كلمة المهندس هشام البابا التي ألقاها في الاعتصام الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير أمام سفارة أوزبيكستان
May 08, 2015

كلمة المهندس هشام البابا التي ألقاها في الاعتصام الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير أمام سفارة أوزبيكستان

كلمة المهندس هشام البابا عضو المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير التي ألقاها في الاعتصام الذي نظمه المكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير أمام سفارة أوزبيكستان - لندن تحت عنوان "كريموف حاقد على الإسلام" وذلك يوم السبت، 20 رجب 1436هـ الموافق لـ 2015/05/09م

بسم الله الرحمن الرحيم


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد...


أيها الأخوة، أيها الناس، أيها الجمهور الكريم،


بينما ينشغل العالم الغربي بهمومه ومشاكله وصراعاته الأورو-أمريكية، فإنه يغض الطرف عن جرائم حكومات موالية له ما كانت لتقع لولا مباركته لها وصمته المطبق على تلك الجرائم المهولة التي تقع يومياً على آلاف المظلومين المقهورين.


إننا نتحدث عما يجري في بلد موجود في العصر الحديث على الكرة الأرضية هذه التي تعيشون عليها! إننا نصف ما يحدث من إجرام في هذا القرن لا في القرون الوسطى! إننا نخاطب سياسيي وحكومات الغرب التي تؤيد أعمال هذا المجرم بسكوتها عنه لأننا نراهم كالأصنام لا ينطقون ولا يتأثرون! ما بال هؤلاء الساسة؟ هل هم بشر أم نحن لم نعد من البشر!!؟ يذبحوننا ويقتلوننا باسم الإرهاب وباسم الدفاع عن مناصبهم وكراسيهم، ولا نسمع كلمة حق من نائب في برلمان أو من صحفي حر كما كان في سالف العصر والزمان!


هل انقضى وولى عصر حرياتكم؟ هل تخليتم عن حقوق الإنسان التي صدّعتم رؤوسنا بها سنواتٍ طوالاً؟ أم أن الحقوق هذه هي لشريحة من البشر ولا تشمل من جئنا هنا لنخاطبكم باسمهم؟. نعم أتينا لنتحدث باسم عثمان وفرهاد، باسم عائشة وزولفيا، باسم الأم التي خطفتها قوات كريموف ولم تعد، باسم الرجل طويل القامة مفتول العضلات حاد الذكاء الذي أراد كريموف إسكاته بأية وسيلة ولم يفلح، فقطع أوصاله وهو على قيد الحياة، باسم الأطفال الذين ما وعوا في زمن الطاغية كريموف إلا الرعب والخوف، باسم النساء اللواتي لم يكل ولم يمل كريموف وهو يسلط عليهن كلابه في الأسواق ليخلعوا عنهن خمار الطهر والعفاف الذي أغاظه وأغاظ بناته الشريرات.


أيها السياسيون الذين تتغنون بأكذوبة لم يصدقها غيركم، نسألكم من هنا من أمام سفارة المجرم كريموف هذه، هل لو كانت أمك التي سلبها كريموف حياتها أو أختك أو زوجتك، هل كنت ستسكت؟


أيها الإعلاميون الذين كسرتم أقلامكم الحرة ونسيتم حقوق مهنتكم عليكم وسكتم عن فضح الظلم والظَلَمَة في تلك البلاد الحزينة، هل كنتم ستسكتون عن المجرم لو أن المقتول هو ابنكم أو أبوكم أو أخوكم؟


أيها العالَم الذي سلم مصيره لما يسمى بمجلس الأمن - بل هو مجلس الخوف والإرهاب - وغاب عن الوعي حتى تحكم بنا وبمصائرنا أمثال هذا المجرم الشيوعي القذر، كريموف، أما آن الأوان كي تثوروا على جلاديكم كما ثار أهل أنديجان بعد أن ضاقت بهم السبل فقابلهم المجرم بالذبح والتقتيل في مجزرة مروعة ما كانت لتحدث لولا وقوف دول العالم وخاصة أمريكا وروسيا والاتحاد الأوروبي وراء هذا المجرم؟


أيها الناس، أفي عصر الثورات والمتغيرات التي عجزت حكوماتكم قاطبة عن استيعابها، ما زالت حكوماتكم تأمل بالسيطرة علينا بالحديد والنار؟ ويْحَكُم! ما هذه العقليات الشاذة التي لم تستوعب بعد المتغيرات التي حدثت في العالم؟


فبينما نقف هنا يسقط في أوزبيكستان كل ساعة ضحية ممن لا ذنب لهم إلا كونهم أرادوا الحياة الكريمة وأبوا أن يكونوا كالأنعام، لكن جلادهم كريموف منعهم من ذلك لأنه معتوه مجرم لا يرى حياته إلا بموت غيره.


لا تستغربوا أيها الناس فليس كريموف وحده المجرم وليس وحده من يقتل شعبه المظلوم، بل إن حكوماتكم في أمريكا وأوروبا يمدونه بأسباب القوة، يمدونه بالسلاح وبأدوات التعذيب والقتل، ويمدونه بما هو أخطر من السلاح، بالتعتيم الإعلامي التام، كي يقتل في الظلام ويعذب في العتمة، ويُزهق الأرواح دون حساب.


لهذا نقولها جلية واضحة: إن الأجيال التي ضحت، إنما ضحت من أجل أن يأتي من يتابع مسيرتها فيفضح المجرمين ويأخذ على أياديهم ويعم الأمن والأمان على الجميع، وها نحن - شباب حزب التحرير - أتينا من كل أنحاء المعمورة لنقول إننا نحن المسلمين أمة واحدة لا نقبل بالضيم ولا بالظلم. فإما أن تأخذوا على يد هذا المجرم في أوزبيكستان وإلا فإن التغيير آتٍ لا محالة، فكما ثار المسلمون في الربيع العربي نتيجة دعمكم لحكام مجرمين في ليبيا وتونس ومصر واليمن وسوريا، فإن أمتنا لن تهدأ ولن تسكت حتى يُزال هؤلاء الطواغيت المجرمون وعلى رأسهم المجرم كريموف من الحكم والسلطة ويُحاكم هو وداعموه في محاكم الأمة. ولكم فيما يحدث في بلاد الشام خير درس ليتكم تعتبرون منه. ذلك أنه لا يمكن لعاقل أن يوقف حركة التغيير فإنها من سنن الكون قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾.


أيها العقلاء في كل مكان، إن التسلط والقمع والاضطهاد الشديد الذي يتعرض له المسلمون في أوزبيكستان، يُظهر أن الأنظمة لا تحارب فقط أشخاصاً بذاتهم أو جماعات إسلامية معينة، بل هي تعمل على تدمير الإسلام كله هناك. ذلك أنه يشارك في هذه الحرب على المسلمين مليون من موظفي جهاز المخابرات والداخلية، ورؤساء التجمعات المحلية، التي تُشكَّل بحجة رعاية المواطنين، والجيش، وكذلك يشكلون في كل قرية أو ناحية حراساً يحافظون على الأمن فيها. ولو يأخذ الطاغوت العبر من سير الطغاة الذين سبقوه لعلم أن لا فائدة من إجرامه لأنه مهما علا فإنه مبشر بالسقوط، فقد علا فرعون على موسى عليه السلام ثم سقط سقوطاً مروعاً هو وكل جنده، وعلا كسرى على قومه وسامهم سوء العذاب حتى مزق الله ملكه وانتهت أسطورة الدولة الفارسية، وعلت بيزنطة وظلمت الناس حتى أنهاها الله على يد محمد الفاتح فعمهم الخير والأمن والطمأنينة، وعلا القذافي أربعة عقود على شعبه ونكل بهم حتى انتقم الله تعالى منه وأذله وأنهى أسطورته، وها نحن نعيش أياماً نتابعها كالحلم في نهاية أسطورة طاغية لا يختلف عن كريموف، حيث نرى بشار الأسد وهو يتلاشى من على خارطة الشام رويداً رويداً حتى يثلج الله صدور المظلومين في أيام الطاغية الأخيرة وهو يتساقط ويضمحل. فلو يعتبر المجرم كريموف لاعتبر بمن سبقه وبمن عايشه، ولكن يأبى الله إلا أن يتم نوره بإذلال المجرمين وبالانتقام منهم على المظلومين، حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر من أصحاب الألباب. حينها ينصر الله تعالى المستضعفين في الأرض ويعيد لهم سلطانهم المغتصب وهذا هو وعد من رب العالمين لا شك فيه، قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لِيَسْتَخْلِفُنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ . وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾.


وختاماً، أوجه كلماتي التالية لأهلنا وأحبائنا الأبطال والبطلات في أوزبيكستان، الذين تعلمنا منهم دروساً في الثبات والإخلاص والتضحية، نقول لهم ما قاله رب العالمين في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾.


إنكم أيها الأبطال شوكة في أعين أعداء الله وأعداء الإسلام، لم يتمكن منكم عدوكم لأنكم أصحاب حق والحق هو الله تعالى، إننا وأنتم أمة واحدة من دون الناس، وإن النصر يتنزل على الذين استقاموا مثلكم كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾.


فاثبتوا ثبتكم الله، فإن في ثباتكم النصر، وإن قوة المسلمين في فكرهم الناصع وفي سلوكهم المنضبط بالحكم الشرعي وإنكم بذلك قد أعييتم عدوكم وحيرتم المتربصين بكم، وهذه تباشير نصر من الله قريب. وإن حزب التحرير الذي اتخذ قضية استئناف الحياة الإسلامية وإعادة أمتنا أمة واحدة تحت قيادة واحدة غيبها الأعداء عنا أكثر من تسعة عقود، اتخذها قضية مصيرية له وحملها شبابه وشاباته بانضباط والتزام بطريقة الرسول ﷺ، لن يكل ولن يمل عن العمل الدؤوب في تبني مصالح الأمة والصراع الفكري مع الغرب والكفاح السياسي مع حكامنا الظلمة بعيداً عن الأعمال المادية التي نهانا المصطفى عنها قبل قيام الدولة، والتي يتمناها لنا عدونا ليسقطنا في أكذوبة الإرهاب.


نعم، لن نهدأ ولن نستقر إلا بإقامة دولة الإسلام دولة الخلافة الراشدة على منهاج حبيبنا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وإن فجرها قد لاح نشمّ شذاها وتلفنا نسائمها، فصبراً أهل أوزبيكستان صبراً فإن موعدنا صبح الخلافة، أليس الصبح بقريب؟!


﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ * لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾


والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

المزيد من القسم مقالات

نَفائِسُ الثَّمَراتِ - لسان العارف من وراء قلبه

نَفائِسُ الثَّمَراتِ

لسان العارف من وراء قلبه

سمع الحسن البصري رجلا يكثر الكلام، فقال: يابن أخي أمسك عليك لسانك، فقد قيل: ما شيء أحقَّ بسجن من لسان.

وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائدُ ألسنتهم) رواه الدارمي مرسلا، وابن عبد البر، وابن أبي شيبة، وابن المبارك.

وكان يقول: لسان العارف من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم تفكر، فإن كان الكلام له تكلم به، وإن كان عليه سكت. وقلب الجاهل وراء لسانه، كلما همّ بكلام، تكلم به.

آداب الحسن البصري وزهده ومواعظه

لأبي الفرج ابن الجوزي

وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

كيف دخل الإسلام إلى السّودان؟

لم يكن السودان المعروف اليوم بجغرافيته يمثل كياناً سياسياً أو ثقافياً أو دينياً موحداً قبل دخول المسلمين، فقد كانت تتوزع فيه أعراق وقوميات ومعتقدات مختلفة. ففي الشمال حيث النوبيون؛ كانت تنتشر النصرانية الأرثوذوكسية كعقيدة، واللغة النوبية بلهجاتها المختلفة لغة للسياسة والثقافة والتخاطب. أما في الشرق؛ فتعيش قبائل البجة، وهي من القبائل الحاميّة (نسبة لحام بن نوح) لها لغة خاصة، وثقافة منفصلة، وعقيدة مغايرة كتلك التي في الشمال. وإذا ما اتجهنا جنوباً نجد القبائل الزنجية بسحناتها المميزة، ولغاتها الخاصة، ومعتقداتها الوثنية. وكذلك الحال في الغرب. ([1])

وهذا التنوع والتعدد العرقي والثقافي هما من أبرز سمات وخصائص التركيبة السكانية في سودان ما قبل دخول الإسلام وقد نتجا من عوامل عدة منها خاصة أن السودان يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي شمال شرق أفريقيا. فهو يمثل بوابةً للقرن الأفريقي وحلقة وصل بين العالم العربي وشمال أفريقيا، وبين جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى. أتاح له هذا الموقع دوراً رئيساً في التواصل الحضاري والثقافي والتفاعلات السياسية والاقتصادية عبر التاريخ. أضف إلى ذلك أن له منافذ بحرية حيوية على البحر الأحمر، أحد أهم الممرات التجارية في العالم.

يمكن النظر إلى الهجرة الأولى للصحابة رضوان الله عليهم إلى أرض الحبشة (في رجب سنة خمس من النبوة وهي السنة الثانية من إظهار الدعوة) باعتبارها أولى الإشارات إلى الاتصال المبكر بين الإسلام الناشئ ومجتمعات شرق السودان. وعلى الرغم من أن هدف الهجرة كان في الأصل البحث عن ملاذ آمن من الاضطهاد في مكة، فإن هذه الخطوة مثّلت بداية الحضور الإسلامي الأول في الفضاء الأفريقي والسوداني. وقد أرسل النبي ﷺ سنة 6هـ مع رسوله عمرو بن أمية كتابا إلى النجاشي يدعوه فيه إلى الإسلام ([2]) وأجابه النجاشي برسالة أظهر فيها قبوله.

ومع فتح مصر على يد عمرو بن العاص في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب عام 20هـ/641م، شعر النوبيون بالخطر حينما بدأت الدولة الإسلامية في تثبيت نفوذها الإداري والسياسي على وادي النيل الشمالي، لا سيما في صعيد مصر الذي كان يمثل امتداداً استراتيجياً وجغرافياً لممالك النوبة السودانية. لذا شرعت ممالك النوبة في شن هجمات استباقية على صعيد مصر، كرد فعل دفاعي. فأمر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه والي مصر عمرو بن العاص بإرسال السرايا نحو أرض النوبة بالسودان لتأمين حدود مصر الجنوبية ولتبليغ الدعوة الإسلامية. وبدوره أرسل إليهم عمرو بن العاص جيشا بقيادة عقبة بن نافع الفهري سنة 21هـ، ولكن الجيش أُجبِر على التراجع، إذ قابله أهل النوبة ببأس شديد، ورجع كثير من المسلمين بأعين مفقوءة، فقد كان النوبة رماة مهرة بالسهام، يصيبون بها إصابات دقيقة حتى في العيون، ولذلك سماهم المسلمون "رماة الحِدَق". وفي عام 26هـ (647م) وُلّي عبد الله بن أبي السرح مصر أيام عثمان بن عفان واستعدّ لملاقاة النوبيين بقيادة حملة مجهزة تجهيزا جيدا وتمكن من التوغل جنوبا حتى دنقلة* عاصمة المملكة النوبية النصرانية سنة 31هـ/652 م وحاصر المدينة حصارا شديدا. ولما سألوه الصلح والموادعة أجابهم عبد الله بن أبي السرح إلى ذلك([3]). وعقد صلحاً معهم سُمّي بعهد أو اتفاقية البقط** وبنى في دُنقُلَة مسجدا. وقد اجتهد الباحثون في معنى البقط فمنهم من قال إنه لاتيني وهو (Pactum) ومعناه الاتفاق، ولا يرى المؤرّخون والكتاب هذا الصلح كغيره من معاهدات الصلح التي كان يفرض فيها المسلمون الجزية على من يصالحونهم وإنما عدّوه اتفاقا أو هدنة بين المسلمين والنوبة.

وعاهدهم عبد الله بن أبي السرح على الأمان لا يحاربهم المسلمون وأن يدخل النوبة بلاد المسلمين مجتازين غير مقيمين وعلى النوبة حِفظ من نَزل بلادهم من المسلمين أو المعاهدين حتى يخرج منها ([4]). وعليهم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بدنقلة وكنسه وإسراجه وتكرمته وألا يمنعوا عنه مصليا وأن يدفعوا كل سنة 360 رأسا من أوسط رقيقهم وفي المقابل يتبرّع المسلمون بإمدادهم سنويا بكميات من الحبوب والملابس (لِما شكا الملك النوبي من قلة الطعام في بلده) ولكن لا يلتزمون بدفع عدوّ أو مغير على بلادهم. وبهذا الصلح اطمأن المسلمون على سلامة حدودهم من ناحية الجنوب وضمنوا تجارة عابرة للحدود بين البلدين وحصلوا على سواعد النوبة القوية في خدمة الدولة. ومع حركة السلع تنقلت الأفكار فكان للدعاة والتجار دور محوري في نشر الإسلام في بلاد النوبة بالدعوة السلمية خاصة من خلال حسن المعاملات. وكانت القوافل التجارية تحمل معها عقيدة ولغة وحضارة ونمطا في الحياة مثلما كانت تحمل السلع التجارية.

كما أصبح للعربية حضور متزايد في الحياة اليومية للمجتمعات السودانية خاصة في شمال السودان. فمثلت هذه الاتفاقية نوعا من الاتصال الدائم بين المسلمين والنوبيين النصارى دام ستة قرون ([5]). خلال ذلك، تسرّبت العقيدة الإسلامية إلى الجزء الشمالي من السودان الشرقي منذ أواسط القرن السابع الميلادي على أيدي التجار المسلمين والمهاجرين العرب. وقد تسربت هذه الهجرات العربية الكبرى من 3 طرق: أولها: من مصر، وثانيها من الحجاز عن طريق موانئ باضع وعيذاب وسواكن، وثالثها: من المغرب وشمال أفريقيا عبر أواسط بلاد السودان. ولكن أثر هذه المجموعات لم يكن فعالا نظرا لصغر حجمها إذا ما قارناها بالأعداد الكبيرة التي تحرّكت من مصر صوب الجنوب منذ القرن التاسع الميلادي والذي على إثره صُهرت أرض البجة والنوبة والسودان الأوسط بالعنصر العربي. إذ قرّر آنذاك الخليفة العباسي المعتصم (218-227هـ/833-842م) الاعتماد على الجنود الأتراك والتخلي عن الجنود العرب وهو ما يعتبر نقطة تحوّل خطيرة في تاريخ العرب في مصر. وبذلك شهد القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي هجرات عربية واسعة للسودان ومن ثم التوغل في السهول الواسعة جنوبا وشرقا([6]) فساعد الاستقرار بهذه المناطق على الاتصال بأهل البلاد والتأثير فيهم وتقبلهم الإسلام والدخول فيه.

وفي القرن الثاني عشر الميلادي، وإثر احتلال الصليبيين أرض فلسطين، لم يعد طريق سيناء للحجيج المصري والمغربي آمنا فتحولوا إلى ميناء عيذاب (تعرف بميناء الذهب وتقع على ساحل البحر الأحمر). وعندما نشطت حركة الحجيج بها وتردد عليها المسلمون في ذهابهم وإيابهم من الأراضي المقدسة في الحجاز بدأت المراكب التي تحمل بضائع اليمن والهند ترسو بها وبالتالي عمرت منطقتها وزادت حركية فاحتلت عيذاب مركزا ممتازا في حياة المسلمين الدينية والتجارية. ([7])

ولما كان ملوك النوبة ينقضون العهد كلما وجدوا وهناً أو ضعفا من المسلمين ويغيرون على أسوان ومواقع المسلمين في مصر خاصة في أيام ملكها داود سنة 1272م، اضطر المسلمون إلى حربهم أيام الظاهر بيبرس وتم عقد معاهدة جديدة بين الطرفين سنة 1276م وأخيرا فتح السلطان الناصر بن قلاوون دنقلة عام 1317م وكان ملك النوبة عبد الله ابن أخ الملك داود اعتنق الإسلام سنة 1316م فسهل انتشاره هناك ودخلت بلاد النوبة في الإسلام نهائيا.([8])

أما مملكة عُلوة النصرانية فتم إسقاطها إثر التحالف بين قبائل العبدلاب العربية والفونج الزنجية عام 1504م وتم تأسيس مملكة الفونج الإسلامية التي عرفت أيضا باسم "سلطنة سنار" نسبة للعاصمة وأيضا بـ"المملكة الزرقاء"، وتعتبر مملكة سنار أول دولة عربية إسلامية قامت في بلاد السودان بعد انتشار الإسلام واللغة العربية فيها([9]).

ونتيجة لتزايد النفوذ العربي الإسلامي صارت الأسر المالكة في بلاد النوبة وعلوة وسنار وتقلي ودارفور مسلمة بعد أن كانت نصرانية أو وثنيّة. فكان اعتناق الطبقة الحاكمة للإسلام كفيلا بإحداث ثورة متعددة الأبعاد في تاريخ السودان. فقد تشكلت عائلات حاكمة مسلمة ومعها تأسست أولى النماذج للممالك السودانية الإسلامية التي كان لها الأثر الكبير في التمكين لهذا الدين وأسهمت بفعالية في نشر الدين الإسلامي، وتثبيت أركانه وإرساء قواعده وإقامة أسس الحضارة الإسلامية في أرض السودان. وتقمص بعض الملوك دور الدعاة في بلادهم وفهموا دورهم باعتبارهم ولاة أمور يقع على رقابهم تبليغ هذا الدين والحفاظ عليه فراحوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويحتكمون إلى شريعة الله ويقيمون العدل ما استطاعوا إليه سبيلا ويدعون إلى الله ويجاهدون في سبيله. ([10])

وبذلك سارت دعوة الإسلام في هذه المنطقة بشكل قوي وفعال وسط أعاصير من الوثنية وحملات التبشير النصرانية. وبهذا تعتبر السودان من أشهر المناطق التي مثلت فيها الدعوة السلمية النموذج الحقيقي لانتشار الإسلام وبرزت فيها قدرة المسلمين على نشر عقيدتهم بالإقناع والحجة وحسن المعاملة فلعبت تجارة القوافل والفقهاء دورا كبيرا في نشر الإسلام في الديار السودانية حيث نابت الأسواق عن ميادين الوغى ونابت الأمانة والصدق وحسن المعاملة عن السيف في نشر عقيدة التوحيد([11]) وفي ذلك يقول الفقيه المؤرّخ أبو العباس أحمد بابا التنبكتي: "أهل السودان أسلموا طوعا بلا استيلاء أحد عليهم كأهل كانو وبرنو ما سمعنا أن أحداً استولى عليهم قبل إسلامهم".

#أزمة_السودان         #SudanCrisis

كتبته للمكتب الإعلامي المركزي لحزب التحرير

م. درة البكوش

** ملحق عهد من الأمير عبد الله بن سعد بن أبي سرح، لعظيم النوبة ولجميع أهل مملكته:

"عهد عقده على الكبير والصغير من النوبة من حدّ أرض أسوان إلى حدّ أرض علوة أنّ عبد الله بن سعد، جعل لهم أماناً وهدنةً جارية بينهم، وبين المسلمين ممن جاورهم من أهل صعيد مصر، وغيرهم من المسلمين وأهل الذمّة، إنكم معاشر النوبة آمنون بأمان الله وأمان رسوله محمد النبيّ ﷺ، أن لا نحاربكم، ولا ننصب لكم حرباً ولا نغزوكم ما أقمتم على الشرائط التي بيننا وبينكم على أن تدخلوا بلدنا مجتازين غير مقيمين فيه، وندخل بلدكم مجتازين غير مقيمين فيه، وعليكم حفظ من نزل بلدكم، أو يطرقه من مسلم أو معاهد، حتى يخرج عنكما، وإنّ عليكم ردّ كل آبق خرج إليكم من عبيد المسلمين، حتى تردّوه إلى أرض الإسلام، ولا تستولوا عليه ولا تمنعوا منه ولا تتعرّضوا لمسلم قصده وحاوره إلى أن ينصرف عنه، وعليكم حفظ المسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم، ولا تمنعوا منه مُصلياً، وعليكم كنسه وإسراجه وتكريمه، وعليكم في كل سنة ثلاثمائة وستون رأساً، تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم، ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم، تدفعون ذلك إلى والي أسوان، وليس على مسلم دفع عدوّ عرض لكم ولا منعه عنكم، من حدّ أرض علوة إلى أرض أسوان، فإن أنتم آويتم عبد المسلم أو قتلتم مسلماً أو معاهداً، أو تعرّضتم للمسجد الذي ابتناه المسلمون بفناء مدينتكم بهدم أو منعتم شيئاً من الثلاثمائة رأس والستين رأساً، فقد برئت منكم هذه الهدنة والأمان وعدنا نحن وأنتم على سواء حتى يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين علينا بذلك عهد الله وميثاقه وذمّته وذمّة رسوله محمد ﷺ، ولنا عليكم بذلك أعظم ما تدينون به من ذمّة المسيح، وذمّة الحواريين، وذمّة من تعظمونه من أهل دينكم، وملتكم.

الله الشاهد بيننا وبينكم على ذلك. كتبه عمرو بن شرحبيل في رمضان سنة إحدى وثلاثين".


[1] دخول الإسلام السودان وأثرة في تصحيح العقائد للدكتور صلاح إبراهيم عيسى

[2] الباب العاشر من كتاب تنوير الغبش في فضل أهل السودان والحبش ، لابن الجوزي

* كانت بلاد النوبة قبل الإسلام تنقسم إلى 3 ممالك هم النوبة ومقرة وعلوة (من أسوان جنوبا حتى الخرطوم حاليا) ثم بعد ذلك اتحدت مملكتا النوبة ومقرّة بين عام 570م إلى عام 652م وسميت بمملكة النوبة وكانت عاصمتها دنقلة

[3] فتوح البلدان للإمام أحمد بن يحيى بن جابر البغدادي (الشهير بالبلاذرى)

** انظر الملحق لقراءة نص العهد كاملا

[4] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[5] الإسلام في السودان من تأليف ج.سبنسر تريمنجهام

[6] انتشار الإسلام في أفريقيا جنوب الصحراء ليوسف فضل حسن

[7] السودان عبر القرون للدكتور مكي شبيكة

[8] السودان لمحمود شاكر

[9] قراءة في تاريخ مملكة الفونج الإسلامية (910 - 1237ه/ 1504 – 1821م) للدكتور طيب بوجمعة نعيمة

[10] الإسلام والنوبة في العصور الوسطى لـلدكتور مصطفى محمد سعد

[11] دراسات في تاريخ الإسلام والأسر الحاكمة في أفريقيا جنوب الصحراء للدكتور نور الدين الشعباني