جواب سؤال : ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه
November 10, 2021

جواب سؤال : ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه


سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه

إلى ابو عمر

السؤال:

أميرنا الفاضل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

حفظكم الله ورعاكم وفتح بالخير على أيديكم

ما صحة هذه القاعدة الشرعية، وهل يجوز الاستدلال بها على التدرج في تطبيق أحكام الشريعة؟ "ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه"، وجزاكم الله خيرا

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

في البداية بارك الله فيك على دعائك الطيب لنا، ونحن ندعو لك بالخير.

إنك تسأل عن أمرين: الأول: ما صحة القاعدة الشرعية القائلة (ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه)، والثاني: تسأل إن كان يجوز الاستدلال بها على التدرج في تطبيق أحكام الشريعة. والجواب على ذلك ما يلي:

أولاً: بالنسبة لسؤالك حول صحة قاعدة (ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه):

1- هذه المقولة لها صيغ عدة متداولة في كتب العلماء وهي متقاربة: (ما لا يدرك كله لا يترك كله)، (ما لا يدرك كله لا يترك جله)، (ما لا يدرك كله لا يترك قله)، (ما لا يدرك كله لا يترك أقله)، (ما لا يدرك كله لا يترك بعضه) بالإضافة إلى الصيغة التي جاءت في سؤالك (ما لا يدرك كله لا يترك ما تيسر منه)... ويَسمُها البعض بأنها مَثَل أو مقولة فيما يصفها آخرون بأنها قاعدة شرعية... بل كأنها جرت على ألسنة بعض الناس باعتبارها حديثاً عن النبي ﷺ ما جعل محدث الشام في أيامه إسماعيل بن محمد بن عبد الهادي الجراحي العجلوني الدمشقي، أبو الفداء المتوفى 1162هـ يذكرها في كتابه (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) ويقول عنها: [ما لا يدرك كله لا يترك كله هو في معنى الآية ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والحديث: «اتَّقِ اللهَ مَا اسْتَطَعْتَ»، ولفظ الترجمة قاعدة وليس بحديث]. وكذلك ذكرها أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري المتوفى سنة 1143هـ في كتابه (الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث) فقال عنها: [مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ: قَاعِدَةٌ وَلَيْسَ بِحَدِيثٍ وَهُوَ فِي مَعْنَى الآيَةِ ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾].

2- بالتدقيق في الأمر يتبين أن مرجع مقولة (مَا لَا يُدْرَكُ كُلُّهُ لَا يُتْرَكُ كُلُّهُ) هو إلى القاعدة الشرعية القائلة (الميسور لا يسقط بالمعسور)، أي هي تعبير آخر عن قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور)، وهذه الأخيرة هي قاعدة مذكورة في كتب القواعد الشرعية مع أدلتها، فمثلاً يقول السيوطي في الأشباه والنظائر: [الْقَاعِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ "الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ" قَالَ ابْنُ السُّبْكِيّ: وَهِيَ مِنْ أَشْهَرِ الْقَوَاعِدِ الْمُسْتَنْبَطَةِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»]. وذكرها الزركشي في كتابه (المنثور في القواعد) فقال: [الميسور لا يسقط بالمعسور: هذه ترجع لقاعدة القدرة على بعض الأصل]، وقد شرحها وبين حدودها عند حديثه عن موضوع (الْبَعْضُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ).

3- لقد استدل العلماء لقاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) أو لنظيرتها الأخرى (ما لا يدرك كله لا يترك كله) أو لموضوع (الْبَعْضُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ)، استدلوا لذلك بقوله تعالى ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ وقول النبي ﷺ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» رواه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه. ومثلوا لذلك بأمثلة تفصيلية لتجلية واقع هذه القواعد، فقد ذكر في الأشباه والنظائر فروعاً كثيرة نذكر بعضاً منها:

["الْمَيْسُورُ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ"... وَفُرُوعُهَا كَثِيرَةٌ: مِنْهَا: إذَا كَانَ مَقْطُوعَ بَعْض الْأَطْرَافِ، يَجِبُ غَسْلُ الْبَاقِي جَزْماً. وَمِنْهَا: الْقَادِرُ عَلَى بَعْضِ السُّتْرَةِ، يَسْتُرُ بِهِ الْقَدْرَ الْمُمْكِنَ جَزْماً. وَمِنْهَا: الْقَادِرُ عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ، يَأْتِي بِهِ بِلَا خِلَافٍ... وَمِنْهَا: لَوْ عَجَزَ عَنْ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ دُونَ الْقِيَامِ لَزِمَهُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا... وَمِنْهَا: وَاجِدُ بَعْضِ الصَّاعِ فِي الْفطْرَةِ يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ فِي الْأَصَحِّ...].

4- من دراسة ما مثَّل به العلماء لقاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) ونظيراتها يتبين أنهم يقصدون بالقاعدة أن الحكم المعين المأمور به شرعاً إذا لم يستطع المكلف القيام ببعضه لعدم قدرته عليه أي لتعسره فإن قيامه بسائر الفعل المأمور به لا يسقط عنه بل عليه أداء ما يستطيع القيام به من الفعل المأمور به لأن المكلف مطالب شرعاً بأن يؤدي من المأمور به ما استطاع وفق نصوص الكتاب والسنة... ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾، «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، فمثلاً يجب على المصلي قراءة الفاتحة كاملة في كل ركعة فإذا أسلم شخص وأراد أن يصلي لكنه لا يعرف من الفاتحة إلا بعضها فهل يجب عليه في صلاته أن يقرأ الآيات التي يعرفها من الفاتحة أو عليه أن يترك قراءة الفاتحة بالكلية لأنه لا يعرف بعض آياتها؟ والجواب على ذلك وفق هذه القاعدة أن عليه أن يقرأ ما يعرفه من الفاتحة ولا يصح له أن يترك قراءتها لأن الميسور (قراءة الآيات التي يعرفها من الفاتحة) لا يسقط بالمعسور (قراءة الآيات التي لا يعرفها من الفاتحة)... ومثلاً يجب على المكلف في الوضوء أن يغسل يديه إلى المرفقين، ولكن إذا كانت كفه مقطوعة فهل يجب عليه غسل سائر يده أو يسقط غسل سائر اليد لأنه لا يستطيع غسل بعض اليد (الكف)؟ والجواب على ذلك وفق هذه القاعدة أن غسل سائر اليد (الميسور) لازم حتى لو كان غسل الكف متعذراً (المعسور) لأن الميسور لا يسقط بالمعسور... وهكذا فإن موضوع هذه القاعدة عند العلماء هو الحكم الشرعي المأمور به فإذا كان المكلف لا يستطيع القيام ببعضه لتعسر ذلك فإنه لا يسقط عنه لزوم القيام بما يتيسر له من الفعل المطلوب...

5- إن قاعدة (الميسور لا يسقط بالمعسور) ونظيراتها هي قواعد غير مطردة، فهي صحيحة في بعض المجالات وغير صحيحة في مجالات أخرى، فمثلاً من لا يقدر على صيام بعض يوم في رمضان فإنه لا يجب عليه أن يمسك سائر اليوم ويكون كأنه صام اليوم بحجة أن الميسور لا يسقط بالمعسور، بل يفطر ويقضي صيام اليوم الذي فاته... وهكذا يظهر أن هذه القواعد غير مطردة، فيصلح تطبيقها في حالات ولا يصلح تطبيقها في حالات أخرى، وتطبيقها يحتاج إلى اجتهاد في دراسة الواقع المراد تطبيقها عليه ومعرفة الأحكام الشرعية ذات العلاقة... وقد تنبه العلماء إلى كون هذه القواعد غير مطردة:

أ- ذكر السيوطي في الأشباه والنظائر ما يلي: [تَنْبِيهٌ: خَرَجَ عَنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ مَسَائِل: مِنْهَا: وَاجِدُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ، لَا يَعْتِقُهَا، بَلْ يَنْتَقِلُ إلَى الْبَدَلِ بِلَا خِلَافٍ. وَوُجِّهَ بِأَنَّ إيجَابَ بَعْضِ الرَّقَبَةِ مَعَ صَوْمِ الشَّهْرَيْنِ، جَمْعٌ بَيْن الْبَدَلِ وَالْمُبْدَلِ، وَصِيَامُ شَهْرٍ مَعَ عِتْقِ نِصْفِ الرَّقَبَةِ فِيهِ تَبْعِيضُ الْكَفَّارَةِ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ، وَبِأَنَّ الشَّارِعَ قَالَ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ وَوَاجِد بَعْض الرَّقَبَةِ لَمْ يَجِدْ رَقَبَةً... وَمِنْهَا: الْقَادِرُ عَلَى صَوْمِ بَعْضِ يَوْمٍ دُونَ كُلِّهِ، لَا يَلْزَمُهُ إمْسَاكُهُ...].

ب- وكذلك وضح الزركشي في المنثور في القواعد هذا الأمر فقال: [الْبَعْضُ الْمَقْدُورُ عَلَيْهِ هَلْ يَجِبُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

(أَحَدُهَا) مَا يَجِبُ قَطْعاً كَمَا إذَا قَدَرَ الْمُصَلِّي عَلَى بَعْضِ الْفَاتِحَةِ لَزِمَهُ قَطْعاً...

الثَّانِي: مَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحِّ... وَلَوْ كَانَ بِجَسَدِهِ جِرَاحَاتٌ تَمْنَعُهُ مِنْ اسْتِيعَابِ الْمَاءِ فَالْمَذْهَبُ غَسْلُ الصَّحِيحِ، وَالتَّيَمُّمُ عَنْ الْجَرِيحِ...

الثَّالِثُ: مَا لَا يَجِبُ قَطْعاً، كَمَا إذَا وَجَدَ فِي الْكَفَّارَةِ الْمُرَتَّبَةِ بَعْضَ الرَّقَبَةِ، لَا يَجِبُ قَطْعاً؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ قَصْدُهُ تَكْمِيلَ الْعِتْقِ مَا أَمْكَنَ؛... وَيَنْتَقِلُ لِلْبَدَلِ...

الرَّابِعُ: مَا لَا يَجِبُ عَلَى الْأَصَحّ، كَمَا لَوْ وَجَدَ الْمُحْدِثُ الْفَاقِدُ لِلْمَاءِ ثَلْجاً، أَوْ بَرَداً وَتَعَذَّرَتْ إذَابَتُه، فَلَا يَجِبُ مَسْحُ الرَّأْسِ بِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ التَّرْتِيبَ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ اسْتِعْمَالُ هَذَا فِي الرَّأْسِ قَبْلَ التَّيْمِيمِ عَنْ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ...]

وبهذا يظهر أن القاعدة / القواعد المشار إليها ليست صحيحة على إطلاق وليست خطأ على إطلاق، بل هي صحيحة مستقيمة في بعض المجالات وغير صحيحة في مجالات أخرى.

ثانياً: بالنسبة للاستدلال بقاعدة (ما يدرك كله لا يترك ما تيسر منه) أو (الميسور لا يسقط بالمعسور) على موضوع التدرج في تطبيق أحكام الشريعة:

إن الاستدلال بهذه القواعد على جواز التدرج في تطبيق أحكام الشريعة هو من قبيل التلبيس على الناس ومن قبيل الافتراء على دين الله، وذلك لأنه لا مجال مطلقاً للاستدلال بهذه القواعد على التدرج في تطبيق الشرع وذلك من أبواب عدة:

1- إن معنى التدرج في تطبيق الأحكام الشرعية هو أن يطبق جزء من الأحكام الشرعية في بعض الأمور وتطبق في غيرها أحكام الكفر، وذلك كأن تجعل عقود الزواج وفق أحكام الإسلام ولكن يسمح بالربا والزنا وشرب الخمر، وتجعل عقوبة السارق قطع اليد ولا توضع عقوبة للزاني ولا لشارب الخمر... فالمعنى الحقيقي للتدرج في تطبيق أحكام الشرع هو الحكم بأحكام الكفر في مسائل معينة بدلاً من الحكم بالشرع، وهذا ولا شك بعيد كل البعد عن موضوع قاعدة ما لا يدرك كله لا يترك كله لأن هذا القاعدة تقول بأن الفعل المأمور به شرعاً يجب القيام ببعضه الميسور إذا كان القيام ببعضه الآخر غير متيسر لعدم القدرة، فالقاعدة لا تقول بأنه يجوز القيام بالحرام أو بتطبيق الكفر عند عدم القدرة على أداء المأمور به...

2- هذه القواعد تتحدث عن الفعل المأمور به لا عن الفعل المنهي عنه، فالفعل المأمور به هو أن يُطبّق الشرع، وأما تطبيق غير الشرع فهو لا شك منهي عنه بل هو من أعظم الذنوب، فكيف يستدل بهذه القاعدة على جواز تطبيق أحكام الكفر؟ أليس هذا أمراً عجيباً؟!

3- إن الذين يقولون بالتدرج في تطبيق الأحكام يقصدون بذلك تدرج الحاكم في تطبيق الشرع، والحاكم لا يمنعه شيء من تطبيق الشرع فلا يرد في شأنه موضوع عدم القدرة لأنه هو الحاكم، فمثلاً ما الذي يمنع الحاكم المسلم من تطبيق أحكام الشرع كلها بدلاً من تطبيق أحكام الكفر في أغلب مجالات الحياة؟ أليس هو الحاكم الفعلي في البلد؟ فلماذا لا يطبق أحكام الشرع بل يقدم عليها أحكام الكفر؟ هل واقع الحاكم مثل الشخص الذي لا يستطيع القيام في الصلاة لمرض عنده فيسقط عنه وجوب القيام ويصلي الصلاة دون قيام؟ فأين وجه الشبه بينهما؟!

4- وقبل كل ذلك وبعده فإن النصوص الشرعية التي استدل بها لهذه القواعد لا تدل على التدرج مطلقاً:

أ- فقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ ليس له مفهوم مخالفة أي لا يفهم من الآية أن التقوى غير مأمور بها عند عدم الاستطاعة، بل على العكس من ذلك فالآية تدل على وجوب بذل الوسع في تحصيل التقوى والالتزام بأوامر الله ونواهيه، وقد أبرز الإمام الطبري في تفسيره هذا المعنى فقال: [... قوله: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) يقول تعالى ذكره: واحذروا الله أيها المؤمنون وخافوا عقابه، وتجنبوا عذابه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، والعمل بما يُقرّب إليه ما أطقتُم وبلَغه وُسعُكم.] وأجاد ابن عاشور في تفسيره (التحرير والتنوير) عندما تناول هذه الآية بالشرح، فقد قال:

[...﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (16)

فَاءٌ فَصِيحَةٌ وَتَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، أَيْ إِذَا عَلِمْتُمْ هَذَا فَاتَّقُوا اللَّهَ فِيمَا يَجِبُ مِنَ التَّقْوَى... وَحَذْفُ مُتَعَلِّقِ (اتَّقُوا) لِقَصْدِ تَعْمِيمِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالتَّقْوَى مِنْ جَمِيعِ الْأَحْوَالِ الْمَذْكُورَةِ وَغَيْرِهَا وَبِذَلِكَ يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ كَالتَّذْيِيلِ لِأَنَّ مَضْمُونَهُ أَعَمُّ مِنْ مَضْمُونِ مَا قَبْلَهُ. وَلَمَّا كَانَتِ التَّقْوَى فِي شَأْنِ الْمَذْكُورَاتِ وَغَيْرِهَا قَدْ يَعْرِضُ لِصَاحِبِهَا التَّقْصِيرُ فِي إِقَامَتِهَا حِرْصاً عَلَى إِرْضَاءِ شَهْوَةِ النَّفْسِ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ زِيدَ تَأْكِيدُ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى بِقَوْلِهِ: مَا اسْتَطَعْتُمْ. ومَا مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أَيْ مُدَّةَ اسْتِطَاعَتِكُمْ لِيَعُمَّ الْأَزْمَانَ كُلَّهَا وَيَعُمَّ الْأَحْوَالَ تَبَعاً لِعُمُومِ الْأَزْمَانِ وَيَعُمَّ الِاسْتِطَاعَاتِ، فَلَا يَتَخَلَّوْا عَنِ التَّقْوَى فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَزْمَانِ. وَجُعِلَتِ الْأَزْمَانُ ظَرْفاً لِلِاسْتِطَاعَةِ لِئَلَّا يُقَصِّرُوا بَالتَّفْرِيطِ فِي شَيْءٍ يَسْتَطِيعُونَهُ فِيمَا أُمِرُوا بِالتَّقْوَى فِي شَأْنِهِ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطَاعَةِ إِلَى حَدِّ الْمَشَقَّةِ...] انتهى.

فالآية الكريمة تدل بكل وضوح على لزوم بذل الجهد في تقوى الله سبحانه وعدم الحيد عن أوامره ونواهيه ما استطاع المسلم إلى ذلك من سبيل، ولا تدل بوجه من الوجوه على التدرج أي على جواز تطبيق أحكام الكفر إلى جانب أحكام الشرع، بل هي تطلب الالتزام بالشرع كله بأقصى درجات الالتزام.

ب- الحديث الشريف الذي استدل به على القواعد المشار إليها هو كما رواه البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «دَعُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، فالحديث يقول بالنسبة للمنهيات أنه لا بد من تجنبها، فالمحرمات يجب الابتعاد عنها حتماً، وأما المأمورات فهي التي أنيطت بالاستطاعة، ولا شك أن تطبيق أحكام الكفر (إلى جانب أحكام الإسلام) بدعوى التدرج هو من الأمور التي نهى الشرع عنها بأدلة قاطعة، فقد قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ وقال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾، ولذلك فلا يدل الحديث بوجه من الوجوه على جواز التفريط في تحكيم الشرع وتطبيق أحكام الكفر بدعوى التدرج لأن الحكم بغير ما أنزل الله هو من المحرمات والمنهيات التي أوجب الحديث تجنبها.

وعليه فإن الاستدلال بهذه القاعدة على التدرج في تطبيق أحكام الشرع هو استدلال باطل لا تقوم به حجة مطلقاً.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

05 ربيع الآخر 1443هـ

الموافق 2021/11/10م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك

رابط الجواب من صفحة الأمير(حفظه الله) ويب

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك