جواب سؤال:  مجدد العصر العالم الجليل تقي الدين النبهاني
May 17, 2023

جواب سؤال: مجدد العصر العالم الجليل تقي الدين النبهاني

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

مجدد العصر العالم الجليل تقي الدين النبهاني

إلى Mohammad Mohammad

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أسأل الله أن يفتح على يديك قريباً إنه ولي ذلك والقادر عليه. سؤالي عن مفهوم التجديد الذي ورد في حديث الرسول ﷺ (إن الله يبعث على رأس كل سنة من يجدد لهذه الأمة دينها) أو كما قال ﷺ، وإذا كان مجدد العصر هو العالم الجليل تقي الدين النبهاني فهل انتهى التجديد بموته رحمه الله، أم أنه ما زال قائما بوجود الحزب الذي يحمل فكرته؟ وبارك الله فيك وجزاك خير الجزاء.

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

أولاً: إن الحديث الذي تسأل عنه هو الحديث الذي رواه أبو داود في سننه وغيره عن أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»، وهذا الحديث ينبغي أن يفهم في إطار المفاهيم الشرعية المقررة في الكتاب والسنة، وإليك شيئاً من ذلك:

1- مع نزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ﴾، اكتمل الدين وتمت النعمة واستقر الأمر، ثم انقطع الوحي بعيد ذلك بوفاة النبي ﷺ، ولهذا فإن الدين في ذاته بوصفه وحياً من الله سبحانه اكتمل باكتمال الوحي، ولا مجال للزيادة فيه أو النقصان، وهو هو ما زال قائماً منذ أن أكمل الرسول ﷺ البلاغ إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها... وهذا أمر مستقر في أذهان المسلمين ونفوسهم، وهو من الحقائق الإسلامية التي لا مراء فيها.

2- لذلك لا يمكن أن يكون المراد بالحديث الشريف «مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا»، تجديد الدين ذاته بإضافة شيء إليه أو إنقاص شيء منه، أو تخصيص عمومه أو تقييد مطلقه... إلخ. لأنه بانقطاع الوحي أغلق باب الإضافة إلى الدين أو النسخ منه أو التخصيص أو التقييد...إلخ، حيث لا مجال شرعاً لحصول ذلك إلا بالوحي لأن الدين هو في حقيقته الوحي، أي ما أوحي به إلى النبي ﷺ. وما دام من غير الممكن أن يكون التجديد هو في الدين ذاته، فإنه ينبغي صرف التجديد إلى أمور أخرى غير ذلك.

3- الإسلام هو مبدأ، أي عقيدة ينبثق عنها نظام، فالإسلام هو مجموعة من الأفكار والأحكام، وهي مأخوذة كلها من الكتاب والسنة ومما أرشدا إليه من إجماع الصحابة والقياس، وإجماع الصحابة والقياس راجعان إلى الكتاب والسنة... وحيث إنه لا يتصور التجديد شرعاً في أفكار الإسلام وأحكامه في ذاتها، فلا بد أن يكون التجديد في أمر ما يتعلق بها أي يتعلق بأفكار الإسلام وأحكامه. وبالتدقيق في الأمر يظهر أن هناك جانبين أساسيين يتعلقان بأفكار الإسلام وأحكامه، وهما جانب الفهم وجانب التطبيق... أي الجانب البشري المتعلق بالإسلام، فالمسلمون هم الذين يفهمون الإسلام ويطبقونه، وقد يعتري فهمهم للإسلام وتطبيقه غبش أو التباس أو خلل أو إساءة أو تقصير... وقد يختل فهمهم أو فهم بعضهم للإسلام فيضيف للإسلام ما ليس منه وهو يظنه منه، أو ينقص من الإسلام شيئاً فلا يلتفت إليه مع أنه من الدين...

4- وهكذا فقد يطرأ على فهم المسلمين للإسلام وتطبيقهم له أمور غير منسجمة مع الإسلام، وذلك مثل:

أ- جعل شيء من الإسلام وهو ليس منه أو إنقاص شيء من الإسلام مع أنه منه، ويندرج تحت ذلك البدع.

ب- غبش أو التباس في فهم الإسلام بوصفه مبدأً ونظاماً للحياة، أو في فهم بعض أفكاره أو بعض أحكامه.

ج- إساءة تطبيق الإسلام فردياً أو جماعياً أو من قبل الحاكم. أو خلط الإسلام مع غيره في التطبيق.

5- ولكي يعود فهم الدين أو تطبيقه إلى ما ينبغي أن يكون عليه وفق الوحي أي ليعود فهم الدين من قبل المسلمين أو تطبيقهم له وفق أفكار الإسلام وأحكامه دون غبش أو خلل أو زيادة أو نقص أو إساءة...إلخ، فإن الله سبحانه يسخر من المسلمين على رأس كل مائة عام من يعمل على تجديد الدين أي إعادة الدين إلى هيأته التي كان عليها من الصفاء والنقاء والوضوح أو التطبيق الصحيح غير المشوب بإساءة ولا خلط... أي يعيد فهم الدين أو تطبيقه إلى حاله الأول عند مبعث النبي ﷺ بنقائه وصفائه ووضوحه، فيزيل عنه ما عساه أن يكون قد علق به مما هو ليس منه، ويبرز ما عساه أن يكون قد خفي من أفكاره وأحكامه، ويوضح ما عساه أن يكون قد أصابه غبش في الفهم، ويعمل على تطبيقه بتمامه وكماله إن كان من أهل الحكم... وقد كان اختيار لفظ (يجدد) لتوصيف ما يحصل ذا دلالة معبرة لأنه لا يعني الإتيان بجديد بل يعني تصيير الشيء جديداً أي إعادته لما كان عليه في أول أمره، وقد بينت المعاجم اللغوية معنى جدد على هذا النحو: القاموس المحيط: (جَدَّ يَجِدُّ، فهو جَدِيدٌ. وأَجَدَّهُ وجَدَّدَهُ واسْتَجَدَّهُ: صَيَّرَهُ جديداً فتَجَدَّدَ.)، الصحاح في اللغة: (وتجدَّدَ الشيء: صار جَديداً. وأَجَدَّهُ، واسْتَجَدَّهُ، وجَدَّدَهُ، أي صيَّره جديداً.)، لسان العرب: (وأَجَدَّه وجَدَّده واسْتَجَدَّه أَي صَيَّرَهُ جديداً)، فهذا اللفظ (يجدد) في الحديث الشريف يعطي بدقة المدلول الصحيح وهو إعادة الإسلام إلى ما كان عليه في أول أمره ولا يعني تغيير الدين وتبديله.

6- وقد تحدث العلماء عن معنى التجديد المراد في الحديث الشريف، وأنقل بعضاً مما ذكروه:

- جاء في عون المعبود:

[... (مَنْ يُجَدِّد): مَفْعُول يَبْعَث (لَهَا): أَيْ لِهَذِهِ الْأُمَّة (دِينهَا): أَيْ يُبَيِّن السُّنَّة مِنْ الْبِدْعَة وَيُكْثِر الْعِلْم وَيَنْصُر أَهْله وَيَكْسِر أَهْل الْبِدْعَة وَيُذِلّهُمْ. قَالُوا: وَلَا يَكُون إِلَّا عَالِماً بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّة الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة. قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ فِي فَتْح الْقَدِير شَرْح الْجَامِع الصَّغِير. وَقَالَ الْعَلْقَمِيّ فِي شَرْحه. مَعْنَى التَّجْدِيد إِحْيَاء مَا انْدَرَسَ مِنْ الْعَمَل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْأَمْر بِمُقْتَضَاهُمَا...

قَدْ عَرَفْت مِمَّا سَبَقَ أَنَّ الْمُرَاد مِنْ التَّجْدِيد إِحْيَاء مَا انْدَرَسَ مِنْ الْعَمَل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْأَمْر بِمُقْتَضَاهُمَا وَإِمَاتَة مَا ظَهَرَ مِنْ الْبِدَع وَالْمُحْدَثَات. قَالَ فِي مَجَالِس الْأَبْرَار: وَالْمُرَاد مِنْ تَجْدِيد الدِّين لِلْأُمَّةِ إِحْيَاء مَا انْدَرَسَ مِنْ الْعَمَل بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّة وَالْأَمْر بِمُقْتَضَاهُمَا، وَقَالَ فِيهِ: وَلَا يُعْلَم ذَلِكَ الْمُجَدِّد إِلَّا بِغَلَبَةِ الظَّنّ مِمَّنْ عَاصَرَهُ مِنْ الْعُلَمَاء بِقَرَائِن أَحْوَاله وَالِانْتِفَاع بِعِلْمِهِ، إِذْ الْمُجَدِّد لِلدِّينِ لَا بُدّ أَنْ يَكُون عَالِماً بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّة الظَّاهِرَة وَالْبَاطِنَة قَاصِراً لِلسُّنَّة، قَامِعاً لِلْبِدْعَةِ، وَأَنْ يَعُمّ عِلْمه أَهْل زَمَانه، وَإِنَّمَا كَانَ التَّجْدِيد عَلَى رَأْس كُلّ مِائَة سُنَّة لِانْخِرَامِ الْعُلَمَاء فِيهِ غَالِباً، وَانْدِرَاس السُّنَن وَظُهُور الْبِدَع، فَيُحْتَاج حِينَئِذٍ إِلَى تَجْدِيد الدِّين، فَيَأْتِي اللَّه تَعَالَى مِنْ الْخَلْق بِعِوَضٍ مِنْ السَّلَف إِمَّا وَاحِداً أَوْ مُتَعَدِّداً انْتَهَى. وَقَالَ الْقَارِي فِي الْمِرْقَاة: أَيْ يُبَيِّن السُّنَّة مِنْ الْبِدْعَة وَيُكْثِر الْعِلْم وَيُعِزّ أَهْله وَيَقْمَع الْبِدْعَة وَيَكْسِر أَهْلهَا. انْتَهَى.

فَظَهَرَ أَنَّ الْمُجَدِّد لَا يَكُون إِلَّا مَنْ كَانَ عَالِماً بِالْعُلُومِ الدِّينِيَّة وَمَعَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ عَزْمه وَهِمَّته آنَاء اللَّيْل وَالنَّهَار إِحْيَاء السُّنَن وَنَشْرهَا وَنَصْر صَاحِبهَا وَإِمَاتَة الْبِدَع وَمُحْدَثَات الْأُمُور وَمَحْوهَا وَكَسْر أَهْلهَا بِاللِّسَانِ أَوْ تَصْنِيف الْكُتُب وَالتَّدْرِيس أَوْ غَيْر ذَلِكَ، وَمَنْ لَا يَكُون كَذَلِكَ لَا يَكُون مُجَدِّداً الْبَتَّة وَإِنْ كَانَ عَالِماً بِالْعُلُومِ مَشْهُوراً بَيْن النَّاس، مَرْجِعاً لَهُمْ...].

- جاء في مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح:

[...(من يجدد) مفعول "يبعث" (لها) أي لهذه الأمة (دينها) المراد من تجديد الدين للأمة إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسنة، والأمر بمقتضاهما، وإماتة البدع والمحدثات، وكسر أهلها باللسان، أو تصنيف الكتب، أو التدريس أو غير ذلك، ولا يعلم ذلك المجدد إلا بغلبة الظن ممن عاصره من العلماء بقرائن أحواله والانتفاع بعلمه، إذ المجدد للدين لا بد أن يكون عالماً بالعلوم الدينية الظاهرة والباطنة، ناصراً للسنة، قامعاً للبدعة، وأن يعم علمه أهل زمانه، وإنما كان التجديد على رأس كل مائة سنة؛ لانخرام العلماء فيه غالباً، واندراس السنن، وظهور البدع، فيحتاج حينئذٍ إلى تجديد الدين، فيأتي الله من الخلق بعوض من السلف إما واحدا أو متعدداً، كذا في مجالس الأبرار...].

ثانياً: بالنسبة للمجددين على العموم وبالنسبة لمجدد القرن الرابع عشر الهجري فقد أجبنا على سؤال حول هذا الأمر في 23 حزيران 2013م بما يلي:

[السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله بك شيخنا وعجّل بالنصر على يديك... ونفعنا الله بعلمك،

من الأحاديث الصحيحة المشهورة، ما يرويه الصحابي الجليل أبو هريرة رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» رواه أبو داود (رقم/4291) وصححه السخاوي في "المقاصد الحسنة" (149)، والألباني في "السلسلة الصحيحة" رقم/599

والسؤال هو: ما معنى الحديث؟ وهل كلمة "من" في الحديث تفيد أنّ المجدد فرد أم جماعة؟ وهل يمكن حصرهم في القرون السابقة؟ وجزاكم الله خير

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

نعم، الحديث صحيح، وفيه مسائل خمس:

1- من أي تاريخ تبدأ المئة؟ هل من مولد الرسول ﷺ، أو من البعثة، أو من الهجرة، أو من وفاته ﷺ؟

2- هل "رأس كل مئة" تعني في أوائل كل مئة، أو خلال كل مئة، أو في أواخر كل مئة؟

3- هل كلمة "من" تعني أحد الناس، أو تعني جماعة تجدد للناس دينهم؟

4- هل وردت روايات لها وجه صحيح في تعداد الرجال المجددين خلال مئات السنين الماضية؟

5- وهل يمكن أن نعرف في المئة الرابعة عشرة التي انتهت في 30 ذي الحجة 1399هـ من هو المجدد للناس دينهم؟

وسأحاول ما استطعت أن أذكر الراجح لدي في هذه المسائل دون الخوض والغوص في نقاط الاختلاف، فأقول وبالله التوفيق، وهو الهادي سبحانه إلى سواء السبيل:

1- من أي تاريخ تبدأ المئة؟

قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ فَتْحِ الْقَدِيرِ "وَاخْتُلِفَ فِي رَأْسِ الْمِائَةِ هَلْ يُعْتَبَرُ مِنَ الْمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ أَوِ الْبَعْثَةِ أَوِ الْهِجْرَةِ أَوِ الْوَفَاةِ..." والراجح لدي أنه اعتباراً من الهجرة، فهي الحدث الذي عزّ به الإسلام والمسلمون بإقامة دولته، ولهذا عندما جمع عمر الصحابة للاتفاق على بداية التاريخ اعتمدوا الهجرة. أخرج الطبري في تاريخه قال:

"حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا الدَّرَاوَرْدِيُّ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ، قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ، يَقُولُ: جَمَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ النَّاسَ، فَسَأَلَهُمْ، فَقَالَ: من أي يوم نكتب؟ فقال علي: من يوم هاجر رسول الله ﷺ، وَتَرَكَ أَرْضَ الشِّرْكِ، فَفَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. وقال أبو جعفر: وقد اعتبروا السنة الهجرية الأولى من محرم تلك السنة أي قبل مقدم رسول الله ﷺ إلى المدينة بشهرين وأيام حيث كان مقدم رسول الله ﷺ في الثاني عشر من ربيع الأول".

وعليه فقد رجّحت أن تُعدّ السنين المئات من التاريخ الهجري الذي اعتمده الصحابة رضوان الله عليهم.

2- أما رأس المئة فالراجح هو آخرها، أي أن المجدد يكون في أواخر المئة عالماً مشهوراً تقياً نقيا، وتكون وفاته في أواخرها وليس في نصفها أو خلالها. أما لماذا رجحت ذلك فللأسباب التالية:

أ- ثبت بروايات صحيحة أنهم عدّوا عمر بن عبد العزيز على رأس المئة الأولى، وهو رضي الله عنه توفي سنة 101هـ وعمره أربعون سنة، وعدّوا الشافعي على رأس المئة الثانية وهو توفي سنة 204هـ وعمره أربع وخمسون سنة. وإذا أُخذ تفسير "رأس كل مئة سنة" بغير هذا، أي فُسر بأول المئة، فلا يكون عمر بن عبد العزيز مجدد المئة الأولى لأنه ولد سنة 61هـ، ولا يكون الشافعي مجدد المئة الثانية لأنه ولد سنة 150هـ. وهذا يعني أن "رأس كل مئة" الواردة في الحديث تعني أواخر المئة وليس أولها، فيكون قد ولد خلالها ثم أصبح عالماً مشهوراً مجدداً أواخرها، وتوفي أواخرها.

ب- أما الدليل على أن عمر بن عبد العزيز هو مجدد المئة الأولى والشافعي مجدد الثانية فهو ما اشتهر عند علماء الأمة وأئمتها، فقد اتفق الزُّهْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنَ الْمُجَدِّدِينَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَعَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ الْإِمَامُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ تُوُفِّيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ سَنَةَ إِحْدَى وَمِائَةٍ وَلَهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَمُدَّةُ خِلَافَتِهِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ وَتُوُفِّيَ الشَّافِعِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً. وقد قَالَ الحافظ ابن حجر في توالي التأسيس قال أبو بكر الْبَزَّارُ سَمِعْتُ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْمَيْمُونِيَّ يَقُولُ كُنْتُ عِنْدَ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فَجَرَى ذِكْرُ الشَّافِعِيِّ فَرَأَيْتُ أَحْمَدَ يَرْفَعُهُ وَقَالَ روي عن النبي يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَيِّضُ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ قَالَ فَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُولَى وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ الْأُخْرَى.

وَمِنْ طَرِيقِ أَبَي سَعِيدٍ الْفِرْيَابِيِّ قَالَ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِنَّ اللَّهَ يُقَيِّضُ لِلنَّاسِ فِي كُلِّ رَأْسِ مِائَةٍ مَنْ يُعَلِّمُ الناس السنن وينفي عن النبي الْكَذِبَ فَنَظَرْنَا فَإِذَا فِي رَأْسِ الْمِائَةِ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِي رَأْسِ الْمِائَتَيْنِ الشَّافِعِيُّ.

وقال ابن عَدِيٍّ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ يَقُولُ سَمِعْتُ أَصْحَابَنَا يَقُولُونَ كَانَ فِي الْمِائَةِ الْأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَفِي الثَّانِيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ.

وأخرج الحاكم في مستدركه عن أبي الْوَلِيدِ، قال: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ إِذْ قَامَ إِلَيْهِ شَيْخٌ يَمْدَحُهُ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنَا أَبُو الطَّاهِرِ الْخَوْلَانِيُّ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ شَرَاحِيلَ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» فَأَبْشِرْ أَيُّهَا الْقَاضِي، فَإِنَّ اللَّهَ بَعَثَ عَلَى رَأْسِ الْمِائَةِ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَبَعَثَ عَلَى رَأْسِ الْمِأَتَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيَّ...

قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ الْحَدِيثَ كَانَ مَشْهُوراً فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ.

ج- وقد يقال إن رأس الشيء في اللغة يعني أوله، فكيف نرجح أن رأس كل مئة آخرها وليس أولها؟ والجواب أن رأس الشيء كما هو في اللغة أول الشيء كذلك هو آخره. قَالَ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ رَأْسُ الشَّيْءِ طَرَفُهُ وَقِيلَ آخِرُهُ. وقال في لسان العرب خرج الضب مرائسا: استبق برأسه من جحره وربما ذنّب، أي خرج بأوله أو بآخره، وعليه فإن رأس الشيء كما ورد بمعنى أوله في اللغة، ورد كذلك بمعنى طرفه سواء أكان أوله أو آخره، ونحتاج إلى قرينة ترجح المعنى المقصود في الحديث لرأس المئة أهو أولها أم آخرها، وهذه القرائن موجودة في الروايات السابقة باعتبار عمر بن عبد العزيز مجدد المئة الأولى وهو قد توفي في 101هـ، واعتبار الشافعي مجدد المئة الثانية وهو قد توفي في 204، كل هذا يرجح أن المعنى في الحديث هو أواخر المئة وليس أولها.

وبناء على ما سبق فإني أرجح أن معنى "رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ" الواردة في الحديث هو أواخر كل مئة.

3- أما هل "من" تعني واحداً أو جماعة، فإن الحديث روي «يبعث لهذه الأمة... من يجدد لها دينها»، ولو كانت "من" تدل على الجمع لكان الفعل مجموعاً أي "من يجددون"، ولكن ورد الفعل بالإفراد "يجدد"، ومع أن دلالة "من" فيها معنى الجمع أيضا حتى وإن كان الفعل بعدها مفرداً، إلا أني أرجح أنها هنا للمفرد بقرينة يجدد، وأقول أرجح لأن الدلالة هنا بالإفراد ليست قاطعة حتى وإن كان الفعل بعدها مفردا، ولذلك فإن هناك من فسر "من" بدلالة الجماعة، وعددوا في رواياتهم جماعات من العلماء في كل مئة، ولكنه قول مرجوح كما ذكرت آنفاً.

وعليه فالراجح لدي أن "من" تدل على الواحد، أي أن المجدد في الحديث هو رجل واحد عالم تقي نقي...

4- أما تعداد أسماء المجددين في المئات السابقة، فقد وردت روايات في ذلك وأشهرها أرجوزة السيوطي حيث عدد فيها للمئة التاسعة، وسأل الله سبحانه أن يكون هو مجدد التاسعة، وأنقل لك بعض ما في أرجوزته:

"فَكَانَ عِنْدَ الْمِائَةِ الْأُولَى عُمَرْ خَلِيفَةُ الْعَدْلِ بِإِجْمَاعٍ وَقَرْ...

وَالشَّافِعِيُّ كَانَ عِنْدَ الثَّانِيَةِ لِمَا لَهُ مِنَ الْعُلُومِ السَّامِيَةِ...

وَالْخَامِسُ الْحَبْرُ هُوَ الْغَزَالِي وَعَدّهُ مَا فِيهِ مِنْ جِدَالِ...

وَالسَّابِعُ الرَّاقِي إلى المراقي بن دَقِيقِ الْعِيدِ بِاتِّفَاقِ...

وَهَذِهِ تَاسِعَةُ الْمِئِينَ قَدْ أَتَتْ وَلَا يُخْلَفُ مَا الْهَادِي وَعَدْ وَقَدْ رَجَوْتُ أَنَّنِي الْمُجَدِّدُ فِيهَا فَفَضْلُ اللَّهِ لَيْسَ يُجْحَدُ...

وهناك أقوال أخرى تستمر إلى ما بعد ذلك.

5- وهل يمكن أن نعرف في المئة الرابعة عشرة التي انتهت في 30 ذي الحجة 1399هـ من هو المجدد للناس دينهم؟

لقد لفت نظري ما اشتهر عند العلماء المعتبرين من أن رأس السنة هو أواخرها، فعمر بن عبد العزيز ولد في 61 للهجرة وتوفي على رأس المئة الأولى 101هـ، والشافعي ولد في 150 للهجرة وتوفي على رأس المئة الثانية 104هـ... أي أن كل واحد منهما قد ولد خلال المئة واشتهر في أواخرها وتوفي أواخرها، وكما قلت فإني أرجح هذا التفسير لما اشتهر بين العلماء المعتبرين أن عمر بن عبد العزيز هو المجدد على رأس المئة الأولى، والشافعي هو المجدد على رأس المئة الثانية. وبناء عليه فإني أرجح أن العلامة الشيخ تقي الدين النبهاني رحمه الله هو المجدد على رأس المئة الرابعة عشرة، فهو قد ولد 1332هـ واشتهر أواخر هذه المئة الرابعة عشرة، وبخاصة عندما أسس حزب التحرير في جمادى الثانية سنة 1372هـ، وتوفي أواخرها 1398هـ، وكان لدعوته المسلمين إلى القضية المصيرية، استئناف الحياة الإسلامية بإقامة دولة الخلافة الراشدة، أثر كبير في حياتهم وفي جدهم واجتهادهم، حتى أصبحت الخلافة اليوم مطلباً عاماً للمسلمين، فرحم الله أبا إبراهيم، ورحم أخاه أبا يوسف من بعده وحشرهما مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.

هذا ما أرجحه يا أخي أبا مؤمن، والله أعلم بالصواب، وهو سبحانه عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ.] انتهى الجواب السابق

ثالثاً: أما بالنسبة لتساؤلك: (إذا كان مجدد العصر هو العالم الجليل تقي الدين النبهاني فهل انتهى التجديد بموته رحمه الله أم أنه ما زال قائما بوجود الحزب الذي يحمل فكرته؟)، فالجواب على ذلك أن عملية التجديد وفق ما وضحناه في الأعلى يقوم بها (رجل واحد عالم تقي نقي...)، وبوفاته ينتهي موضوع التجديد، ولكن ذلك لا يعني انتهاء أثر التجديد، بل يبقى للتجديد أثر على المسلمين وعلى الأجيال القادمة بعد اكتمال التجديد إلى أن يطرأ خلل في الفهم أو التطبيق مع مرور الزمن فيبعث الله سبحانه في نهاية القرن الذي يليه مرة أخرى من يجدد للأمة دينها، فحسب الحديث يبعث الله على رأس كل مئة عام من يجدد للأمة دينها، أي على رأس المئة الخامسة عشرة على النحو المبين تفسيره أعلاه بإذن الله. والله أعلم من سيكون..

هذا ما أرجحه في هذه المسألة والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

26 شوال 1444هـ

الموافق 2023/5/16م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على: الفيسبوك

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك