إذا كنت مسلما حائر الفكر ولا تقبل أن تكون مسلماً بالوراثة فقط فأهلاً بك وسهلاً في رحاب مشروع حزب التحرير لنهضة الإسلام والمسلمين
May 31, 2015

إذا كنت مسلما حائر الفكر ولا تقبل أن تكون مسلماً بالوراثة فقط فأهلاً بك وسهلاً في رحاب مشروع حزب التحرير لنهضة الإسلام والمسلمين

الإسلام بالوراثة

إذا كنت مسلما حائر الفكر ولا تقبل أن تكون مسلماً بالوراثة فقط فأهلاً بك وسهلاً في رحاب مشروع حزب التحرير لنهضة الإسلام والمسلمين

في ريعان الشباب وفي مدينة من مدن الحجاز التي يحج إليها المسلمون من كل فج عميق وجدت نفسي ضيفا على جلسة لشباب أغلبهم من خريجي جامعة دمشق وأحدهم من بيروت وآخر على وشك التخرج من الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، أما أنا فكنت لا أزال أتمتع بشرف حمل الشهادة الثانوية، وفي ذلك الوقت لم أكن أُميز بين الشيوعية والشيعة، أو اليمين واليسار رغم سماعي بهم، فلم يتبلور لدي حتى ذلك الوقت مفهوم عن تلك التيارات الفكرية والسياسية الموجودة على الساحة ولم يكن لدي فكرة عن حزب التحرير سوى اسمه، ولا أدري حتى كيف وصلني هذا الاسم، لا بل إنني لم أكن أعرف أو أتخيل أبداً أن حزب التحرير هو حزب إسلامي، وكل ما أعرفه عنه أنه حزب سياسي فقط ومناكف للملك حسين ليس إلا.


وفي هذه الجلسة دار بين هؤلاء الشباب المتعلمين أو قل المثقفين بحسب ما كنت ألاحظ من أجوائها المليئة بالاستعراض الثقافي لثقافة كل واحد منهم، أقول في هذه الجلسة كان الموضوع المطروح للنقاش هو "نُبوةُ محمد" عليه الصلاة والسلام، وكنت أرى أن بعضهم ينكر نبوة محمد ﷺ وبعضهم مؤمن بها ولكنه لا يستطيع إثباتها، وبعضهم يتعلم في كلية الشريعة ولا ينطق ببنت شفة، وكانت حجة المنكرين في هذه الجلسة تغلب حجة المؤيدين بحيث استطاع المنكرون لنبوة محمد عليه الصلاة والسلام أن يجروا المؤيدين إلى ساحة أضيق تنازل بموجبها المنكرون لنبوة محمد أمام تعنت المؤيدين إلى القول بأن محمداً عبقريٌ وليس بنبي، فكيف لمن يؤمنون بنبوة محمد ﷺ أن لا يقبلوا بهذه الصفة لنبيهم سيما وهم لا يملكون الدليل، وهكذا كان وبقي كل واحد على رأيه سواءً أعنده دليل أم لا، أما أنا فكنت في الجلسة كعضو مراقب، حالي كحال السلطة الفلسطينية في الأمم المتحدة، وإن كنت أختلف عن السلطة في أن السكوت لم يكن مفروضاً عليَّ كالسلطة الفلسطينية، بل إنني أنا من فرضت السكوت والاستماع على نفسي، ذلك أنني لم أجد نفسي مؤهلا للدخول في هكذا نقاش بهذا الحجم سيما وأنني لا أملك الحجة في هذا الموضوع، على أن الأمر مستقر بداخلي بإيماني بنبوة محمد ﷺ بأنه نبي وخاتم الأنبياء والمرسلين، ولكني لا أستطيع أن أثبت ذلك، رغم شعوري بالنار تأكل أحشائي من صمتي وعدم امتلاكي الحجة لإثبات النبوة لحبيبنا ﷺ ومع ذلك ألزمت نفسي بالصمت، وكم تحسرت على تلك السنين التي ضاعت من عمرنا ونحن نتعلم في المدارس، فماذا كنا نتعلم وأدركت أننا كنا نحفظ ولا نتعلم، وهكذا وجدت الحسرة تجتاح كياني كله فأخذت عهداً على نفسي أن لا أظل هكذا فخرجت من هذه الجلسة المستفيد الوحيد ولكني خرجت أحمل هماً كبيراً عنوانه أنني لن أقبل أن أكون مسلما بالوراثة وهذا يعني أنه لن يكفيني بعد اليوم أن أقول أنني مسلم وأردد شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ ، بل لا بد من التعرف على الله أكثر وإثبات وجوده عقلا لا نقلاً فقط، وكذلك نبوة محمد حتى أردد الشهادة دون أن يساورني أي شك ولا يعوزني أي دليل، وهكذا كان وبدأت من ذات الليلة رحلة إيماني، فواجهتني مشكلة:-


فأين أبحث وكيف أبحث؟ وماذا أقرأ؟! ولمن أقرأ؟ فحسمت أمري بأن أبدأ بقراءة الكتب المتعلقة بالإيمان والفكر، ثم أرخيت العنان لنفسي أن تقرأ العنوان الذي يشدها، وهكذا كان ونزلت في اليوم التالي إلى كبريات مكتبات جدة أتصفح فيها العناوين وأسأل العاملين فيها شارحا لهم مبتغاي ليدلوني على شيء أقرؤه، وفي اليوم ذاته عدت أحمل مجموعة من الكتب وبدأت الرحلة وكم كانت بداية سعيدة! كان الأمل يحدوني أنني سوف أصل إلى ما أريد، وكان لي ذلك ففي زمن قياسي استطعت بفضل الله أن أقطع شوطا هائلاً نحو هدفي فترسخت علاقتي بالله وبرسوله فقد كان لكتاب الله الكريم وكتاب السيرة النبوية الحظ الأوفر من القراءة والمراجعة المتأنية وأحسست أن الله سبحانه يساعدني ويقودني إلى ما أريده، ولكني لم أزل ولتلك اللحظة التي سبقت فيها قناعاتي هدفي من الرحلة، قناعاتي بأن الإسلام لا يمكن أن يطبق في واقع الحياة إلا بوجود دولة، وبما أنه لا وجود للدولة فلا بد من إيجادها، ومن أجل إيجادها يجب أن يتحرك الفرد منا من خلال جماعة منظمة لها هدف واضح ومنهج محدد، ومع فهمي وقناعتي لتلك الحقائق في ذلك الحين ورغبتي الجامحة للتعرف على هذه الجماعة التي ارتسمت معالمها في ذهني كضرورة، إلا أنني لم أزل لتلك اللحظة لا أملك الدليل العقلي على إثبات وجود الله ونبوة محمد مع أنهما الهدف من رحلتي هذه، ولكن البحث لم ينقطع، لا بل أخذ يتطور فلم أعد أقرأ أي شيء ولا لأي كان وأدركت أنه جاء دور الحركة باتجاه البحث عن جماعة، ولا أدري كيف ساقتني الظروف للتعرف على جماعة الإخوان المسلمين في جدة من خلال الصلاة في مسجد كبير كانوا يقومون عليه إمامة وخطابة وخدمة ويخطب فيه شيخ ذائع الصيت اسمه الشيخ حسن أيوب، فتعلمت على أيديهم، ورغبة مني طبعا كيف أتلو كتاب الله بالأحكام، وبدأت أرافقهم إلى ندواتهم الدسمة التي يتناولون فيها ما لذ وطاب من أفكار الإسلام، لكني لم ألحظ أبداً أنني أعمل مع تنظيم سياسي له هدف هو ذات الهدف الذي يجب أن نعمل إليه وهو إيجاد دولة لتطبيق الإسلام، فالأمر كان يشغلني والأمور تسير باتجاه مختلف رغم حبي الشديد لتلك الثلة من الشباب، فطلبت من أحدهم وكنت أراه ضابط الإيقاع في تحركات الشباب والمبادر بتوجيه الدعوات طلبت منه قائلا وبوضوح "أنا أريد أن أنضم إلى جماعة الإخوان المسلمين" فقال لي "إنت معانا أهه" قلت له أريد أن أعرف ما المطلوب مني عمله لكي أصبح عضوا في الإخوان فقال لي: يا شيخنا إنتا معانا من غير ما تعمل حاجة، لم يعجبني الحال رغم أنني كنت قد أتيت على كل أدبياتهم وكتبهم قراءة ابتداءً من رسائل الشيخ المرحوم حسن البنا، فحدثتني نفسي بالتوجه إلى جماعة التبليغ والدعوة فالتقيتهم في باريس مرة، ومرة أخرى في مانيلا عاصمة الفلبين، وفي المرتين لم تشدني الطريقة أبداً نظراً لأن دعوتهم ليست هي ذات دعوة النبي ﷺ ولا طريقته وأنا الملم جيداً وقتها بتفاصيل سيرة الحبيب، وبقيت على هذه الحال أراوح مكاني وتزداد قراءاتي، وهكذا فأنا مع الجميع من أجل ماذا من أجل الإسلام الذي لم أستطع ولن يستطيع أحد أن يجزم كيف سيطبق الإخوان الإسلام أو كيف سيأتي لنا الإسلام على يد جماعة التبلغ والدعوة التي لا تدعو الأفراد إلا أن يأتوا لصلاة الجماعة ثم يستمعوا للوعظ والإرشاد غير الهادف، فإن كسبوا أحدا جندوه بالخروج في سبيل الله على أنهم أكثر وضوحا بطريقتهم وعملهم من الإخوان، إلا أنهم أبعد عن ذات الهدف الذي أنشد ومع ذلك فقد أحببت الاثنين، أما السلفية فلم أحظَ بشرف التعرف عليهم وعلى منهجهم عن قرب إلا بعد حين حيث كنت قد حزمت أمري.


وتشاء الأقدار أن أنتقل من عملي إلى مدينة أخرى غير جدة، فألتقي مع شباب مختلفين هذه المرة، كما التقيت مع شباب الإخوان أيضا من جديد، وهنا لاحظت أن الفريقين يعرفون بعضهما نوعا ما، وكان يتضح أنني أقرب للإخوان، إلا أن الفريق الآخر الذي كنت أحس به يحاول جذبي إليه لم يكن معروفا لدي، لكنني كنت ألاحظ على أحدهم رتابة في الحديث من حيث المدخل والمضمون والمعالجة بشكل مستمر، مما دعاني أن أسأل أحد أصدقائه عن دراسته، فقال لي دراسته الفيزياء فزاد عندي الأمر إبهاما فقلت له فيزياء؟! قال نعم، قلت له يا رجل تخصص فيزياء ويتكلم كالفقهاء والسياسيين، فضحك وقال لي هو مثقف جداً، وأسريت في نفسي أن ما يحمل هذا الرجل في عقله ليست ثقافة من التي يسمونها ثقافة بل هي ثقافة من نوع آخر، ودارت الأيام وصرنا نلتقي كثيرا، لا بل وبشكل يومي، حتى فاجأني يوما يقف بجانبي على إشارة للمرور وكل منا في سيارته فحياني وناولني ورقة بيضاء، وانطلقنا كل في طريقه، فتحت الورقة يا إلهي هذا منشور سياسي موقع من حزب التحرير، نشرة تتحدث فيما أذكر عن مجلس التعاون العربي الذي كان مشكلاً على غرار مجلس التعاون الخليجي ولكن بين العراق والأردن واليمن ومصر، يا سلام هذا هو الكلام إنه يتكلم عن حكام خونة، وهم فعلا كذلك، ويطرح حلاً للمسلمين بنظام الخلافة، التهمت النشرة وصار الرجل بالنسبة لي مطلوباً فوراً، فالتقيته في الليلة ذاتها وسألته ما هذا المنشور ومن هو حزب التحرير هذا؟ وأثقلت عليه بوابلٍ من الأسئلة المباشرة، حتى أوجس في نفسه خيفةً مني أدركتها واستدركتها بقولي لا تخف أنا لست منهم أنا... وشرحت له قصتي، وقلت له أنا لا أعرف حزبكم وأريد التعرف، فقال أتحب أن تقرأ؟! قلت له يا ريت، فأعطاني كتاب نظام الإسلام من منشورات حزب التحرير، وكانت ليلتي تحريرية بامتياز فلم أكتحل بلحظة نوم حتى فارقني الكتاب وفارقته عند آخر كلمة فيه، وهنا كانت دهشتي.. يا إلهي إنه الكتاب الذي أبحث عنه، إن فيه البرهان والدليل على وجود الله وبالعقل وعلى نبوة محمد وعلى أن القرآن كلام الله أيضا بالعقل، وتزداد دهشتي ولسان حالي يقول إن هذا الكتاب مؤلف لي أنا ولعلاج حالتي، فشتان بين ما كنت أقرأ من الكتب وبين هذا الكتاب، من حيث الطريقة التي يتناول بها المواضيع، أدهشني أنه يبدأ بطريق الإيمان أي كيف تؤمن بوجود الله كخالق مدبر للكون والإنسان والحياة وبمحمد كنبي ورسول، وبالقرآن كتاب الله وكلامه، والبحث هنا عقلي بحت، أسرني بطريقة تناوله للقضاء والقدر، والتسيير والتخيير ما هذا التأصيل الرائع، ثم ما هذا الطرح الجديد لشيء اسمه القيادة الفكرية، أما عن الحضارة والمدنية فلا تسأل كيف يشرحها، ثم وبعد هذه التهيئة تحس أن ثورة لا بد أن تأخذ كيانك وأنت تقرأ فيه كيفية حمل الدعوة، فتحس أنك ستسير بجانب محمد النبي ﷺ وتحمل معه فكرة الإسلام، يا للروعة إنه مؤمن بدعوته واثق من أنه سيصل إلى منتهاها كما وصل النبي محمد عليه الصلاة والسلام، تتجلى ثقته بأنه يجعلك تقرأ دستوراً للدولة التي ينشد بناءها، يا الله يا الله أين كان هؤلاء عني، بل أين كنت أنا عنهم فهذا هو المطلوب ليس إلا.


فالتقيت صاحبي في اليوم التالي طالباً الجلوس معه بشكل خاص، وسألته كيف لمن يقتنع بهذا الفكر أن يسير مع هذا الحزب، فقال هل تحب أن تنضم إلينا، قلت بكل سرور فأنا قد انضممت فعلا من الأمس، فشرح لي ما هو المطلوب مني


والكيفية التي أصبح فيها عضواً في هذا الحزب صاحب هذا المشروع العظيم الذي أبحث عنه، وكانت قطرات إعجابي تنهمر من كل كياني وهو يسمي لي مجموعة الكتب التي نشرها الحزب لبلورة مشروعه من ناحية فكرية يطرحها للأمة لتلتف حوله، فصعقت أن من إصدارات الحزب كتاباً اسمه التفكير، التفكير؟! سألت صاحبي قال نعم وأعطاني نبذة عنه، ثم يقول وكتاب نظام الحكم في الإسلام، يا إلهي هل تم صياغة نظام للحكم في الإسلام؟! قال نعم وكتاب مقدمة الدستور المؤلف من 191 مادة تعالج كل شؤون الحياة بأدلتها الشرعية، وكتاب النظام الاقتصادي الذي يبحث في كيف نجلب المال وكيف ننفقه كما يحب الله ويرضيه، قلت له رفقا بي يا أبا مصعب فهذا صعب عليّ كثيراً أن أجد كل ما أريد في حزب واحد فأردف يقول وهناك كتاب الشخصية الإسلامية، فقلت له وماذا عن الشخصية الإسلامية، فقال لي هذا كتاب من ثلاث مجلدات كتاب فقهي، قلت ولماذا لا يوحي اسمه أنه كتاب فقه، قال بل هو كذلك ولكننا يا أبا حذيفة أسميناه كذلك لأن محتواه يشكل في من يقرؤه من المسلمين شخصية فريدة من نوعها تبنى على أساس الفكر الإسلامي، فنحن نفهم أن الشخصية عند الإنسان هي عقليته ونفسيته أي الطريقة التي يعقل الأمور من خلالها والطريقة التي يميل إلى الأشياء والأفعال من خلالها، وفي هذا الكتاب نبني في الإنسان المسلم الشخصية الإسلامية بحيث يصبح عقله للأمور على أساس الإسلام، ويصبح ميله للأشياء والأفعال على أساس الإسلام... فتنهدت طويلاً وقلت له أريد كل هذه الكتب، وبقي لدي سؤال: لماذا لا تتوفر كتبكم في المكتبات يا أخي؟ فقال لي والحسرة تكتنفه يا أخي يا أبا حذيفة من يسمح لك أن تبني دولة وتروج لبنائها على أساس الإسلام جهاراً نهاراً؟! وأنت ترى أنظمة الكفر تجثم على صدورنا وتسهر ليل نهار كي لا يعود الإسلام إلى واقع الحياة، حزبنا يا أبا حذيفة يحتاج إلى رجال من نوع خاص، يحاكون برجولتهم وثباتهم على المبدأ ذلك الجيل من الصحابة الذي رافق نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فبتلك النوعية من الرجال تقوم الدول العظمى وهذا ما نفعله، نعرف أننا حزب محارب على كل الأصعدة، ولكننا نعرف أيضا ماذا نفعل، ونعرف بالتالي أين نحن ذاهبون، والأهم من ذلك أن هذا الأمر لله وهو ناصره لا محالة ونرجو أن يكون ذلك على أيدينا.


وهذه لك أخي يا من تقرأ كلماتي، اعلم يرحمك الله أن الإسلام نظام للحياة وأنه غير موجود في واقع الحياة الآن، وأن الله سائلنا عن عدم وجود نظامه، فنحن أهله ونحن الذين اختارنا الله لإيجاد نظامه في واقع الحياة فلنكن في مستوى الرسالة، وإذا كنت مسلما حائر الفكر ولا تقبل أن تكون مسلماً بالوراثة فقط، فأهلاً بك وسهلاً في رحاب مشروع حزب التحرير لنهضة الإسلام والمسلمين، لتجد نفسك أمام مشروع إقامة شرع الله في الأرض، اللهم اشهد أننا بلغنا وما زلنا نبلغ وسنبقى على هذا العهد، اللهم هيئنا لأمتنا وهيئ أمتنا لنا حتى نحكم فينا كتابك وسنة نبيك اللهم آمين.

كتبه للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبدالرؤوف بني عطا - أبو حذيفة

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني