جواب سؤال: الانتفاع بأجزاء الحيوانات وأعضائها وعظامها
November 21, 2020

جواب سؤال: الانتفاع بأجزاء الحيوانات وأعضائها وعظامها


سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير
على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"


جواب سؤال


الانتفاع بأجزاء الحيوانات وأعضائها وعظامها
إلى احمد الخطيب


السؤال:


السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ﷺ وعلى آله وصحبه أجمعين.


لاحظت في بعض المحلات التجارية يبيعون مسابح وقلائد وأساور...إلخ من عظام الحيوانات. وسؤالي عن الحيوانات هل يجوز الانتفاع من أعضاء وأجزاء الحيوانات؟


قال عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين»


جزاك الله خيرا وثبتنا الله على الحق والعمل للقيام دولته الإسلام.

الجواب:


وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
إن مسألة الانتفاع بأجزاء الحيوانات وأعضائها هي مسألة كثيرة التفاصيل وفيها اختلاف في المذاهب الفقهية واجتهادات العلماء، وأوجزها في هذا الجواب على النحو التالي:


أولاً: الانتفاع بالعظام (ويلحق بها القرن والسن والظِلف والظفر):


1- عظام الحيوان الذي يؤكل لحمه والمذكى ذكاة شرعية:


يجوز الانتفاع بعظام الحيوان المأكول اللحم إذا ذكي ذكاة شرعية لأن ذبيحة المأكول لحمه تكون بالذكاة الشرعية طاهرة فيحل الانتفاع بها كلها من لحم وعظم وغيرهما، وهو أمر لم نقف فيه على خلاف بين المسلمين، وقد كان المسلمون يطبخون لحوم الذبائح بعظامها ويأكلونها، فلو كانت عظامها نجسة لما فعلوا ذلك، فدل ذلك على أن عظامها طاهرة فيجوز الانتفاع بها... روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَكَلَ كَتِفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ»، والكتف فيه عظم.


2- عظام ميتة الحيوان الذي يؤكل لحمه:


الحيوان الذي يؤكل لحمه قد يموت حتف أنفه، وقد يموت بتذكيته ذكاة غير شرعية كأن يذبحه بوذي مثلاً... وهو في كلا الحالين يُعد ميتة، وتسري عليه أحكام الميتة... وبالنسبة للانتفاع بعظام تلك الميتة فقد وقع الخلاف في ذلك بين العلماء، فمن رأى منهم أن عظمها نجس قال بحرمة الانتفاع به وهم الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم، ومن رأى أن عظمها طاهر قال بجواز الانتفاع بعظمها ومنهم الحنفية وابن سيرين وابن جريج...


والذي أرجحه هو الرأي القائل بأن عظام ميتة الحيوان المأكول اللحم نجسة ينطبق عليها وصف الميتة، لقوله تعالى ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾، فدلالة لفظ "يُحْيِ" مع العظام تفيد أن عظام الميتة هي ميتة كذلك، فلا يجوز الانتفاع بها لأنها نجسة ولأنها ميتة... ولقول الرسول ﷺ في الحديث الذي أخرجه البخاري في "التاريخ" وابن حبان في صحيحه وغيرهما عن عبد الله بن عُكيم قال: حدثنا مشيخة لنا من جهينة أن النبي ﷺ كتب إليهم: «لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ»، ذكره الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (7/ 366)، وقال عنه (وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال "الصحيح")، ورواية ابن حبان هي: «لَا تَسْتَمْتِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بشيء»، وواضح من الحديث عدم جواز الانتفاع بالميتة من جميع الوجوه وليس حرمة أكل لحمها فحسب إلا إذا ورد دليل مخصص، ولم يرد مثل هذا الدليل المخصص بالنسبة للعظام.


3- العظم المبتور من الحيوان المأكول اللحم:


المقصود بالعظم المبتور هو العظم الذي يقطع من الحيوان وهو حي، فهذا العظم يأخذ حكم الميتة فيكون نجساً ولا يجوز الانتفاع به، وذلك لما رواه الحاكم في مستدركه وغيره عن أبي واقد الليثي، قال: كان الناس في الجاهلية قبل الإسلام يجبون أسنمة الإبل ويقطعون أليات الغنم فيأكلونها ويحملون منها الودك فلما قدم النبي ﷺ سألوه عن ذلك فقال: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ»، قال الحاكم: (هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه)، وقال الذهبي (صحيح). والودك هو: (دَسَم اللَّحْمِ ودُهْنُه الذي يُسْتَخْرَج منه). وبطبيعة الحال فإن العظم المبتور من الحيوان الميت هو ميتة كذلك لأنه جزء الميتة فلا يصح الانتفاع به.


4- عظام ما لا يؤكل لحمه:


وهي عظام الحيوانات التي حرم الله أكلها كالسباع والفيلة والنسور ونحوها... وقد وقع الخلاف في حكم الانتفاع بعظام هذه الحيوانات وهي حية كأن يبتر عظمها، ووقع الخلاف في حكم الانتفاع بعظمها بعد موتها، وفرق البعض بين أن تكون ماتت حتف أنفها وبين أن تكون قد ذبحت... إلخ، في تفصيلات وخلافات كثيرة بين العلماء... والذي أرجحه هو حرمة الانتفاع بعظام الحيوان غير المأكول اللحم:


أ- فإن كان العظم المأخوذ منه مبتوراً منه وهو حي، فيكون ميتة لا يجوز الانتفاع بها لقوله «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيِّتٌ».


ب- وإن كان مات حتف أنفه فإنه يكون ميتة كالحيوان المأكول اللحم، بل هو أولى بذلك من الحيوان المأكول اللحم، وينطبق عليه في هذه الحالة قوله ﷺ: «لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ».


ج- وإن كان مات بالذبح فإنه يكون ميتة أيضاً لأن الذبح لا يكون ذكاة شرعية إلا في شأن الحيوان المأكول اللحم، أما الحيوان غير المأكول اللحم فليس له ذكاة شرعية، فلا أثر لذبحه في إنزاله منزلة المذكى شرعاً، فيكون ميتة لا يجوز الانتفاع بعظمها وينطبق عليه في هذه الحالة أيضاً قوله ﷺ: «لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ».


5- عظام السمك وميتة البحر:


إن السمك وميتة البحر حلال كما جاء في الأحاديث، فقد روى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ»، وروى الترمذي في سننه عن المغيرة بن أبي بردة أنه سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنْ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا، أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»، "قال أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ"، وروى البخاري في صحيحه عن جابر رضي الله عنه قال: غَزَوْنَا جَيْشَ الْخَبَطِ وَأُمِّرَ أَبُو عُبَيْدَةَ فَجُعْنَا جُوعاً شَدِيداً فَأَلْقَى الْبَحْرُ حُوتاً مَيِّتاً لَمْ نَرَ مِثْلَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَظْماً مِنْ عِظَامِهِ فَمَرَّ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِراً يَقُولُ: قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: كُلُوا، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ذَكَرْنَا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «كُلُوا رِزْقاً أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ»، وهذا يعني أن ميتة البحر طاهرة حلال يجوز الانتفاع بها، ومن ذلك الانتفاع بعظامها.

ثانياً: الانتفاع بالجلود:


1- جلود الحيوان المأكول اللحم المذكى ذكاة شرعية:


يجوز الانتفاع بجلود الحيوان المأكول اللحم المذكى ذكاة شرعية لطهارته بالتذكية، ولما رواه النسائي في سننه وصححه الألباني عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟» قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا»، فجعل النبي ﷺ دباغ جلد الميتة قائماً مقام التذكية الشرعية في مأكول اللحم لأن التذكية الشرعية لا تكون إلا فيه، فدل ذلك على جواز الانتفاع بجلد الحيوان المأكول اللحم المذكى ذكاة شرعية... ولم نقف على خلاف في جواز ذلك.


2- جلود ميتة الحيوان المأكول اللحم:


وقد وقع خلاف بين العلماء في حكم الانتفاع بجلود ميتة الحيوان المأكول اللحم، والذي أرجحه أنه يجوز الانتفاع بجلود الحيوان المأكول اللحم سواء أمات حتف أنفه أم بذكاة غير شرعية كأن يذبحه بوذي... ولكن بشرط أن تتم دباغته، لأن جلد الميتة نجس ويطهره الدباغ إن كان جلد ميتة مأكول اللحم... وذلك للأدلة التالية:


أ- لما رواه النسائي في سننه وصححه الألباني عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ، قَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟» قَالَتْ: بَلَى، قَالَ: «فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا»، وواضح من الحديث أن دباغ جلد ميتة مأكول اللحم يطهره ويجعل الانتفاع به جائزاً كما هو الأمر في القربة المذكورة في الحديث.


ب- روى ابن حبان في صحيحه عَنْ الْعَالِيَةِ بِنْتِ سُبَيْعٍ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ لِي غَنْمٌ بأُحُدٍ فَوَقَعَ فِيهَا الْمَوْتُ فدخلتُ عَلَى مَيْمُونَةَ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهَا فَقَالَتْ لِي مَيْمُونَةُ: لَوْ أَخَذْتِ جُلُودَهَا فَانْتَفَعْتِ بِهَا؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَيَحِلُّ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: نَعَمْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ على رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّون شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِمَارِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا» قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطَهِّرُهَا الماء والقَرَظُ»، والقرظ هو ورق شجر يدبغ به. وكذلك حديث شاة مولاة ميمونة رضي الله عنها، فقد روى مسلم في صحيحه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ».


ج- روى الترمذي في سننه عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، قَالَ أَبُو عِيسَى: (... حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ حَسَنٌ صَحِيحٌ).


فهذه الأدلة تبين أن دباغة جلد ميتة مأكول اللحم تجعله طاهراً يحل الانتفاع به، فيكون جلد ميتة مأكول اللحم مستثنى من حرمة الانتفاع بالميتة الذي يدل عليه قوله ﷺ: «لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ».


3- جلود الحيوان غير المأكول اللحم:


اختلف العلماء اختلافاً كبيراً فيه تشعبات كثيرة حول حكم الانتفاع بجلود الحيوانات التي لا يؤكل لحمها... والذي أرجحه في هذه المسألة هو حرمة الانتفاع بجلود جميع الحيوانات غير المأكولة اللحم وذلك لنهي النبي ﷺ عن الانتفاع بالميتة: «لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ»، والانتفاع بجلود الحيوانات غير المأكولة اللحم لا يكون في العادة إلا بعد موتها، والميتة نجسة وجلدها نجس لأن النبي ﷺ ذكر بشأن ميتة مأكول اللحم: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا» قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطَهِّرُهَا الماء والقَرَظُ»، فدل ذلك على نجاسة جلد الميتة.


ولا يقال إن جلود ميتة غير المأكول اللحم تطهر بالدباغة لعموم قوله ﷺ «أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ»، ولحديث النبي ﷺ عن الشاة الميتة: «لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا» قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطَهِّرُهَا الماء والقَرَظُ»، وحديث شاة مولاة ميمونة رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنْ الصَّدَقَةِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أَلَّا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ»... لا يقال ذلك لأن هذه الأحاديث وإن كان يمكن أن تكون عامة في طهورية جلد أي ميتة إذا دبغ ولكن هذا مخصص بجلد ميتة ما يؤكل لحمه لأن الأحاديث تتعلق بجلد شاة وقد جاء في حديث للنبي ﷺ: «فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا»، وهذا المفهوم بدلالة التنبيه يفيد أن الدبغ يطهر مثل الذكاة التي تطهر وحيث إن الذكاة لا تكون إلا فيما يؤكل لحمه فهكذا التطهير بالدبغ لا يكون إلا في جلد ميتة ما يؤكل لحمه، فالعموم يبقى في الموضوع نفسه وهو هنا تطهير جلد ميتة مأكول اللحم وليس تطهير شيء آخر، فلا تشمل هذه الأحاديث جلود سائر الميتة... وعليه فإن جلود ميتة غير المأكول اللحم نجسة ولا تطهر بالدباغة ولا بغيرها، ويحرم الانتفاع بها.


4- جلود الأسماك والحيتان وسائر ميتة البحر:


يجوز الانتفاع بجلود الأسماك والحيتان وسائر ميتة البحر للأدلة التي سقناها في بيان حكم الانتفاع بعظام ميتة البحر: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ الْحُوتُ وَالْجَرَادُ»، «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ»، «كُلُوا رِزْقاً أَخْرَجَهُ اللَّهُ، أَطْعِمُونَا إِنْ كَانَ مَعَكُمْ فَأَتَاهُ بَعْضُهُمْ فَأَكَلَهُ» فهي تشمل حيوان البحر كله من عظم ولحم وجلد وغير ذلك وتدل على طهارته وجواز الانتفاع به.


ثالثاً: حكم استعمال أجزاء الحيوان في صناعة القلائد والأساور والمسابح والأواني ونحو ذلك:


بناء على التفصيل المذكور في الأعلى يكون الجواب على سؤالك حول استعمال أجزاء الحيوان وأعضائه في صناعة القلائد والأساور والمسابح وغيرها... فإن كان يجوز الانتفاع بجزء الحيوان وفق المذكور في الأعلى فإنه يجوز استعماله في صناعة تلك السلع... وإن كان لا يجوز الانتفاع بجزء الحيوان كما هو مبين في الأعلى فلا يجوز استعماله في صناعة تلك السلع وتكون تلك السلع نجسة إذا صنعت من جزء الحيوان النجس الذي يحرم الانتفاع به، ويكون الانتفاع بتلك السلع حراماً لنجاستها.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة


05 ربيع الآخر 1442هـ
الموافق 2020/11/20م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك

رابط الجواب من صفحة الأمير(حفظه الله) ويب

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك