إقامة الدولة في ظل قانون السببية للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك
إقامة الدولة في ظل قانون السببية للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

غني عن القول بأن منهجية الرسول عليه الصلاة والسلام في التغيير علاوة على توافقها مع السنن الإلهية في التغيير (أي التزام الحكم الشرعي والثبات عليه، والنجاح في الصبر على الابتلاءات الشديدة، وحسن الثقة بموعود الله)، مما يفضي إلى تنزل نصر الله، فإنها أيضا تتوافق مع السنن الكونية في التغيير، أي أنها تتعامل مع واقع المجتمع والدولة والإنسان تعاملا يأخذ بعين الاعتبار العناصر المكونة للمجتمع، وللدولة، ومقومات الإنسان...

0:00 0:00
السرعة:
December 13, 2017

إقامة الدولة في ظل قانون السببية للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

إقامة الدولة في ظل قانون السببية

للكاتب والمفكر ثائر سلامة - أبو مالك

(الجزء الثامن عشر: توافق طريقة الرسول عليه الصلاة والسلام في التغيير مع السنن المجتمعية)

للرجوع لصفحة الفهرس اضغط هنا

غني عن القول بأن منهجية الرسول عليه الصلاة والسلام في التغيير علاوة على توافقها مع السنن الإلهية في التغيير (أي التزام الحكم الشرعي والثبات عليه، والنجاح في الصبر على الابتلاءات الشديدة، وحسن الثقة بموعود الله)، مما يفضي إلى تنزل نصر الله، فإنها أيضا تتوافق مع السنن الكونية في التغيير، أي أنها تتعامل مع واقع المجتمع والدولة والإنسان تعاملا يأخذ بعين الاعتبار العناصر المكونة للمجتمع، وللدولة، ومقومات الإنسان.

ويلج إلى عملية التغيير هذه عبر استغلال كل عنصر من هذه العناصر والمقومات بالشكل الذي يفضي إلى إحداث التغيير، فيتقصد مواطن القوة المادية والمعنوية، ويستثمرها، ويتقصد أسس النظام الفاسد فيهدمه، ويضع البديل موضعه، وكل هذا كما سبق وبيناه بالتفصيل في فصول هذا الكتاب (التثقيف المركز والجماعي، والصراع الفكري، والكفاح السياسي، والكشف، وتبني مصالح الأمة، وصناعة الرأي العام، وصهر الأمة مع عقيدتها، وأخذ قيادتها، وكشف مخططات العدو، وطلب النصرة من قادة الكيان المجتمعي، وطلب النصرة من قادة الكيان التنفيذي، وإعداد الأنظمة والدستور... الخ، بكل التفاصيل التي بيناها سابقا).

لذلك فحين قفزت الثورات العربية عن سنة التغيير هذه، ولم تأخذها بعين الاعتبار نتجت الحروب الأهلية، وسادت الفوضى.

وحين قفزت حركة النهضة في تونس مثلا إلى سدة الحكم تفاجأت بأنها لم تعد للأمر عدته، وأنها غير قادرة على نقل المجتمع والدولة النقلة الصحيحة نحو التغيير المرجو، فنكصت على عقبيها، ومشت في عرى النظام القديم وأضحت جزءا منه بدلا من تغييره.

وهكذا، فإن سر النجاح في إحداث التغيير المرجو هو حسن التعامل مع السنن الكونية والسنن الإلهية في عملية التغيير والتي بينها الكتاب والسنة النبوية المشرفة، والتي بدورنا في حزب التحرير قمنا باستنباطها والتعامل معها كما بيناه في هذا الكتاب وفصلناه.

لذلك فلا بد للأمة أن تأخذ عملية التغيير والمواجهة مع الكفار مأخذ الجد فتستوفي الإعداد والأسباب حقها.

لذلك كان لزاما أن نستعرض أولا:

ما هي مواطن القوة في الأمة والتي ينبغي معرفتها، ثم معرفة كيفية استثمارها لتنتصر بها الأمة في هذه المواجهة المصيرية مع الغرب والشرق اللذين يرفضان نهضة الأمة وقيام دولتها؟

لنستعرض هذه الأمور:

المزيد من القسم null

التفكير المستنير في مفاهيم حزب التحرير - 45

ــــــــــــــــــــ (45) ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


العمل المتعلق بالطريقة الذي يحقق نتائج مادية
محسوسة لا بد أن يسيّر بأوامر الله ونواهيه


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا نافعًا يا رب العالمين، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أما بعد: سنكون معكم على مدار بضع وستين حلقة نعرض عليكم فيها "مفاهيم حزب التحرير" مِنْ خلال ما مَنَّ الله به علينا في السلسلة الصوتية التي أعددناها لهذه الغاية والتي سميناها: "التفكير المستنير بمفاهيم حزب التحرير". وإليكم أبرز المفاهيم الواردة في الحلقة الخامسة والأربعين.


1. من الأمثلة على الأعمال التي يراد بها تنفيذ فكرة الإسلام، وتحقق نتيجة محسوسة:
أ. الصلاة تعتبر من الفكرة، وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام النّاس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تاركَ الصلاة عقابًا ماديًا كالسجن مثلًا، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه.
ب. حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قبل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء. فلا يجوز أن تستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً ماديًا.
2. يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملًا مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه.
3. لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، ولا بد من الدعاء، ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.


ورد في كتيب "مفاهيم حزب التحرير" ما نصه: فمثلًا الصلاة تعتبر من الفكرة، وطريقة تنفيذها هي الدولة، فلا يجوز أن تتخذ الدولة التعليم والتوجيه فحسب طريقة لقيام النّاس بالصلاة، بل يجب أن تعاقِب تاركَ الصلاة عقابًا ماديًا كالسجن مثلاً، وإن كانت تقوم بالتعليم والتوجيه. ومثل ذلك أيضاً حمل الدعوة الإسلامية فإنه فكرة، وطريقة تنفيذها من قبل الدولة الجهاد أي قتال الأعداء. فلا يجوز أن تستعمل قراءة صحيح البخاري في إزالة الحواجز المادية من أمامها، بل لا بد أن تستعمل الجهاد وهو قتال الأعداء قتالاً مادياً، وهكذا جميع الأعمال. إلاّ أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملًا ماديًا له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال.


مستمعينا الكرام مستمعي إذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير:


نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، موعدنا معكم في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى وكان في العمر بقية، وإلى أن نلقاكم ودائما نترككم في عناية الله وحفظه وأمنه، سائلين المولى تبارك وتعالى أن يعزنا بالإسلام، وأن يعز الإسلام بنا، وأن يكرمنا بنصره، وأن يقر أعيننا بقيام دولة الخلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وأن يجعلنا من جنودها وشهودها وشهدائها. إنه ولي ذلك والقادر عليه. نشكركم على حسن استماعكم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

45

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثالثة والثلاثون (الأخيرة)

الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية – الحلقة الثالثة والثلاثون (الأخيرة)

الخاتمة:

كنا وإياكم أحبتنا الكرام على مدى اثنتين وثلاثين حلقة تناولنا فيها أسس وأهداف وبعض نواحي الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية منبثقة أحكامها ومبنية أفكارها على أساس العقيدة الإسلامية، وفي نفس الوقت عرضنا أمثلة من رعاية الأنظمة الرأسمالية والتي لطالما تغنت بإداراتها ونظامها الصحي والطبي وباكتشافاتها واختراعاتها وقدرتها على إدارة الأزمات والنكبات، عرضنا حقائق عن فسادوسوء أدائها وإدارتهافي القيام على صحة رعاياها وما يكتنفها من ضعف وتدهور، فليست النواحي الإنسانية ولا الصحية ضمن اهتمامات الرأسماليين،بل إن دول العالم أدارت أزمة كورونا من زاوية الرأسمالية العلمانية البحتة، واستغلوا الوباء لتمرير سياساتهم، وتضخيم ثرواتهم، فبحسبتقرير نشره معهد الدراسات السياسية الأمريكي، فإنه في فترة إجراءات العزل العام في الولايات المتحدة قفزت ثروات أغنى الأثرياء فيها بما يعادل نصف تريليون دولار، وبالمقابل تقدم 42.6 مليون عامل بطلبات للحصول على إعانات البطالة.

تبرز أهمية الرعاية الصحية في الدولة الإسلامية وأثرها حين نتذكر من يفتقرون إلى أبسط مرافق المياهوالصرف الصحي، نتذكر من يموتون من الجوعى والمرضى، ومنيعيشون تحت ما يسمى بخط الفقرفيقضون الأيام والأشهر دون أن يجدوا ما يسكت جوعهم، هذا عدا عن من لا مأوى لهم وإن توفر المأوى فهو مؤقت وغير آمن ويفتقد إلى الخدمات الأساسية. نتذكر أن خمس سكان العالم يفتقرون لأبسط الخدمات الصحية الاعتيادية. نتذكر كل هذا ونتذكر أن الرأسمالية سلبت من أكثر البشر على الأرض أدنى مقومات الحياة، وأبدلتهم بها البؤس والشقاء بمفاهيمها.

لقد نظرت الدول الرأسمالية إلى المال لتكثيره، ولم تنظر إلى العيال لتأمين احتياجاتهم الأساسية من المأكل والملبس والمسكنوالتي لا يستطيعون الاستغناء عن أي واحدة منها، كما لم تنظر إلى حاجات المجتمع الأساسية منالأمن والصحة والتعليم، في حين نرى أن الإسلام ضمن تأمين حاجات الإنسان الأساسية وإشباعها إشباعا كاملا وجعل إشباعها حقا لكل إنسان يأخذه بوصفه حقا من حقوقه التي يجب أن يصل إليها. روى الإمام أحمد في مسنده عن عثمان بن عفان (رضي الله عنه) أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: "كُلُّ شَيْءٍ سِوَى ظِلِّ بَيْتٍ وَجِلْفِ الْخُبْزِ وَثَوْبٍ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَالْمَاءِ، فَمَا فَضَلَ عَنْ هَذَا فَلَيْسَ لابْنِ آدَمَ فِيهِ حَقٌّ».

وكذلك أوجب الإسلام على الدولة توفيرالصحة والتطبيب وما يلزم للاستشفاء والتداوي من عيادات ومستشفيات عملاً بقول الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم): «الإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر. وقد استفضنا في هذه السلسلة في الحديث والشرح عن نظرة كل من الرأسمالية والإسلام نحو الرعاية الصحية، وكيفية التعامل مع الرعايا بحسبها.

ولا تنحصر رعاية المجتمع في المجال الصحي فقط، بل لا بد من أن يوفَر له التعليم اللازم في جميع أمور الحياة الدينية والدنيوية فلا حياة ولا تقدم وقيادة للعالم بدون العلم، ولأهمية التعليم، رأينا كيف أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) جعل فداء الأسير من الكفّار تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وبدَلَ فدائِه من الغنائم، التي هي مِلك لجميع المسلمين... وكيف أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعوا على إعطاء رزق المعلمين قدراً معيناً من بيت المال أجراً لهم.

أما ثالث حاجات المجتمع الأساسية الواجب على الدولة توفيرها للرعية فهي الأمن والأمان، وحتى تكون الدار دار إسلام يشترط أن تكون الدولة الإسلامية أمانها بيدها أي أمانها بأمان المسلمين، وهل تحافظالدولة على وجودها وقوتها إذا لم تستطع حفظ أمنها بنفسها!؟ ولهذا فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندما أخبر المسلمين بدار هجرتهم ذكر الأمن أول ما ذكر، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) لأصحابه في مكة فيما رواه ابن اسحق في سيرته: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَاناً وَدَاراً تَأْمَنُونَ بِهَا». كما أن الأنصار عندما استقبلوا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وصاحبه أبا بكر، قالوا لهما أول ما قالوا: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ».


وعليه فإنه يجب على الدولة أنتحسن الرعاية والقيام على مصالح الناس بما يصلحهاوتكون بمنزلة الولي من اليتيم،فتوفر الأمن والطب والتعليم للرعية جميعهم،لأن من تتوفر له،يكون كأنه حاز الدنيا بأكملها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا».

وشتان بين الثرى والثريا، فالرأسمالية مرض أصاب جسد الإنسانية فأسقمها وأنهك قواها، ولقد رأينا كيف أن دول العالم في ظل جائحة كورونا عاشت بين خوفين (الجوع والمرض) فالكافر يعيش لدنياه ولا مكان في ذهنه لما بعد الحياة الدنيا، ويعيش في تعالٍ على جميع الأمم والحضارات، لا يرى حضارة تليق بالبشر إلا حضارته السقيمة الفاسدة، التي هي من حرمت الناس حتى من أقل القليل من الحاجات الأساسية، فأورثتهم الخوف والجوع والمرض.

فيا من خُدِعتم بالرأسمالية البغيضة وسرتم في ركابها جبرا أو عن رضا واختيار، اعلموا أن النُظُم الرأسمالية لن تضمن لكم حياة كريمة ولن تقف معكم في الشدائد والمحن، وتاريخها أكبر دليل، وما رأيتموه وعايشتموه في خضم هذا الوباء هو عين اليقين. وإن دولة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة القائمة قريبا إن شاء الله هي المنقذ وهي العدل والنور والفلاح في الدنيا والآخرة، فإلى العمل لإقامتها ندعوكم، فهل من مجيب؟.

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال 24].

جمع وإعداد: راضية عبد الله