جواب سؤال: الدلالة الأصلية والدلالة التابعة
February 27, 2023

جواب سؤال: الدلالة الأصلية والدلالة التابعة

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدلالة الأصلية والدلالة التابعة

إلى Yeni Camii

السؤال:

جاء في الشخصية الجزء الأول ص307 أن الدلالات تقسم إلى دلالة أصلية ودلالة تابعة... ولكن جاء في الشخصية الجزء الثالث ص129 أن الدلالات تقسم إلى منطوق ومفهوم وأن المنطوق من قسمين (المطابقة والتضمن)، وأن المفهوم، أي دلالة الالتزام، هو أنواع ومن هذه الأنواع دلالة الإشارة، وعند شرح دلالة الإشارة كانت أمثلتها هي نفسها التي ذكرت في الشخصية الأول كأمثلة على الدلالة التابعة عند بعضهم، وقد شكل هذا شيئاً من الالتباس حول ما جاء في التقسيمات الواردة في الجزء الأول وفي الجزء الثالث.. فهل الدلالة الأصلية هي المنطوق والدلالة التابعة هي المفهوم؟ أو أن التقسيم للدلالات كل له جهة يستعمل فيها؟ وهل كان تقسيم هذه الدلالات في أزمنة واحدة أو أزمنة مختلفة؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب:

1- إن الموضع الذي تسأل عنه هو في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول يوضح تماماً معنى الدلالة الأصلية والدلالة التابعة، فهو يقول في صفحة 305-307 ملف الوورد باب حاجة الأمة اليوم إلى مفسرين:

[أما واقع القرآن من حيث مفرداته فإنا نشاهد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى اللغوي حقيقة، والمعنى اللغوي مجازاً. وقد يبقى استعمال المعنى اللغوي والمجازي معاً، ويعرف المعنى المراد بالقرينة في كل تركيب. وقد يتناسى المعنى اللغوي ويبقى المعنى المجازي، فيصبح هو المقصود، لا المعنى اللغوي. ونشاهد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى اللغوي فقط، ولم تستعمل في المعنى المجازي، لعدم وجود أي قرينة تصرفها عن المعنى اللغوي. وتوجد فيه مفردات ينطبق عليها المعنى اللغوي وينطبق عليها معنى شرعي جديد غير المعنى اللغوي حقيقة، وغير المعنى اللغوي مجازاً وتستعمل في المعنى اللغوي والمعنى الشرعي في آيات مختلفة، والذي يعيّن أي معنى مُراد منهما هو تركيب الآية. أو ينطبق عليها المعنى الشرعي فحسب، ولا تستعمل في المعنى اللغوي. فمثلاً كلمة قرية استعملت بمعناها اللغوي فقط، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾، ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ واستعملت بمعناها المجازي، قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ والقرية لا تسأل بل المراد أهل القرية، وهذا المعنى مجازي. وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا﴾، والمراد أهل قرية... ومثل قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى﴾ فإن المراد معناها الشرعي. وقوله تعالى: ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ المراد المعنى اللغوي وهو الدعاء. ومثل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾. وجميع الآيات التي ذكرت فيها الصلاة لم تستعمل إلا بمعناها الشرعي.

هذا من حيث المفردات. أما من حيث التراكيب فإن اللغة العربية من حيث هي ألفاظ دالة على معانٍ، وإذا تقصينا هذه الألفاظ من حيث وجودها في تراكيب، سواء أكانت من حيث معناها الإفرادي في التركيب، أم من حيث معنى التركيب جملة، فإنها لا تخرج عن نظرتين اثنتين. إحداهما أن ينظر إليها من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقة دالة على معانٍ مطلقة، وهي الدلالة الأصلية. والثانية من جهة كونها ألفاظاً وعبارات دالة على معانٍ خادمة للألفاظ والعبارات المطلقة، وهي الدلالة التابعة....

وأما بالنسبة للقسم الثاني وهو كون التراكيب ألفاظاً وعبارات دالة على معانٍ خادمة للألفاظ والعبارات المطلقة، فإن كل خبر يقال في الجملة يقتضي بيان ما يقصد في الجملة بالنسبة لذلك الخبر. فتوضع الجملة على وضع يؤدي ذلك القصد بحسب المخبر، والمخبر عنه، ونفس الإخبار، في الحال التي وجد عليها، وفي المساق الذي سيقت به الجملة، وفي نوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء والإيجاز والإطناب وغير ذلك. فإنك تقول في ابتداء الإخبار: قام زيد، إن لم تكن عناية بالمخبر عنه بل بالخبر. فإن كانت العناية بالمخبر عنه قلت زيد قام. وفي جواب السؤال أو هو منزل منزلة السؤال قلت إن زيداً قام. وفي جواب المنكر: والله إن زيداً قام، وفي إخبار من يتوقع قيام زيد: قد قام زيد، إلى غير ذلك من الأمور التي يجب أن تلاحظ في النصوص العربية، وقد جاء القرآن مستوفياً هاتين النظرتين، فجاءت فيه الألفاظ والعبارات المطلقة الدالة على معانٍ مطلقة، وجاءت فيه الألفاظ والعبارات المقيدة الدالة على معانٍ خادمة للمعاني المطلقة، في وجوه متعددة من البلاغة. ومن أروع ما روعي فيه وجود المعاني الخادمة، التي هي الدلالة التابعة، الآيات وأجزاء الآيات التي تتكرر في القرآن في السورة الواحدة والسور المختلفة، وكذلك القصص والجمل التي تتكرر في القرآن، وما جاء فيه من تقديم المحمول على الموضوع، ومن التأكيد بأنواع من التأكيد أو بنوع واحد حسب مساق الجملة، ومن الاستفهامات الإنكارية وغير ذلك، مما يتضمن أعلى أنواع الدلالة التابعة. فإنك تجد الآية أو جزء الآية أو الجملة أو القصة، تأتي في مساق على وجه في بعض السور، وتأتي على وجه آخر في سورة أخرى، وتأتي على وجه ثالث في موضع آخر وهكذا... ولا تجد تعبيراً حوّل عن وضعه الأصلي كتقديم الخبر على المبتدأ، وكتأكيد الخبر، وكالاكتفاء بذكر البعض عن البعض الآخر مما يذكر عادة، وغير ذلك، إلاّ وجدت لهذا نكتة بلاغية كانت لإيجاد معنى يخدم المعاني المطلقة التي تتضمنها الألفاظ والعبارات في الآية.] انتهى.

2- وكما ترى فإن الدلالة الأصلية هي التي ينظر إليها من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقة دالة على معانٍ مطلقة، وهي الدلالة الأصلية. أي دلالة الألفاظ وفق أساليب اللغة من تقديم وتأخير، وإطناب وإيجاز، وحقيقة ومجاز...إلخ فهي بعبارة أخرى منطوق النص، فالمنطوق كما جاء في الشخصية الثالث ص 180 هو (دلالة الخطاب على الحكم إن كانت من اللفظ فهي دلالة المنطوق، وإن كانت من المعنى الذي دل عليه اللفظ فهي دلالة المفهوم. والمنطوق هو ما دل عليه اللفظ قطعاً في محل النطق، أي ما فهم من اللفظ مباشرة من غير واسطة ولا احتمال... كوجوب صوم رمضان، المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وذلك أن يدل اللفظ بمنطوقه على المعنى، وهو المسمى بالدلالة اللفظية. فما دل عليه اللفظ مطابقة أو تضمناً هو المنطوق، لا الذي يفهم من سوق الكلام؛ وذلك لأن اللفظ ينقسم باعتبار الدال وحده إلى ثلاثة أقسام هي: المطابقة، والتضمن، والالتزام. فدلالة اللفظ على تمام معناه مطابقة فهي من المنطوق، ودلالة اللفظ على جزء المسمى تضمن وهي كذلك من المنطوق. وإذا دل الخطاب على الحكم بمنطوقه، فإنه يحمل أولاً على الحقيقة الشرعية كقوله ﷺ: «لَيْسَ مِنَ الْبِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ» أخرجه أحمد، فيحمل على الصيام الشرعي لا اللغوي؛ وذلك لأن النبي ﷺ بعث لبيان الشرعيات، فإن لم يكن اللفظ حقيقة شرعية، أو كان ولم يمكن أن يحمل عليها، حمل على الحقيقة العرفية الموجودة في عهده عليه الصلاة والسلام؛ لأنه المتبادر إلى الفهم، ولاعتبار الشرع العرف في كثير من الأحكام كالأيمان. فإن تعذر حمله على الحقيقة الشرعية، وعلى الحقيقة العرفية، الموجودة في عهد الرسول، حمل على الحقيقة اللغوية. فالنصوص الشرعية ألفاظ تشريعية، وقد جاءت لبيان الشريعة الإسلامية، فيكون الأصل في دلالتها هو المعنى الشرعي، ثم المعنى العرفي، ثم المعنى اللغوي. وهذا إذا كثر استعمال الشرعي والعرفي بحيث صار يسبق أحدهما دون اللغوي، فإن لم يكن كذلك كان مشتركاً لا يترجح إلا بقرينة، فإن تعذرت الحقائق الثلاث حمل على المجازي، صوناً للكلام عن الإهمال...).

3- وهكذا فإنك ترى أن الدلالة الأصلية هي دلالة المنطوق وكلاهما يعني دلالة اللفظ، فدلالة الخطاب على الحكم إن كانت من اللفظ فهي دلالة المنطوق، والدلالة الأصلية هي التي ينظر إليها من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقة دالة على معانٍ مطلقة، وهي الدلالة الأصلية. وتكون الدلالة التابعة هي خادمة للدلالة الأصلية توضحها بأسلوب بديع يظهر روعة المعنى وروعة المبنى، أي هي خادمة للمنطوق توضحه وتبينه من حيث الحقيقة والمجاز، والإطناب والإيجاز، والتقديم والتأخير...إلخ، أي بكل ما يوضح المعنى ويبرز (مظهر بلاغته وملاك إعجازه).. وهذا يعني أن الدلالة التابعة هي توضيح للمنطوق مؤكدة لحكمه وليست لبيان حكم آخر، فهي خادمة للدلالة الأصلية أي للمنطوق لتوضيح معناه وليست لإيجاد حكم مختلف، أي أن الدلالة التابعة ليست هي المفهوم ولا هي نوع من أنواعه.. فالمنطوق ما فهم من دلالة اللفظ، أما المفهوم فهو ما فهم من مدلول اللفظ أي من معنى اللفظ كقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ فإن دلالة اللفظ هي لا تتأفف لهما وهذا هو المنطوق، ولكن مدلول اللفظ، وهو النهي عن التأفيف، يفهم منه لا تضربهما، فيكون مفهوم قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ هو لا تضربهما. فتحريم ضرب الوالدين المفهوم من قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾ قد دل عليه مفهوم الآية...).

4- وللعلم فإن المنطوق والمفهوم تم التركيز عليه من علماء الأصول في القرون الأولى منذ عصر الشافعي "المتوفى 204هـ"، كما قال الجويني في البرهان، وازدهر في القرن الخامس الهجري، وبخاصة عند الجويني إمام الحرمين في كتابه (البرهان في أصول الفقه) المتوفى سنة 478هـ، والغزالي في كتابه (المستصفى) المتوفى 505هـ، وسنذكر بعض ما قاله الغزالي في المستصفى:

[- في ص25: [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي]

الْفَنُّ الْأَوَّلُ فِي السَّوَابِقِ فِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي دَلَالَةِ الْأَلْفَاظِ عَلَى الْمَعَانِي وَيَتَّضِحُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ بِتَقْسِيمَاتٍ:

التَّقْسِيمُ الْأَوَّلُ: أَنَّ دَلَالَةَ اللَّفْظِ عَلَى الْمَعْنَى تَنْحَصِرُ فِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَهِيَ الْمُطَابَقَةُ وَالتَّضَمُّنُ وَالِالْتِزَامُ...إلخ

- وفي ص246: الْخَامِسُ: الْمَفْهُومُ بِالْفَحْوَى، كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْأَبِ حَيْثُ فُهِمَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ التَّأْفِيفِ، فَهُوَ قَاطِعٌ كَالنَّصِّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَنِداً إلَى لَفْظٍ، وَلَسْنَا نُرِيدُ اللَّفْظَ بِعَيْنِهِ بَلْ لِدَلَالَتِهِ، فَكُلُّ دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ قَاطِعٍ فَهُوَ كَالنَّصِّ، وَالْمَفْهُومُ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهِ أَيْضاً كَالْمَنْطُوقِ حَتَّى إذَا وَرَدَ عَامٌّ فِي إيجَابِ الزَّكَاةِ فِي الْغَنَمِ ثُمَّ قَالَ الشَّارِعُ: «فِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ زَكَاةٌ» أُخْرِجَتْ الْمَعْلُوفَةُ مِنْ مَفْهُومِ هَذَا اللَّفْظِ عَنْ عُمُومِ اسْمِ الْغَنَمِ، وَالنَّعَمِ...إلخ.]

ثم تتابع علماء الأصول فكان المحصول في أصول الفقه لابن العربي المتوفى 543هـ، والمحصول للرازي المتوفى 606هـ، وروضة الناظر لابن قدامة المتوفى 620هـ، ثم الإحكام في أصول الأحكام للآمدي المتوفى 631هـ... ثم علماء الأصول بعد ذلك.

5- ثم كان تقسيم الدلالات إلى أصلية وتابعة، وكان أكثرهم تركيزاً على هذا الأمر وتوضيحاً له الإمام الشاطبي المتوفى 790هـ في كتابه الموافقات - الجزء الأول - باب أنواع معاني العربية ومراتبها الطبعة الأولى 1417هـ/1997م (ص 51-52) حيث قال:

[(3) أنواع معاني العربية ومراتبها... ومن معهود العرب في الخطاب - كما يذكر الشاطبي - أن للغة العربية دلالتين:

الأولى: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مطلقة، دالة على معان مطلقة..

وهي الدلالة الأصلية، وهذه تشترك فيها جميع الألسنة، وإليها تنتهي مقاصد المتكلمين، ولا تختص بأمة دون أخرى، وهي التي يمكن ترجمتها إلى اللغات الأخرى، ومنها صح تفسير القرآن، وبيان معناه للعامة ومن ليس له فهم يقوى على تحصيل معانيه.

والثانية: من جهة كونها ألفاظا وعبارات مقيدة، دالة على معان خادمة.. وهي الدلالة التابعة للدلالة الأصلية. وهذه الدلالة يختص بها لسان العرب.. ("فإن كل خبر يقتضي في هذه الجهة أمورا خادمة لذلك بحسب المخبر، والمخبر عنه، والمخبر به، ونفس الإخبار، في الحال والمساق، ونوع الأسلوب من الإيضاح والإخفاء، والإيجاز والإطناب، وبحسب الكناية عنه، والتصريح به، وبحسب ما يقصد في مساق الإخبار، وما يعطيه مقتضى الحال... إلى غير ذلك من الأمور التي لا يمكن حصرها. فمثل هذه التصرفات التي يختلف معنى الكلام الواحد بحسبها ليست هي المقصود الأصلي، ولكنها من مكملاته ومتمماته، وبطول الباع في هذا النوع يحسن مساق الكلام إذا لم يكن فيه منكر")... ويضيف قائلاً عن هذه الدلالة الثانية: ("وهي ما يبحث عنها في علم البلاغة، ويسميها البلاغيون "مستتبعات التراكيب" وهي خواص النظم التي يرتفع بها شأن الكلام. وإذا كان للقرآن باعتباره ألفاظا لغوية دلالة أصلية، وأخرى تابعة (هي مظهر بلاغته، وملاك إعجازه)؛ فإن ترجمته بالنظر إلى المعنى الثانوي غير ميسورة، قال الزمخشري في "الكشاف": "إنّ في كلام العرب - خصوصا القرآن - من لطائف المعاني ما لا يستقل بأدائه لسان". أما الذي يمكن نقله إلى لغة أخرى؛ فهو المعنى الأصلي، حيث لا تقصر اللغات الأجنبية عن تأديتها. هذا ما قرره الشاطبي في مسألة ترجمة القرآن...)] انتهى

6- ومن الجدير ذكره أن هذه المسألة مختلف فيها بين علماء الأصول فمنهم من قال نحو ما ذكرناه من أن الدلالة التابعة لا تأتي بحكم جديد وإنما هي خادمة توضح الدلالة الأصلية، ومنهم من يجعل الدلالة التابعة من المفهوم وخاصة دلالة الإشارة، مثل أقل مدة الحمل...إلخ وقد وضحنا دلالة الإشارة من أنواع المفهوم في الشخصية الثالث ص186 فقلنا:

[دلالة الإشارة: دلالة الإشارة هي أن يكون الكلام قد سيق لبيان حكم، أو دل على حكم، ولكنه يفهم منه حكم آخر غير الحكم الذي سيق لبيانه، أو جاء ليدل عليه، مع أن هذا الحكم الآخر لم يكن مقصوداً من الكلام، فدلالة الكلام على هذا الحكم الذي لم يسق له، ولم يدل عليه، ولكن يفهم منه، هي دلالة الإشارة، مثال ذلك دلالة مجموع قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وإن لم يكن ذلك مقصوداً من اللفظ. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ أباح المباشرة إلى طلوع الفجر بقوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان بيان ذلك هو المقصود، ومع ذلك لزم منه أن من جامع في ليل رمضان وأصبح جنباً لم يفسد صومه؛ لأن من جامع في آخر الليل لا بد من تأخر غسله إلى النهار...]

ويؤكد الشاطبي أن هناك من علماء الدلالة الأصلية والتابعة من يقول بهذا القول، أي أن الدلالة التابعة هي دلالة الإشارة ويضرب لها الأمثلة نفسها التي ذكرناها للإشارة فيقول في الموافقات 2/151-154 مبيناً الاختلاف في الدلالة التابعة وذلك تحت عنوان (المسألة الخامسة) فيقول:

[إذا ثبت أن للكلام من حيث دلالته على المعنى اعتبارين من جهة دلالته على المعنى الأصلي ومن جهة دلالته على المعنى التبعي الذي هو خادم للأصل كان من الواجب أن ينظر في الوجه الذي تستفاد منه الأحكام وهل يختص بجهة المعنى الأصلي أو يعم الجهتين معا.

أما جهة المعنى الأصلي فلا إشكال في صحة اعتبارها في الدلالة على الأحكام بإطلاق ولا يسع فيه خلاف على حال.. وأما جهة المعنى التبعي فهل يصح اعتبارها في الدلالة على الأحكام من حيث يفهم منها معان زائدة على المعنى الأصلي أم لا هذا محل تردد ولكل واحد من الطرفين وجه من النظر:

فللمصحح أن يستدل بأوجه:...

والثاني أن الاستدلال بالشريعة على الأحكام إنما هو من جهة كونها بلسان العرب لا من جهة كونها كلاما فقط وهذا الاعتبار يشمل ما دل بالجهة الأولى وما دل بالجهة الثانية.. فتخصيص الأولى بالدلالة على الأحكام دون الثانية تخصيص من غير مخصص وترجيح من غير مرجح وذلك كله باطل فليست الأولى إذ ذاك بأولى للدلالة من الثانية فكان اعتبارهما معا هو المتعين...

والثالث أن العلماء قد اعتبروها واستدلوا على الأحكام من جهتها في مواضع كثيرة:

استدلوا على أن أكثر مدة الحيض خمسة عشر يوما بقوله عليه الصلاة والسلام: «تَمْكُثُ إحْدَاكُنَّ شَطْرَ دَهْرِهَا لَا تُصَلِّي» والمقصود الإخبار بنقصان الدين لا الإخبار بأقصى المدة ولكن المبالغة اقتضت ذكر ذلك ولو تصورت الزيادة لتعرض لها.

وكاستدلالهم على تقدير أقل مدة الحمل ستة أشهر أخذاً من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً﴾، مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾، فالمقصد في الآية الأولى بيان مدة الأمرين جميعاً من غير تفصيل، ثم بين في الثانية مدة الفصال قصداً وسكت عن بيان مدة الحمل وحدها لا قصداً، فلم يذكر له مدة، فلزم من ذلك أن أقلها ستة أشهر.

وقالوا في قوله تعالى ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ الآية إنه يدل على جواز الإصباح جنبا وصحة الصيام لأن إباحة المباشرة إلى طلوع الفجر تقتضي ذلك وإن لم يكن مقصود البيان لأنه لازم من القصد إلى بيان إباحة المباشرة والأكل والشرب...

وللمانع أن يستدل أيضا بأوجه:

أحدها أن هذه الجهة إنما هي بالفرض خادمة للأولى وبالتبع لها فدلالتها على معنى إنما يكون من حيث هي مؤكدة للأولى ومقوية لها وموضحة لمعناها وموقعة لها من الأسماع موقع القبول ومن العقول موقع الفهم...

وكما نقول في نحو ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ إن المقصود سل أهل القرية ولكن جعلت القرية مسئولة مبالغة في الاستيفاء بالسؤال وغير ذلك فلم ينبن على إسناد السؤال للقرية حكم...

والثالث أن وضع هذه الجهة على أن تكون تبعا للأولى يقتضي أن ما تؤديه من المعنى لا يصح أن يؤخذ إلا من تلك الجهة فلو جاز أخذه من غيرها لكان خروجا بها عن وضعها وذلك غير صحيح ودلالتها على حكم زائد على ما في الأولى خروج لها عن كونه تبعا للأولى فيكون استفاده الحكم من جهتها على غير فهم عربي وذلك غير صحيح...

فأما مدة الحيض فلا نسلم أن الحديث دال عليها وفيه النزاع ولذلك يقول الحنفية إن أكثرها عشرة أيام وإن سلم فليس ذلك من جهة دلالة اللفظ بالوضع وفيه الكلام... وأقل مدة الحمل مأخوذ من الجهة الأولى لا من الجهة الثانية، وكذلك مسألة الإصباح جنبا إذ لا يمكن غير ذلك.

وهكذا سائر ما يفرض في هذا الباب. فالحاصل أن الاستدلال بالجهة الثانية على الأحكام لا يثبت فلا يصح إعماله ألبتة..

فالصواب إذاً القول بالمنع مطلقا والله أعلم] أي أن الشاطبي لا يأخذ برأي الفريق الأول بل الثاني، ولكنه يضيف بعد ذلك:

[فصل: قد تبين تعارض الأدلة في المسألة وظهر أن الأقوى من الجهتين جهة المانعين فاقتضى الحال أن الجهة الثانية وهي الدالة على المعنى التبعي لا دلالة لها على حكم شرعي زائد ألبتة.. لكن يبقى فيها نظر آخر ربما أخال أن لها دلالة على معان زائدة على المعنى الأصلي هي آداب شرعية وتخلقات حسنة يقر بها كل ذي عقل سليم فيكون لها اعتبار في الشريعة فلا تكون الجهة الثانية خالية عن الدلالة جملة...]

7- والخلاصة هي:

أ- الدلالة الأصلية هي المنطوق وكلتاهما تعني دلالة اللفظ، فدلالة المنطوق هي دلالة الخطاب على الحكم إن كانت من اللفظ مباشرة في محل النطق قطعاً.. والدلالة الأصلية هي من جهة كونها ألفاظاً وعبارات مطلقة دالة على معانٍ مطلقة.. فالمنطوق والدلالة الأصلية كلاهما دلالات من اللفظ مباشرة...

ب- الدلالة التابعة هي خادمة للمنطوق توضحه بأسلوب بديع يظهر روعة المعنى وروعة المبنى، أي هي خادمة للمنطوق توضحه وتبينه من حيث الحقيقة والمجاز، والإطناب والإيجاز، والتقديم والتأخير...إلخ، أي بكل ما يوضح المعنى ويبرز (مظهر بلاغته وملاك إعجازه) وهذا يعني أن الدلالة التابعة هي توضيح للمنطوق مؤكدة لحكمه وليست لبيان حكم آخر، فهي خادمة للدلالة الأصلية أي للمنطوق لتوضيح معناه وليست لإيجاد حكم مختلف، وبعبارة أخرى فالدلالة التابعة ليست هي المفهوم ولا هي نوع من أنواعه.. لا دلالة الإشارة ولا غيرها.

ج- وللعلم فإن هذه المسألة مختلف فيها بين علماء الأصول فمنهم من قال نحو ما ذكرناه من أن الدلالة التابعة لا تأتي بحكم جديد وإنما هي خادمة توضح الدلالة الأصلية، ومنهم من يجعل الدلالة التابعة من المفهوم وخاصة دلالة الإشارة، مثل أكثر مدة الحيض وأقل مدة الحمل والإصباح جنباً لا يفسد الصوم...إلخ كما هو مبين أعلاه.. غير أن الراجح لدينا هو ما ذكرناه آنفاً.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

06 شعبان 1444هـ

الموافق 2023/02/26م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك