جواب سؤال: الاحتجاجات الواسعة التي تجتاح أمريكا وتأثيرها على سياستها الخارجية
June 12, 2020

جواب سؤال: الاحتجاجات الواسعة التي تجتاح أمريكا وتأثيرها على سياستها الخارجية

جواب سؤال


الاحتجاجات الواسعة التي تجتاح أمريكا وتأثيرها على سياستها الخارجية


السؤال: تجتاح الولايات المتحدة منذ قرابة الأسبوعين احتجاجات تبدو كبيرة في بعض المناطق، وقد تخللتها أعمال عنف، ونهب للمحال التجارية، وحرق مراكز للشرطة، فهل مقتل رجل أسود في أمريكا يشعل هكذا احتجاجات؟ فقد حصل هذا كثيراً في السنوات القليلة الماضية ولم تحصل مثل هذه الاحتجاجات! وهل من تداعيات لهذه الاحتجاجات الأمريكية على سياسة أمريكا الخارجية؟


الجواب: لكي تتضح أجوبة التساؤلات أعلاه نستعرض ما يلي:


1- قتلت الشرطة الأمريكية رجلاً من أصول أفريقية، هو جورج فلويد في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية 25/5/2020، وكانت جريمة شنيعة، قام خلالها الشرطي بتطبيق التدريبات التي تلقاها في سلك الشرطة، بالتثبيت عن طريق الضغط على الشريان السباتي في الرقبة، واستمرت الجريمة تسع دقائق كان خلالها فلويد يصرخ "لا أستطيع التنفس" حتى فارق الحياة، وقد شاهد هذه الجريمة البشعة جميع الأمريكيين، ورأوا بأم عينهم وحشية الشرطة الأمريكية ضد السود، واندلعت المظاهرات في المدينة مباشرة في اليوم التالي، تنديداً بهذه الدرجة من التوحش في التعامل مع الآدميين، ثم أخذت المظاهرات تمتد إلى مدن أمريكية أخرى، مع تداول واسع لفيديو الخنق المؤلم، عبر مواقع التواصل (الاجتماعي)، حتى عمّت المظاهرات ما يزيد عن 80 مدينة أمريكية في ولايات متعددة... ثم أعلنت السلطات حظر التجوال لمنع المظاهرات التي صاحب الكثير منها أعمال عنف، وقتل، ونهب، وإحراق للمحال التجارية ومراكز الشرطة، ولجأت الشرطة الأمريكية إلى التعامل بقسوة مع المتظاهرين، فاعتقلت ما يزيد عن 4 آلاف شخص في مختلف المدن، وأعلن عن مقتل بضعة أشخاص، وتم استدعاء الحرس الوطني لفرض الأمن والسيطرة على الشارع، بل وتم استدعاء الجيش الأمريكي في سابقة لم تحدث قبل ذلك في أمريكا لفرض الأمن في العاصمة واشنطن، وتم تهريب الرئيس ترامب إلى مخبأ آمن تحت الأرض خوفاً من اقتحام المتظاهرين للبيت الأبيض.


2- عصفت مشاهد الاحتجاجات الأمريكية بصورة الاستقرار الداخلي الذي كانت تتباهى به الحكومات الأمريكية المتعاقبة، فكانت الحرائق المندلعة، والمتاجر المنهوبة، ومراكز الشرطة المدمرة بهذا الحجم غير الصغير، تنذر الأمريكيين بالجحيم الذي طالما صنعته حكوماتهم لغيرها من الدول، وتهدد بأن البطش والعربدة الذي درجت أمريكا على التعامل به مع العالم، يأخذ طريقه للتعامل مع الشعب الأمريكي نفسه، فكانت مشاهد صادمة بكل المقاييس: رئيس ينذر ويتوعد المتظاهرين السلميين بالكلاب المسعورة حول البيت الأبيض، وبالأسلحة الأكثر فتكاً في العالم إن هم تجرؤوا على اقتحام أسوار البيت الأبيض الذي أحيط بالحواجز السلكية والجدر الإسمنتية، ويطالب الرئيس حكام الولايات بالرد بقسوة على المتظاهرين في ولاياتهم، وفرض الأمن بالقوة، ويعرض عليهم الاستعانة بالحرس الوطني، ووضع الجيش الأمريكي في حالة تأهب قصوى للتدخل خلال 4 ساعات حيثما يلزم إن فشلت الشرطة والحرس في فرض الأمن، وفعلاً تم نشر الجيش في العاصمة واشنطن قبل أن يتم العدول عن هذه الخطوة، بعد انتقادات واسعة وجهت للرئيس على خلفية الزج بالجيش الأمريكي ضد الشعب. ومن زاوية أخرى جموع غاضبة لا توقفها الشرطة ولا الحرس ولا مخاطر فيروس كورونا، جزء منها سلمي الطابع، يتظاهر للمطالبة بالحقوق المدنية، ومحاسبة القتلة، وإصلاح جهاز الشرطة، وقسم ثانٍ يتقصد مهاجمة المراكز الحكومية، خاصة الشرطة، وحرقها وتدميرها، ومن ثم أعلن الرئيس ترامب أنها "حركة أنتيفا" اليسارية شديدة المناهضة للرأسمالية! وقسم ثالث يقوم بالنهب، والسرقة، والأعمال التخريبية...


3- إن واقع الشرطة الأمريكية التي يعتبر العنصر الأبيض عمادها قد اعتادت إهانة السكان السود، وتم قتل العديد منهم على يد رجال الشرطة، وكان بعض تلك الوقائع موثقاً ومصوراً كما في حادثة مقتل فلويد الأخيرة، ولم تكن تلك الحوادث نادرة الحصول، بل كانت متكررة، فالتمييز العنصري في الولايات المتحدة ظاهرة محسوسة لافتة للنظر في مجتمعاتهم...


لكن هناك أسباباً جعلت مقتل فلويد 25/5/2020 في مدينة مينيابوليس يوسع نطاق الغضب الشعبي ضد سياسة التمييز العنصري التي تنتهجها أجهزة الدولة في أمريكا ضد السود خاصة، وهذه الأسباب بعضها قديم وآخر جديد، ومن هذه الأسباب:


أ- فشل عملية الانصهار في المجتمع الأمريكي: نشأ المجتمع الأمريكي الحالي نشأة عنصرية بامتياز، فقام المهاجرون الإنجليز خاصة، والأوروبيون عامة، باستعمار أمريكا على جثث الملايين من الهنود الحمر، أصحابها الأصليين، ولحاجة المستعمرات الجديدة للعمل فقد تم استجلاب الرقيق من أفريقيا، فينظر الأمريكيون إلى كل ذوي الأصول الأفريقية باعتبارهم عبيداً، وكان ذلك بشكل رسمي لمدة قرون، يخضع خلالها هؤلاء الأفارقة للعزل العنصري، والعمل بالسخرة في مزارع البيض وصناعاتهم، وكان قانون التجنيس 1790م يمنح الجنسية الأمريكية للبيض فقط، فيما يرفض الاعتراف بالسود كمواطنين، وعلى الرغم من نيل الأفارقة بعض الحقوق كالتصويت في ستينات القرن التاسع عشر، إلا أن التمييز العنصري ظل سياسة رسمية يعمل بها في أمريكا حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، وبعد منتصف القرن العشرين اندلعت حركة كبيرة سميت "الحقوق المدنية" واشتهر فيها مارتن لوثر كينغ كزعيم للسود في أمريكا، أسفرت عن الاعتراف رسمياً بحقوقهم كاملةً كمواطنين أمريكيين... ومن ثم ظن هؤلاء الأفارقة بأنهم قد نالوا الحقوق المدنية التي افتقدها آباؤهم وأجدادهم، إلا أن ذلك لم يغير كثيراً من ذهنية الأمريكيين البيض، الذين استمرت نظرتهم الدونية تجاه هؤلاء الأفارقة، واستمرت الممارسات العنصرية ضدهم. فعلى الرغم من تشدق زعماء أمريكا بانتهاء العنصرية، إلا أن مختلف التقارير تتحدث عن تأصل النظرة العنصرية في أمريكا ضد ذوي الأصول الأفريقية... ومن مظاهر العنصرية ضد السود في أمريكا الارتفاع الواضح في عدد المساجين السود مقارنة بالأمريكيين البيض، وارتفاع نسبة البطالة في صفوفهم، والفرق الكبير والواضح في متوسط الدخل بين الأسر الأمريكية من أصول أفريقية مقارنة بالأمريكيين البيض، وكذلك النقصان الحاد في الخدمات الصحية، وغيرها من الخدمات، بين المناطق التي يغلب عليها المواطنون السود وتسمى بأحياء السود، وبين المناطق التي غالباً ما تعتبر راقية، تتوفر بها الخدمات الصحية بشكل لائق، وترتفع فيها أجور السكن التي يقطنها الأمريكيون البيض.


ب- مجيء إدارة ترامب العنصرية وتبنيها للمنادين بتفوق العرق الأبيض: تؤمن الجماعات الداعمة للرئيس ترامب بتفوق العرق الأبيض على غيره، وهي جماعات تم الإعلاء من قدرها بعد مجيء ترامب للبيت الأبيض، وقد وجد هؤلاء في شخص ترامب قائداً قومياً لهم، ويختلط هؤلاء بالمسيحيين الإنجيليين الذي يضيفون مسحة دينية لهذا التفوق، وبمجاهرة الرئيس ترامب ضد المسلمين، ومنع بعضهم من الحصول على تأشيرات لدخول أمريكا، وتصريحاته المناهضة للمكسيكيين، وخططه التي نفذ جزءاً منها ببناء جدار على حدود المكسيك، وبحربه التجارية ضد الصين، وتسميته لفيروس كورونا بالفيروس الصيني، ونشوء موجة عداء للصينيين داخل أمريكا، وتسامحه مع مظاهرات النازيين الجدد في ولاية فيرجينيا 2017، واللغة التي لا تخلو من إهانة، التي يتحدث بها عن الأقليات، وكذلك تعليقاته على مقتل فلويد "الأسود" وضرورة قمع الحركة الاحتجاجية الداعمة لحقوق "السود" في أمريكا... ونتيجة لكل ذلك فقد أصبح الرئيس ترامب أحد أكبر العوامل المحرضة على التمييز العنصري في أمريكا، لذلك ارتفعت وتيرة الأعمال العدائية ضد السود، والمسلمين، والمكسيكيين، والصينيين في أمريكا خلال فترة حكمه، وأصبح ينظر إليهم أكثر من ذي قبل بأنهم متطفلون جاءوا لسلب الأمريكيين فرص عملهم، ونهب ثروات أمريكا، ومن ثم أصبح التمييز العنصري بارزاً في قطاعات كثيرة من المجتمع الأمريكي...


ج- تداعيات فيروس كورونا داخل المجتمع الأمريكي: ومن الأسباب التي زادت من لهيب الاحتجاجات على مقتل فلويد في أمريكا، أنها قد تزامنت مع انتشار فيروس كورونا، وما صاحب ذلك من حجر صحي، سبب ضيقاً للأمريكيين من ناحية، ومن ناحية ثانية أوجد بطالة بنسب كبيرة فزاد من قلق الأمريكيين على مستقبلهم، ومن ناحية ثالثة رأى الأمريكيون فشلاً ذريعاً لتعامل حكومتهم مع انتشار الوباء في أمريكا، حيث النقص الكبير في المستلزمات والأجهزة الطبية، وفشل الاستعداد للفيروس، رغم أن أمريكا قد ضربتها موجة الفيروس بعد أوروبا والصين بما كان يوفر لها فرصة جيدة للاستعداد لم يتم استغلالها، وكذلك تخبط الإدارة الأمريكية في التعامل مع الوباء وما نتج عن ذلك من سبب آخر للانقسام في الوسط السياسي الأمريكي، بخصوص طريقة تعامل إدارة ترامب مع أزمة الوباء... ومن المسائل الداخلية العميقة والمهمة، أن المجتمع الأمريكي قد تعاظم شعوره بسوء النظام الرأسمالي، فعملية توزيع الثروة في أمريكا تتفاقم بتسارع مخيف، لصالح فئة صغيرة للغاية من الرأسماليين، أصحاب لوبيات التأثير على السياسة، تلك السياسة التي تسير باتجاه المزيد من إعفائهم من الضرائب، في وقت يتكفل فيه ذوو الدخل المتوسط والمحدود بالقدر الأكبر من الضرائب المهلكة، وقد أبرزت هذه الاحتجاجات الأمريكية القوة المتصاعدة للحركة المناهضة للرأسمالية في أمريكا "أنتيفا"، والتي طالب الرئيس ترامب بتصنيفها إرهابية، وهي تلك الحركة التي نادت باحتلال أسواق الأسهم في "وول ستريت" كرمز كبير للرأسمالية بعد الأزمة المالية 2008، فتزيد هذه الحركة من أتباعها وتتجذر أكثر في المجتمع الأمريكي، وتنادي بالعنف ضد الرأسمالية، وهي المتهمة اليوم بتوجيه المتظاهرين لإحراق وتدمير المرافق الحكومية كمراكز الشرطة...


4- لقد كان لكل ذلك تداعيات على سياسة أمريكا الخارجية، وهي تداعيات مؤثرة للأسباب التالية:


أ- حالة الانقسام في أمريكا: أظهرت إدارة ترامب منذ 2017 أن أمريكا ليست على قلب رجل واحد، وتكثر السياسات التي ينقسم حولها الأمريكيون مثل الحروب، والمساعدات الدولية التي تقدمها أمريكا لعملائها حول العالم، ومثل سياسة الضرائب، والتعامل مع الأقليات، والهجرة، وغيرها كثير من السياسات، لكن بمجيء الرئيس ترامب فقد أصبح هو نفسه من أبرز أسباب الانقسام في أمريكا، وقد ساعدت شخصيته بما لديه من ميزات العنجهية الزائدة، والتعلق بالسلطة، وحب الظهور الزائد عن الحد، وقلة الحكمة، والميل لخوض الصراعات الداخلية، وإظهار النشوة بكسر الخصوم، كل ذلك قد جعل أمريكا منقسمة فعلاً حول الرئيس ترامب، معه أو ضده، وقد زادت الإقالات والاستقالات في أركان إدارته، بشكل لم يحصل أبداً مع أي رئيس أمريكي سابق بهذا الحجم، وقد أظهرت أزمة فيروس كورونا، والملاسنات بين الرئيس وحكام بعض الولايات، تفاقماً في حدة الانقسام الأمريكي، وهذا الانقسام يضرب بالوسط السياسي والمالي الأمريكي، فينعكس على المجتمع برمته. وطريقة تعامل الرئيس وإدارته مع أزمة الاحتجاجات الشعبية، هي الأخرى قد أصبحت سبباً دسماً لتغذية الانقسام، فترامب يعارض الحركة الاحتجاجية بعد مقتل فلويد، ويريد بسط الأمن بالقوة، يعارضه في ذلك الحزب الديمقراطي وحكام ولايات، بل ووزير دفاعه الذي اعتذر عن مشاركة الرئيس في زيارة لكنيسة مجاورة للبيت الأبيض، بعد إبعاد رجال الأمن للمحتجين من حولها، واعتبرت دعاية سياسية لترامب... ومن أحدث الأمثلة على هذه الصراعات وحدّتها، (اتهم وزراء دفاع أمريكيون سابقون وعشرات من المسؤولين العسكريين - في رسالة مشتركة - الرئيس ترامب بخيانة القسم والدستور، لتفكيره في إنزال الجيش لمواجهة المحتجين؛ وكان من بين الموقعين وزير الدفاع السابق جيمس ماتيس. الجزيرة نت، 7/6/2020م)... ولم تنحصر المسألة بوزراء الدفاع السابقون، بل وشملت الحالي وبشكل حاد، فوفق المصدر السابق نفسه (نقلت شبكة "سي إن إن" عن مسؤول في وزارة الدفاع الأمريكية "البنتاغون"، قوله إن الرئيس دونالد ترامب طلب نشر عشرة آلاف جندي في العاصمة واشنطن ومدن أمريكية أخرى، لمواجهة احتجاجات الأسبوع الماضي، وإن وزير الدفاع مارك إسبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة مارك ميلي، رفضا هذا الطلب، وذلك على وقع مظاهرات حاشدة في واشنطن، ومدن أمريكية وأوروبية أخرى ضد العنصرية وعنف الشرطة. وكانت مجلة نيويوركر قد ذكرت أنها علمت، من مصادر في البيت الأبيض، بوقوع مشادة كلامية بين الرئيس ترامب والجنرال مارك ميلي. ونقلت المجلة أن الجنرال ميلي رفع صوته في وجه الرئيس اعتراضا على طلبه إنزال الجيش لشوارع المدن الأمريكية لإنهاء الاحتجاجات، حيث يرى ميلي أن نزول الجيش للشارع مخالف للقانون.)

ب- فترة الانتخابات الرئاسية: ومما زاد هذه المسألة سخونة، أن هذه الاحتجاجات قد اندلعت تزامناً مع الحملات الانتخابية لكلا المرشحين الديمقراطي جو بايدن، والجمهوري ترامب. وإذا كان الرئيس ترامب يشعر بقلق بالغ على مستقبله كرئيس، ويريد أن يعاد انتخابه في تشرين الثاني/نوفمبر من هذا العام، بل إن هذه المسألة هي الأولوية رقم 1 له، لكن مصدر القلق الرئيسي له هو تداعيات فيروس كورونا، وتأثيره في الاقتصاد الأمريكي، وفقدان ملايين الأمريكان لفرص عملهم، وما يقال عن سوء تعامله مع أزمة الفيروس، فإنه يخشى أن يكون ذلك عاملاً يستغله منافسه الديمقراطي ضده في الحملات الانتخابية، ثم تأتي اليوم موجة الاحتجاجات الأخيرة التي أراد الرئيس ترامب فيها أن يبرز شخصيته كرجل قوي قادر على ضبط الأمن، والحفاظ على الممتلكات، ما يزيد من فرصه الانتخابية... لكن منافسه جو بايدن، والحزب الديمقراطي، وقوى أخرى تعمل على تصوير ذلك بشكل مخالف، فتبرزه كرجل يعمل على ترسيخ الانقسام في أمريكا، وغير قادر على لملمة الجراح التي أصيب بها المجتمع الأمريكي بعد حادثة مقتل فلويد والمظاهرات، ويحملونه المسؤولية عن طابع العنف والشغب في المظاهرات، بسبب تصريحاته النارية ضد المتظاهرين...


ج- قمع الدولة للاحتجاجات: شاهدت دول العالم الطريقة المؤلمة والوحشية التي تتعامل بها الحكومة الأمريكية مع الاحتجاجات الشعبية، وأحاديث الرئيس عن فرض الأمن بالقوة، والكلاب المسعورة، والأسلحة الأشد فتكاً، وشاهدت آلاف المعتقلين، والهراوات، والغاز المسيل للدموع في أمريكا، بعد أن كانت محصنة عن مثل هذه المشاهد لعقود، وهذا كله يفقد أمريكا حجة طالما استخدمتها ضد خصومها حول العالم تحت عناوين حقوق الإنسان، وحق التعبير عن الرأي، ودعم المعارضة وغير ذلك، وهذا له تأثير مباشر، يفقد السياسة الخارجية الأمريكية أحد أشهر مبرراتها الدولية... وما يؤكد ذلك ما قالته المتحدثة باسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، إنه ("اعتباراً من أواخر مايو وأوائل يونيو 2020 تفقد الولايات المتحدة أيَّ حق في توجيه أية ملاحظات إلى أحد في الكرة الأرضية بشأن قضايا حقوق الإنسان". وأضافت زاخاروفا، تعليقا على تعامل السلطات الأمريكية مع المتظاهرين، المشاركين في الاحتجاجات ضد العنصرية وعنف الشرطة في الولايات المتحدة: "انتهى!، بدءاً من هذه اللحظة لا يوجد لديهم هذا الحق". اليوم السابع، 2/6/2020).


5- وهكذا فإن التمييز العنصري مستوطن في الولايات المتحدة، قد يصمت قليلاً ولكنه يتحرك كثيراً، فهو مرض فكري في أصل نشوء النظام الأمريكي الرأسمالي، بل لا يخلو منه أي نظام وضعي، لأنه خاضع لأهواء البشر ورغباتهم التي تحدد تمييز الأبيض على الأسمر، والأحمر على الأصفر... حتى وإن أَلحق هذا التمييز كلَّ الضرر بغيرهم، بل بأنفسهم فيما بعد!


إن الإسلام هو فقط الذي أزال، ويزيل، هذا التمييز العنصري، فلا تفاضل فيه بين الناس بلونٍ، أو جاهٍ، أو ثروة، بل كلهم سواء، لا يتفاضلون إلا بالتقوى. يقول الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير﴾، ويقول الرسول ﷺ في ما أخرجه البيهقي (384هـ-458هـ) عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قال خَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةَ الْوَدَاعِ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلا لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ، أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟»، قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ»، وأخرج نحوه البوصيري (762هـ-840هـ)، وكذلك أخرج نحوه الطبراني (260هـ-360هـ) وقال في روايته «وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ».


فالإسلام هو فقط الذي يقضي على التمييز العنصري، فهو منزل من رب العالمين، ويهدي إلى الحق، وينشر الخير في ربوع العالم. ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك