إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج2 - أسباب دنيوية، مدنية، مجتمعية ينبغي دراستها!
إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج2 - أسباب دنيوية، مدنية، مجتمعية ينبغي دراستها!

إذن: فكيف نتأكدُ من أننا أخذنا بالأسبابِ الدنيوية للوصول إلى الغاية؟ إن الجواب يكون بدراسة سيرة النبي r ودراسة الحركات الجماعية التي حققت أهدافها ووصلت إلى النهضة في التاريخ ومحاولة فهم أسباب وآليات وصولها لننتفع بها[1]، إن كانت تلك الأسباب والآليات جارية على أساس السنن التاريخية بشكل صحيح، ولا شك أن السنن التاريخية تلك إن كانت جارية على أساس السببية، فإنها مما نظم الله تعالى الكون بناء عليه، لذلك فهذا مرتقى صعب، ودقيق، وينبغي فيه امتلاك آليات العقل والفهم والدقة والاجتهاد الصحيح.

0:00 0:00
السرعة:
November 27, 2017

إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج2 - أسباب دنيوية، مدنية، مجتمعية ينبغي دراستها!

إقامة الدولة في ظل قانون السببية

للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

(الجزء الثاني: أسباب دنيوية، مدنية، مجتمعية ينبغي دراستها!)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

إذن: فكيف نتأكدُ من أننا أخذنا بالأسبابِ الدنيوية للوصول إلى الغاية؟ إن الجواب يكون بدراسة سيرة النبي rودراسة الحركات الجماعية التي حققت أهدافها ووصلت إلى النهضة في التاريخ ومحاولة فهم أسباب وآليات وصولها لننتفع بها[1]، إن كانت تلك الأسباب والآليات جارية على أساس السنن التاريخية بشكل صحيح، ولا شك أن السنن التاريخية تلك إن كانت جارية على أساس السببية، فإنها مما نظم الله تعالى الكون بناء عليه، لذلك فهذا مرتقى صعب، ودقيق، وينبغي فيه امتلاك آليات العقل والفهم والدقة والاجتهاد الصحيح.

فمثلا توصل الشيخ تقي الدين النبهاني في كتاب التكتل الحزبي إلى سنة مجتمعية وهي أن التغيير الفاعل حتى يكون مؤثرا في المجتمعات فإنه يكون فاعلا في الأماكن التي يكثر فيها الفساد والظلم والإلحاد حيث يكون الدافع للتغيير لدى الناس أكبر من العمل في المجتمعات المستقرة والخالية من الفساد والظلم، وكذلك توصل إلى أن سنة أخذ الحكم بالتسلط والقوة دون رضا الناس يوجِدُ متسلطين على رقاب الناس فترة من الزمن، ولكن ذلك لن يقيم دولة حقيقية، ولذلك لا ينفع الانقلاب العسكري دون وجود الرأي العام، وتوصل إلى أن المتسلطين يلجأون إلى السند الخارجي لتثبيت حكمهم فيكونون عملاء لمن يساندهم من دول الكفر والاستعمار.

وتوصل حزب التحرير كذلك إلى ضرورة وجود برنامج عمل تفصيلي لتنفيذ المبدأ عند الوصول للحكم ولا ينفع الارتجال، فقام بتأليف مجموعة من الكتب اللازمة للدولة كالنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي ونظام الحكم والدستور ونظام التعليم وغيرها.

وبمراجعة طريقة الحزب في السير نحو الغاية نجد أن هذه الطريقة تراعي مجموعة من السنن والنواميس المتعلقة بتغيير الدول والمجتمعات، وبالتالي فهذه الطريقة تنسجم مع السنن الربانية والمجتمعية والتاريخية التي توصل إلى الأهداف، وأن هذه الطريقة هي الطريقة الصحيحة واقعيا للوصول إلى الأهداف وإن كانت تحتاج إلى وقت وجهد وصبر.

فليس هدف الحزب هو أخذ الحكم بل إقامة الدولة، فأخذ الحكم أمر أسهل من إقامة الدولة لأنه يحتاج إلى أخذ أهل القوة بجانب الحزب، وهذا أمر قد يتم من خلال الاتصال ببعض السفارات التي لها تأثير على الجيوش فيكون الوصول سهلا كما فعلت الكثير من الحركات الوطنية والقومية، وبالتالي لا يمكن مقارنة الأمرين معا! لأننا نريد بناء دولة مبدئية وإقامة الحكم على فكرة الإسلام فليست غايتنا الوصول للحكم بأي وسيلة بل الحكم هو طريقة لتنفيذ المبدأ وليس هو غاية بحد ذاته.

ولكن هل تم إنجاز المهمة؟ ولماذا تأخرنا حتى الآن؟

القضية لا تتعلق بالفكرة أو الطريقة أو العمل الحزبي، بل تتعلق بدراسة الموانع والمعيقات أمام نشر الدعوة وأخذ النصرة، فبعد الدراسة وجد الحزب أن من أهم المعيقات هو حصار النشر أمام أفكار الحزب، ولكن هذا الأمر تم التغلب عليه نسبيا بعد انتشار الإنترنت والمواقع الدعوية والفضائيات والجرائد منذ أكثر من عشر سنوات، ولكن الأمر ما زال غير فاعل لتحقيق هدف وصول الفكرة والرأي لكل الناس!

أما مسألة النجاح في طلب النصرة فهذا أمر بحاجة إلى أهل الاختصاص في الجيوش لبحثه وإزالة المعيقات من أمامه وهو خارج شأننا وبحثنا هنا على الرغم من أهميته، فليست عندنا تفصيلات تفيد في بحثه.

قد نكون لم ننجح في بعض المهمات في الأساليب والوسائل بسبب عدم معرفتنا لسننها ونواميسها وعدم أخذها بعين الاعتبار عند القيام بالأعمال، فمثلا خطاب بعض الشباب للناس القائم على الكفاحية وتعاملهم مع الغير بناء على التحليل السياسي، والذي يؤدي إلى نفور الكثير من الناس من بعض الأساليب، فهل هو مناسب أو غير مناسب؟ فهذا بحاجة إلى مراجعة وتصويب من قبل أهل الاختصاص في الدعوة والدعاية الإعلامية؟ علما بأن الحزب يدرك جيدا متى يلزم التحليل السياسي، ومتى يلزم الكشف، ومتى يلزم استغلال موقف ما لإيصال رسالة ما بناء على زاوية الوعي السياسي، لذلك فلعل أساليب بعض الشباب بحاجة لمراجعة! لكن الحزب في أساليبة ناجح أي نجاح!

وكذلك لا بد من الانتباه إلى سنة التدافع بين الناس، خصوصا ونحن لا نواجه الحكام والغرب فحسب، بل نواجه الكثير من الحركات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات النسوية وغيرها ممن يعمل لهدم ما نبنيه من أفكار وشل عملنا السياسي وفاعليتنا، ومزاحمتنا على قيادة المجتمع، فكيف نواجه هذا التدافع مع هؤلاء؟ ونعاني كذلك من فهم بعض الحركات السيئ للإسلام ومحاولتهم تشويه صورتنا وأفكارنا ونزع ثقة الناس منا وكذلك تشويه صورة الإسلام ككل أمام العالم!

كذلك لا بد لنا من الانتباه إلى سنة الابتلاء والتمحيص للدعوات، وهل صبرنا على الإيذاء؟ وهل نحن مستمرون في السير حسب ما يرضي الله؟ لا بد أن تكون الصورة واضحة لحملة الدعوة لفهم سنن الابتلاءات والتمحيص فيجتازوا الامتحان!

وهل نستحق تنزل نصر الله علينا بأن نصرنا دينه؟ أم قصرنا في بعض الجوانب الحزبية والفردية مما أخر النصر؟

الموضوع إذن عميق جدا ومتشعب وبحاجة إلى جهود جبارة وعقول مبدعة لتخطي كل العقبات، من خلال البحث عن السنن والنواميس التي تعجل في الوصول إلى الأهداف، فإن نحن قصرنا في استنباط هذه السنن والنواميس التي تخص كل فعل وكل أمر وكل أسلوب، فقد نكون قصرنا في الأخذ بالأسباب الموصلة للأهداف، وهنا التقصير ليس تقصيرا من الزاوية الشرعية بل هو تقصير في الأخذ بالأسباب الواقعية الموصلة للأهداف، وهذه النواميس لا تحابي ولا تراعي أحدا بل تنطبق على الجميع مسلما كان أم كافرا!

أعان الله الأمير والحزب والأمة على القيام بهذه المهمات العظيمة والجليلة، وهي بحاجة إلى تشمير السواعد في البحث والاستنباط وتنزيل السنن والنواميس بشكل صحيح على الواقع!


[1] لرب سائل يقول: ألا يتناقض هذا مع الاقتصار على الأخذ بما نزل به الوحي؟ فنجيب: أما الخشية من الأخذ من الشرق أو الغرب والاستفادة من حركات التغيير العالمية، فعندنا الضوابط اللازمة للأخذ والترك، من خلال مقياس الحضارة والمدنية، والتفريق بين الطريقة وهي ثابتة لا تتغير، لا تؤخذ إلا من الوحي، وبين الوسائل والأساليب وهي مباحة، فالأخذ بتقنية الراديو واستعماله لإذاعة خطبة ليس إلا من الوسائل المباحة، واستعمال تقنيات وسائل الاتصال الإلكتروني أمر مباح من الأساليب المباحة للتخاطب، فلا تعارض، وهو من المدنية وليس من الحضارة، وقد تم التفريق بينهما بدقة، فالأشكال المدنية مثل الكمبيوتر والراديو والمواقع الإلكترونية هي من الأشكال المدنية التي لا تؤثر بالحضارة، وهي عالمية يجوز أخذها.

وكذلك السنن التاريخية التي تحكم حركة المجتمعات أمرنا الله تعالى بدراستها والاستفادة منها لأنها نواميس أودعها الله تعالى في الكون والإنسان والحياة والمجتمعات وأمرنا باستنباطها والأخذ بها، فسنة التدافع بين الحق والباطل سنة مجتمعية خالدة ذكرها الله تعالى في القرآن وبيَّن نواميسها وأسبابها وأمرنا بدراستها لنتفاعل معها على بينة! فهذا من هذا! وقد رأينا مجال هذا في الأعمال الجزئية الخادمة للأعمال الشرعية اللازمة للطريقة، مثل ما يتفرع عن حمل الدعوة من دعاية وإعلان مثلا، فالدعاية شكل مدني عام، سواء أكانت دعاية لمنتج يباع ويشترى، أم كانت دعاية لفكرة، فالدعاية أسلوب، ولها تقنيات لا تغير من طبيعة الفكرة، بل تدرس الآليات التي تحمل بها الفكرة، لتبلغ الطرف الآخر وتؤدي غرضها، وهذا يشبه الاستفادة في الخطابة من المذياع والكمبيوتر، فهما آلات ولا يغير في مضمون الرسالة شيئا!

ثم إن الحزب درس جميع الحركات الجماعية المحلية والعالمية وذكر ذلك في كتاب التكتل سنة 1953، وذكر كيفية استفادته من تجاربها عموما، فلا مانع مثلا من الاستفادة من تجربة الثورة البلشفية في مجال السنن والقوانين ما دامت من المباحات ولا تخالف الشرع، فالشرع أمر بإقامة حزب، ولم يفصل في قوانينه الإدارية، ولا في الشكل الأنجع الذي يضمن حسن تكتله، بل ترك ذلك للسنن التاريخية التي تحكم إقامة الأحزاب، فهي قوانين مجتمعية مدنية، مثل بناء البيوت على أسس ونوافذ وأبواب، فهي عالمية.

وأما ما يأتي من الغير فيما يخالف الشرع فنرفضه، فنحن مثلا لا نجيز وجود جناح مسلح كما تفعل باقي الحركات وخصوصا اليسارية لأنها تخالف طريقة الرسول r، ولكننا استفدنا منهم في كيفية التكتيل وكيفية تحول الحزب من كتلة حزبية إلى حزب متكامل، وكذلك استفدنا فكرة مبدئية الصراع والكفاح السياسي ضد الخصوم الفكريين والسياسيين، وكذلك نحن نقول بوجود سنن وقوانين تحكم سير التغيير للمجتمعات والدول، ولكننا نخالف الشيوعيين الذين يقولون بالحتمية التاريخية من حيث إن التاريخ تحكمه قوانين حركة التاريخ التي تجري جبرا عن الناس باتجاه تصاعدي نحو التطور والتقدم لإقامة المجتمع الرأسمالي ثم المرحلة الاشتراكية وانتهاء بالشيوعية، فنرى أن أفعال الناس وتصرفاتهم لها تأثير في سير حركة تغيير المجتمع وهي ليست حركة جبرية - كما يدعون - بل الإنسان فاعل فيها ومؤثر صعودا ونزولا حسب أفكار النهضة والانحطاط الفاعلة في المجتمع والدول، فهذا ما ينبغي فهمه هنا فلا يفتح الباب على أهواء من يريدون تغيير الطريقة وإدخال طرق مخالفة للشرع فيها مثل التغيير من خلال البرلمانات، أو التغيير من داخل الأنظمة، وهكذا، فهذه مخالفة للشرع، وليست من دائرة الأساليب المباحة! ولا تشبه المذياع والصحيفة كأدوات لنقل الفكرة! ولا يمكن أن يصح اجتهاد يقوم عليها بنسبة إلى الشرع صحيحة!

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني