جواب سؤال: تعريف العقيدة الإسلامية والمتكلمين
December 12, 2021

جواب سؤال: تعريف العقيدة الإسلامية والمتكلمين

  

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فكري"

 جواب سؤال

تعريف العقيدة الإسلامية والمتكلمين

 إلى Ibn Mansoor

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله لك يا شيخنا الكريم، تقبل الله أعمالك وجزاك الله بحسن ثواب في الدنيا والآخرة

عندي سؤالان. عذرا في عبئي عليك بسؤالَيْ هذين.

1- جاء في الشخصية الإسلامية الجزء الأول في باب العقيدة الإسلامية كما يلي:

 العقيدة الإسلامية هي الإيمان باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقضاء والقدر خيرهما وشرهما من الله تعالى.

وقد جاء في آخر بابه:

وأما مسألة الإيمان بالقضاء والقدر بهذا الاسم وبمسماها الذي جرى الخلاف في مفهومه فلم يرد بها نص قطعي. إلا أن الإيمان بمسماها من العقيدة فهي مما يجب الإيمان به.

ومن المعلوم أنّ أدلة العقيدة هي دليل عقلي ودليل نقلي.

وقد جاء في هذا الباب: "أما القضاء والقدر فدليله عقلي" وقد فهمتُ مما درستُ في ثقافتنا أنه لا يكون الشيء من العقيدة إلا وهو قطعي. وقد فهمتُ من ثقافتنا ما هو القضاء والقدر وقد فهمت أنه دليل قطعي وعقلي. ولكن قد أنشأ هذا سؤالا عن الجماعات الذين كانوا يقولون في حرية الإرادة وجبريتها. فكيف نرى على من يقولون بهما؟ ورغم أنهم كانوا مضطربين في عقيدة القضاء والقدر، لا يوجد أحد من العلماء بينهم يقولون بكفر بعضهم بعضا.

يرجى إيضاح كيف نرى عليهم لأنّ الإيمان بالقضاء والقدر هو من العقيدة ويجب الإيمان بها.

2- وقد جاء في الشخصية الإسلامية الجزء الأول صفحة 68 (لقد كانت نظرة المعتزلة إلى عدل الله نظرة تنزية له عن الظلم... فهم قاسوا الغائب على الشاهد، قاسوا الله تعالى على الإنسان... فقد ألزموا الله تعالى لقوانين هذا العالم تماما كما فريق من فلاسفة اليونان". وقال الشيخ تقي الدين نبهاني رحمه الله إنه من أخطاء المعتزلة أن قاسوا الغائب غير المحسوس على الشاهد المحسوس. بعد أن قال رحمه الله هذا في هذا الباب، يبين معنى "الهدى والضلال" في الباب التالي على أن الله خلق الهدى والضلال وأن العبد يباشر الهداية والضلال، وتابع بقرائن لهما أي شرعية وعقلية ويبين القرينة العقلية (أما القرينة العقلية فإن الله تعالى يحاسب الناس فيثيب المهتدي ويعذب الضال... فإذا جعل معنى نسبة الهداية والإضلال إلى الله مباشرته لها فإن عقابه للكافر والمنافق والعاصي يكون ظلما، وتعالى الله عن ذلك علوا كبيراً)

بدا لي أن هذا القول يتناقض مع ما سبق قوله عن الأخطاء المعتزلة في قياسهم عدل الله غير المحسوس على عدل الإنسان. فكيف نحس بعدل الله عقليا بدون دليل شرعي، ثم نقول إنه يكون ظلما عقابه للكافر والمنافق والعاصي؟

أخوك أبو زيد

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

أولاً: إن العقيدة الإسلامية التي كانت معروفة في عهد رسول الله ﷺ والخلفاء الراشدين هي الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره من الله سبحانه وتعالى كما جاء في الآية الكريمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ وكذلك يضاف لهذه الخمسة (القدر بمعنى علم الله والكتابة في اللوح المحفوظ...) وكل هذا كان معروفاً في عهد رسول الله ﷺ كما بيناه في كتبنا وأجتزئ منها عن القدر بهذا المعنى:

1- من كتاب الله سبحانه: قوله تعالى ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقوله تعالى ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وذلك بمعنى علم الله والكتابة في اللوح المحفوظ...

2- ومن أحاديث رسول الله ﷺ: أخرج مسلم في صحيحه بالإضافة إلى الأمور الخمسة السابقة، وذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب قال: (حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رسول الله ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ وَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ... قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ صَدَقْتَ... ثُمَّ قَالَ لِي يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ».

والقدر هنا هو علم الله سبحانه وتعالى والكتابة باللوح المحفوظ وليس بالمعنى الاصطلاحي في كلمة القضاء والقدر، فلم يُعرف هذا الاسم (اصطلاح القضاء والقدر بمعنى خلق الأفعال والقيام بها وخلق خواص الأشياء وتولدها عن الأفعال... كما وضحناه في كتبنا)، لم يُعرف في عصر الرسول ﷺ أو الصحابة رضوان الله عليهم وإنما اشتهر في عصر التابعين وصارت هذه المسألة تُعرف وتُبحث منذ ذلك الحين والذي جعلها موضوع بحثهم هم المتكلمون.

أما أن أدلة العقيدة هي أدلة قطعية فهذا صحيح عند جميع المسلمين ومنكرها كافر، ولكن هذا لا ينطبق على موضوع (القضاء والقدر) بالمعنى الاصطلاحي الذي تُرجِم عن الفلسفة اليونانية، فهو موضوع اختُلِف في معناه:

* فمن فهمه فهماً صحيحاً وأقام الأدلة القطعية عليه يؤمن به كما بيناه في كتبنا وآمنا به وجعلناه في أبحاث العقيدة...

* ومن اختلط عليه فهمه كالمعتزلة والجبرية فخلطوا بين خلق الفعل وبين القيام به والثواب والعقاب... فقال المعتزلة الإنسان يخلق أفعاله بإرادته لينال الثواب والعقاب عليها، وقال الجبرية بل الله يخلق أفعال الإنسان وعليه فالإنسان مجبر عليها وهو كالريشة في الفضاء، فهؤلاء وأولئك قد خلطوا بين القيام بالفعل وبين خلق الفعل الذي هو من صفات الله سبحانه فهو خالق كل شيء، هؤلاء وأولئك أخطأوا الفهم للمسألة فجاءوا بآراء خاطئة فلا نقول إنهم كفروا بل هم مسلمون أخطأوا في هذه المسألة.

والخلاصة لا يقال عن الجبرية ولا المعتزلة الذين اختلفوا في فهم (القضاء والقدر بمعناه الاصطلاحي) لا يقال بأنهم كفار، وإنما نقول إن رأيهم خطأ، فنحن نرى أن رأينا هو القطعي ومن ثم نؤمن بالقضاء والقدر كما وضحناه في كتبنا، ومن يفهمه على غير الفهم الذي ذكرناه فنقول إنه أخطأ ولا نقول إنه كفر...

ثانياً: أما سؤالك عن العدل والظلم:

إن المعتزلة حكّموا العقل في أفعال الله سبحانه بقياس أفعال الله على أفعال الإنسان وهذا خطأ محض لأن ذات الله سبحانه وأفعاله غير خاضعة للحس وإنما يوقَف بشأنها وفق النصوص الشرعية من كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ، ولذلك فإننا لما بحثنا هذه المسألة أقمنا الأدلة الشرعية أولاً على أفعال الله سبحانه وبعد ذلك ذكرنا من الأدلة العقلية ما يوافقها أي أن الأصل في الإثبات أو النفي هو ما أورده الشرع ثم إن وُجدت أدلة عقلية عن بعض الجوانب فلا مانع من ذكرها لموافقتها للدليل الشرعي...

وعليه فقد قلنا عند بحث هذه المسألة في الهدى والضلال من الشخصية الجزء الأول:

(إلا أنه قد وردت آيات تدل على نسبة الهداية والضلال إلى الله تعالى، فيفهم منها أن الهداية والضلال ليسا من العبد وإنما من الله تعالى، ووردت آيات أخرى تدل على نسبة الهداية والضلال والإضلال إلى العبد، فيفُهم منها أن الهداية والضلال من العبد. وهذه الآيات وتلك لا بد أن تُفهم فهماً تشريعياً، بمعنى أن يُدرك واقعها التشريعي الذي شُرعت له، وحينئذ يظهر أن نسبة الهداية والضلال إلى الله لها مدلول غير مدلول نسبة الهداية والضلال إلى العبد، وأن كلاً منهما مسلط على جهة تختلف عن الجهة التي يسلط عليها الآخر، وبذلك يبرز المعنى التشريعي أتم بروز. نعم إن الآيات التي تنسب الضلال والهداية إلى الله صريحة في أنه هو الذي يهدي وهو الذي يضل قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهْدِىٓ إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ﴾...

وقال: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾. فمنطوق هذه الآيات فيه دلالة واضحة على أن الذي يفعل الهداية والإضلال هو الله تعالى وليس العبد، وهذا يعني أن العبد لا يهتدي من نفسه وإنما إذا هداه الله اهتدى، وإذا أضله ضل. ولكن هذا المنطوق قد جاءت قرائن تصرف معناه عن جعل مباشرة الهداية والضلال من الله إلى معنى آخر، هو جعل خلق الهداية وخلق الضلال من الله، وأن المباشر للهداية والضلال والإضلال هو العبد. أما هذه القرائن فشرعية وعقلية.

أما الشرعية فقد جـاءت آيات كثيرة تنسب الهداية والضلال والإضلال إلى العبد. قال تعـالى: ﴿مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وقال: ﴿فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَلِنَفْسِهِ﴾، وقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ وقال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَٰانُ أَن يُضِلَّهُمْ﴾.

 فمنطوق هذه الآيات فيه دلالة واضحة على أن الإنسان هو الذي يفعل الهداية والضلال فيضل نفسه ويضل غيره وأن الشيطان يضل أيضاً، فقد جاءت نسبة الهداية والضلال إلى الإنسان وإلى الشيطان، وأن الإنسان يهتدي من نفسه ويضل من نفسه.

فمنطوق هذه الآيات فيه دلالة واضحة على أن الإنسان هو الذي يفعل الهداية والضلال فيضل نفسه ويضل غيره وأن الشيطان يضل أيضاً، فقد جاءت نسبة الهداية والضلال إلى الإنسان وإلى الشيطان، وأن الإنسان يهتدي من نفسه ويضل من نفسه. فهذا قرينة على أن نسبة الهداية والإضلال إلى الله ليست نسبة مباشرَة بل هي نسبة خلق. فإنك إذا وضعت الآيات مع بعضها وفهمتها فهماً تشريعياً يتبين لك انصراف كل منها إلى جهة غير الجهة التي للأخرى، فالآية تقول: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ والآية الأخرى تقول: ﴿فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ فالأولى تدل على أن الله هو الذي هدى، والثانية تدل على أن الإنسان هو الذي اهتدى. وهداية الله في الآية الأولى هي خلق للهداية في نفس الإنسان، أي إيجاد قابلية الهداية، والآية الثانية تدل على أن الإنسان هو الذي باشر ما خلقه الله من قابلية الهداية فاهتدى، ولذلك يقول في آية أخرى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ أي طريق الخير وطريق الشر، أي جعلنا فيه قابلية الهداية وتركنا له أن يباشر الاهتداء بنفسه. فهذه الآيات التي تنسب الهداية والإضلال إلى الإنسان قرينة شرعية دالة على صرف مباشرة الهداية عن الله إلى العبد.

أما القرينة العقلية فإن الله تعالى يحاسب الناس فيثيب المهتدي ويعذب الضال ورتب الحساب على أعمال الإنسان، قال تعالى: ﴿مَّنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ وقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾ وقـال: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً﴾ وقال: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوٓءاً يُجْزَ بِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَات وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

فإذا جعل معنى نسبة الهداية والإضلال إلى الله مباشرته لها فإن عقابه للكافر والمنافق والعاصي يكون ظلماً، وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. فوجب أن يصرف معناها على غير المباشرة وهو خلق الهداية من العدم والتوفيق إليها فيكون الذي يباشر الهداية والإضلال هو العبد ولذلك يحاسب عليها.

هذا من ناحية الآيات التي فيها نسبة الهداية والإضلال إلى الله. أما من ناحية الآيات التي تقترن فيها الهداية والإضلال بالمشيئة: ﴿يُضِلُّ اللَّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ فإن معنى المشيئة هنا هو الإرادة، ومعنى هذه الآيات هو أنه لا يهتدي أحد جبراً عن الله ولا يضل أحد جبراً عنه، بل يهتدي من يهتدي بإرادة الله وبمشيئته ويضل من يضل بإرادته ومشيئته...]

في حين إن المعتزلة قد حكّموا العقل كدليل أساس في المسألة وهذا ما ذكرناه في الكتاب نفسه:

[وقد كانت نظرة المعتزلة إلى عدل الله نظرة تنـزيه له عن الظلم. ووقفوا أمام مسألة المثوبة والعقوبة الموقف الذي يتفق مع تنـزيه الله ومع عدل الله. فرأوا أن عدل الله لا يكون له معنى إلا بتقرير حرية الإرادة في الإنسان، وأنه يخلق أعمال نفسه وأن في إمكانه أن يفعل الشيء أو لا يفعل. فإذا فعل بإرادته أو ترك بإرادته، كانت مثوبته أو عقوبته معقولة وعادلة. أما إن كان الله يخلق الإنسان ويضطره إلى العمل على نحو خاص، فيضطر المطيع إلى الطاعة والعاصي إلى العصيان، ثم يُعاقِب هذا ويثيب ذلك فليس من العدالة في شيء. فهم قاسوا الغائب على الشاهد، قاسوا الله تعالى على الإنسان، وأخضعوا الله تعالى لقوانين هذا العالم تماماً كما فعل فريق من فلاسفة اليونان. فقد ألزموا الله بالعدل كما يتصوره الإنسان، فأصل البحث هو الثواب والعقاب من الله على فعل العبد، وهذا هو موضوع البحث الذي أُطلق عليه اسم (القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار) أو (حرية الإرادة)... ويقـولـون بأن الله لو كان مُريـداً لكفر الكافر، ومعاصي العاصي ما نهاه عن الكفر والعصيان، وكيف يُتَصَور أن يريد الله من أبي لهب أن يكفر ثم يأمره بالإيمان، وينهاه عن الكفر؟ ولو فعل هذا أحد من الخلق لكان سـفيهاً، تعـالى الله عن ذلك علواً كبيراً. ولو كان كفر الكافر وعصـيان العاصي مُراداً من الله تعـالى ما اسـتحقا عقوبة...

وأما مسألة خلق الأفعال، فقد قال المعتزلة إن أفعال العباد مخلوقة لهم ومن عملهم هم لا من عمل الله، ففي قدرتهم أن يفعلوها وأن يتركوها من غير دخل لقدرة الله... وخلصوا من ذلك كله إلى الرأي الذي اعتنقوه في مسألة خلق الأفعال، وهو أن الإنسان يخلق أفعال نفسه وأنه قادر على أن يفعل الشيء وقادر على أن لا يفعله. وجرياً وراء منهج المتكلمين في البحث في بحث المسألة وما يتفرع عنها، تفرَّع لديهم عن مسألة خلق الأفعال مسألة التولد. فإن المعتزلة لما قرروا أن أفعال الإنسان مخلوقة له تفرَّع عن ذلك سؤال وهو: ما الرأي في الأعمال التي تتولد عن عمله؟ أهي كذلك من خلقه؟ أم من خلق الله؟ وذلك كالألم الذي يحسه المضروب. والطعم الذي يحصل للشيء من فعل الإنسان، والقطع الذي يحصل من السكين، واللذة والصحة والشهوة، والحرارة، والبرودة، والرطوبة واليبوسة، والجبن والشجاعة، والجوع، والشبع، وغير ذلك، فإنهم قالوا إنها كلها من فعل الإنسان لأن الإنسان هو الذي أحدثها حين فعل الفعل، فهي متولدة من فعل الإنسان، فهي مخلوقة له...]

وعليه فرأي المعتزلة قائم على تحكيم العقل في أفعال الله سبحانه مع أنهم لا يدركون حقيقة هذه الأفعال فقد يتراءى لهم غير حقيقتها وكما جاء في الكتاب نفسه أنهم [لم يفطنوا إلى أن عدل الله لا يصح أن يقاس على عدل الإنسان ولا يجوز إخضاع الله لقوانين هذا العالم وهو الذي خلق العالم، وهو الذي يُديره حسب هذه القوانين التي جعلها له. وإذا كنا نرى أن الإنسان إذا ضاق نظره يفهم العدل فهماً ضيقاً ويحكم على الأشياء حكماً معيناً فإذا اتسع نظره تغيرت نظرته إلى العدل وتغير حكمه فكيف نقيس رب العالمين الذي يحيط علمه بكل شيء فنعطي عدله المعنى الذي نراه نحن للعدل؟]

وعليه فالعقل لا يستطيع أن يحكم على أفعال الله سبحانه، فأفعال الله سبحانه هي خارج نطاق قدرة العقل وحكمه فلا يصح إعطاء العقل مستقلاً عن الشرع صلاحية الحكم على أفعال الله سبحانه.

وهذا ما ذكرناه في كتبنا فقد أقمنا الأدلة الشرعية على أفعال الله سبحانه ثم ذكرنا ما يوافقها من الأدلة العقلية...

آمل أن يكون في هذا التوضيح كفاية، والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

08 جمادى الأولى 1443هـ

الموافق 2021/12/12م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على الفيسبوك
رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) ويب

المزيد من القسم null

جواب سؤال : حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

حكم التداولات المالية والتجارية عبر الإنترنت

إلى سعيد خطيب

السؤال:

السلام عليكم،

ما حكم التداول أن يشتري مثلا بالدولار دينارا أو نفطا أو ذهبا أو... في وقت الرخص ثم يبيعه وقت الغلاء ليربح، مع العلم أن كل هذا موجود على الإنترنت، ويمكنه تحويل المال إلى البنك ويسحبه متى شاء؟

وسؤال ثان: هل يشترط عند الصرف بين العملات القبض باليد أم يكفي قبضها على الإنترنت دون اليد؟

- وأضيف تكملة للسؤال: وإذا اشترى نفطاً هل يلزم أن يحوزه ويستلمه وإذا باعه دون أن يحوزه؟

للعلم إذا اشترى نفطاً أو حديداً أو ذهباً أو مالاً لا يمكن له استلامه إلا بعد أن يحوله لدولار ويستلمه دولاراً، فإذا اشتريت نفطا لا يمكنك استلامه نفطاً بل يحول لدولار.

كذلك ورد في النظام الاقتصادي (لا يجوز بيعه لها مطلقاً، وهذا يشمل ما ملكْته ولم تقبضه مما يشترط فيه لتمام البيع القبض، وهو المكيل والموزون والمعدود. أمّا ما لا يُشترط لتمام ملكه القبض وهو غير المكيل والموزون والمعدود مثل الحيوان والدار والأرض وما شاكل ذلك فإنه يجوز للبائع أن يبيعه قبل قبضه).

والسؤال: كيف أحكم على الشيء أنه مكيل أو موزون أو معدود أم لا؟ فذكر مثالا على شيء غير مكيل مثل الحيوان والدار لكن الحيوان كالخروف في بلادنا عند شرائه نقوم بتوزينه ويباع حسب وزنه، إذا هو على ما يبدو موزون. كذلك البيت فيقال شقة أو شقتين إذا هو معدود كيف اعتبرهن غير معدودات ولا موزونات؟

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،

بالنسبة لموضوع التداول فقد سبق أن أجبنا على سؤال شبيه بسؤالك وأجتزئ منه ما له علاقة بسؤالك:

[أما جواب السؤال الأول وهو التداول عبر الإنترنت فهو على النحو التالي:

1- بالنسبة للبترول، فالسؤال غير واضح:

فهل أنت تريد أن تملأ سيارتك من محطة البنزين بالبطاقة الإلكترونية فتعطيها لمسئول المحطة ثم يملأ لك سيارتك بالبترول؟ فإن كان الأمر كذلك فيجوز لأنه لو تأخر سحب الثمن من حسابك يوماً أو يومين فيجوز شراء هذه السلعة بالدين دون ربا، فأنت استلمت السلعة (بنزين لسيارتك) وهو أخذ الثمن فوراً أو بعد يوم أو يومين.. فإن كان الواقع هكذا، فلا شيء في ذلك.

أما إن كان المقصود بالتداول هو شراء كمية محدودة من البترول ثم بيعها قبل قبضها، فهذا لا يجوز لأن التقابض شرط في بيع هذه السلع. أخرج أبو داود عن زيد بن ثَابِتٍ قَالَ «فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى أَنْ تُبَاعَ السِّلَعُ حَيْثُ تُبْتَاعُ حَتَّى يَحُوزَهَا التُّجَّارُ إِلَى رِحَالِهِمْ» أي أن هذه السلع لا تباع إلا بعد حيازتها وقبضها.. فالتقابض شرط في صحة بيعها إلا إذا ورد نص خاص في سلعة معينة فتجوز دون غيرها، وهو هنا غير وارد.. وعليه فبيع تلك الكمية من البترول دون قبضها لا يجوز شرعاً.

وأما إن كنت تقصد أن تكون شريكاً في بئر بترول بدفع المال عن طريق البطاقة الإلكترونية عبر الإنترنت، فهذا لا يجوز لأن آبار البترول ملكية عامة فلا تملك ملكية خاصة..

أما إن كنت تقصد أمراً آخر فوضحه..

2- التداول في الذهب والفضة:

أما الذهب والفضة فبيعها وشراؤها ببعضها أو بالنقد يجب أن يكون هاء وهاء (يداً بيد) كما في الحديث الذي أخرجه البخاري وأبو داود عن عمر: «الذَّهَبُ بِالْوَرِقِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» أي يداً بيد، ولذلك فشراء الذهب بالفضة أو بالنقد لا يصح إلا بالتقابض..

ولأننا بعد أن اطلعنا على كيفية التداول بالإنترنت فإن التقابض لا يتم فوراً بل قد يأخذ ساعات أو أياماً فلذلك لا يجوز شراء الذهب والفضة بالبطاقة الإلكترونية عن طريق الإنترنت إلا إذا كانت البطاقة تخصم من الحساب فوراً عند شراء الذهب أو الفضة أي يدا بيد هاء بهاء فلا تستلم الذهب أو الفضة إلا في الوقت الذي يخصم المبلغ من حسابك.. وحيث إن التداول بالإنترنت لا يكون فيه التقابض الفوري بل بعد يوم أو يومين فإذن لا يجوز..

3- تداول الأسهم والسندات حرام لأن الأسهم هي لشركات مساهمة باطلة شرعاً ولأن السندات مرتبطة بالربا، وقد فصلنا موضوع الشركات المساهمة في كتاب النظام الاقتصادي وكذلك في كتيب هزات الأسواق المالية وغيرهما من الكتب، وذكرنا في كتيب هزات الأسواق المالية تلخيصاً للأمر كما يلي:

[أما حكم التعامل بهذه الأسهم، وبسندات الدين بيعاً وشراءً فإنه حرام، ذلك أن هذه الأسهم هي أسهم شركات مساهمة باطلة شرعاً، وهي سندات تتضمن مبالغ مخلوطة من رأس مال حلال ومن ربح حرام في عقد باطل ومعاملة باطلة، وكل سند منها بقيمة حصة من موجودات الشركة الباطلة، وقد التبست هذه الموجودات بمعاملة باطلة نهى الشرع عنها فكانت مالاً حراماً، لا يجوز بيعها ولا شراؤها، ولا التعامل بها. وكذلك الحال مع سندات الدين التي يستثمر فيها المال بالربا، وكأسهم البنوك أو ما شاكل ذلك، فإنها تتضمن مبالغ من المال الحرام، لذلك فإن بيعها وشراءها يكون حراماً، لأن المال الذي تتضمنه مال حرام.] انتهى.

4- تداول العملات الورقية بالإنترنت كالدولار واليورو حرام وذلك لأنه لا يوجد تقابض، وهو لا بد منه في تبادل النقد، فالتقابض يداً بيد كما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق كذلك على النقد الورقي بعلة (النقدية أي استعمالهما أثماناً وأجورا) وقد ذكرنا في جواب سؤال في 2004/7/11م ما يلي:

[التعامل بالأوراق المالية

نعم ينطبق عليها ما ينطبق على الذهب والفضة من حيث الربا وأحكام النقد الأخرى. وذلك لأن تحقق العلة (النقدية أي استعمالها أثماناً وأجوراً) في هذه الأوراق يجعلها تأخذ أحكام النقد.

لذلك فإن شراء الأصناف الربوية بهذه الأوراق ينطبق عليها ما ورد في الحديث (يداً بيد) أي ليس دَيْناً.

والموضوع كما يلي:

- يقول الرسول ﷺ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَداً بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ إِذَا كَانَ يَداً بِيَدٍ» رواه البخاري ومسلم من طريق عبادة بن الصامت رضي الله عنه.

والنص واضح عند اختلاف هذه الأصناف الربوية، أن البيع كيف شئتم، أي ليس المثل بالمثل شرطاً ولكن التقابض شرط. ولفظ "الأصناف" ورد عاماً في كل الأصناف الربوية أي الستة ولا يستثنى منه شيء إلا بنص، وحيث لا نص، فإن الحكم يكون جواز البر بالشعير أو البر بالذهب، أو الشعير بالفضة، أو التمر بالملح، أو التمر بالذهب، أو الملح بالفضة...الخ مهما اختلفت قيم التبادل والأسعار ولكن يداً بيد أي ليس دَيْناً. وما ينطبق على الذهب والفضة ينطبق على الأوراق النقدية بجامع العلة (النقدية أي استعمالها ثمناً وأجوراً).] انتهى.

وبدراسة كيف يتم هذا التداول عبر الإنترنت في شراء وبيع الذهب تبين أنه يتأخر القبض أو التسوية (settlement) لمدة يوم أو يومين... عن تاريخ العقد، وهذا يخالف شرط التقابض المجمع عليه والذي نص عليه النبي ﷺ بقوله: "يداً بيد" أخرج البخاري عن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قال سَأَلْنَا النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ «مَا كَانَ يَداً بِيَدٍ فَخُذُوهُ وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ» وأخرج مسلم عن مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ أَنَّهُ قَالَ أَقْبَلْتُ أَقُولُ مَنْ يَصْطَرِفُ الدَّرَاهِمَ فَقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَهُوَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَرِنَا ذَهَبَكَ ثُمَّ ائْتِنَا إِذَا جَاءَ خَادِمُنَا نُعْطِكَ وَرِقَكَ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ كَلَّا وَاللَّهِ لَتُعْطِيَنَّهُ وَرِقَهُ أَوْ لَتَرُدَّنَّ إِلَيْهِ ذَهَبَهُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْوَرِقُ بِالذَّهَبِ رِباً إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ...»

وعليه فلا يجوز تداول اليورو والدولار وغيرهما من النقد عبر الإنترنت لعدم التقابض الفوري)] انتهى.

بالنسبة لتساؤلك عن المكيل والمعدود والموزون، فقد سبق أن أجبنا على مثل هذا التساؤل.. كما يلي:

جواب سؤال في 2006/02/12م وجاء فيه:

[المعدود والموزون والمكيل هي وفق الواقع الموجود في بيع السلع.

... انظر في السوق كيف تباع هذه السلعة؟ هل تباع بالعدد يعني هل ينادى عليها في السوق كل حبة بكذا أو كل واحدة بكذا؟ هل تباع بالوزن فينادى عليها كل كيلو بكذا؟ أو ينادى عليها كل متر بكذا؟ أو كل صاع بكذا؟...

فإن كان الأمر كذلك ينطبق عليها الوصف بالمعدود أو بالوزن أو بالكيل، سواء أكان وصفاً لواحدة أم أكثر، أي أن السلعة يمكن أن توصف بالموزون والمعدود...

أمثلة: القمح، الشعير... بالوزن والكيل.

الموز، البرتقال... بالوزن وبالعدد (في بعض البلدان يباع بالعدد)

القماش... بالكيل (الذراع، والمتر)

...وضبط وصفه عند القبض بهذه الأمور أمر مهم لنفي الجهالة، فعندما يقال لي عندك 100 كيلوغرام قمحاً وحسب، لا يكفي لضبط الوصف، بل يجب تعيين نوع القمح حتى يكون الوزن ينفي الجهالة، وهكذا المكيل والمعدود.

ولكن الحيوان هل يباع بالعدد فينادى قائلاً كل جمل بألف، أو أنه يباع بأن يراه المشتري وينظر إليه فيقول هذا الجمل لا يساوي ألفاً ثم يختار الجمل الثاني؟ فهل كل جمل كالآخر بحيث البيع يكون بالعدد؟

ثم هل تباع الدور بالعدد أو الوزن أو الكيل، بمعنى هل ينادي رجل عنده عشر دور فيقول الدار بألف، أو يكون شراء أية دار برؤيتها وهي تختلف عن الأخرى...

لذلك يقال إن الحيوان والدار لا تباع كيلاً ولا وزناً ولا عدداً. قد تقول إن بعض الناس يبيعون حيواناتهم وزناً، ولكن هذا ليس في كل حيوان، فقد يبيع خروفاً معيناً بالوزن ولكنه لا يبيع كل خروف، ولا يبيع كل حيوان، فلا يبيع بقرة بالوزن... حيث لا يقال لي عندك مئة كيلو حيوان (طبعاً المقصود وهو حي).

وكذلك قد تقول إن بعض الناس يبيع الدور بالمتر، ولكن لا ينطبق على كل دار، بل المتر في هذه الدار بعشرة، وفي تلك الدار بعشرين، وهكذا. فضبط وصفها ليس بالكيل، فلا يقال لي عندك مئة متر دار...

وهكذا..............] انتهى.

آمل أن يكون في هذا الكفاية والله أعلم وأحكم.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

11 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/14م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك

جواب سؤال : الدعاء للقضاء على كيان يهود

سلسلة أجوبة العالم الجليل عطاء بن خليل أبو الرشتة أمير حزب التحرير

على أسئلة رواد صفحته على الفيسبوك "فقهي"

جواب سؤال

الدعاء للقضاء على كيان يهود

إلى Agus Trisa

السؤال:

assalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu May Allah protect you wherever you are I want to ask you about this noble verse Allah Subhanahu Wa Ta'ala says: وَاِذَا سَاَلَكَ عِبَادِيْ عَنِّيْ فَاِنِّيْ قَرِيْبٌ ۗ اُجِيْبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ اِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِيْ وَلْيُؤْمِنُوْا بِيْ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُوْنَ

Is it true that God answers all human prayers?

Is there a prayer that God does not answer?

Some people ask, we have prayed for Israel to be destroyed by Allah, but why are they still strong and continuing to attack Gaza?

Thank you for your answer, may Allah reward you with the best reply wassalamu alaikum wa rahmatullahi wa barakatuhu

ترجمة السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حفظك الله أينما كنت

أريد أن أسألك عن هذه الآية الكريمة، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ

هل صحيح أن الله يستجيب لكل دعاء الإنسان؟

هل هناك دعاء لا يستجيب الله له؟

بعض الناس يسألون بأنهم قاموا بالدعاء أن يدمر الله كيان يهود، ولكن لماذا لا يزال الكيان قويا ويستمر في عدوانه على غزة؟

أشكرك على إجابتك، وأسأل الله أن يجزيك خيرا على حسن ردك

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

الجواب:

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته

هناك أمور تجب معرفتها عن الدعاء:

1- إن المؤمن إذا دعا الله بقلب صادق دعوة لا قطيعة رحم فيها فالله سبحانه يستجيبها بإحدى ثلاث، كما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله ﷺ:

إن الله سبحانه يجيب دعوة الداعي إذا دعاه، ويجيب المضطر إذا دعاه؛ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: 62].

غير أن الإجابة لها حقيقة شرعية بينها رسول الله ﷺ: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ لَيْسَ فِيهَا إِثْمٌ وَلَا قَطِيعَةُ رَحِمٍ، إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ، وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنَ السُّوءِ مِثْلَهَا. قَالُوا: إِذًا نُكْثِرُ. قَالَ: اللهُ أَكْثَرُ». أخرجه أحمد 3/18، وكذلك «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي فَيَسْتَحْسِرُ عِنْدَ ذَلِكَ وَيَدَعُ الدُّعَاءَ» أخرجه مسلم 4918.

فنحن ندعو الله سبحانه فإن كنا صادقين مخلصين طائعين نكون موقنين عندها بالإجابة بالمعنى الذي بينه رسول الله ﷺ.

2- إن الدعاء ليس هو الطريقة الشرعية لتحقيق الهدف في جميع الحالات.. فهو مندوب ولكن ليس الطريقة للنصر في الحروب أو إقامة الدولة...إلخ، فالرسول ﷺ يجهز الجيش في بدر ويرتب الجند كلا في موقعه ويُعِدُّهم الإعداد الجيد للقتال ثم يدخل رسول الله ﷺ العريش يدعو الله النصر ويكثر في الدعاء حتى يقول له أبو بكر رضي الله عنه: "بعض هذا يكفيك يا رسول الله". (سيرة ابن هشام 626/2). فالدعاء لا يعني تعطيل الأخذ بالأسباب بل هو ملازم لها.

وأيضاً فمن أحب أن تقام الخلافة من جديد فعليه أن لا يكتفي بدعاء ربه لتحقيق ذلك بل يعمل مع العاملين لإيجادها ويدعو الله العون في ذلك والتعجيل بتحقيقها ويلح في الدعاء خالصا لله وهو يأخذ بالأسباب.

وهكذا في جميع الأعمال، يخلص المرء العمل لله والصدق مع رسول الله ﷺ ويدعو ويلح في الدعاء والله سميع مجيب.

3- ولقد سبق أن أجبنا على مثل هذا السؤال في الرابع من ذي القعدة 1432هـ - 2011/10/1م، وقد جاء فيه:

[...…….

- أما الدعاء مع الأخذ بالأسباب، فله أثر في النتائج، وهو ما كان عليه الرسول ﷺ، وما كان عليه صحابته رضوان الله عليهم، فالرسول ﷺ يُعدّ الجيش ويدخل العريش يدعو، والمسلمون في القادسية يعدون العدة لاقتحام النهر وسعد رضي الله عنه يُقبل على الله يدعو… وهكذا المؤمنون الصادقون يعدون العدة ويشرعون في الدعاء، فالساعي لطلب الرزق يجدُّ ويكدُّ وهو يدعو، والطالب يدرس ويجتهد وهو يدعو الله سبحانه بالنجاح، ويكون لذلك أثر في النتائج بإذن الله.

جاء في المفاهيم في آخر صفحة 58: (إلّا أنه يجب أن يعلم أنه وإن كان العمل الذي دلت عليه الطريقة عملاً مادياً له نتائج محسوسة، لكن لا بد أن يسيّر هذا العمل بأوامر الله ونواهيه، وأن يقصد من تسييره بأوامر الله ونواهيه رضوان الله. كما أنه لا بد أن يسيطر على المسلم إدراكه لصلته بالله تعالى فيتقرب إليه بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن ونحوها، ويجب أن يعتقد المسلم أن النصر من عند الله. ولذلك كان لا بد من التقوى المتركزة في الصدور لتنفيذ أحكام الله، وكان لا بد من الدعاء ولا بد من ذكر الله، ولا بد من دوام الصلة بالله عند القيام بجميع الأعمال). وواضح منه أهمية أن يقترن الدعاء بالأخذ بالأسباب في جميع أعمال المؤمن، وزاد هذه الأهمية تكرار كلمة "لا بد" للدلالة على بالغ الأهمية بأن تقترن جميع الأعمال بالدعاء ودوام الصلة بالله...

- إن استعمال الدعاء مع الأخذ بالأسباب هو، كما قلنا، الذي كان عليه الرسول ﷺ وصحبه رضي الله عنهم والمؤمنون، وهما إذا اقترنا كان لهما أثر في النتائج بإذن الله، واستعمالهما معاً لا يخالف طريقة الإسلام، بل ما يخالفها هو الاقتصار على الدعاء وحده دون الطريقة التي بينتها النصوص لتنفيذ الفكرة الإسلامية...].

ولذلك فما جاء في سؤالك عن الدعاء للقضاء على كيان يهود.. فهذا لا يكفي فيه الدعاء بل لا بد من اقتران جيش الدولة التي تقاتل يهود مع الدعاء كما كان عليه رسول الله ﷺ وصحبه رضوان الله عليهم، والله المستعان.

أخوكم عطاء بن خليل أبو الرشتة

04 ربيع الآخر 1446هـ

الموافق 2024/10/07م

رابط الجواب من صفحة الأمير (حفظه الله) على :الفيسبوك