إرادة شعب تويتر والفيس بوك!!
June 10, 2015

إرادة شعب تويتر والفيس بوك!!

إرادة شعب تويتر والفيس بوك!!

عالم من التغريدات والنقاشات وتداول صاخب للأخبار.. لقد أصبح الفيس بوك ملاذ الباحثين عن التواصل البعيد عن القيود والالتزامات، كما أصبح تويتر بيت المفكرين ومصنعاً للحدث يصل الهاشتاق (الوسم) لنشرات الأخبار وتشرع برامج متلفزة وأبواب في الصحف المهمة لمواكبة أخباره وأحوال رواده. إنه عالم الإعلام البديل حيث يغرد الناس في كل شاردة وواردة ويتسابق النشطاء لصنع الرأي وتحريك الشارع. أصبح الإعلام البديل أكثر من وسيلة تواصل حتى إن البعض يصدق أن هذه التغريدات والبوستات كفيلة بأن تسقط الوزراء وترفع من شأن من لا شأن له وتغيّر حسابات السياسيين. وبين فترة وفترة يذكر الرواد أمجاده ويقولون "يحيا شعب تويتر" ويا لها من ثورة بدأت بصفحة "إفنت" على الفيس بوك. من جهة يتنافس الجميع على استقطاب المؤيدين ومن جهة أخرى فالويل كل الويل لمن غضبت عليه الشعوب المتمركزة حول لوحات المفاتيح والهواتف الذكية وتحدّى إرادتها وعزيمتها التي لا تقهر! يدخل أحدهم تويتر والفيس بوك كإنسان عادي ويخرج منهما بعد حل مشاكل العالم ووضع أسس لإعادة صياغة المجتمعات ثم يعود لحياته العادية وروتينه اليومي ثم يعيد الكرة في اليوم التالي.


إنه منبر من لا منبر له وملاذ الذين سئموا خبث ورتابة وتضليل الإعلام التابع، أصبح الإعلام البديل وسيلة إعلامية لا يستهان بها وقوة سياسية يحسب لها الحسبان. نعم الإعلام البديل وسيلة مهمة ومنبر رأي أثبت فعاليته ولكن الأمر يأخذ منحى آخر عندما يظن البعض أن هذه القوة الإعلامية كافية لتحريك الشارع وتغيير الواقع فيفصلون بين وسائل التواصل والتبليغ وبين السياسة التي جُعلت في الأصل لرعاية الشؤون وتغيير واقع العباد ،ويحمّلون بذلك الوسائل أكثر مما تحتمل، وكيف نحمل الوسائل عبء التغيير ونعول عليها ونحن لا نحمل القطارات مسؤولية سياسة المواصلات ولا نعول على الدبابات في السياسات الحربية؟!


لقد علا صوت الهمسات التي تحذر الناس من السياسة أو تسييس قضاياهم وتصّر على أهمية المحافظة على استقلالية شعب تويتر والفيس بوك وتدق أجراس الخطر من اقتراب أهل السياسة. يستشهدون بخيانات السياسيين للنشطاء تارة ويحرفون الكلم تارة أخرى فيصّورون أهل السياسة على أنهم إذا دخلوا في أمر أفسدوه وتسلطوا عليه وحرفوا مساره.. يذمون السياسة والسياسيين بشكل شمولي دون تمييز بين أشياع النظام ومن يعمل لتغيير ذلك النظام، دون تفريق بين المكيافيليين الذين يتسلقون فوق الثورات ويلتفون عليها وبين العاملين لتحقيق التغيير الجذري. يذمون في السياسة والسياسيين بينما يتلبسون بأعمال سياسية ويعملون لأهداف سياسية!


باتت شعارات لا لتسييس القضية أعلى من شعارات القضية نفسها مما يطرح تساؤلات على جدية البحث ووضوح الرؤية. تتكرر الأحداث والشعارات وكأننا نعيش إعادة مواقف عشناها بالأمس وكأن الناس لا يتعظون من أخطاء غيرهم بل من أخطائهم أنفسهم في الماضي القريب. أترانا نسينا أنه لم يبق من ثورة 25 يناير سوى الاسم بعد أن التف عليها أعوان النظام السابق وتمكنت قوى الثورة المضادة من إعادة تشكيل نفسها بسرعة فائقة؟ انتقل الشارع المصري من ثورة حية تجوب شوارع وميادين مصر في مشهد وصل للذروة يوم 28 يناير حين خرج 20 مليون شخص ليعلنوا أن الأمر عاد للأمة وهي التي تملك سلطانها وستولي الأمر لمن تختاره. وسرعان ما تحول هذا المشهد المهيب إلى مزايدات ومذابح ومحاكمات عبثية ومسرحيات هزلية.. الخلل لم يكن في خروج الناس بل في عدم اتفاقهم على خطوط عريضة وأسس واضحة، خرجوا سويا كتفا بكتف ثم ما لبثت أن تفرقت بهم السبل وتحول الثوار لأعداء والرفاق لفرقاء وتبددت الثورة من بين أيديهم على عيون الأشهاد.


افتقرت إرادة التغيير لرؤية حصيفة لما بعد التغيير وخلا المشهد من رأي عام قائم على وعي ودراية يجمع الناس ويوحد صفهم فعلت وتيرة الخصومات والنقاشات الحادة في صفحات الإعلام البديل. تجمعت الجموع دون قيادة فتشتتت بها السبل وافتقرت طلائعها للوعي ووحدة الهدف فسهل تحريف المسار ووجدت الجموع نفسها في خنادق متقابلة توجه سهامها لرفقاء الأمس وتصب عليهم جام غضبها. وتحولت نبرات التشكيك العالية ودعوات الإصرار على الاستقلالية والبعد عن السياسة لسياسة ممنهجة تتهكم على الواقع وتستقطب المتفرجين في صمت ثم ما لبث وتحول هذا الصمت لطابور طويل من هواة الاستقرار في القاع يهتفون عاش الملك ولا للتغيير.. انقلبت الآية فتحول التشكيك في كل السياسيين إلى ترسيخ لحكم الطغاة.


أيعقل أن يخّون أهل الثكنة الواحدة طلائع المحاربين أو أن يدفع بهم الشك والتشكيك للاستغناء عن الاستطلاع وكشف حال الخصم.. أيعقل أن يكون الناس فوضى لا سراة لهم أو أن يسيروا أفراداً لا هداة لهم خوفاً من الفساد العام المستشري أو خشية ركوب البعض فوق أكتاف النشطاء؟! أتجمعهم قضية آنية بينما تفرقهم كل القضايا الأخرى وتتجاذبهم التيارات من أجل تمجيد استقلال حملات تحظى بتأييد أطياف الشعب وتتفادى طَرْقَ أي أمر آخر كي لا يختلف الناس وينفضوا من حولها. إنهم يقفون في صف واحد ولكن إذا اقتربت الصورة تجدهم في خطوط متوازية لا تلتقي، تجمعهم حملة واحدة ويفرقهم التباين في الأسس والمرجعيات الفكرية. أيعقل أن يُحرف الناس عن السير في الطريق الصحيح وتُعطَّلَ آليات التغيير المنهجي المبدئي من أجل الحفاظ على وحدة شكلية مؤقتة لم يحدد مسارها؟! إن هذا التعنت في رفض تسييس القضايا هو رفض للتغيير المنهجي والمراجعة الكلية للواقع والتشكيك في العاملين للتغيير دون النظر في منهجية بحثهم لا يحمي حملات النشطاء ولا يضمن استقلالهم بل هو الذي سيمكن الطغاة من الإفساد في الأرض والتمادي في غيهم وسلب حقوق الناس. إنهم يحذرون ليلاً نهاراً من فساد كل السياسيين، وهم بذلك (بقصد أو بدون قصد) يشقون الصف ويحبطون الناس وييئسونهم ويعينون المستبد على إحكام سيطرته والإمعان في غيه.


ليست السياسة فاسدة في ذاتها، ولا يعقل أن يتم وصف كل السياسيين بأنهم فاسدون، ولا يصح أن نخلط بين النظرة المكيافيلية للسياسة التي يستغل فيها الفاسدون مناصبهم والنظرة الصحيحة التي تنظر للسياسة على أنها رعاية شؤون البشر ولا غنى للناس عنها في تسيير أمور حياتهم. هذه النظرة للسياسة ترى أن الدعوة للانفصال عن السياسة ليست إلا انفصالاً عن الواقع وتعامياً عن دور السياسة في التعليم والصحة والإعلام وكافة مرافق الحياة؛ بداية من مالية الدولة ووصولا لجمع النفايات وترصيف الطرق. لم يهمش الإسلام السياسة بل أعلى شأنها وأشار إليها بأنها عمل الأنبياء ومسؤولية وأمانة يحاسب عليها الله عز وجل، يقول الرسول ﷺ: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون» قالوا فما تأمرنا قال: «فوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم».


ختاما نقول: إن التغيير الحقيقي لا يستغني عن طلائعه المخلصة الواعية على الفكرة التي تجمع الشعوب وتلملم شعث الأمة على رؤية وبصيرة وتوحد فرقتها، إن الأمة الساعية للتغيير الجذري والجادة في هذا السعي لا تستغني عن الحزب السياسي المبدئي الذي هو بحق الرائد الذي لا يكذب أهله ولا تسمح لأحد بتهميش دور السياسيين المخلصين وتسلق الثورات بدعوى حمايتها. هذا الرائد الذي لا يكذب أهله لا يمتهن السياسة من أجل السياسة ولا يسعى للحكم من أجل الحكم بل يعمل لإقامة شرع الله فالحكم ليس غاية في حد ذاته بل وسيلة لما هو أكبر وأعظم وهو تحقيق العبودية لله عبر تطبيق شرعه.


كتبته لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
هدى محمد - أم يحيى

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني