إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج23 - أمثلة تطبيقية على السنن الإلهية والسنن التاريخية
إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج23 - أمثلة تطبيقية على السنن الإلهية والسنن التاريخية

سنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، فلها أسباب ينبغي القيام بها لاستحقاق تنزل النصر، فإن كان الاستنصار في شأن الحرب والقتال، فالأسباب تقتضي أنه حين يتوجب الجهاد يجب القتال والأخذ بعدته وأسبابه، ثم بعد الأخذ بالأسباب نستنصر الله تعالى، وندعوه، وقد رأينا أن سنة الله تعالى في النصر للمؤمنين لا تقتضي كثرة العدد والعدة، فقد أرسل الرسول rجيشا لمؤتة لا يعد شيئا أمام جيش العدو عدة وعددا، ورسول الله rخير من يأخذ بالأسباب ويعلمها على حقيقتها!

0:00 0:00
السرعة:
December 18, 2017

إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج23 - أمثلة تطبيقية على السنن الإلهية والسنن التاريخية

إقامة الدولة في ظل قانون السببية

للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

(الجزء الثالث والعشرون: أمثلة تطبيقية على السنن الإلهية والسنن التاريخية)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

أما السنن الإلهية، فعلى سبيل المثال:

﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾

سنة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]، فلها أسباب ينبغي القيام بها لاستحقاق تنزل النصر، فإن كان الاستنصار في شأن الحرب والقتال، فالأسباب تقتضي أنه حين يتوجب الجهاد يجب القتال والأخذ بعدته وأسبابه، ثم بعد الأخذ بالأسباب نستنصر الله تعالى، وندعوه، وقد رأينا أن سنة الله تعالى في النصر للمؤمنين لا تقتضي كثرة العدد والعدة، فقد أرسل الرسول rجيشا لمؤتة لا يعد شيئا أمام جيش العدو عدة وعددا، ورسول الله rخير من يأخذ بالأسباب ويعلمها على حقيقتها! ولكن الإعداد الحقيقي كان بمزج القوة المادية (حتى وإن قلّت) بالعقيدة وما فيها من طاقات فكرية قادرة على سحق القوة المادية عند العدو، والإعداد المادي والمالي، ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾ والأخذ بأسباب أخرى ستأتي بعد قليل بإذن الله، وقد تكررت هذه السنة كثيرا في بدر ولقاء طالوت وجالوت، وغيرها، وبالثبات والصبر، وحسن اتباع رأي القيادة، والثقة بوعد الله، والتقوى، ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ فهذه بعض دعائم وأسس سنة النصر في المعارك والتي لا بد منها لتحقق النصر (لاحظ في قصة طالوت أن الله تعالى ذكر أنه أوتي بسطة في العلم، وقد تجلت تلك في مواطن: أولا: اختبار الطاعة، ورفضه اصطحاب من شرب مخالفا عن أمره، فالعبرة ليست بالكم، ثم الثقة بالله والاستنصار به تجلت في ﴿كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، وفي قوله تعالى: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ﴾ والصبر والثبات تجلى في ﴿وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ﴿وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ والثبات في قوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ وقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ فهذه دعائم تستجلب السنة الإلهية بنصر المؤمنين!

قال الأستاذ بلال فتحي سليم في كتابه: النصر سببه الإعداد: "ورد في النشرة المؤرخة بتاريخ 10/1/1970م بذلك في قوله: (فحصول النصر بالفعل لا يمكن أن يتأتى إلا من الإعداد، فيكون حصول النصر سببه الإعداد، فكان من قبيل ربط الأسباب بالمسببات، وعلى ذلك فإن طلب المسلمين حصول النصر بالفعل دون أن يقوموا بالإعداد له مخالف للشرع ومخالف لقاعدة الأخذ بالأسباب، ومخالف لما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام ـ...)[1].

 فهو قد صرح بأن النصر لا يحصل بالفعل إلا من الإعداد، وصرح بأن طلب المسلمين حصول النصر بالفعل دون الإعداد له مخالف للشرع ومخالف لقاعدة الأخذ بالأسباب ومخالف لما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام. وقوله: (مخالف لقاعدة الأخذ بالأسباب) نص صريح على قصده الأسباب العقلية، وقوله: (مخالف لما كان عليه الرسول) يؤكد قوله في موضوع آخر من النشرات الفكرية: (وما روي عنه قط

أنه توسل [توصل] للنصر ولا في معركة من المعارك دون إعداد...) ص 96

دلت النصوص الشرعية القطعية على أن النصر من عند الله، وأنه هو الناصر للمؤمنين وغيرهم ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [آل عمران والأنفال]؛ والمشاهد المحسوس أن الإعداد سبب للنصر، ولا داعي للتمثيل بحروب ومعارك، لأن هذا هو الأغلب الأعم، ولكن ما بال النصر يحجب عمن أعدّ - وأظن هذا مختصاً بالمؤمنين دون غيرهم -؟!

والجواب عن ذلك الآيات التي اشترطت على المؤمنين شروطاً أخرى زائدة عن كونهم أعدّوا، قال تعالى: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾... ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَها نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ...﴾ [الصف: 11- 13]، فاشترطت الآية: أ - الإيمان بالله ب - الإيمان بالرسول جـ - الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس.

ولما كان فريقان كافران يقتتلان وينتصر أحدهما دون وجود أي من هذه الشروط دل ذلك على أن النصر الذي يعطيه الله للمؤمنين لا بد له من شروط وهي المذكورة أعلاه وغيرها كما سيظهر في آيات أخرى.

وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾، ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمنصور في الآيتين من اتصف بصفة الإيمان، وكذلك الرسل، واشترط الصبر أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.

واشترط سبحانه وتعالى نصرة الله أي نصرة المؤمنين لله حتى ينصرهم ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾، ومدح الله المؤمنين بأنهم ينصرون الله ورسوله في آية أخرى، واشترط سبحانه وتعالى التوكل، وهو مفهوم من غزوة حنين ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً﴾ [التوبة: 25]، فالإعجاب بالكثرة ينافي التوكل. فالنصر في أول غزوة حنين حجب عن المسلمين لأنهم أعجبوا بكثرتهم، والكثرة ليست دائماً سبب النصر وهذا سيبحث في بحث الإعداد إن شاء الله.

أما غير المؤمنين فلم يشترط عليهم سبحانه وتعالى هذه الشروط حتى ينصرهم، وبقيت السنة الكونية في حقهم كما هي: أن الأكثر إعداداً هو الأحق بالنصر (هي الإعداد)، وهذا هو الواقع المحسوس، أما نصر المؤمنين فإن الشرع زاد إلى الإعداد (الذي هو سبب) شروطاً اشترط وجودها حتى يوجد النصر لهم، وهي: الإيمان بالله ورسوله، والتوكل على الله، ونصرتهم لله والجهاد والصبر... والذي يوضح ذلك أكثر هو أن نصر المؤمنين يختلف عن نصر غيرهم من جهة أن إعدادهم في الغالب أقل من إعداد الكفار ومع ذلك ينتصر المؤمنون، مما يدل على أن نصر المؤمنين يختلف عن نصر الكفار، ولعله من هذا القبيل زيدت الشروط عليهم[2].

وأما إن كان النصر على صعيد إقامة الدولة وتمكين الدين ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ فبالتزام الحكم الشرعي، واجتياز اختبار الابتلاءات والمحن، والصبر على حمل الدعوة، واقتران الإيمان بالعمل، فاعتماد المسلم على وعد الله وعدم قيامه بالعمل، هو عصيان لله وليس نصرا له.

قال حزب التحرير في نشرة له: "أما الجانب العقائدي، فإننا نؤمن يقيناً أن الله ناصرنا وهذا الإيمان جزء لا يتجزأ من عقيدتنا، لقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إلا أن الجانب العقائدي ليس سوى دافع ذاتي ومعين لا ينضب لشحذ الهمم، وتقوية النفوس، فيندفع الشاب في العمل وهو موقن أن الله ناصره ومؤيده، يعمل ضمن قوانين ويربط الأسباب بالمسببات، غير متواكل على هذا الإيمان لأنه كما آمنا به تعالى وجب أن نؤمن بأن له قوانين تسير الحياة. فتسير تبعاً لقوانينه، ووفقاً لما أمرنا به.

يا شـباب الحـزب إن ما نعـانيـه أمـران:

- تقوية الفكرة في نفوسكم والعمل على إيجادها في الأمة بل وبناء الأمة على أساسها.

- تقوية الحزب.

أما الدولة فهي آتية لا محالة، طال الطريق أم قصر. وهي ليست بهمتكم، ولا عملكم المباشر. وإن كان عملكم يسهل إيجادها. أما عملكم المباشر فهو مقتصر على إيجاد الفكرة في الأمة وتقوية الحزب"[3]

وسنة التدافع والقذف بالحق دائما على الباطل ليدمغه فإذا هو زاهق، فليس بين الحق والباطل إلا الصراع، وغير المسلمين صراعهم مادي بحت وسلطانهم سلطان مادي في حين إن صراع الإسلام معهم صراع فكري أداته المادة وسلطانه سلطان قائم على الفكر، وهذا هو السبب في أن المسلمين كانوا دائما يكسبون الحروب ولو خسروا العديد من المعارك، وبالاستنصار بالله تعالى بعد نصره، والأخذ بالأسباب التي بينتها السنن الإلهية للتغيير من خلال سرد عمل الأنبياء في مجتمعاتهم في القرآن الكريم، ودراسة تلك السنن، وأما السنن التاريخية، فلأنه حين إقامة أي دولة، سواء الإسلامية أو غيرها فإنه لا بد أيضا من مراعاة سنن ونواميس تغيير الدول بتغيير المفاهيم والمقاييس والقناعات لدى مجموع الناس أولا، ثم أخذ أهل القوة بجانب فكرة التغيير.


[1] ص97 ملف النشرات الفكرية

[2] النصر سببه الإعداد لبلال فتحي سليم

[3] نشرة غير مؤرخة في مجموعة النشرات التكتلية

المزيد من القسم null

التفكير المستنير في مفاهيم حزب التحرير - 45

ــــــــــــــــــــ (45) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العمل المتعلق بالطريقة الذي يحقق نتائج مادية
محسوسة لا بد أن يسيّر بأوامر الله ونواهيه


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا نافعًا يا رب العالمين، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: سنكون معكم على مدار بضع وستين حلقة نعرض عليكم فيها "مفاهيم حزب التحرير" مِنْ خلال ما مَنَّ الله به علينا في السلسلة الصوتية التي أعددناها لهذه الغاية والتي سميناها: "التفكير المستنير بمفاهيم حزب التحرير". وإليكم أبرز المفاهيم الواردة في الحلقة الخامسة والأربعين.


1. من الأمثلة على الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام، وتحقق نتيجة محسوسة:
أ. الصلاة تعتبر من الفكرة، وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام النّاس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تاركَ الصلاة عقابًا ماديًا كالسجن مثلًا، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه.
ب. حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قبل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء. فلا يجوز أن تستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً ماديًا.
2. يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملًا مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه.
3. لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، ولا بد من الدعاء، ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.


ورد في كتيب "مفاهيم حزب التحرير" ما نصه: فمثلًا الصلاة تعتبر من الفكرة، وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام النّاس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تاركَ الصلاة عقابًا ماديًا كالسجن مثلاً، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه. ومثل ذلك أيضاً حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قبل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء. فلا يجوز أن تستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً مادياً، وهكذا جميع الأعمال. إلاّ أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملًا ماديًا له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى وكان في العمر بقية، وإلى أن نلقاكم ودائما نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام، وأن يعز الإسلام بنا، وأن يكرمنا بنصره، وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها. إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

45

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثالثة والثلاثون (الأخيرة)

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثالثة والثلاثون (الأخيرة)

الخاتمة:

كنا وإياكم أحبتنا الكرام على مدى اثنتين وثلاثين حلقة تناولنا فيها أسس وأهداف وبعض نواحي الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية منبثقة أحكامها ومبنية أفكارها على أساس العقيدة الإسلامية، وفي نفس الوقت عرضنا أمثلة من رعاية الأنظمة الرأسمالية والتي لطالما تغنت بإداراتها ونظامها الصحي والطبي وباكتشافاتها واختراعاتها وقدرتها على إدارة الأزمات والنكبات، عرضنا حقائق عن فسادوسوء أدائها وإدارتهافي القيام على صحة رعاياها وما يكتنفها من ضعف وتدهور، فليست النواحي الإنسانية ولا الصحية ضمن اهتمامات الرأسماليين،بل إن دول العالم أدارت أزمة كورونا من زاوية الرأسمالية العلمانية البحتة، واستغلوا الوباء لتمرير سياساتهم، وتضخيم ثرواتهم، فبحسبتقرير نشره معهد الدراسات السياسية الأمريكي، فإنه في فترة إجراءات العزل العام في الولايات المتحدة قفزت ثروات أغنى الأثرياء فيها بما يعادل نصف تريليون دولار، وبالمقابل تقدم 42.6 مليون عامل بطلبات للحصول على إعانات البطالة.

تبرز أهمية الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية وأثرها حين نتذكر من يفتقرون إلى أبسط مرافق المياهوالصرف الصحي، نتذكر من يموتون من الجوعى والمرضى، ومنيعيشون تحت ما يسمى بخط الفقرفيقضون الأيام والأشهر دون أن يجدوا ما يسكت جوعهم، هذا عدا عن من لا مأوى لهم وإن توفر المأوى فهو مؤقت وغير آمن ويفتقد إلى الخدمات الأساسية. نتذكر أن خمس سكان العالم يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الاعتيادية. نتذكر كل هذا ونتذكر أن الرأسمالية سلبت من أكثر البشر على الأرض أدنى مقومات الحياة، وأبدلتهم بها البؤس والشقاء بمفاهيمها.

لقد نظرت الدول الرأسمالية إلى المال لتكثيره، ولم تنظر إلى العيال لتأمين احتياجاتهم الأساسية من المأكل والملبس والمسكنوالتي لا يستطيعون الاستغناء عن أي واحدة منها، كما لم تنظر إلى حاجات المجتمع الأساسية منالأمن والصحة والتعليم، في حين نرى أن الإسلام ضمن تأمين حاجات الإنسان الأساسية وإشباعها إشباعا كاملا وجعل إشباعها حقا لكل إنسان يأخذه بوصفه حقا من حقوقه التي يجب أن يصل إليها. روى الإمام أحمد في مسنده عن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "كُلُّ شَيْءٍ سِوَى ظِلِّ بَيْتٍ وَجِلْفِ الْخُبْزِ وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَالْمَاءِ، فَمَا فَضَلَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ لابْنِ آدَمَ فِيهِ حَقٌّ».

وكذلك أوجب الإسلام على الدولة توفيرالصحة والتطبيب وما يلزم للاستشفاء والتداوي من عيادات ومستشفيات عملاً بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر. وقد استفضنا في هذه السلسلة في الحديث والشرح عن نظرة كل من الرأسمالية والإسلام نحو الرعاية الصحية، وكيفية التعامل مع الرعايا بحسبها.

ولا تنحصر رعاية المجتمع في المجال الصحي فقط، بل لا بد من أن يوفَر له التعليم اللازم في جميع أمور الحياة الدينية والدنيوية فلا حياة ولا تقدم وقيادة للعالم بدون العلم، ولأهمية التعليم، رأينا كيف أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل فداء الأسير من الكفّار تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وبدَلَ فدائِه من الغنائم، التي هي مِلك لجميع المسلمين... وكيف أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على إعطاء رزق المعلمين قدراً معيناً من بيت المال أجراً لهم.

أما ثالث حاجات المجتمع الأساسية الواجب على الدولة توفيرها للرعية فهي الأمن والأمان، وحتى تكون الدار دار إسلام يشترط أن تكون الدولة الإسلامية أمانها بيدها أي أمانها بأمان المسلمين، وهل تحافظالدولة على وجودها وقوتها إذا لم تستطع حفظ أمنها بنفسها!؟ ولهذا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أخبر المسلمين بدار هجرتهم ذكر الأمن أول ما ذكر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه في مكة فيما رواه ابن اسحق في سيرته: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَاناً وَدَاراً تَأْمَنُونَ بِهَا». كما أن الأنصار عندما استقبلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبه أبا بكر، قالوا لهما أول ما قالوا: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ».


وعليه فإنه يجب على الدولة أنتحسن الرعاية والقيام على مصالح الناس بما يصلحهاوتكون بمنزلة الولي من اليتيم،فتوفر الأمن والطب والتعليم للرعية جميعهم،لأن من تتوفر له،يكون كأنه حاز الدنيا بأكملها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

وشتان بين الثرى والثريا، فالرأسمالية مرض أصاب جسد الإنسانية فأسقمها وأنهك قواها، ولقد رأينا كيف أن دول العالم في ظل جائحة كورونا عاشت بين خوفين (الجوع والمرض) فالكافر يعيش لدنياه ولا مكان في ذهنه لما بعد الحياة الدنيا، ويعيش في تعالٍ على جميع الأمم والحضارات، لا يرى حضارة تليق بالبشر إلا حضارته السقيمة الفاسدة، التي هي من حرمت الناس حتى من أقل القليل من الحاجات الأساسية، فأورثتهم الخوف والجوع والمرض.

فيا من خُدِعتم بالرأسمالية البغيضة وسرتم في ركابها جبرا أو عن رضا واختيار، اعلموا أن النُظُم الرأسمالية لن تضمن لكم حياة كريمة ولن تقف معكم في الشدائد والمحن، وتاريخها أكبر دليل، وما رأيتموه وعايشتموه في خضم هذا الوباء هو عين اليقين. وإن دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا إن شاء الله هي المنقذ وهي العدل والنور والفلاح في الدنيا والآخرة، فإلى العمل لإقامتها ندعوكم، فهل من مجيب؟.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال 24].

جمع وإعداد: راضية عبد الله