جواب سؤال:  الملكان هاروت وماروت في سورة البقرة
April 09, 2023

جواب سؤال: الملكان هاروت وماروت في سورة البقرة

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الملكان هاروت وماروت في سورة البقرة

إلى Ustadhi Kamsokole

السؤال:

Assalam alaykum warahmatullah wabarakatuh First, I would like to introduce a prayer and congratulations for the hard work you are doing in developing this dawa work. My question is in Surat Baqara verse 102 (02: 102) the verse is long and I will not repeat it unless it is long I will ask the elements contained in this verse.

a) Haruta and maruta. Is it an angel? Manake has come out of angelic qualities. There are other sheikhs who say that these are people who are full of knowledge, with Arabic linguistic analysis. And if they are angels, how do they communicate with those humans at that time.

b) The Qur'an says, the devil taught people sorcery and what was sent down to TWO ANGELS in Babylon. Now what is this that they came with or was brought down by the haruta and the haruta?

c) And those haruta and maruta do not teach someone until they give him a warning. Being sie is just a test of blasphemy. Now should we say that these angels have been sent from heaven to bring this scourge of witchcraft and teach people?

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أولا أود أن أدعو لك وأهنئك على عملك المُجدّ في التقدم بهذه الدعوة.

سؤالي هو عن الآية 102 من سورة البقرة، ولكون الآية طويلة فلن أعيد كتابتها. وسوف أسأل عما تضمنته هذه الآية من أمور:

أ- هل هاروت وماروت ملائكة؟ أم إنسان بصفات الملائكة؟ هناك من المشايخ من يقولون بحسب ما تفيد اللغة العربية بأنهما أناس عندهم من العلم الكثير. ولو كانوا ملائكة فكيف تواصلوا مع الناس في ذلك الوقت؟

ب- تقول الآية: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ﴾. ما الذي جاء به هاروت وماروت، أو ما الذي أُنزل عليهما؟

ج- ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾. هل يمكننا القول بأن هذين الملكين أرسلا من السماء لتعليم الناس السحر؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إن جواب تساؤلاتك مذكور في كتاب [التيسير في أصول التفسير - تفسير سورة البقرة ] وذلك للآيات: (101-103)، وإن لم يكن الكتاب عندك فإني أثبته لك أدناه:

[كتاب تفسير سورة البقرة صفحة 119-125 ملف الوورد:

[تفسير قوله تعالى: ﴿ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ... لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (101-103)

﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.

يبين الله سبحانه في هذه الآيات ما يلي:

  1. كان اليهود يعارضون رسول الله ﷺ ويحاجونه بالتوراة فيسألونه منها كما سألوه عن الروح وأهل الكهف وذي القرنين، وكان رسول الله ﷺ يجيبهم بما يوحيه الله إليه من القرآن، وزيادة على ذلك كان يكشف بعض ما حرفوه وغيروه كما في تغييرهم رجم الزاني وتغيير صفته ﷺ التي جاءت في التوراة والتي كان مجيء رسول الله ﷺ مصدقا لما بشرت به التوراة، ولما وجدوا أن المحاجة بالتوراة على غير ما يشتهون أعرضوا عنها ونبذوها وراء ظهورهم ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ البقرة/آية101 أي نبذهم للتوراة كأنه تمّ من قبل قوم لا يؤمنون بها ولا يعلمون صدق ما جاء فيها من صفة رسول الله ﷺ، وهذا زيادة مبالغة في إعراضهم عما جاء في التوراة من دلائل نبوة رسول الله ﷺ فهو إعراض على علم منهم.

فلما تبين لهم فشل معارضتهم لرسول الله ﷺ بالتوراة بدءوا يبحثون عن مسائل أخرى في مصادر غير التوراة يحاجون الرسول ﷺ بها.

2. ولما أنزل الله على رسوله أن سليمان نبي ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورً﴾ النساء/آية163 قالت يهود: إن سليمان كان ساحراً وليس نبياً، ثم جمعوا الكتب التي اكتتبها السحرة بالاستعانة بالشياطين على عهد ملك سليمان، والتي كانت منتشرة بين أيديهم في مدينة الرسول ﷺ، وقالوا هذه هي الكتب التي كان يحكم بها سليمان، واتبعوها وجعلوها مادة للمجادلة مع رسول الله ﷺ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.

﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي ما تقرأه أو توحيه الشياطين أو توسوس به للسحرة ليكتبوه في كتبهم ﴿يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً﴾ الأنعام/آية112. وقد كانت الشياطين قبل الإسلام تسترق السمع من السماء وتخلط معه أنواعاً عدة من الكذب وتوحيه إلى أوليائها "فيستخبر بعض أهل السماوات بعضاً حتى يبلغ الخبر هذه السماء الدنيا فتخطف الجن السمع فيقذفون إلى أوليائهم ويُرْمَوْن به، فما جاءوا به على وجهه فهو حق، ولكنهم يَقْرِفُون فيه ويزيدون"[1]. وقد مُنعت الجن من استراق السمع بعد الإسلام ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً﴾ الجن/آية9.

﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ أي على عهد ملك سليمان.

3. إن كتب السحر تلك قد اكتتبها السحرة من طريقين:

  • الأول: ما كانت توسوس لهم الشياطين به من السحر.
  • الثاني: ما عَلَّمه الملكان هاروت وماروت للناس، فقد أنزلهما الله ببابل يعلِّمان الناس السحر ويحذِّرانهم من العمل به ويخبرانهم أنهما فتنةٌ للناس وابتلاءٌ لهم ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، والله أنزل في هذه الأرض الخير والشرّ ليبتلي عباده بالشرّ والخير ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الأنبياء/آية35.

وتعليم السحر للناس هو ابتلاء لهم، فمن آمن بالسحر وعمل به فقد كفر، ومن لم يؤمن به ولم يعمل به فقد نجا


﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ البقرة/آية 102.

4. يبرئ الله سبحانه نبيه سليمان - عليه السلام - من كذب يهود وافترائهم، فسليمان - عليه السلام - لم يكفر وهي هنا للدلالة على أنه لم يكن ساحراً ولا مؤمناً بالسحر وبالتالي ليس كافراً فهو نبي الله - عليه السلام - ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي لم يكن ساحراً ولا مؤمناً بالسحر فيكفر[2]، وهذه الدلالة تعينت لأن اليهود اتهموا سليمان - عليه السلام - بالسحر: - "أخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا إلى محمّد خلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء وإنما كان ساحراً يركب الريح"[3] -، وليس بالكفر، فأجابهم الله سبحانه ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ أي وما سحر ولكن الاستعمال المجازي لـ﴿كَفَرَ﴾ في هذه الآية يدل على أن من آمن بالسحر وسحر يكفر طبقا لهذه العلاقة (المسببية) حسب لغة العرب كما ذكرنا.

وهكذا فلم يكفر سليمان وإنما الذين كفروا هم الشياطين ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.

5. السحر هو إظهار الشيء على غير حقيقته توهماً وهذا المعنى آتٍ من قوله تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الأعراف/آية116 ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ طه/آية66 أي أن العصا تبقى عصاً على الحقيقة ولكنها تبدو للرائي رأي العين أنها حية تسعى.

وفي اللغة قال الجوهري: السحر الأخذ وكلّ ما لطف مأخذه ودقّ فهو سحر، ويقال سحرت الصبي إذا خدعته، وورد السحر في بعض دواوين العرب بمعنى العضة، والعضة عند العرب شدة البهت وتمويه الكذب، قال الشاعر: أعوذ بربي من النافثات    *** من عضة العاضة المُعِضة.

واستعمله العرب كذلك - أي السحر - في معنى الخفاء، فإن الساحر يفعله في خفية. أما ما هو السحر فهو علم يتمكن صاحبه من سحر أعين الناس فترى الشيء على غير حقيقته أي لا تتغير الحقيقة بحقيقة أخرى جديدة بمعنى أنها لا تلغي الحقيقة الأولى، وتتكون بدلها حقيقة جديدة، وعليه فلو أمسك إنسان بالحية التي ظهرت من العصا سيجدها عصاً ولو حللها مخبرياً سيجدها نفس مكونات العصا التي ألقيت وخيل لنا أنها حيةٌ تسعى، ولذلك فإن السحرة لما ألقوا عصيهم كانوا هم يرونها عصاً ولكنهم سحروا أعين الناس فرأوها حية، فلما ألقى موسى - عليه السلام - عصاه رأوها - أي السحرة - حية حقيقية وليست عصاً ثم ابتلعت عصيهم فألغت حقيقتها نهائياً، فأدركوا أن هذا ليس سحراً لأن السحر لا يلغي حقيقة الأشياء فعلموا أن ما تمّ ليس سحراً، وأنه حق من رب العالمين كما قال موسى - عليه السلام - فآمنوا وكان إيمانهم عجباً.

6. وقوله سبحانه: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا﴾ يدلّ على أن السحر يتم بتلاوة كلام كفر، وهذا يعني أن السحر الذي هو علم يتم تنفيذه باستعمال ألفاظ كفر في عزائمه أو إجراءاته. أما غير ذلك فليس هو الذي يطلق عليه سحر بالمعنى المعروف في هذه الآية مثل إظهار الأمور على غير حقيقتها بوسائل فنية - كخفة اليد أو ما شابهها - أو استعمال بعض الكلام بألفاظ غير كفر لإدخال الوهم على الناس بإظهار أمور على غير حقيقتها - مثل بعض الدجالين ممن عليهم مسحة الشيوخ - فليس هذا وأمثاله هو السحر بالمعنى المذكور.

7. عقوبة الساحر - كما بينا - عقوبة المرتد فهو كافر على المعنى المذكور سابقا، ولقد عاقب الصحابة الساحر بالقتل، فقد أمرت حفصة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنها - بقتل ساحرة اعترفت أنها قامت بالسحر.

وأما ما روي عن إنكار عثمان - رضي الله عنه - على حفصة فعلتها فهو إنكار عليها لقيامها بالأمر دون إذنه وهو خليفة المسلمين، ولم ينكر حكم القتل. وقد تمّ مثل هذا الفعل أي قتل الساحر في عهد عمر - رضي الله عنه -، فهو إجماع من الصحابة لأنه حكم ذو شأن تمّ على ملأٍ منهم دون إنكارٍ. أخرج أحمد عن سفيان من طريق جَزْء بن معاوية عم الأحنف بن قيس قال (أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة أن اقتلوا كل ساحر، وربما قال سفيان وساحرة).

وأما ما ذكرناه من بعض الأعمال الفنية الخفية التي يُغّرَّر بها الناس إن لَم توضَّح لهم، ودجل المشايخ وشعوذتهم فيعاقب صاحبها العقوبة التعزيرية حسب الضرر الذي ألحقه بمن غرّر بهم ممن تعاملوا معه. ومعلوم أن العقوبة التعزيرية في الإسلام تصل القتل حسب نوع الجريمة التي يقترفها.

ولكن الفرق بين القتل حداً والقتل تعزيراً أن الأول مرتد لا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين، والثاني مسلم فاسق أو فاجر حسب نوع جريمته يُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين.

8. ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

يبين الله سبحانه أن الذين يتعلمون السحر ويعملون به يستطيعون بما يفعلونه من أفاعيل للذين يتعاملون معهم من الناس أن يوجدوا مشاكل بينهم وبين أزواجهم فتؤول إلى طلاق أو افتراق، ثم يبين الله سبحانه أمرا عَقَدِياً مهما لإزالة ما يمكن أن يدخل إلى أفهام الناس من أن الساحر له قدرة الله سبحانه أو أنه يستطيع أن يحدثَ أموراً رغماً عن الله سبحانه، فيبين الله في هذه الآية أنه لا يتم شيء في ملك الله سبحانه إلا بإذنه، أي ليس رغماً عنه وهذا المعنى هو معنى مشيئة الله أو ما أطلق عليه إرادة الله، فلا يحدث شيء في ملكوت الله رغماً عنه سبحانه أي كلّ ما يحدث بإذنه أو بمشيئته أو بإرادته سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ التكوير/ آية29 وليس يعني ذلك برضاه فالله لا يرضى الكفر والمعاصي ﴿إِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الزمر/آية7 وإنما هذا اصطلاح له هذا المعنى من استقراء النصوص، ولا يفسر إذنه أو مشيئته أو إرادته من الحقيقة اللغوية من أذن أو شاء أو أراد لغة والتي تعني السماح بفعل الشيء أو طلب الشيء أو الرضا، بل تفسر بدلالة اصطلاحية كأي حقيقة عرفية لأهل اللغة وأهل الفقه أو أهل الأصول أو أي علم من العلوم.

و﴿بإِذنِ اللهِ﴾ دلالته عظيمة في هذا الموضع، فإن ما يظهر من أعمال السحرة أمام الناس من حيث سحر أعين الناس ومشاهدة بعض الأمور على غير حقيقتها قد يُتوهم أنهم يخلقون مثل الله سبحانه أو يفعلون أموراً لا يستطيع الله إبطالها، فأكّد الله سبحانه أن ذلك لا يتمّ إلا بإذنه أي ليس رغماً عنه بل بإرادته ومشيئته بهذا المعنى، وأن الله سبحانه يستطيع إبطال سحرهم فلا يحدث شيء في ملك الله سبحانه رغماً عنه.

وهنا قد يقول قائل: إذن لماذا لا يبطل الله سحرهم؟!

إن الله سبحانه بيّن الخير من الشرّ، وبيّن لنا أن الخير يجزى المرء عليه بخيرٍ والشرّ يجزى عليه بشرٍّ، ثم أعلمنا كذلك أن الله يستطيع أن يجعلنا أمةً واحدةً بخيرٍ أو ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ هود/آية118، ولكن الله سبحانه لحكمة يعلمها تركنا نختار ما نريد من شرٍّ أو خيرٍ ونجزى بهما، فيدخل الجنة قسمٌ والنار قسمٌ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ السجدة/آية13 ولذلك فلا محلّ للتساؤل لماذا لم يبطل الله فعل السحرة الشرير ذلك؟ أو لماذا لم يدفعنا الله سبحانه إلى الخير في كلّ ما أمرنا؟ أو لماذا لم يمنعنا الله سبحانه من فعل الشرّ فلا نفعل إلا خيراً؟... فالله بيّن لنا الخير من الشر وتركنا نختار وهي حكمة الله سبحانه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ الأنبياء/آية23 ولكننا في جميع الحالات يجب أن نعتقد أنه في ملك الله لا يتمّ شيء رغماً عنه سبحانه بل بإذنه وبإرادته وبمشيئته سبحانه.

9. ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.


وهذا يعني أن كلّ ما في السحر شرٌّ، فهذا وصفٌ لما يتعلمونه وهو السحر ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وهذا الوصف دلالته واضحةٌ أنَّ الذي يتعلمونه يضرهم ولا ينفعهم، فالسحر كله شرٌّ وضررٌ ولا نفع فيه.

ثم يبين الله سبحانه أن الذي يعمل بالسحر على وجهه الذي بيناه سابقاً لا نصيبَ له في الآخرة لأنه كافرٌ بالله وآياته.

﴿اشْتَرَاهُ﴾ ابتاعه، وهي هنا استعمال مجازي أي جعله مهنة له، فابتاع الشيء يكون طلباً للانتفاع به باستهلاك العين أو أخذ العوض عنها، وهو هنا اتخاذ السحر مهنة تدرّ عليه دخلاً (انتفاع بزعمه) وكأنما هو اشترى السحر.

﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ خبر في معنى طلب الترك، أي في معنى النهي الجازم عن تعاطي السحر.

﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي ولبئس ما باعوا به أنفسهم فإنهم عرّضوا أنفسهم لعقاب الله وبذلوها مقابل نار جهنم ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فالعوض الذي أعد لهم مقابل بيع أنفسهم وبذلها في السحر، هذا العوض هو غضب الله وعذابه ونار جهنم، وهو بحقّ بيع بئيس خاسر.

﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي لو كانوا ينتفعون بما علموا فإن الذي يعلم علماً ولا ينتفع به ولا يلتزم بدلالة ما علم فكأنه لا يعلم، فمن علم أن السحر عاقبته وخيمة ثم يتعاطاه فكأنه لم يعلم، وهذا من القوة في دلالته على موضوعه، فسبحان الله سبحانه!

ولقد كان رسول الله ﷺ يستعيذ بالله من علم لا ينفع «أعوذ بالله من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، وعين لا تدمع» أخرجه أحمد وهذا الاستعمال من القوة بمكان كما قلنا، وهو في كتاب الله في غير هذا الموضع، كما أنه مستعمل في دلالات أخرى، ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ الحج/ آية46 ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ البقرة/ آية171.

فالذي لا ينتفع بسمعه فكأنه لا يسمع.

والذي لا ينتفع ببصره فكأنه لا يبصر.

والذي لا ينتفع بنطقه فكأنه لا ينطق.

والذي لا ينتفع بعقله فكأنه لا يعقل.

ومن لا ينتفع بعلمه فكأنه لا يعلم.

وفي هذا الكفاية إن شاء الله.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

18 رمضان 1444هـ

الموافق 2023/04/09م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على: الفيسبوك


[1] أخرجه مسلم، ومعنى يقرفون: يخلطون فيه الكذب.

[2] فهو استعمال مجازي لعلاقة المسببية، فالسحر هو سبب الكفر.

[3] تفسير الطبري: 1/451

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك