جواب سؤال : التشكيك في ليلة القدر
March 30, 2023

جواب سؤال : التشكيك في ليلة القدر

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

التشكيك في ليلة القدر

إلى  نبيل بالعاطي

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أيدكم الله، يقول أحدهم بأن ليلة القدر هي ليلة نزول القرآن وهي قد مضت ولا وجود لليلة القدر المزعومة حسب قوله وهذا نص المقال: ("أما ليلة القدر هذه فقد عبرت التاريخ مرة واحدة ولا تتكرر. فهي تستمد قَدْرها ـ يعني مكانتها المتميزة ـ من نزول القرآن فيها. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾. أما غيرها من الليالي المحسوبة خطأ على ليلة القدر فلا محل لها من الإعراب، لأنه لم ينزل فيها قرآن حتى تستمد من هذا النزول قدراً ومكانةً خاصة.

أما لو قال مكابر: إنّا في الواقع نحيي ذكرى ليلة القدر، طالما أن ليلة القدر لا تتكرر. فإنا نقول له: حتى نحتفل بليلة القدر أو نحييها كما طلب الحديث المزعوم، سواء كنا نعتقد أنها ليلة قدر، أم أنها ذكرى ليلة قدر، فلا بد أن يكون لها ميقات واحد معلوم كسائر العبادات من صوم وحج وصلاة، لأن الشارع الحكيم، حينما فرض العبادة أو سنّها، قد حدد لكل منها ميقاتاً معلوماً ثابتاً لا مجال فيه (للتحزير). أما ليلة القدر المزعومة هذه فقد وردت في تحديد ميقاتها أحاديث كثيرة، تجعلها لغزاً من الألغاز...إلخ)

ثم يذكر حديث مسلم ويطعن فيه «يا أيها الناس! إنها كانت أُبينت لي ليلة القدر. وإني خرجت لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتّقان معهما الشيطان، فَنُسّيتُها» ويطعن فيه!!

ثم يختم قوله هذا بما يلي: (خلاصة القول إن إحياء ليلة القدر المزعومة، التي لم يكن الرسول نفسه يعرف لها ميقاتاً، ولا شاطئاً محدداً ترسو عليه سفينة التكليف، واعتبار أن من قامها إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه، هو فكرة تخريبية هدامة، لا تشيع عند المسلمين غير الهلوسة، والهبل، والترخص في الدين") انتهى مقاله...

أفيدونا بارك الله فيكم

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

اطلعت على ما نقلته في سؤالك عن ذلك الشخص الذي يسيء القول حول ليلة القدر وأنها ليلة مضت وانقضت... إلخ، وإليك ما يلي:

أولاً: بالنسبة لطريقة التناول:

1- واضح من النص الذي نقلته أن صاحبه لا ينضبط بأية قواعد علمية أو معارف شرعية، بل هو يخبط خبط عشواء ويرد الأحاديث الكثيرة الصحيحة والحسنة دون سبب موجب إلا ما تمليه عليه أوهام تصورها وجعلها في ذهنه حقيقة يبني عليها ويرد ما ثبت عن رسول الله ﷺ.

2- واضح كذلك من هذا البحث المنقول أنه محاولة للنيل من السنة النبوية المطهرة وتشكيك المسلمين في الأحاديث المروية عن النبي ﷺ مع ادعاء الرجوع إلى القرآن الكريم... وهذا نهج معروف معلوم، وهو نهج قوم يعملون على هدم الإسلام ومحاربته عن طريق محاربة السنة النبوية المطهرة، وهي الموضحة للقرآن الكريم المبينة لمجمله المخصصة لعمومه المقيدة لمطلقه الملحقة فرعاً بأصله... إلخ، فالطعن في السنة النبوية المطهرة والتشكيك في كتب الحديث المعتمدة هو ضرب من الطعن في القرآن والطعن في الإسلام... فالدعوة إلى قصر الاعتماد على القرآن الكريم وحده هي دعوة ظاهرها فيه الرحمة وباطنها من قبله العذاب.

3- وواضح أيضاً من النص المنقول تشكيك صاحبه في الأمور الشرعية المعلومة المسَلَّمة عند المسلمين من عهد النبي ﷺ وصحابته الكرام إلى يومنا هذا، وهذا أيضاً نهج معروف اعتمده المستشرقون الكفار الغربيون الذين أوغلوا بالتشكيك في كل أمر مُسلَّم بدهي عند المسلمين، ثم تابعهم على هذا السير أذنابهم من أبناء المسلمين، فصاروا يشككون بنظام الحكم في الإسلام وبالجهاد وبالإيمان بالقضاء والقدر... إلخ، وذلك لإضعاف ثقة المسلمين بدينهم ومحاولة حرفهم عنه وصرفهم عن الرجوع إليه بعد أن أسقطوا دولته وأبعدوا أحكامه عن التطبيق في حياة المسلمين.

4- وعليه فإن مقاله حول ليلة القدر ليس بحثاً علمياً جاداً أو رأياً واجتهاداً شرعياً معتبراً بل هو نوع من التخرص المنهي عنه والتلاعب بالنصوص الشرعية، والاستهزاء بالأحاديث النبوية... ولذلك فإنه لا يستحق الرد عليه لخلوه من أدنى شروط البحث العلمي النزيه. ولولا أنك أرسلت لنا سؤالاً حوله لما تعرضنا له.

ثانياً: الأدلة من القرآن على ليلة القدر:

يوهم الكاتبُ القارئَ أنه يأخذ بما جاء في القرآن الكريم ويعتمد عليه، ويرُد فقط الأحاديث الواردة بالنسبة لليلة القدر، فهو يقول: (أما ليلة القدر هذه فقد عبرت التاريخ مرة واحدة ولا تتكرر. فهي تستمد قَدْرها - يعني مكانتها المتميزة - من نزول القرآن فيها. قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.)، وكأنه يوحي بالاعتماد على القرآن الكريم والرجوع إليه، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك...

إنه يذكر الآية الكريمة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾، ويفسرها وفق هواه بما يخدم رأيه، ولكنه لا يذكر سائر النصوص القرآنية التي تدل على خلاف رأيه... وقد ورد النص عن ليلة القدر في موضعين من القرآن الكريم، ويفهم من الموضعين أن ليلة القدر هي ليلة متجددة متكررة:

1- سورة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾، وبتدبر هذه السورة يتبين أن ليلة القدر هي الليلة التي أنزل فيها القرآن الكريم، وأنها ليست ليلة مضت وانقضت بل هي ليلة تتكرر بفضلها والخير الذي فيها، وقبل ذكر الأدلة التي تدل على ذلك من السورة فإننا نورد تفسيراً مقتضباً للسورة من تفسير النسفي:

[تفسير النسفي (4/ 44، بترقيم الشاملة آليا):

... ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ عظَّم القرآن حيث أسند إنزاله إليه دون غيره. وجاء بضميره دون اسمه الظاهر للاستغناء عن التنبيه عليه ورفع مقدار الوقت الذي أنزله فيه. روي أنه أنزل جملة في ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا، ثم كان ينزله جبريل على رسول الله ﷺ في ثلاث وعشرين سنة. ومعنى ليلة القدر ليلة تقدير الأمور وقضائها...

ولعل الداعي إلى إخفائها أن يُحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلباً لموافقتها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الإجابة في الجمعة... وفي الحديث: «من أدركها يقول: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي». ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ القدر﴾ أي لم تبلغ درايتك غاية فضلها...] انتهى النقل من تفسير النسفي.

والسورة فيها أكثر من أمر يوضح أن ليلة القدر هي ليلة متكررة تصادف تلك الليلة المباركة التي أنزل فيها القرآن، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ﴾، فالملائكة يتنزلون في هذه الليلة ومعهم جبريل عليه السلام، واستعمل القرآن لفظ المضارع في جملة فعلية ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ للدلالة على الاستمرار والتجدد ولم يستعمل لفظ الماضي الدال على الانقضاء، وهذا يعني بكل وضوح أن ليلة القدر ليلة متكررة وأن الملائكة في كل سنة في تلك الليلة تنزل ومعها جبريل عليه السلام.

2- قوله تعالى في مطالع سورة الدخان: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، وقد جاء في النسفي (3/ 302): [... وليلة القدر في أكثر الأقاويل في شهر رمضان. ثم قالوا: أنزله جملة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا ثم نزل به جبريل في وقت وقوع الحاجة إلى نبيه محمد ﷺ. وقيل: ابتداء نزوله في ليلة القدر. والمباركة الكثيرة الخير لما ينزل فيها من الخير والبركة ويستجاب من الدعاء ولو لم يوجد فيها إلا إنزال القرآن وحده لكفى به بركة ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ﴾ هما جملتان مستأنفتان ملفوفتان فسر بهما جواب القسم كأنه قيل: أنزلناه لأن من شأننا الإنذار والتحذير من العقاب وكان إنزالنا إياه في هذه الليلة خصوصاً، لأن إنزال القرآن من الأمور الحكيمة وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم. ومعنى ﴿يُفْرَقُ﴾ يفصل ويكتب كل أمر من أرزاق العباد وآجالهم وجميع أمورهم من هذه الليلة إلى ليلة القدر التي تجيء في السنة المقبلة ﴿حَكِيمٍ﴾ ذي حكمة أي مفعول على ما تقتضيه الحكمة، وهو من الإسناد المجازي لأن الحكيم صفة صاحب الأمر على الحقيقة ووصف الأمر به مجازاً...] انتهى.

وواضح من هذه الآيات أيضاً أن ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن هي ليلة متكررة، ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، يدل دون شك على أن هذه الليلة يفرق فيها كل أمر حكيم على نحو متكرر لاستعمال القرآن لفظ ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾ وهو فعل مضارع يدل على الاستمرار والتجدد.

3- وهكذا يفهم من القرآن بوضوح أن ليلة القدر هي ليلة مباركة أنزل فيها القرآن الكريم، وأنها ليلة من ليالي شهر رمضان المبارك، وفيها تتنزل الملائكة والروح بإذن ربهم من كل أمر حيث يفرق فيها كل أمر حكيم أمراً من عند الله، وأن هذه الليلة فيها فضل عظيم إذ يفوق فضل العمل الصالح فيها فضل عمل ألف شهر... وبهذا يظهر أن القرآن الكريم يقرر أن ليلة القدر ليلة متجددة متكررة، وأن الأحاديث النبوية الشريفة الواردة بشأن ليلة القدر إنما جاءت مؤكدة ومقررة ما جاء في القرآن الكريم كما بيناه أدناه، فإن كان صاحب البحث المنقول في الأعلى يقر بالقرآن الكريم وما جاء فيه، فلا مجال عنده إذن لرد تلك الأحاديث الشريفة.

ثالثاً: دلالة السنة المطهرة على ليلة القدر:

1- لقد جاءت أحاديث كثيرة في السنة النبوية وهي تنطق بكون ليلة القدر ليلة متكررة متجددة، ونذكر منها حديثين اثنين يكفيان للدلالة على المطلوب:

أ- روى البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وفي رواية أخرى عند البخاري أيضاً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، وهذا الحديث منسجم مع ما هو مذكور في القرآن الكريم حول ليلة القدر، وواضح منه أن ليلة القدر متكررة متجددة.

ب- روى الترمذي في سننه عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا؟ قَالَ: «قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّكَ عُفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وفي رواية أخرى للحديث عند ابن ماجه وغيره عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّهِ ﷺ أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: «تَقُولِينَ اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي»، وهذا الحديث أيضاً منسجم تماماً مع ما في القرآن الكريم حول ليلة القدر، وواضح منه أن ليلة القدر متكررة متجددة. هكذا يفهم الحديث على وجهه فنحن مأمورون باتباع السنة كما نحن مأمورون باتباع الكتاب ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.

2- ثم إن رد الحديث لا يكون على هوى الشخص، أو لجهله عن فهم معناه، أو لحاجة حاقدة في نفسه...إلخ بل يرد الحديث بالطريقة التي جاءت في علوم الحديث وأصول الفقه وهي موضحة في بابها لكل من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد:

إن الحديث يرد رواية ويرد دراية... جاء في كتاب الشخصية الثالث حول هذا الموضوع ما يلي:

[شـروط قبول خبر الآحـاد

يقبل خبر الآحاد إذا استكمل شروطه رواية ودراية. أما شروط قبوله رواية فهي أن يكون راوي الحديث مسلماً، بالغاً، عاقلاً، عدلاً، صادقاً، ضابطاً لما يسمعه، ذاكراً له من وقت حمله إلى وقت أدائه. وقد بيـّن علماء الأصول، وعلماء مصطلح الحديث، شروط الرواية بالتفصيل، وبيـّن تاريخ رجال الحديث ورواتهم، كل راو وما يتحقق فيه من هذه الصفات مفصلاً.

وأما شروط قبول خبر الآحاد دراية فهي أن لا يعارض ما هو أقوى منه من آية أو حديث متواتر أو مشهور... والحاصل أن خبر الآحاد، إذا عارض آية من القرآن، أو حديثاً متواتراً، أو حديثاً مشهوراً، أو علة نص عليها صراحة قرآن، أو متواتر، أو مشهور، لا يقبل الحديث دراية، وإن لم يعارض ذلك يقبل. ولو عارض الحديث القياس، يقبل الحديث، ويرفض القياس.] انتهى

فإذا عرض للشخص حديث لم يعرف أيأخذ به أم يرده، فليسأل من له به علم، فالرسول ﷺ يقول: «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ» أخرجه أبو داود.

هكذا يفعل العاقل الذي يخشى الله ورسوله لا أن يطعن في الحديث أو يستهزئ به وإلا كان له بذلك إثم عظيم. وسنتناول هنا حديثاً كمثال على ذلك حيث طعن به صاحب المقال أو استهزأ به، ومن ثم سوء المنزلة التي تبوأها صاحب المقال:

يستهزئ صاحب المقال بالحديث الذي رواه مسلم في صحيحه حول موعد ليلة القدر وأن النبي ﷺ أري ليلة القدر ثم أنسيها... قائلاً: [كيف ينساها الرسول ﷺ والله تعالى يقول: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ومعناها سنقرئك فلا تنساها أبدا...] إن هذا الإنسان لا يدرك ما يقول! فالآية هي عن القرآن الكريم، فالله سبحانه يقرئ الرسول ﷺ القرآن الكريم فيحفظه ولا ينساه أبدا، وقد جاء في تفسيرها:

أ- تفسير القرطبي (20/ 18)

قوله تعالى (﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ أي القرآن يا محمد فنعلمكه ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ أي فتحفظ، رواه ابن وهب عن مالك.

وهذه بشرى من الله تعالى، بشره بأن أعطاه آية بينة، وهي أن يقرأ عليه جبريل ما يقرأ عليه من الوحي، وهو أمي لا يكتب ولا يقرأ، فيحفظه ولا ينساه...)

ب- تفسير الطبري (24/ 370)

وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يقول تعالى ذكره: سنقرئك يا محمد هذا القرآن فلا تنساه، إلا ما شاء الله.

ثم اختلف أهل التأويل في معنى قوله: ﴿فَلَا تَنْسَى * إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ فقال بعضهم: هذا إخبار من الله نبيه عليه الصلاة والسلام أنه يعلمه هذا القرآن ويحفظه عليه، ونهي منه أن يعجل بقراءته كما قال جلّ ثناؤه: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾.

وهكذا في غيرهما من التفاسير أن الآية المذكورة هي عن القرآن الكريم، وأما غير ذلك فقد يُنسي اللهُ رسولَه ﷺ أمراً لحكمة يعلمها، ونص الحديث كما في مسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ يَلْتَمِسُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ قَبْلَ أَنْ تُبَانَ لَهُ فَلَمَّا انْقَضَيْنَ أَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَقُوِّضَ ثُمَّ أُبِينَتْ لَهُ أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَأَمَرَ بِالْبِنَاءِ فَأُعِيدَ ثُمَّ خَرَجَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهَا كَانَتْ أُبِينَتْ لِي لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَإِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِهَا فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنُسِّيتُهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ الْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ»، قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا سَعِيدٍ إِنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا قَالَ أَجَلْ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ قَالَ قُلْتُ مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ قَالَ إِذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَهِيَ التَّاسِعَةُ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَالَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ، وقَالَ ابْنُ خَلَّادٍ مَكَانَ يَحْتَقَّانِ يَخْتَصِمَانِ. وهذا الحديث رواه البخاري مختصراً عن عبادة بن الصامت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلاَحَى رَجُلاَنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَالَ: «إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، وَإِنَّهُ تَلاَحَى فُلاَنٌ وَفُلاَنٌ، فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْراً لَكُمْ، التَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ وَالخَمْسِ»، وجاء في شرح الحديث عند ابن حجر في فتح الباري ما يلي:

[... قَوْلُهُ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْ بِتَعْيِينِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ قَوْلُهُ فَتَلَاحَى بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّلَاحِي بِكَسْرِهَا وَهُوَ التَّنَازُع والمخاصمة... وَقَوْلُهُ فَرُفِعَتْ أَيْ فَرُفِعَ تَعْيِينُهَا عَنْ ذِكْرِي هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ هُنَا وَالسَّبَبُ فِيهِ مَا أَوْضَحَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فَجَاءَ رَجُلَانِ يَحْتَقَّانِ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ أَيْ يَدَّعِي كُلٌّ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْمُحِقُّ مَعَهُمَا الشَّيْطَانُ فَنَسِيتُهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُخَاصَمَةَ مَذْمُومَةٌ وَأَنَّهَا سَبَبٌ فِي الْعُقُوبَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ أَيِ الْحِرْمَانِ وَفِيهِ أَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي يَحْضُرُهُ الشَّيْطَانُ تُرْفَعُ مِنْهُ الْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ...] انتهى.

وبتدقيق النظر في الحديث يتبين أن النبي ﷺ كان لا يعرف متى هي ليلة القدر في رمضان، فاعتكف ﷺ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر ثم أَمر بنقض البناء الذي بناه ليعتكف فيه، ثم أبينت له ليلة القدر أنها في العشر الأواخر من رمضان ولما أراد أن يخبر الناس بموعدها اختلف رجلان من المسلمين فأُنسي الرسول ﷺ موعد ليلة القدر، وأمر الناس أن يلتمسوها في العشر الأواخر... والنبي ﷺ بين السبب في جعله ينساها وهو اختلاف الرجلين، وفي هذا بيان لمدى خطورة الخصومة والاختلاف في الإسلام وأنها موجبة للعقوبة كما هو مبين في شرح الحديث في الأعلى، وكذلك فإن في الأمر حكمة تناسب العشر الأواخر من رمضان حيث تفتر الهمم، فعدم تعيين ليلة القدر وجعلها في إحدى ليالي العشر الأواخر يدفع الناس إلى الاجتهاد في العشر الأواخر فيحصلون الخير العميم بذلك، وأحسن النسفي بقوله في تفسيره: (ولعل الداعي إلى إخفائها أن يحيي من يريدها الليالي الكثيرة طلباً لموافقتها، وهذا كإخفاء الصلاة الوسطى، واسمه الأعظم، وساعة الإجابة في الجمعة...)، فأين الإشكال في هذا الحديث ليقوم صاحب المقال برده؟ ولماذا لا يصح أن يُنَسّى الرسول ﷺ ما أريه إن كان ذلك لحكمة تقتضيه؟! وواضح أن صاحب النص المنقول تغافل عن هذا السبب وهذه الحكمة حتى يمضي في رفضه ورده لأحاديث ليلة القدر.

وهكذا كل حديث لا يُردُّ لهوى أو لجهل أو لحقد على الإسلام والمسلمين، بل يدرس من أهله وعلى وجهه، ثم يسأل إن لم يعلم كما جاء في حديث رسول الله ﷺ السابق «أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ».

رابعاً: وبهذا كله يتبين أن صاحب النص المنقول لا حظ له من علم المنقول ولا حظ له من المعقول، ولا فقه له في علم الحديث ولا في الأصول، ولا يزن الأمور بميزان صحيح ولا يقيم الأمر على صراط مستقيم، بل يظهر من رأيه محاولة هدم الدين وصرحه وتشكيك المسلمين في أصله وفرعه، ولولا ما كان من السائل من استفسار عن كلامه لما شغلنا أنفسنا في الرد على أوهامه... وإننا في الختام لنسأل الله سبحانه أن يرد كيد الكائدين في نحورهم وأن يقي الأمة من شرورهم، وأن يرفع شأن الدين وينصر عباده المؤمنين ويطفئ نار الكافرين والمنافقين والمغرضين المشككين.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

08 رمضان 1444هـ

الموافق 2023/03/30م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على: الفيسبوك

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك