جواب سؤال: رؤية الهلال والحساب الفلكي
May 11, 2022

جواب سؤال: رؤية الهلال والحساب الفلكي

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

رؤية الهلال والحساب الفلكي

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:

إلى الإخوة الذين أرسلوا على صفحتنا متسائلين عن رؤية الهلال والحساب الفلكي...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،

اطلعت على تساؤلاتكم حول الرؤية والحساب الفلكي، ولقد أصدرنا مراراً عن هذه المسألة ولكن لا بأس، سأزيدها توضيحاً وتأكيدا، آملاً من الإخوة أن يتدبروها بروية وإنعام نظر، فأقول وبالله التوفيق:

1- إننا أيها الإخوة لا نُدخل الحساب الفلكي في الموضوع، فالنص يعتمد فقط الرؤية ونصوم ونفطر بناء عليها، فإذا لم نره في مساء التاسع والعشرين من شهر رمضان نكمل العدة ثلاثين حتى لو كان الهلال موجوداً بالحساب الفلكي ولكن حجبه الغيم أو الظروف الجوية، فالرؤية هي المعتمدة لأن النص هو على الرؤية وليس على الظاهرة الكونية. انظر حديث الرسول ﷺ الذي أخرجه البخاري: ... قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» ثم الذي أخرجه أحمد: ... قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ، وَقَالَ: صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»، فإذا حجبه الغيم مثلاً فلم يره المسلمون مع أنه موجود خلف الغيم حقيقة بالحساب الفلكي فنحن بناء على ذلك لا نفطر، بل يجب أن نصوم اليوم الثلاثين لأننا لم نره. أكرر انظر الحديث «فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» مع أنه بالحساب الفلكي موجود.

2- إننا ندرك أنه بالحساب الفلكي يُعرف بالثانية متى الاقتران ومتى يتولد الهلال ومتى يغيب وكم دقيقة يبقى بعد غياب الشمس... ولكن النص الشرعي لم ينص على الظاهرة الكونية بل على الرؤية. انظر مثلاً أوقات الصلاة فتجد أن النص ذكر الظاهرة الكونية ولم يقتصر على الرؤية ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾، «إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلُّوا». فكانت الصلاة متوقفةً على الوقت، فبأية وسيلة تحققت من الوقت صليت، فإذا نظرت إلى الشمس لترى وقت الزوال أو نظرت إلى الظل لترى ظل كل شيء مثله أو مثليه كما جاء في أحاديث أوقات الصلاة، إن فعلت ذلك وتحققت، صحَّت الصلاة، وإن لَم تفعل ذلك بل حسبتها فلكياً فعلمت أن وقت الزوال هو الساعة كذا فنظرت إلى ساعتك دون أن تخرج لترى الشمس أو الظل، قد صحَّت الصلاة، أي أن تتحقق من الوقت بأية وسيلة. لماذا؟ لأن الله سبحانه طلب منك الصلاة لدخول الوقت وترك لك التحقق من دخوله دون تحديد لكيفية التحقق. وكما ترى فإذا أدركت الزوال بنظرك تصلي وإذا حسبته على ساعتك تصلي أي هنا (بالرؤية والحساب) تصلي لأن النص ليس على الرؤية بل على الظاهرة الكونية... وهذه خلاف النص الشرعي للصوم والفطر الذي نص على الرؤية.

3- أما أن الشاهد قد يشتبه الأمر عليه فيشهد أنه رأى وهو لم ير الهلال بل شيئاً آخر، فهذه مهمة القاضي أو صاحب الصلاحية في إعلان بداية الشهر ونهايته، فيتحقق من الشهود وعددهم وكلما ازداد العدد اقترب الاطمئنان، ويتحقق من سلامة بصر الشاهد، وجهة قوس الهلال، ومدة مكثه بعد الغروب، والمكان الذي رآه فيه، وهل هو مسلم، وهل هو فاسق...إلخ. أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: أَنْبَأَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْ سِمَاكٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ «فَقَالَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ نَعَمْ فَنَادَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ صُومُوا» (سنن النسائي)، هكذا تتحقق من الشاهد، ولكن دون إدخال الحساب الفلكي في الموضوع، أي لا يقول له: الحساب الفلكي يقرر أن الهلال موجود خلف الغيم، أو يقرر أنه غير موجود، وذلك لأن إدخال الحساب الفلكي في المسألة هو خلاف ما جاء في حديث رسول الله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» فالنص واضح وهو أن يكمل الشهر ثلاثين مع أنه بالحساب موجود خلف الغيم، ولكن لا يُرى.

4- أما السائل: (إن الرسول ﷺ يقول: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لاَ نَكْتُبُ وَلاَ نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ» "البخاري"، أفلا يفهم منه بالمخالفة أننا نأخذ بالرؤية لأننا لا نكتب ونحسب، فإذا تعلمنا الحساب فإذن نأخذ بالحساب الفلكي)، فهذا الفهم غير صحيح وهو قول مردود كما هو معلوم في الأصول، حيث إن هذا المفهوم مُعطَّل، لأن وصف (أمية) خرج مخرج الغالب، فالعرب كانوا في الأعم الأغلب أميين، بالإضافة إلى أن هذا المفهوم قد عُطِّل بمنطوق نصوص أخرى ومنها الحديث «فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ» (البخاري). ولم يُذكر معه قيد، أي إذا كانت رؤية الهلال غير ممكنة لغيم أو مطر أو أي سبب يمنع الرؤية، فالحكم الشرعي قد حُدِّد بإكمال الشهر ثلاثين، حتى وإن كان الهلال طالعاً ولكن الغيم يحجبه. وعليه فيُعمل بمنطوق الحديث ويُعطَّل مفهوم المخالفة. أي أن مفهوم المخالفة هنا معطل بأمرين: خروجه مخرج الغالب، ولأن منطوق نص آخر يعارض ذلك المفهوم.

وهذا واقع في شروط العمل بالمفهوم في أكثر من حالة، فإنه يعطل إذا خرج مخرج الغالب، أو إذا عطله نص آخر بمنطوقه مثل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ فـ(خشية إملاق) وصف مُفهم أي خشية الفقر، وكذلك فهو خرج مخرج الغالب، فقد كانوا يقتلونهم خشية الفقر، ثم إن هذا المفهوم قد عُطِّل بنص ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾، لذلك يعطل هذا المفهوم، فلا يقال إن الحرام هو قتل الأولاد خشية الفقر ويكون حلالاً إن قتله عن غنى! بل هو حرام في الحالتين، سواءٌ أكان عن فقر أم عن غنى، وكذلك الآية ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾، فـ(أضعافاً مضاعفة) وصف مفهم، وكذلك خرج مخرج الغالب، فهم كانوا يترابون أضعافاً مضاعفة، ثم إن هذا المفهوم قد عُطِّل بنص ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، ولذلك يُعطَّل هذا المفهوم، فلا يقال الحرام هو الربا الكثير، وأما الربا القليل فجائز، بل الربا مهما كان قدره حرام لأن مفهوم (أضعافاً مضاعفة) مُعطَّل كما قلنا.

وهكذا فإن مفهوم كلمة (أمية) مُعطَّل كما بينا، أي أن رؤية الهلال إذا تعذَّرت لغيم أو مطر فيجب إكمال عدة الشهر ثلاثين، سواء أكنا نعرف الحساب أم كنا لا نعرف.

5- بالنسبة لعيد الفطر هذا العام فإذا لاحظتم فنحن تأخرنا في الإعلان هذه المرة والسبب هو التحقق من هذا الأمر، فقد كانت هناك شهادات بالرؤية مختلفة:

أ- أفغانستان ومالي والنيجر أعلنت الرؤية بعد غروب شمس السبت 2022/4/30 ومن ثم أعلنت العيد الأحد الأول من شوال 1443هـ الموافق 2022/5/1م.

ب- نحو 21 دولة عربية أعلنت عدم ثبوت الرؤية بعد غروب السبت فاعتبرت الأحد هو المتمم لشهر رمضان وأن العيد هو الاثنين 2022/5/2.

ج- أربع دول كان التقويم عندها أن السبت هو الثامن والعشرون من رمضان لذلك لم تتحر الرؤية مساء السبت بل في اليوم التالي الأحد ولم تر الهلال فاعتبرت الاثنين هو المتمم لرمضان والعيد الثلاثاء 2022/5/3، وهذه الدول هي الهند، بنغلادش، إيران، باكستان.

6- وهنا كان لا بد من تتبع من رأى لأن من يرى حجة على من لا يرى ويكون التثبت من الرؤية كما هو في النصوص الشرعية دون إدخال الحساب الفلكي في الموضوع لأن حديث الرسول ﷺ واضح في ذلك فالرسول ﷺ يقول: «فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»، ولأن مالي والنيجر غرب أفغانستان أي أن الرؤية إذا ثبتت في أفغانستان فمن باب أولى أن تثبت في مالي والنيجر، وعليه فقد بدأنا في التحقق من أفغانستان، وكانت الرؤية المعلنة في هذه الدول الثلاث:

أ- أعلنت النيجر ثبوت رؤية هلال شهر شوال بعد غروب السبت في إقليم ديفا وطاوا ومرادي، وكذلك في مدينة زندر.

ب- أعلنت المحكمة العليا في أفغانستان، مساء السبت، أن يوم الأحد 1 أيار/مايو، أول أيام عيد الفطر المبارك 2022 في البلاد. وكما جاء عن تلك البلاد فإن الرؤية تمت في ولايات (غور، وغزني، وقندهار، وفراه، وثبوت 27 شهادة صحيحة لدى اللجان الإقليمية...).

ج- وأعلنت دولة مالي أيضا ثبوت رؤية هلال شهر شوال مساء السبت في موقعين من قبل 8 شهود.

أي أن الرؤية كانت من نحو 39 شاهداً في مواقع مختلفة... وقد بذلنا الوسع في التحقق وخاصة من أفغانستان لأن مالي والنيجر إلى الغرب فإذا كانت الرؤية صحيحة في أفغانستان فمن باب أولى أنها صحيحة في مالي والنيجر... فلم نكتف بوسائل الإعلام ولا حتى بما وصلنا من المعتمدين في الولايات بل أضفنا لذلك... فاتصلنا بالإعلامي في أفغانستان، وكذلك ببعض الإخوة الأفغان في أوروبا للاتصال ببعض المعارف في أفغانستان للتحقق من الأمر إلى أن حصلت الطمأنينة لدينا بثبوت الرؤية فأعلناها في حدود الثانية عشرة ليلاً بتوقيت المدينة.

7- أما السائل لماذا يختلف المسلمون في الرؤية؟ فالجواب سهل ميسور وهو كما يلي:

أ- إن الخلاف هو بسبب عدم اتباع الحكم الشرعي مع أنه بيِّن واضح! فرسول الله ﷺ بين لنا وجوب اتباع الرؤية وأكد على ذلك بقوله ﷺ: «فَإِنْ غَبِيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ» وواضح منه إسقاط الحساب الفلكي من الاعتبار، لأن النص أوجب إكمال الشهر ثلاثين إذا لم يُر الهلال لأن الغيم حجبه عن الرؤية حتى لو كان موجوداً خلف الغيم والحساب الفلكي يثبت وجوده خلف الغيم، ومع ذلك لا يصح العمل به بل نكمل الشهر ثلاثين كما جاء في أحاديث رسول الله ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبيَ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ»، وقال ﷺ: «لَا تُقَدِّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ»، رواه أبو داود، وقال ﷺ: «إِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْماً»، رواه مسلم، والأحاديث في هذا كثيرة، وهي تدل على أن المعتبر في ذلك هو رؤية الهلال أو إكمال العدة. وليس المقصود من هذه الأحاديث أن يرى كل واحد الهلال بنفسه، وإنما المراد بذلك شهادة البينة العادلة، فقد صح عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: «تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ»، رواه أبو داود.

ب- وأما السبب الثاني فالمسلمون لا تجمعهم خلافة، فليس لهم حاكم واحد يزيل الخلاف دون فرقة، وبتدبر حديث الرسول ﷺ يتبين ذلك، فقد أخرج أحمد في مسنده قال حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ عَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ حَدَّثَنِي عُمُومَةٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «غُمَّ عَلَيْنَا هِلَالُ شَوَّالٍ فَأَصْبَحْنَا صِيَاماً فَجَاءَ رَكْبٌ مِنْ آخِرِ النَّهَارِ فَشَهِدُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُمْ رَأَوْا الْهِلَالَ بِالْأَمْسِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُفْطِرُوا مِنْ يَوْمِهِمْ وَأَنْ يَخْرُجُوا لِعِيدِهِمْ مِنَ الْغَدِ» (مسند أحمد).

فرغم صعوبة الاتصال بين القرى والمدن حينذاك إلا أن المشكلة حلت بأن أمر الرسول ﷺ المسلمين في المدينة بالفطر لأن الهلال تمت رؤيته في البادية ثم أمر المسلمين أن يصلوا العيد غداً لأن وفد البادية وصل المدينة بعد ذهاب وقت صلاة العيد ذلك اليوم، هذا في الوقت الذي كان فيه نقل الأخبار من بلد إلى بلد يأخذ وقتاً يطول، فكيف اليوم والخبر ينتقل في سرعة متناهية؟ فلو كان للمسلمين خليفة ودولة واحدة لكانوا عباد الله إخوانا، خاصة وأن التبني في كل ما يجمع المسلمين ووحدتهم أمر به الإسلام للدولة وللحزب وللفرد حسب الوجه الشرعي، فتبني الرأي الشرعي الذي يجمع المسلمين هو أمر درجته عظيمة في الإسلام.

هذان الأمران هما اللذان يزيلان الخلاف، والواجب على المسلمين بذل الوسع لتحقيقهما ليعود المسلمون خير أمة أخرجت للناس كما أنزل الله في محكم كتابه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾.

وفي الختام أسأل الله سبحانه أن يهدي المسلمين أجمعين إلى أرشد أمرهم، وأن يعزهم بعز الإسلام، وأن يقيموا دولتهم بعد طول غياب، ومن ثم لا يختلفون في طاعة ربهم بل يكونون كما قال سبحانه: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾.

وتقبل الله الطاعات، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

10 شوال 1443هـ

الموافق 2022/05/10م

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك