جرائم النخب المصرفية تفلت دون عقاب في الرأسمالية
May 25, 2015

جرائم النخب المصرفية تفلت دون عقاب في الرأسمالية

جرائم النخب المصرفية تفلت دون عقاب في الرأسمالية

قال توماس جيفرسون (رئيس الولايات المتحدة الثالث): "أعتقد بصدق أن المؤسسات المصرفية هي أكثر خطورة من الجيوش".


لدى البنوك الغربية عادة التورط في فضائح تنطوي على مبالغ مالية ضخمة. وقد ذكر مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي الأسبوع الماضي عن اشتراك ستة بنوك عالمية في الإجرام و"على نطاق واسع"، وهذه البنوك ستدفع غرامات قيمتها حوالي 5,6 مليار دولار؛ لتلاعبها بسوق العملات الأجنبية. وقد أعلنت وزارة العدل الأمريكية عن تسويات لمخالفات حصلت ما بين كانون الأول/ ديسمبر 2007م، وكانون الثاني/ يناير 2013م، من قبل مجموعة: سيتي جروب، جي بي مورغان تشيس، بنك باركليز، ورويال بنك أوف سكوتلاند، التي تسمي نفسها "كارتل"، حيث استخدمت هذه البنوك غرف محادثات سرية بلغة مشفرة؛ للتلاعب بأسعار الصرف، وذلك في محاولة منها لزيادة أرباحها.


إنّ هذه ليست أول فضيحة مصرفية يتم كشفها، فمنذ بدء الأزمة المالية العالمية في عام 2008م، والبنوك العالمية في طليعة هذه الفضائح. ففي كانون الثاني/ يناير 2013م، وافق "بنك أوف أميركا"، والمعروف بالفساد، على تسوية مالية بأكثر من 11 مليار دولار مع حكومة الولايات المتحدة، لتمويله الرهانات العقارية السيئة لشركة الائتمان "فاني ماي". وفي عام 2012م، أدانت المفوضية الأوروبية "دويتش بنك"، والبنك السويسري (UBS)، والبنك الملكي الأسكتلندي، وثلاثة بنوك كبرى أخرى، وفرضت عليها غرامات مالية بلغت 1,7 مليار يورو، لتلاعبها بأسعار المرجعية الثابتة اليومية للمعاملات بين البنوك. وأيضًا فإنه خلال الفترة نفسها من العام 2012، كان على بنك (HSBC) دفع غرامة قياسية قيمتها 1.9 مليار دولار أمريكي، بعد أن اتضح أن البنك كان يقوم، ولعدة سنوات، بغسيل الأموال لعصابات مخدرات مكسيكية وإرهابيين إيرانيين. وهذه ليست سوى بعض من الفضائح المصرفية الكبيرة، وهي فيض من غيض فضائح الفساد الذي يسود النظام المصرفي بأكمله.


لكن على الرغم من الجرائم الصارخة التي ارتكبتها البنوك العالمية المعروفة، إلا أن المسئولين الصغار هم فقط من يقدمون إلى المحاكمة ويدانون، أما رؤساؤهم فتتم تبرئتهم، ويظلون بعيدين عن أعين القانون، وعن أي شكل من أشكال الرقابة الحكومية التي يمكن أن تحدّ من قدرتهم على جني الأرباح الفاحشة. ويضاف إلى كل ذلك، أن البنوك العالمية تستفيد من الدعم المالي الاستثنائي المقدم لها من قبل الحكومات، من مثل التيسير الكمي، وشراء الأصول الرديئة، وضخ رأس المال، وخفض أسعار الفائدة... الخ، وتستفيد من امتيازات جميع الحكومات الغربية.


إن العلاقة بين السياسيين والمصرفيين هي التي تحافظ على بقاء النظام المصرفي واقفًا على قدميه لخدمة مصالح الأثرياء. وتلاعب المصرفيين بالنظام المصرفي من خلال المعاملات المالية المشبوهة يحصل بمصادقة من التشريعات الحكومية، التي تمكن الرأسماليين المصرفيين من الثراء الفاحش، بغض النظر عما إذا كان الاقتصاد العالمي يمر بأزمة أم يشهد طفرة اقتصادية. وقد ذكرت منظمة "أوكسفام" في وقت سابق من هذا العام، أن أغنى 80 شخصًا في العالم يحوزون على ثروة تعادل ثروة 50٪ من سكان العالم، أي حوالي 3.5 مليار نسمة! وهذا يعني أن الأموال قد تركزت هذا العام أكثر من السنة الماضية، عندما كانت نصف ثروة العالم في أيدي 85 شخصًا. وتتوقع منظمة "أوكسفام" أنه بحلول العام المقبل، ستتجاوز ثروة الواحد في المائة من الأثرياء الـ99% من الناس! وقال ويني بنيامين (المدير التنفيذي لمنظمة أوكسفام الدولية): "هل نريد حقًا أن نعيش في عالم يملك فيه الواحد في المائة من الناس أكثر من بقية سكان العالم مجتمعين؟ إن حجم التفاوت العالمي هو بكل بساطة هائل، وعلى الرغم من أن هذه القضية هي محط اهتمام عالمي، إلا أن الفجوة بين الأغنياء وبقية سكان العالم آخذة في الاتساع بشكل متسارع".


ويقول العديد من المفكرين أن هذا الخلل في تركز الثروة في جيوب الأثرياء، والذي سببه النظام المصرفي، هو على حساب الغالبية العظمى من الناس، يقول توماس جيفرسون: "إذا سمح الشعب الأمريكي للمصارف الخاصة بالسيطرة على إصدار العملة، فسيحصل تضخم ثم انكماش، ثم تنمو المصارف والشركات التي تدور في فلك هذه البنوك، وسيحرم الشعب من جميع الممتلكات، وسيولد أطفالهم بلا مأوى في القارة التي غزاها آباؤهم". وعمومًا، فإن الأمريكيين قد أفلسوا بالفعل، فمجموع ديونهم يساوي 58 تريليون دولار، بينما كان يساوي قبل 35 عامًا نحو 4.3 تريليون دولار. لذلك فإن الثراء الفاحش في أمريكا لم يركز الثروة في أيدي شريحة صغيرة جدًا فقط، بل وقد نقل عبء الديون إلى دافعي الضرائب الأمريكية، وهذا الحال نفسه ينطبق على جميع بلدان العالم.


والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل هناك آلية يمكن تبنّيها لمنع تركز الثروة في أيدي عدد قليل من الأفراد، ولتوزيعها بعدل على أفراد المجتمع؟ الاشتراكية لا تستحق فرصة، فهي قد فشلت في هذا الصدد. بينما الإسلام هو النظام الفريد، الذي وزع لقرون الثروة بشكل عادل داخل المجتمع، وحال دون تركزها في أيدي عدد قليل من الناس. كما أن العلاقة بين السياسيين والمصرفيين والثراء الفاحش بكل بساطة غير موجودة في المجتمع الإسلامي، مصداقًا لما جاء القرآن الكريم به: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾.


وعلى عكس الرأسمالية، التي تكرس الثراء الفاحش في أيدي نخبة صغيرة من أساطين رأس المال على حساب باقي الناس، فقد ضمن الإسلام إشباع الحاجات الأساسية لجميع الناس فردا فردا، من الملبس والمأكل والمأوى، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ لِابْنِ آدَمَ حَقٌّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُهُ وَثَوْبٌ يُوَارِي عَوْرَتَهُ وَجِلْفُ الْخُبْزِ وَالْمَاءِ» سنن الترمذي.


إن الإسلام هو الحل الحقيقي للوضع الاقتصادي الراهن الذي تواجهه الرأسمالية العالمية، حيث تقوم الحكومات باستمرار بكفالة البنوك حتى يزداد ثراؤها على حساب فقر الآخرين. وفي قلب هذه القضية فإن البنوك والمودعين الأثرياء هم القادرون على شراء التشريعات الحكومية لحماية مصالحهم، ويفلتون دون عقاب من القانون على أخطائهم. قال نابليون بونابرت ذات مرة: "عندما تعتمد الحكومة على البنوك من أجل المال، فإن تلك البنوك هي التي تكون في القيادة وتسيطر على الوضع وليست الحكومة؛ وذلك لأن اليد التي تعطي هي العليا... المال ليس له وطن، والممولون هم دون الوطنية ودون اللياقة، فهدفهم الوحيد هو الربح".


كتبه لإذاعة المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير
عبد المجيد بهاتي/ باكستان

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني