إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج3 - السنن التاريخية والسببية بين جيلين
إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج3 - السنن التاريخية والسببية بين جيلين

ينبغي أن نعلم أن مفهوم السببية، والسُّنَنية من المفاهيم الأساسية عند المسلمين، ويجب أن يظل واضحاً لديهم لأن رسالتهم في الحياة رسالة عمل ويعيشون في الحياة من أجل غاية محددة. والسببية، والسنن من المفاهيم الإسلامية التي تتصل بسلوك المسلم اليومي، حيث إنه لا يتأتى له تحقيق عمل من أعماله اليومية دون مراعاة لهذه القاعدة، أي قاعدة السببية؛ وبالمثل تقع على الأمة الإسلامية طوامّ عظيمة إن لم تتنبه إلى السنن الكونية والإلهية، وتأخذها بالاعتبار.

0:00 0:00
السرعة:
November 28, 2017

إقامة الدولة في ظل قانون السببية - ج3 - السنن التاريخية والسببية بين جيلين

إقامة الدولة في ظل قانون السببية

للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

(الجزء الثالث: السنن التاريخية والسببية بين جيلين)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

ينبغي أن نعلم أن مفهوم السببية، والسُّنَنية من المفاهيم الأساسية عند المسلمين، ويجب أن يظل واضحاً لديهم لأن رسالتهم في الحياة رسالة عمل ويعيشون في الحياة من أجل غاية محددة. والسببية، والسنن من المفاهيم الإسلامية التي تتصل بسلوك المسلم اليومي، حيث إنه لا يتأتى له تحقيق عمل من أعماله اليومية دون مراعاة لهذه القاعدة، أي قاعدة السببية؛ وبالمثل تقع على الأمة الإسلامية طوامّ عظيمة إن لم تتنبه إلى السنن الكونية والإلهية، وتأخذها بالاعتبار.

وحين أدرك المسلمون الأوائل في عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن بعدهم من أجيال النهضة هذه المفاهيم، حين أدركوها إدراكاً تاماً وفهموها فهماً صحيحاً مبلوراً، ومارسوها مفهوماً في تصرفاتهم وسلوكهم حققوا أعمالاً أشبه بالمعجزات إذا قيست بوقتنا الحاضر، إذ حملوا الإسلام ونشروا دعوته وفتحوا الفتوحات في أرجاء الأرض، وأقاموا صرح أعظم حضارة عرفتها البشرية في أسرع وقت مرَّ بتاريخ أمة من الأمم، مع أن وسائل الاتصال والتنقل كانت الناقة والبعير على أحسن حال.

"قد يفسر الإنسان العادي أحداث التاريخ بوصفها كومة متراكمة من الأحداث، فقد يفسرها على أساس الصدفة تارة وعلى أساس القضاء والقدر[1] والقدرية الغيبية[2]، والاستسلام لأمر الله سبحانه وتعالى تارة، وكأنه ريشة في مهب الريح، ولكن القرآن الكريم قاوم هذه النظرة العفوية وقاوم هذه النظرة الاستسلامية ونَبَّهَ القرآنُ الكريمُ العقلَ البشري إلى أن لساحة أحداث التاريخ، ولحركة تغيير المجتمعات، وللتدافع بين الأمم سنناً ولها قوانينها، وأنها لا تسير خبط عشواء، وأنه لكي تستطيع أن تكون إنسانا فاعلا مؤثرا، ولكي تكون الأمة فاعلة مؤثرة، لا بد لنا أن نكتشف هذه السنن[3]، لا بد لنا أن نتعرف على هذه القوانين لكي نستطيع أن نتحكم فيها، وإلا تحكمت هي فينا ونحن مغمضو العينين"![4] فإدراكها إذن ليس من باب الترف الفكري!

وحين طرأت الغشاوات على المفاهيم الإسلامية وفقدت لمعانها في أذهان المسلمين المعاصرين وأجيالا ممن قبلهم رمت بهم إلى عصور الظلام والانحطاط، حين فقد مفهوم السببية وضوحه لديهم واختلط بمفهوم التوكل مفصولا عن الأخذ بالأسباب، وبمفهوم القدر والعلم الأزلي، وقعدوا عن تحقيق رسالتهم في الحياة، قعدوا عن العمل، بل قعدوا عن إزالة سيطرة الكفر وهم يلمسون وجوده وخطره على دمائهم وأموالهم ومقدساتهم وأعراضهم يومياً، وفي كل لحظة من لحظات حياتهم. وحين أهملت الأمة الأخذ بالسنن، وبالسببية، تخلفت الأمة الإسلامية عسكرياً وعملياً وفكرياً واقتصادياً وسياسياً وأصبحت نهباً بين دول الكفر تتقاسم ثرواتها وخيراتها وتسخر دماء المسلمين للمحافظة على هذه الثروات والخيرات؛ إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن من ترك إسلامها وتساهلها في إبعاده عن الحياة من قبل حكامها وتقليدها للغرب بل ولعشقها لأفكاره ومحاكاته في مظاهر الحياة وقشورها، فظلت الأمة ولا تزال تنحدر من السيئ إلى الأسوأ[5].

حين أغفلت الأمةُ الإسلاميةُ السُّنَنَ الناظمة لحركة التدافع بين الأمم، وغفلت عن مقومات قوتها، وأهملتها، انحطت من علياء خير أمة أخرجت للناس، وتردت إلى أن وقعت صريعة الاستعمار، وما زالت تحت نيره، وأضحت غثاء كغثاء السيل[6]!

وها هي تخطئ ثانية بأنها لا تأخذ بسنن التدافع ثانية وهي تحاول إزالة الاستعمار عن صدرها! وما لم تفهم السنن الثابتة في نهضة الأمم ورقيها، وتأخذ بها، فإنها ستبقى غثاء كغثاء السيل!

"فإزالة الدولة المستعمرة عن البلاد التي تستعمرها، لها قوانين ونواميس، ‎وهي أن تكون لدى من يعملون لإزالتها، القوة المادية التي تتغلب على قواها المادية، [أي على القوى المادية للمستعمر] والقوة الفكرية التي تمكنها من إدراك الأحابيل، وإدراك معنى القوة المادية[7]. [أي استغلال القوى الفكرية لفهم مواطن القوة المادية الكامنة في الأمة واستغلالها] فما لم توجد القوة الفكرية والقوة المادية لا يمكن إزالة الدولة المستعمرة؛ ‎وانتفاضات الأمم، مهما عظمت لا يمكن أن تزيل الاستعمار، ولو كان عدو الله!. [فالسنن لا تحابي أحدا] لذلك لا بد من معرفة قوانين ونواميس الله في التسلط والاستعمار"![8]

لقد حرص المستعمر على تفتيت الأمة حتى يستطيع التغلب على القوى المادية الهائلة الموجودة لدى الأمة الإسلامية، فكان من السهل عليه جعلها تابعة له! لقد عمل وفقا للسنن الكونية ونجح في استغلالها أيما نجاح!

وفي المقابل: حين تعرضت الأمة للهجمة الصليبية الشرسة، قام عماد الدين زنكي، ومن ثم ابنه نور الدين محمود، ومن ثم صلاح الدين الأيوبي بالعمل منذ 516هـ إلى تاريخ فتح بيت المقدس في 583هـ، أي حوالي 67 سنة من الإعداد والأخذ بأسباب ضم مصر للشام وتقوية الجيوش ومغالبة من لا يفقهون سنة التدافع من أمراء المدن وحكام القلاع، وتفكيك إماراتهم الصغيرة ومقاتلة أمرائها، أخذاً بأسباب القوة والوحدة، حتى استقام له المنسم وقام بحرب حطين ففتح بيت المقدس بعدها، ولم يقم عماد الدين ولا ابنه نور الدين، ولا صلاح الدين بالمواجهة الحاسمة إلا بعد أن أكملوا أسباب الاستعداد!

ينبغي على الأمة اليوم إذن أن تنتقل من أمة ردات الأفعال إلى أمة أفعالٍ مبنيةٍ على دراسةٍ مستفيضةٍ للسننِ التي ملأت جنبات القرآن والتاريخ!


[1] قال العلامة تقي الدين النبهاني رحمه الله: "مما لا شك فيه أن الغيبيات نوع من المخرج السهل من الضيق والأزمات، بدلا من تعميق التفكير في الأسباب والمسببات وهو الطريق الصحيح للخروج من الضيق والأزمات. ولقد مرت الأمة الإسلامية في فترات صعبة كثيرة. وكانت تخرج من الضيق والأزمات بالتفكير المستنير لاجتياز تلك الأزمات. بمعرفة الأسباب والمسببات، ‎وبالتالي التفكير في الأسباب والمسببات... والثغرة التي يدخل منها اللجوء إلى الغيبيات لدى المسلمين هي الإيمان بالقضاء والقدر، واليقين بأن الله هو الذي يخلق كل شيء، ويفعل كل شيء فكان المخرج السهل أن يتكل المرء على القدر. ذلك أن "الأمر مُقّدَّرٌ"، وأن الله هو الفعال، فلتكن مشيئة الله، وليكن ما أراده الله. هكذا بكل بساطة، يجري القعود عن التفكير بالأسباب والمسببات ويستسلم للأقدار!... والحقيقة هي أن الله كما قال ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَـكِنَّ اللّهَ رَمَى﴾ قد قال ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [التوبة: 41]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ قَاتِلُواْ الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ 123 التوبة، ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: 191]، وكما قال: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [الأنفال: 63]، قد قال ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: 103]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾. [الصف: 4]، ‎والحقيقة كذلك هي أن الله أراد بنا أشياء وأراد منا أشياء، فما أراده بنا طواه عنا وما أراده منا أمرنا به، فنحن لم نطلع على قدر الله لأنه مطوي عنا، ‎فلا نعلمه ولا يمكن أن نعلمه، وأما ما أراده منا فقد أمرنا بالقيام به،... فالله تعالى، قد خلق الوجود، وخلق له قوانين، وخلق الناس وخلق لعيشهم قوانين. وأمرهم بأوامر ونهاهم عن نواه، فيجب أن لا يخلطوا ما أمرهم بالإيمان به من الأمور، بما أمرهم بالقيام به من الأعمال، فهذا الخلط هو الذي يسبب الغيبية ويُتَّخَذُ تَكُئَةً للجوء إليها. فهو لم يأمرهم بالعمل على أنه قادر على خرق القوانين والنواميس، وإنما أمرهم بالإيمان بأنه قادر على كل شيء، وأمرهم بالعمل وفق هذه القوانين والنواميس...، لذلك يجب التفريق بين ما يجب الإيمان به وما يجب العمل فيه. وما لم يحصل هذا التفريق ويُتَّقى الخلط فإنه ستظل الغيبيات تتسرب إلى النفوس، وستظل الناس تتخذ الغيبيات تكئة للخروج إلى الأسهل الأهون في الضيق والأزمات، ‎ولا سيما في الفترات الصعبة من الحياة". جواب سؤال عن الغيبيات والأسباب والمسببات 1974 تقي الدين النبهاني

[2] فبدلا من العمل على إيجاد الإسلام في معترك الحياة، واستئناف الحياة الإسلامية وإقامة الدولة، قعد من قعد بانتظار المهدي!

[3] لقد برزت هذه النظرة الصحيحة لمفهوم السنن والسببية في مواطن كثيرة في حياة الرسول rوالصحابة الكرام، خصوصا في باب الانتقال من التواكل إلى حقيقة التوكل والأخذ بالأسباب، وأنه rكان يعد للقاء العدو عدة من لا يعتمد إلا على هذه الأسباب، ومن ثم بعد أن يأخذ بالأسباب يتكل عليه وكأن العدة التي أعدها وهذه الأسباب ليست بشيء، ولم يكن rيقعد عن الجهاد مثلا ويكتفي بالدعاء حين يكون عليه أن يجاهد، وقد قام ابن خلدون بمحاولة لدراسة التاريخ وكشف سننه وقوانينه، ثم بعد ذلك بأربعة قرون اتجه الفكر الأوروبي في بدايات ما يسمى بعصر النهضة هذا الاتجاه، ولكي يجسد هذا المفهوم، بدأ بأبحاث متنوعة ومختلفة حول فهم التاريخ وفهم سنن التاريخ، ونشأت على هذا الأساس اتجاهات مثالية ومادية ومتوسطة ومدارس متعددة، كل واحدة منها تحاول أن تحدد نواميس التاريخ. وقد تكون المادية التاريخية أشهر هذه المدارس وأوسعها تغلغلا وأكثرها تأثيرا.

[4] الشهيد محمد باقر الصدر، بتصرف كبير.

[5] أبحاث إسلامية، السببية، مجلة الوعي العدد 18، 19، 20، 21، 151

[6] روى ثوبان مولى رسول الله rقال: قال رسول الله r: «يوشك أن تداعى عليكم الأمم من كل أفق كما تداعى الأكلة على قصعتها. قال: قلنا: يا رسول الله، أمن قلة بنا يومئذ؟ قال: أنتم يومئذ كثير ولكن تكونون غثاء كغثاء السيل ينتزع المهابة من قلوب عدوكم ويجعل في قلوبكم الوهن. قال: قلنا: وما الوهن؟ قال: حب الحياة وكراهية الموت،» رواه الإمام أحمد في المسند وإسناده حسن، وروى الإمام أحمد في مسنده: عن أبي هُرَيْرَةَ قال سمعت رَسُولَ اللَّهِ rيقول لِثَوْبَانَ »كَيْفَ أنت يا ثَوْبَانُ إِذْ تَدَاعَتْ عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَتَدَاعِيكُمْ على قَصْعَةِ الطَّعَامِ يُصِيبُونَ منه؟» قال ثَوْبَانُ: بأبي وأمي يا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا؟ قال: »لاَ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنْ يُلْقَى في قُلُوبِكُمُ الْوَهَنُ» قالوا: وما الْوَهَنُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: »حُبُّكُمُ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَتُكُمُ الْقِتَالَ».

إن هذا الحديث يعلمنا سنة كونية من سنن الله تعالى في تدافع الأمم: أن الأمم في تصارعها على المصالح إنما هي كالسيل، فمن كان أصل السيل ومادته كان إما رحمة للناس بما يحمله من هدى الإسلام، فجرى مجرى طيبا، فأنبت الزرع ودر الضرع، ورفع الظلم وأقر العدل، وإما أن يكون سيلا جارفا لا تحركه إلا الأطماع والشهوات، وتكون الأمم الضعيفة فيه كالغثاء والزبد والرغوة، لا أثر لها في مجرى السيل، فتسير معه على غير هدى، ويجرفها ويلقي بها على الأحجار الناتئة، والأشواك القاتلة، ويفرقها شذر مذر، ولا مهابة ولا شيء إلا الإبادة! فتأمل أهمية دراسة السنن حتى نتحكم بها لا أن تتحكم بنا!

[7] هناك قوة مادية هائلة كامنة في الأمة الإسلامية سنبينها في باب لاحق بعنوان: (العنصر الثاني: الأمة الإسلامية، العنصر البشري، الثروات، البعد الجغرافي، الموقع الاستراتيجي، الترابط الحضاري)، وبعنوان (العنصر الثالث: هو القوة المادية المتمثلة بالجيوش، وكذلك من القوة المادية): الثروات الاستراتيجية التي يمكن من خلالها الضغط وإخضاع الأمم الأخرى، فليس المقصود إذن فقط تكنولوجيا الحرب والأسلحة، فمن القوة الفكرية إدراك واستعمال مكامن القوة المادية المختلفة في الأمة، والأهم: العمل المنظم المفضي إلى استثمار هذه القوى الكامنة وتسخيرها لقضايا الأمة بدلا من الاستعجال إلى ردات الأفعال قبل التهيؤ الكامل للمواجهة بما تقتضيه من تحضير.

[8] جواب سؤال عن الغيبيات والأسباب والمسببات 1974 تقي الدين النبهاني. بتصرف يسير ما بين الأقواس شرحا.

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني