جواب سؤال:  الدليل الكلي والدليل الجزئي والملكة في الاجتهاد
January 18, 2023

جواب سؤال: الدليل الكلي والدليل الجزئي والملكة في الاجتهاد

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدليل الكلي والدليل الجزئي والملكة في الاجتهاد

إلى: Yeni Camii

السؤال:     

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله العلي القدير أن تصلكم رسالتي هذه وأنتم بستر وعافية ورضا من الله عنكم وتوفيق وسداد لكم في القول والعمل،

أثناء تحضيري في كتاب الشخصية ج1 أشكل علي فهم أمور في موضوع الاجتهاد، فأرجو منكم التفضل علي بالجواب ولكم الأجر العظيم والشكر الجزيل:

أولا: في كتاب الشخصية الإسلامية ج1 ص203 وردت العبارات التالية في موضوع الاجتهاد (لأن الاجتهاد هو استنباط الحكم من النص سواء أكان ذلك من استنباط حكم كلي من دليل كلي، كاستنباط أن على الناهب عقوبة من جعل الشارع قطع اليد حداً للسرقة، أم كان استنباط حكم جزئي من دليل جزئي مثل استنباط حكم الإجارة من كونه ﷺ استأجر اجيرا...)

وورد في كتاب الشخصية الجزء الثالث ص 445 موضوع القواعد الكلية: (فالقواعد الكلية، والتعاريف الشرعية، أحكام كلية، وأما الحكم الشرعي فهو حكم جزئي) والسؤال هو:

 ١- ما هو الدليل الكلي والدليل الجزئي؟ فلماذا سمي دليل قطع يد السارق بالدليل الكلي وسمي دليل إباحة الإجارة بالدليل الجزئي؟ (هل الحكم الشرعي يكون حكما كليا وحكماً جزئياً كما وصف في موضوع الاجتهاد، أم هو فقط حكم جزئي ولا يسمى كليا إلا في التعاريف الشرعية والقواعد الكلية كما يفهم من الشخصية الجزء الثالث؟)

ثانيا: في موضوع شروط الاجتهاد ص213: (الملكةً تعني قوة في الفهم والربط، وهذه قد تحصل من فرط الذكاء مع معرفة شيءٍ من المعارف الشرعية واللغوية، ولا تحتاج إلى إحاطة بالمعارف الشرعية واللغوية).

وجاء في جواب سؤال في 2017/8/8: (وليس المقصود بالملكة في الفقه الناحية الفطرية والاستعداد الفطري الذي يتفاوت من شخص لآخر، بل المقصود الملكة المكتسبة بالتعلم والدراسة والتعمق والممارسة... ومع أن الاستعدادات الفطرية يمكن أن تساهم في تولد الملكة الفقهية وتطورها بسرعة، ولكن هذه الاستعدادات الفطرية ليست هي الملكة المقصودة).

2- والسؤال هل ما ورد في الجواب يعارض ما ورد في الكتاب من ناحية علاقة الاستعدادات الفطرية بتكوين الملكة؟ فالكتاب جعل الأساس في الملكة قوة الفهم والربط، أما الجواب فجعل الأساس هو المعارف المكتسبة؟

بورك فيكم وجزاكم الله خيرا.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

إنك تسأل عن أمور... إليك جوابها:

أولاً: الدليل الكلي والدليل الجزئي: هذا الأمر مفصل في الشخصية الثالث - باب القواعد الكلية، وكذلك الشخصية الأول، والكراسة، فيمكنك الرجوع إليه... ولكني سأقرِّب الجواب إليك باختصار:

إذا أمكن أن يُستنبط من الدليل (أو الأدلة) قاعدة شرعية تندرج تحتها أحكام شرعية أخرى غير الواردة نصاً في الدليل أو الأدلة، وعن غير طريقة القياس أي دون أن تقاس الأحكام الجديدة على ذلك المذكور في النص بل تندرج كجزئيات لتلك القاعدة، فحينئذ تكون القاعدة كلية ويكون الحكم المندرج تحتها كلياً، وغالباً ما يكون بين القاعدة والحكم المندرج تحتها ما يشبه العلة (أو مثابة العلة) وأحياناً علة حقيقية... جاء في الشخصية الثالث باب القواعد الكلية ص455 (ومن ذلك يتبين أن القاعدة الكلية تجعل الحكم بمثابة علة لحكم كلي لكونه سبباً له، أي لكونه ناتجاً عنه أو مرتباً عليه، أو تجعله علة حقيقية لحكم كلي، فهي حكم كلي ينطبق على جزئياته لذلك تطبق على كل حكم تنطبق عليه كما يطبق الدليل الذي جاء به ولا يقاس عليها قياساً، بل تندرج جزئياته تحتها، أي تكون داخلة تحت مفهومها أو منطوقها تماماً كما تدخل تحت دلالة الدليل، ويكون الاستدلال بها كالاستدلال بالدليل. فالقاعدة الكلية تعامل معاملة القياس... غير أن القواعد الكلية ليست كالقياس دليلاً شرعياً، ولا أصلاً من أصول الشرع، وإنما هي حكم شرعي استنبط كسائر الأحكام الشرعية، فلا تكون دليلاً؛)

ثانياً: ولتوضيح ذلك نذكر مثالين من الشخصية الثالث ص454-455 في أحدهما مثابة العلة، وفي الآخر العلة:

1- (فمثلاً قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ، فالفاء في ﴿فَيَسُبُّوا﴾ أفادت أن سبكم لأصنامهم يؤدي إلى سبهم لله، وهذا حرام، فيترتب عليه أن سبكم لأصنامهم في هذه الحالة حرام، فكأنها كانت علة. فالنهي عن مسبة الذين كفروا هو دليل الحكم، وقد دل، إلى جانب دلالته على الحكم، على شيء آخر مرتباً عليه حين قال: ﴿فَيَسُبُّوا اللَّهَ﴾ فاستنبطت من هذه الآية قاعدة: "الوسيلة إلى الحرام حرام"...)

2- (ومثلاً يقول الرسول ﷺ: «الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثـَلاَثٍ: فِي الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ» أخرجه أبو داود، وثبت عنه ﷺ أنه أقر أهل الطائف وأهل المدينة على ملكية الماء ملكية فردية، وفهم من حال المياه التي سمح بها ملكية فردية أنها لم تكن للجماعة حاجة فيها، فكانت علة كون الناس شركاء في الثلاث "هي" كونها من مرافق الجماعة، فالدليل دل على الحكم، ودل على العلة، أي دل على الحكم، ودل على شيء آخر كان سبب تشريع الحكم، فاستنبطت منه قاعدة: "كل ما كان من مرافق الجماعة كان ملكية عامة"...)

وبعد ذلك يضيف الكتاب:

(ومن ذلك يتبين أن القاعدة الكلية تجعل الحكم بمثابة علة لحكم كلي؛ لكونه سبباً له، أي لكونه ناتجاً عنه أو مرتباً عليه، أو تجعله علة حقيقية لحكم كلي، فهي حكم كلي ينطبق على جزئياته؛ ولذلك تطبق على كل حكم تنطبق عليه، كما يطبق الدليل على الحكم الذي جاء به، ولا يقاس عليها قياساً، بل تندرج جزئياته تحتها، أي تكون داخلة تحت مفهومها أو منطوقها تماماً كما تدخل تحت دلالة الدليل، ويكون الاستدلال بها كالاستدلال بالدليل. فالقاعدة الكلية تعامل معاملة القياس، وكل ما انطبقت عليه القاعدة يأخذ حكمها، إلا أن يرد نص شرعي على خلاف ما في القاعدة، فيعمل بالنص، وتلغى القاعدة، كما هي الحال في القياس، إذا ورد نص شرعي يؤخذ بالنص ويلغى القياس. غير أن القواعد الكلية ليست كالقياس دليلاً شرعياً، ولا أصلاً من أصول الشرع، وإنما هي حكم شرعي استنبط كسائر الأحكام الشرعية، فلا تكون دليلاً؛ ولهذا فإن ما تنطبق عليه يعتبر تفريعاً عليها أو بمثابة التفريع. ومثل القاعدة الكلية التعريف الكلي، فكل ما انطبق عليه يأخذ حكمه، إلا أن يرد نص شرعي فيؤخذ بالنص...)

ثالثاً: والآن نأتي إلى سؤالك الأول عن السرقة والإجارة:

قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فهذا الدليل يمكن أن تُستنبط منه قاعدة كلية بأن (الاعتداء على أموال الناس مُحرّم وعليه عقوبة)، وهذا لأنه يمكن أن يُقال إن نص السرقة يحمل ما يشبه العلة أو مثابة العلة وهي الربط بين قطع اليد وبين السرقة... فقد جرى ترتيب قطع اليد على السرقة بالفاء وهي هنا سببية، وهناك رابط بين الحكم ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، وبين الموجب للقطع وهو السرقة في قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، وقطع اليد هو فقط بالنسبة للسرقة، لكن وجود هذا الترابط بين الحكم وسببه يمكِّن المجتهد من أن يصوغ حكماً كلياً يشمل حالات تندرج تحته، فيقال التعدي على أموال الآخرين محرم ويوجب عقوبة... ويندرج تحت هذا الحكم أن على الناهب عقوبة مع أن حكم الناهب لم يذكر في الآية، ولهذا أفادت الآية أن حد السارق هو القطع وأفادت إلى جانب ذلك بناء على تركيبها اللغوي أن المعتدي على أموال الآخرين يستحق عقوبة، لهذا كان دليل قطع يد السارق دليلاً كلياً يفيد حكماً كلياً...

أما حكم الإجارة المأخوذ مثلاً من أنه ﷺ «اسْتَأْجَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّئْلِ هَادِياً خِرِّيتاً»، فليس فيه شيء كلي ولا ترتيب شيء على شيء، بل هو دليل يستفاد منه جواز الإجارة، فهو دليل جزئي يفيد حكماً جزئياً... وبعبارة أخرى فإن دليل الإجارة لا يتعلق بغير الأجير، ولا يمكن أن تدخل تحته عقود أخرى، أي عقود غير الإجارة، لذلك فهو دليل جزئي... وهذا بطبيعة الحال غير تعريف الإجارة لأن التعريف يوصف بالكلية فتدخل تحت التعريف أنواع الإجارة، فالتعريف من هذه الناحية له وصف الكلية، ولكن دليل الإجارة نفسه لا يوصف بالكلية لأنه لا يشمل غير موضوع الإجارة.

رابعاً: أما عن سؤالك الثاني: (هل الحكم الشرعي يكون حكما كليا وحكماً جزئياً كما وصف في موضوع الاجتهاد، أم هو فقط حكم جزئي ولا يسمى كليا إلا في التعاريف الشرعية والقواعد الكلية كما يفهم من الشخصية الجزء الثالث؟)

يا أخي إن القواعد الكلية والتعاريف الشرعية والحكم الشرعي نفسه كلها أحكام شرعية، غير أن الحكم إذا نُسب إلى لفظ كلي بجامع العلة أو ما يشبه العلة (مثابة العلة) فإنه يكون حكماً كلياً، فإذا قلت (الوسيلة إلى الحرام حرام) فأنت هنا نسبت التحريم إلى (الوسيلة إلى الحرام) أي نسبتها إلى لفظ كلي ولهذا كان الحكم المستنبط حكماً كليا وتدخل تحت هذه القاعدة (الحكم الشرعي الكلي) جزئيات... فهو يشمل كل وسيلة تؤدي إلى الحرام.

وإذا عرّفت الحكم الشرعي بأنه (خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد بالاقتضاء أو الوضع أو التخيير) فأنت جعلت التعريف منصباً على لفظ كلي (خطاب الشارع المتعلق بأفعال العباد...) فيكون التعريف كلياً ويدخل تحته جزئيات... فهو يشمل كل متعلق بأفعال العباد سواء أكان فرضاً... أم سبباً... أم مباحاً...إلخ

أما إذا قلت (الميتة حرام) كما في الآية الكريمة ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ فهذا النص لا ينطبق إلا على الميتة، ولا يفهم منه أن الخمر حرام، أي لا جزئيات تقع تحته، فلهذا قيل عنه جزئي... وبعبارة أخرى فلا يتجاوز الحكمَ المذكور في النص، فوصف بالجزئية.

لكن القاعدة الكلية والتعاريف الشرعية الكلية، والأحكام الجزئية، كلها أحكام شرعية لأنها مستنبطة من الأدلة الشرعية، ومن باب التقسيم الفقهي أطلق على القواعد والتعاريف (الكلية) وعلى الأحكام الشرعية التي لا تنطبق على غير الوارد في النص (الجزئية) مع أنها كلها أحكام شرعية. والخلاصة هي أن الحكم الشرعي إذا لم يكن قاعدة كلية أو تعريفاً شرعياً فإنه يكون حكما جزئياً...

ولذلك فلا تناقض بين ما ذكر في الشخصية الأول ص 207-208: (لأن الاجتهاد هو استنباط الحكم من النص... سواء أكان ذلك استنباط حكم كلي من دليل كلي، كاستنباط أن على الناهب عقوبة من جعل الشارع قطع اليد حداً للسرقة، أم كان استنباط حكم جزئي من دليل جزئي مثل استنباط حكم الإجارة من كونه ﷺ «اسْتَأْجَرَ رَجُلاً مِنْ بَنِي الدِّئْلِ هَادِياً خِرِّيتاً» أخرجه البخاري) وبين ما ذكر في الشخصية الثالث ص451: (فالقواعد الكلية، والتعاريف الشرعية، أحكام كلية، وأما الحكم الشرعي فهو حكم جزئي؛)

خامساً: وللعلم فإن الكلية والجزئية هي من صفات المفرد ولكن من باب المجاز تطلق على المركب كما جاء في كتاب الشخصية الجزء الثالث صفحة 451: [لكي تدرك الكلية والجزئية في الحكم الشرعي، لا بد أن يلفت النظر إلى أن هذا الإطلاق من قبيل المجاز وليس من قبيل الحقيقة. فإن الكلية والجزئية من دلالات المفرد لا من دلالة المركب، فلا محل لها في دلالة التركيب. والحكم الشرعي جملة مركبة وليس اسماً مفرداً، سواء أكان حكماً، أم قاعدة، أم تعريفاً، فقولك: لحم الميتة حرام جملة مركبة، وقولك: الإجارة عقد على المنفعة بعوض جملة مركبة، وقولك: الوسيلة إلى الحرام حرام جملة مركبة، فلا تدخلها الكلية ولا الجزئية؛ لأنهما من دلالات الاسم، أي من دلالات المفرد.

غير أنه لما كان الكلي في الاسم هو ما يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، مثل الحيوان والإنسان والكاتب، وكان التعريف مما يصح أن يشترك فيه كثيرون إذ يصدق تعريف الإجارة على إجارة الأجير الخاص، والأجير المشترك، وإجارة الدار، وإجارة السيارة، وإجارة الأرض…الخ فإنه أطلق عليها حكم كلي من قبيل المجاز، وكذلك القاعدة الكلية.

ولما كان الجزئي في الاسم مما لا يصح أن يشترك فيه كثيرون، مثل زيد علماً على رجل، وفاطمة علماً على امرأة، ومثل الضمائر كهو وهي، وكان الحكم الشرعي مما لا يصح أن يشترك فيه كثيرون، مثل لحم الميتة حرام، وشرب الخمر حرام، وما شابه ذلك، فإنه لا يصدق إلا على الميتة، وإلا على الخمر، فإنه أطلق عليه حكم جزئي من قبيل المجاز، فهو من حيث دلالته على أفراد أو عدم دلالته يقال له كلي وجزئي مجازاً، ولكن من حيث واقعه هو حكم شرعي مستنبط من دليل شرعي. لا فرق بين القاعدة، والتعريف، والحكم.]

سادساً: أما سؤالك عن موضوع المَلَكة، فإليك ما يلي:

1- إن الملكة التي جرى الحديث حولها في جواب السؤال المؤرخ 16 ذي القعدة 1438هـ الموافق 2017/08/08م، هي ليست مطلق ملكة بل هي الملكة الفقهية خاصة، وهي تتعلق بتعريف الفقيه، فالفقيه في الاصطلاح هو من حصلت له الملكة في الفقه، والمقصود بالملكة للفقيه كما ذكرنا في جواب السؤال: [وليس المقصود بالملكة في الفقه الناحية الفطرية والاستعداد الفطري الذي يتفاوت من شخص لآخر، بل المقصود الملكة المكتسبة بالتعلم والدراسة والتعمق والممارسة... ومع أن الاستعدادات الفطرية يمكن أن تساهم في تولد الملكة الفقهية وتطورها بسرعة، ولكن هذه الاستعدادات الفطرية ليست هي الملكة المقصودة في الفقيه...]

أما الملكة بالنسبة للمجتهد فهي كما جاء في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول 213:

[... ولأن الملكة تعني قوة الفهم والربط، وهذه قد تحصل من فرط الذكاء مع معرفة شيء من المعارف الشرعية واللغوية، ولا تحتاج إلى إحاطة بالمعارف الشرعية واللغوية...]

والخلاصة أن الأمر الأساس عند الفقيه هو الملكة المكتسبة بالتعلم والدراسة والإحاطة بالمعارف الشرعية... وتساهم الاستعدادات الفطرية في تحقق ذلك بسرعة...

وأما الأمر الأساس عند المجتهد فهو قوة الفهم والربط وفرط الذكاء والقدرة على الاستنباط... مع معرفة شيء من المعارف الشرعية واللغوية ولا تحتاج إلى الإحاطة بهذه المعارف...

وعليه فليس هناك تعارض بين الملكة المذكورة في جواب السؤال فهي بالنسبة للفقيه... وبين الملكة المذكورة في كتاب الشخصية الإسلامية الجزء الأول فهي بالنسبة للمجتهد.

آمل أن يكون الأمر قد أصبح واضحاً.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

25 جمادى الآخرة 1444هـ

الموافق 2023/01/18م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على: الفيسبوك

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك