعيل العلاقة السببية، فيتقصد المجتمع ليغيره بمجموعة المفاهيم والمقاييس والقناعات، ويتقصد مقومات الدولة، ويصمم مخطط التغيير الهندسي تصميما ذكيا، ويفعل العلاقات والأنظمة السببية فينتج المسبب حتما وهو حدوث التغيير وإقامة الدولة!

  1. ثم تقوم الدولة!

[1] جواب سؤال عن الغيبيات والأسباب والمسببات 1974 تقي الدين النبهاني.

[2] مقدمة الدستور، أو الأسباب الموجبة له، أحكام عامة.

[3] انظر مجموعة النشرات التكتلية، ص 137 بتصرف.

المزيد من القسم null

التفكير المستنير في مفاهيم حزب التحرير - 45

ــــــــــــــــــــ (45) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العمل المتعلق بالطريقة الذي يحقق نتائج مادية
محسوسة لا بد أن يسيّر بأوامر الله ونواهيه


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا نافعًا يا رب العالمين، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: سنكون معكم على مدار بضع وستين حلقة نعرض عليكم فيها "مفاهيم حزب التحرير" مِنْ خلال ما مَنَّ الله به علينا في السلسلة الصوتية التي أعددناها لهذه الغاية والتي سميناها: "التفكير المستنير بمفاهيم حزب التحرير". وإليكم أبرز المفاهيم الواردة في الحلقة الخامسة والأربعين.


1. من الأمثلة على الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام، وتحقق نتيجة محسوسة:
أ. الصلاة تعتبر من الفكرة، وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام النّاس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تاركَ الصلاة عقابًا ماديًا كالسجن مثلًا، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه.
ب. حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قبل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء. فلا يجوز أن تستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً ماديًا.
2. يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملًا مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه.
3. لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، ولا بد من الدعاء، ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.


ورد في كتيب "مفاهيم حزب التحرير" ما نصه: فمثلًا الصلاة تعتبر من الفكرة، وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام النّاس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تاركَ الصلاة عقابًا ماديًا كالسجن مثلاً، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه. ومثل ذلك أيضاً حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قبل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء. فلا يجوز أن تستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً مادياً، وهكذا جميع الأعمال. إلاّ أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملًا ماديًا له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى وكان في العمر بقية، وإلى أن نلقاكم ودائما نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام، وأن يعز الإسلام بنا، وأن يكرمنا بنصره، وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها. إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

45

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثالثة والثلاثون (الأخيرة)

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثالثة والثلاثون (الأخيرة)

الخاتمة:

كنا وإياكم أحبتنا الكرام على مدى اثنتين وثلاثين حلقة تناولنا فيها أسس وأهداف وبعض نواحي الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية منبثقة أحكامها ومبنية أفكارها على أساس العقيدة الإسلامية، وفي نفس الوقت عرضنا أمثلة من رعاية الأنظمة الرأسمالية والتي لطالما تغنت بإداراتها ونظامها الصحي والطبي وباكتشافاتها واختراعاتها وقدرتها على إدارة الأزمات والنكبات، عرضنا حقائق عن فسادوسوء أدائها وإدارتهافي القيام على صحة رعاياها وما يكتنفها من ضعف وتدهور، فليست النواحي الإنسانية ولا الصحية ضمن اهتمامات الرأسماليين،بل إن دول العالم أدارت أزمة كورونا من زاوية الرأسمالية العلمانية البحتة، واستغلوا الوباء لتمرير سياساتهم، وتضخيم ثرواتهم، فبحسبتقرير نشره معهد الدراسات السياسية الأمريكي، فإنه في فترة إجراءات العزل العام في الولايات المتحدة قفزت ثروات أغنى الأثرياء فيها بما يعادل نصف تريليون دولار، وبالمقابل تقدم 42.6 مليون عامل بطلبات للحصول على إعانات البطالة.

تبرز أهمية الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية وأثرها حين نتذكر من يفتقرون إلى أبسط مرافق المياهوالصرف الصحي، نتذكر من يموتون من الجوعى والمرضى، ومنيعيشون تحت ما يسمى بخط الفقرفيقضون الأيام والأشهر دون أن يجدوا ما يسكت جوعهم، هذا عدا عن من لا مأوى لهم وإن توفر المأوى فهو مؤقت وغير آمن ويفتقد إلى الخدمات الأساسية. نتذكر أن خمس سكان العالم يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الاعتيادية. نتذكر كل هذا ونتذكر أن الرأسمالية سلبت من أكثر البشر على الأرض أدنى مقومات الحياة، وأبدلتهم بها البؤس والشقاء بمفاهيمها.

لقد نظرت الدول الرأسمالية إلى المال لتكثيره، ولم تنظر إلى العيال لتأمين احتياجاتهم الأساسية من المأكل والملبس والمسكنوالتي لا يستطيعون الاستغناء عن أي واحدة منها، كما لم تنظر إلى حاجات المجتمع الأساسية منالأمن والصحة والتعليم، في حين نرى أن الإسلام ضمن تأمين حاجات الإنسان الأساسية وإشباعها إشباعا كاملا وجعل إشباعها حقا لكل إنسان يأخذه بوصفه حقا من حقوقه التي يجب أن يصل إليها. روى الإمام أحمد في مسنده عن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "كُلُّ شَيْءٍ سِوَى ظِلِّ بَيْتٍ وَجِلْفِ الْخُبْزِ وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَالْمَاءِ، فَمَا فَضَلَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ لابْنِ آدَمَ فِيهِ حَقٌّ».

وكذلك أوجب الإسلام على الدولة توفيرالصحة والتطبيب وما يلزم للاستشفاء والتداوي من عيادات ومستشفيات عملاً بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر. وقد استفضنا في هذه السلسلة في الحديث والشرح عن نظرة كل من الرأسمالية والإسلام نحو الرعاية الصحية، وكيفية التعامل مع الرعايا بحسبها.

ولا تنحصر رعاية المجتمع في المجال الصحي فقط، بل لا بد من أن يوفَر له التعليم اللازم في جميع أمور الحياة الدينية والدنيوية فلا حياة ولا تقدم وقيادة للعالم بدون العلم، ولأهمية التعليم، رأينا كيف أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل فداء الأسير من الكفّار تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وبدَلَ فدائِه من الغنائم، التي هي مِلك لجميع المسلمين... وكيف أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على إعطاء رزق المعلمين قدراً معيناً من بيت المال أجراً لهم.

أما ثالث حاجات المجتمع الأساسية الواجب على الدولة توفيرها للرعية فهي الأمن والأمان، وحتى تكون الدار دار إسلام يشترط أن تكون الدولة الإسلامية أمانها بيدها أي أمانها بأمان المسلمين، وهل تحافظالدولة على وجودها وقوتها إذا لم تستطع حفظ أمنها بنفسها!؟ ولهذا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أخبر المسلمين بدار هجرتهم ذكر الأمن أول ما ذكر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه في مكة فيما رواه ابن اسحق في سيرته: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَاناً وَدَاراً تَأْمَنُونَ بِهَا». كما أن الأنصار عندما استقبلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبه أبا بكر، قالوا لهما أول ما قالوا: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ».


وعليه فإنه يجب على الدولة أنتحسن الرعاية والقيام على مصالح الناس بما يصلحهاوتكون بمنزلة الولي من اليتيم،فتوفر الأمن والطب والتعليم للرعية جميعهم،لأن من تتوفر له،يكون كأنه حاز الدنيا بأكملها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

وشتان بين الثرى والثريا، فالرأسمالية مرض أصاب جسد الإنسانية فأسقمها وأنهك قواها، ولقد رأينا كيف أن دول العالم في ظل جائحة كورونا عاشت بين خوفين (الجوع والمرض) فالكافر يعيش لدنياه ولا مكان في ذهنه لما بعد الحياة الدنيا، ويعيش في تعالٍ على جميع الأمم والحضارات، لا يرى حضارة تليق بالبشر إلا حضارته السقيمة الفاسدة، التي هي من حرمت الناس حتى من أقل القليل من الحاجات الأساسية، فأورثتهم الخوف والجوع والمرض.

فيا من خُدِعتم بالرأسمالية البغيضة وسرتم في ركابها جبرا أو عن رضا واختيار، اعلموا أن النُظُم الرأسمالية لن تضمن لكم حياة كريمة ولن تقف معكم في الشدائد والمحن، وتاريخها أكبر دليل، وما رأيتموه وعايشتموه في خضم هذا الوباء هو عين اليقين. وإن دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا إن شاء الله هي المنقذ وهي العدل والنور والفلاح في الدنيا والآخرة، فإلى العمل لإقامتها ندعوكم، فهل من مجيب؟.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال 24].

جمع وإعداد: راضية عبد الله